عرض مشاركة واحدة
قديم 20-03-2008, 10:54 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
المحامي ناهل المصري
عضو أساسي ركن

الصورة الرمزية المحامي ناهل المصري

إحصائية العضو








آخر مواضيعي


المحامي ناهل المصري غير متواجد حالياً


افتراضي حوار الطرشان بين الجهات العامة و وزارة المالية

ينسى بعض الوزراء أحياناً الخيط الرفيع الذي يفصل بين سلطتهم الإستنسابية ، و بين النصوص القانونية الآمرة و الملزمة لهم و لجميع العاملين في الدولة ، الأمر الذي قد يؤدي مستقبلاً إلى تفوق إرادة المسؤول على القانون و جعل العودة إلى القانون للإستئناس فقط.
دفعني لهذه المقدمة أن الذين يحبّرون الكتب و الأسئلة الموجهة إلى رئاسة مجلس الوزراء ، أو إلى وزارة المالية ، يتصرفون و كأن عشرات الموظفين القانونيين و الماليين العاملين لديهم لا عمل لهم إلاّ تلقي التعليمات و الأوامر ، و كأن خبراتهم المفترضة غير موجودة أو غير مطلوبة ، و مما يدفع إلى الغيظ أن إجابات مجلس الوزراء و وزارة المالية تردُّ أحياناً بشكل آمر و دون مرجعية قانونية.

و مناسبة حديثي الممل الثاني ، أن مديراً لفرع شركة أجنبية زارني و وضع أمامي مراسلات متبادلة ما بين احدى الجهات العامة و وزارة المالية . و ملخَّصُ الملخَّص أن الجهة العامة التي لديها عشرات القانونيين والماليين و المستشارين ، و جلُّهم من أساتذة كلية الحقوق ، و من مستشاري مجلس الدولة المتقاعدين تسألُ وزارة المالية فيما إذا كان فرع شركة أجنبية مسجل في سوريا يعتبر عارضاً محلياً ، في معرض إشتراكه بمناقصة أو طلب عروض ؟ و هل يجوز إصدار أمر دفع أو تحريك شيك بإسم فرع الشركة الأجنبية بالليرات السورية ؟ و هل يحق له في هذه الحالة تحويل ما قبضه من ليرات سورية إلى الخارج ؟

بادىء ذي بدء ، إن هذه الأسئلة تعبّر عن جهل مطبق ببعض القوانين السورية النافذة ، هذا الجهل الذي لم تعالجه وزارة المالية بحكمةٍ وروية ، لذلك كان جوابها لتلك الجهة العامة مشوباً بالتسرع و الإرتجال ... و إليكم مضمون الجواب الصادر عن وزير المالية بالتفويض:
( .... إن فرع الشركة الأجنبية المسجل في سوريا يعتبر عارض محلي ، و إن طريقة الدفع تكون وفق ما يطبق على العارض المحلي )
(( أما بالنسبة لتحرير شيك أو إصدار أمر دفع بإسم فرع شركة أجنبية بالليرات السورية ، و هل يحق له أن يقوم بتحويل المبالغ الذي يتقاضاها بالليرات السورية إلى خارج القطر .... فإن هذا الموضوع يعتبر من الأمور المصرفية و لا يدخل ضمن اختصاص وزارتنا و يمكنكم عرض الموضوع على مصرف سورية المركزي )).

هذه هي الصورة ، و قد نقلتها بأمانة ، و فيما يلي ملاحظاتي على ما ورد أعلاه:

أولاً: لقد خلت مراسلات الجهة العامة العريقة ( التي تتعامل بمليارات الدولارات سنوياً ، و مع عشرات فروع الشركات الأجنبية ) من أية مرجعية قانونية ، و بمقتضى جواب وزارة المالية فإن عليها أن تعيد النظر بآلية دفع مستحقات الشركات الأجنبية التي تتعامل معها سنوياً بالمليارات.

ثانياً: لقد نسيت وزارة المالية في جوابها العودة إلى المرسوم التشريعي رقم 151 لعام 1952 الذي أجاز فتح فروع للشركات الأجنبية ، و تضمن تعاريف و شروطاً و ضوابط واضحة.

