الموضوع: مذكرات مخبر
عرض مشاركة واحدة
قديم 30-10-2006, 12:44 AM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
المحامي ناصر الماغوط
إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي ضرورة الثقافة

ضرورة الثقافة
المحامي ناصر الماغوط : ( كلنا شركاء) 19/3/2005
يؤسفني أن أقول بأن مخبري هذه الأيام يفتقرون للحد الأدنى المطلوب من الثقافة التي يفترض أن يتحلوا بها لكي يصيروا مخبرين ناجحين. اليوم كل واحد لا شغلة ولا عملة ويعرف واحدا بالأمن صار مندوبا أو مخبرا. بينما كان المخبر أيام زمان إذا لم يلحس مائة كندرة لا يصح له أن يصير مخبرا لأن عمل المخبر هو أمانة في عنقه تضعها السلطة في رقبته وتثق به فيكون لتقريره المفعول المباشر لأنه من المفترض فيه أن لا يكتب أي تقرير انطلاقا من عواطفه تجاه شخص ما، وإنما يفترض أن تكون كل تقاريره واقعية وحقيقية وصادقة لأنه مسؤول أمام الله عنها قبل أن يكون مسؤولا أمام أسياده في الفرع. لذلك أرى أنه يجب على المخبر الحقيقي أن يتحلى بالأمانة أولا وبالثقافة المميزة ثانيا. لأن هذه الأخيرة سوف تمكنه من فهم ما يقال أمامه وتمكنه أيضا من معرفة ما يدور حوله من أحاديث تتعلق بالقضايا المطروحة للنقاش. كما أن المخبر قد يكلف بحضور أمسيات شعرية وقصصية وندوات ثقافية، فكيف له أن يفهم ما يجري هناك من حوارات ونقاشات إن لم تكن ثقافته رفيعة، ويفهم ما بين السطور كي لا تضيع منه أية فكرة قد تخفي خلفها مؤامرة أو سخرية من الحكومة. لهذه الأسباب أقول أنني، والعياذ بالله من كلمة أنا، قد تعبت على نفسي كثيرا كي أصل لثقافة ترضيني وصرت مثقفا والحمد لله بشهادة الكثير من الكتاب.
مخبرو هذه الأيام لا يفهمون الحديث الجاري أمامهم، وربما أنهم يلتقطون كلمة واحدة ينسجوا عليها تقريرا قد يضر بمصداقية المخبر أحيانا. من جهتي معروف عني أنني من هواة الثقافة وفي سبيل ذلك أتابع التمثيليات والبرامج التلفزيونية الرياضية منها والمهنية من فلاحين وعمال وشرطة وأحل الكلمات المتقاطعة في الصحف لأنها تعطي ثقافة عامة يحتاجها المخبر كي يكون أمينا لعمله وناجحا فيه. لكنني أعترف بأنني ما من مرة فتحت فيها كتابا لأقرأه إلا وشعرت بالنعاس الشديد ونمت. لكن ومع ذلك، فقد تصفحت الكثير من الكتب وأخذت فكرة عنها. وباستطاعتي أن أقول بأنني تعبت على نفسي لكنني والحمد لله وجدت نتيجة على ذلك كان أهمها أنني نلت ثقة المثقفين والفهمانين بشكل عام، وخصوصا الكتاب، وهنا لا أقصد كتاب التقارير من زملائي، بل كتاب القصص والحكايات والأناشيد والمسرحيات وغيرها. كما أنني نلت ثقة أسيادي في الفرع الذين كانوا دائما يرسلونني إلى الأمسيات الشعرية والمنتديات الثقافية التي كانت تقام كي أكتب عنها تقارير أرسلها للفرع. ونظرا لأهمية حضوري كانوا دائما يحجزون لي في الصف الأول في جميع الأمسيات الشعرية والندوات التي تقام في المراكز الثقافية وجمعية الكتاب. وكنت أجلس جنبا إلى جنب مع رئيس جمعية الكتاب ورئيس جمعية الصحفيين لأننا كنا جميعا زملاء لكننا في مواقع مختلفة، كما أننا جميعا نخدم نفس الغاية. كان الرفيق علي رئيس جمعية الكتاب، وما أن يراني من بعيد، حتى يهش ويبش ويهرع لملاقاتي وكأنني رئيس فرع ويرحب بي أجمل ترحيب ويهجم علي يقبلني كل قبلة مثل كاسة الهوى، ويقول لي كيفه معلمك؟ سلم لي عليه وبوس لي عينيه. وهو يقصد المساعد الذي أعطيه التقارير وأعتذر عن ذكر اسمه لأسباب أمنية.