ثالثاً: لقد تجاهلت وزارة المالية أهداف و منطق المرسوم التشريعي رقم / 15 / لعام 2001، الذي يلزم العارض الأجنبي بأن يسمي عند تقديم عرضه أو توقيع العقد ، وكيلاً محلياً أو أن يكون للعارض فرع في سوريا.

رابعاً: لم يتكيف رأي وزارة المالية مع نظام العقود الصادر بالقانون رقم /51/ لعام 2004 و لا مع دفتر الشروط العامة الصادر بالمرسوم رقم 450 لعام 2004 اللذان تضمنا شروطاً وتفاصيل بشأن العقود و تنفيذها.

و لو رغبتُ الإستطراد لقدمت الأدلة الدامغة حول الإرتجال من قبل السائل و المسؤول، ولكن سأكتفي بعرض بعض النصوص القانونية التي كان من المفروض أن تكون موضع حوار بين الجهة العامة السائلة و وزارة المالية التي تولت الإجابة.

‌أ- ( ترى وزارة المالية أن فرع الشركة الأجنبية يعتبر عارض محلي و أن طريقة الدفع تكون وفق ما يطبق على العارض المحلي ) و بالعودة إلى المرسوم التشريعي رقم 151 لعام 1952 نجد أن هذا المرسوم التشريعي حافظ على الكيان القانوني للشركة الأجنبية ، و لم يعتبر فتح فرع لها في سوريا إحداثاً لكيان جديد ، لذلك ليس مطلوباً عند فتح الفرع أن يكون له رأسمال خاص ، كما أن الفرع لا يخضع لولاية وزارة الإقتصاد إلاّ ضمن الحدود الواردة في المرسوم التشريعي رقم /51/ أي أنه لا يخضع لأحكام قانون التجارة السوري ( فصل الشركات ) و لا يلزم بالتسجيل في السجل التجاري أو الإنتساب إلى غرفة التجارة ، و سنداً للفقرة /د/ من المادة 3/ 3/ د منه فإن على الشركة الأجنبية أن تسمي مديراً عاماً لفرعها في سوريا يكون مرتبطاً مباشرة بالمركز الرئيسي ، و قد منحت المادة /6/ من المرسوم الشركات الأجنبية التي لها فروع في سوريا الشخصية الإعتبارية، و لم تمنحها للفرع . أي أن مدير عام الفرع لا يتصرف إلاّ نيابة عن المركز الرئيسي الذي يمنح مدير عام الفرع صلاحيات واسعة بموجب وكالة أصولية صادرة عن الجهات المختصة في بلد المركز الرئيسي ، و بدون هذه الوكالة لا يستطيع مدير عام الفرع توقيع أي كتابٍ أو عقدٍ ، أو ترتيب التزام على المركز الرئيسي ، لذلك كله فإن علاقة الفرع بالمركز الرئيسي تشبه علاقة سفير الدولة الأجنبية بدولته. و إن جميع العروض التي يقدمها للإشتراك في المناقصات و طلبات العروض تعتبر عروضاً أجنبية . أما طريقة الدفع و عملات الدفع فترد عادة في دفاتر الشروط ، فإذا كان تنفيذ العقد يتطلب انفاقاً بالليرات السورية لتغطية النفقات المحلية ، فإن العقد يتضمن عادة حكماً يقضي بدفع نسبة مئوية من إستحقاقات المتعهد الأجنبي بالليرات السورية لتغطية النفقات المحلية ، و إذا تجاوزت هذه النفقات النسبة المحددة في العقد ، يتوجب على المتعهد الأجنبي تحويل كمية من القطع الأجنبي إلى مصرف سوري ليتولى تحويلها إلى ليرات سورية.

و يرد السؤال هنا ، أن متعهداً أجنبياً تقدم إلى مناقصة يتم تنفيذها كاملة في سوريا ، بما في ذلك تأمين اليد العاملة و المواد الأولية و المعدات من مصدر محلي ، عندها يمكن للإدارة أن تعطيه نسبة بسيطة بالقطع الأجنبي لتغطية نفقات المركز الرئيسي ، و أجور الموظفين الأجانب، والأرباح المتوقع تحقيقها . لكنني أستبعد هذه الحالة النظرية لأن من واجب الشركات الأجنبية التي لها فروع في سوريا أن لا تمارس إلاّ المهام الواردة في نظامها الأساسي الذي يودع عادة لدى دائرة الشركات في وزارة الإقتصاد.