ذات مرة كان هناك أمسية شعرية لشاعر مشهور جدا نسيت اسمه الآن وهو معروف ربا أكثر من علي الديك وهو مرشح دائم كما علمت لنيل جائزة بابا نويل لكن الاستعمار والإمبريالية له بالمرصاد على ما يبدو. وكالعادة كلفت بحضور تلك الأمسية لأنهم قالوا لي بأن هذا الشاعر خطير جدا ومعروف وله علاقات ربما مع الخارج. لذلك، كنت من أوائل الحاضرين ووضعت آلة تسجيل في جعبتي كي لا تفوتني ولا كلمة مما يقولها هذا الشاعر الخطير الذي ما إن اعتلى المنصة حتى دوت عاصفة من التصفيق وراح ينشد شعرا رائعا بصوته الجميل. قال:
(مُدّت مائدةُ المنتصرين/ كلٌّ يعكف على غنيمته/ كلٌّ يشربُ حليب ناقة ليست له)
كنت أنتظر كي يكمل لي قصة الحليب والناقة لكن الجمهور هب واقفا وراحوا يصفقون لشدة إعجابهم بهذا المقطع الشعري فوقفت معهم ورحت أصفق وأزيد عليهم وأصرخ. الله.. الله، ماهذا البيت؟ .. رغم أنني في الحقيقة لم أفهم ولا حرفا واحدا منه لكنني تظاهرت بالطرب لهذا الشعر كي أبدو للحضور شاعرا وليس مخبرا، مع العلم أن معظم الحضور يعرفون بأنني مخبر لأنهم دائما يتحاشونني كما يتحاشون النعجة الجربانة. ولا يهمني ذلك ما دمت أنا أقوم بعملي كما يمليه علي ضميري ولا غاية لي سوى إرضاء أسيادي في الفرع عني.
ثم تابع الشاعر يقول:
(آهات المغلوبين/ فُتاتٌ على المائدة). فسبقت بقية الحضور وصرخت بصوت وكأن خنجرا غرز في خاصرتي. الله.. فصفق الحضور كثيرا.
وتابع الشاعر قائلا: (الممرات، الجدران، الحُفَرُ، الخنادقُ / تُصفِّق لقادة / لا يسيرون على أقدامهم. يطيرون، ولهم أجنحة مما بعد الملائكة). اهتزت القاعة بالتصفيق لهذا المقطع الرائع وراحوا يلوحون برؤوسهم لفرط إعجابهم بهذه الصورة الرائعة. وقفت أنا عند كلمة قادة. من يقصد الشاعر؟ هل يقصد قائدا معينا؟ سأذكر هذا في تقريري للأمانة.
وعندما وصل إلى مقطع قال فيه (السَّقفُ ،هكذا كان دائماً، أقلّ علوّاً/وأكثرُ التصاقاً بالأرض،/من العتبة نفسها). انفجر الحضور بالهتاف والتصفيق إعجابا، وسمعت شخصا خلفي يقول: يا إلهي ما أجمل هذه الصورة الغير مباشرة، إنه يقصد سقف الحرية في بلادنا. قلت لنفسي العمى. ربما أن كل مقطع من مقاطع هذا الشاعر يقصد فيه شيئا خطيرا وأنا كالزوج المخدوع لا أعلم شيئا. وقررت أن أكون أكثر انتباها وفهلوية.