النتيجة: إن فرع الشركة الأجنبية يعمل ممثلاً للمركز الرئيسي و وكيلاً عنه ، و ليس للفرع ضمانات خاصة به ، لذلك فهو يعمل بضمانة المركز الرئيسي ، و إن شخصيته الإعتبارية مستمدة من شخصية الشركة التي يمثلها و يعمل لصالحها ، و بالتالي فإن التأمينات الأولية و النهائية للمناقصات يقدمها المركز الرئيسي بالعملة الأجنبية عن طريق مصرف أجنبي مراسل لمصرف سوري.

‌ب- صدر المرسوم التشريعي رقم /15/ لعام 2001 الذي ألزم العارض أو المتعاقد الأجنبي بأن يسمي عنه وكيلاً تجارياً يتم تسجيل وكالته في وزارة الإقتصاد ، أو أن يفتح فرعاً له في سوريا ، و يهدف هذا المرسوم التشريعي على ما يبدو إلى ضبط تحصيل ضرائب الدخل المترتبة على الوكلاء ، و محاربة الوسطاء و السماسرة . و قد اعتبرت وزارة المالية بصدد تطبيق هذا المرسوم أن فرع الشركة الأجنبية هو بمثابة وكيل و فرضت عليه ضريبة دخل على هذا الأساس . لذلك فهي لم تعترف به عارضاً مستقلاً مثله مثل العارض المحلي.

‌ج- اعترف القانون رقم 51 لعام 2004 المتضمن نظام العقود للجهات العامة بأن وجود فرع لشركة أجنبية لا يستدعي اعتبار عروض هذه الشركة على أنها عروض محلية ، و الدليل على ذلك النص ( الركيك و غير المتوازن و غير القابل للتنفيذ لتعارضه مع التشريعات المحلية الأخرى ) الوارد في نظام العقود المادة 11/و إذ جاء فيه ( تعفى الشركات الأجنبية التي ليس لها فرع أو ممثل مقيم في سوريا من تقديم الوثائق 2 – 3 – 4 – 5 من البند /أ/ من هذه المادة ) و بما أنني لست في موضع تفنيد ركالة هذا النص و عدم واقعيته لأن الفقرات 2-3-4-5 لا يمكن تحقيقها ، إلاّ أن هذا النص لم يحول العارض الأجنبي الذي له فرع في سوريا إلى عارض محلي.

أخيراً و ليس آخراً:
سوف لن أتوقف عن أحاديثي المملة ، و التي أقصد منها تسليط الضوء على تخلف الأداء القانوني للجهات العامة و إرتجالها – في كثير من الأحيان – في طلب إصدار قوانين و قرارات و تعليمات تتعارض مع الدستور أو القوانين النافذة . الأمر الذي يتطلب سعة صدر من المسؤولين ، والترحيب بكل نقدٍ جاد ، و ذلك بقبول النقد أو دحضه بالأدلة و البراهين ، و لا تقوم الدولة أو يُقوَّم أداؤها إلاّ بالرقابة الشعبية ، خاصة حين يتخلى ممثلو السلطة التشريعية عن دورهم الرقابي على السلطة التنفيذية ، أو (( ينرفزون)) ممن ينتقد أداءهم ، كما حصل معي حين لفتُّ نظر الحكومة و مجلس الشعب إلى نشر قانون في الجريدة الرسمية بالمصادقة على معاهدة دولية ، تم اقتباس ترجمتها من القانون المصري ، مع الإحتفاظ بإسم جمهورية مصر العربية و إسم رئيسها ، مما أدى إلى غضب المسؤولين الكبار في مجلس الشعب.
(( الحديث الممل الثالث سيكون حول تعدي مجالس المحافظات على الدستور و القانون وقيامهم بفرض ضرائب و رسوم باهظة على المواطنين بسبب البحبوحة التي يعيشونها هذه الأيام ))







التوقيع


يعجبني الصدق في القول والإخلاص في العمل وأن تقوم المحبة بين الناس مقام القانون
آخر تعديل المحامي ناهل المصري يوم 23-06-2011 في 10:36 AM.
رد مع اقتباس