وتابع الشاعر قائلا: ( قالوا: هناك من يبتكر للغبار كلماتٍ خاصّة يتحدث بها مع المواد المتفجرة، ويكتب رسائله إلى مكاتبها، ويُفاوض حقول الألغام. وسأل بعضهم: متى ستتحرر حقول اللغة من السجن الهائل الذي بَنَتْهُ الكتابة؟ ومتى سيجيء الموج الذي يعرف كيف يلطُم خَدَّ الصحراء؟ والمدينة؟ ماذا يحدث للمدينة؟)
هنا وقف الحضور وراحوا يصفقون وكأنهم في حفلة لنانسي عجرم وما كان يلزمهم إلا أن يرقصوا لشدة طربهم لهذا المقطع الذي لم أفهم منه سوى كلمات مثل المواد المتفجرة التي يستخدمها الأرهابيون والألغام، وفهمت كلمة السجن. وأخيرا عندما تساءل الشاعر ماذا يحدث للمدينة لم أعرف أي مدينه يقصد، لكن الشيء الأكيد الذي عرفته أن هذا الشاعر ربما هو إرهابي ويقصد شيئا ما. فسألت الشاعر أو الكاتب الذي كان إلى جانبي وقلت له متسائلا: ماذا يقصد الشاعر في هذه الأبيات الشعرية؟ نظر إلى باستخفاف وقال لي: يا إلهي! ألا تعرف ماذا يقصد؟ يقصد أشياء كثيرة، وانصرف عني تاركا إياي في حيرة لا أهتدي ورحت أتابع التصفيق مع المصفقين وأنا مثل الأطرش بالزفة.
وعندما قال الشاعر: (كان الشارع خالياً تماماً إلا من الشمس التي كانت تتوضأ لصلاة الفجر. وكانت خيوطها كمثل أطفال ينامون في أحضان الغبار).
كالعادة ضجت القاعة بالتصفيق، ورحت بدوري أصفق وأنا أفكر ماذا سأكتب في تقريري عن هذه الأمسية الشعرية التي لم أفهم منها الطيخ من البطيخ، والتي ختمها الشاعر بالقول: (سُمِع رعدٌ في ثيابٍ عجوزٍ تصعد الدرج). هنا انفجر الحاضرون بالضحك وراحوا يصفقون وهجموا على الشاعر يقبلونه ويشكرونه على هذه الأمسية الشعرية الرائعة ويشكرون الله الذي خلقهم في هذه المرحلة التي يعيش فيها هذا الشاعر ليفخر أبناؤهم أنهم ينتمون لنفس الجيل ، وأنا بدوري هجمت على الشاعر ورحت أقبله، وقلت له وحلفت له بأغلظ الأيمان بأنني لم أحضر أمسية شعرية بحياتي أجمل من هذه الأمسية. شكرني وانصرفت عنه وأنا كنت أفكر بتلك العجوز البائسة وهي تصعد الدرج وصوت الرعد المنطلق من ثيابها، وهنا فهمت أنا بذاتي، من خلال ذكائي الخارق وثقافتي الرفيعة عرفت ماذا يقصد الشاعر هذه المرة، إنه يقصد أن العجوز كانت تضرط وهي تصعد متثاقلة درجات السلم وهي تظن أن أحدا لا يسمعها بينما كان الشاعر لها بالمرصاد.
تركت الأمسية الشعرية وانصرفت بينما كان الحضور من كتاب وشعراء يطرون على الشاعر بالمديح ويسألونه عن سر هذه الموهبة الشعرية النادرة التي يتمتع بها وعن هذا الإلهام الغريب الذي يمكنه من رسم مثل تلك الصور الشعرية الرائعة؟ فكان يهز رأسه بتواضع العظماء ويقول لهم: إنه إلهام من الله تعالى. فيحسدونه ويطلبون من الله أن يبارك به وأن يطيل في عمره ليعطي أكثر وأكثر.
وحالما انتهيت من كتابة تقريري الذي كنت سأقدمه في اليوم التالي عن تلك الأمسية، أحسست بأن نوعا من الإلهام الشعري قد هجم علي كالوحش وغلبني ولم أتمالك نفسي عن الكتابة. وفعلا أمسكت الورقة والقلم وكتبت:
الغبار المالح الصاعد من البحر يمسح عين الشمس بخرقة رمادية.
وكتبت أيضا: سمع صوت طقطقة غيوم في حقيبة الطفل المدرسية
وكتبت أيضا: ما رأيك أن نتمشى ولو لليلة واحدة بعد الظهر قبل الغذاء
فتقولين لي: طوبى لكل من أمسك ممسحة بيد واحدة.
ليمسك باليد الأخرى قلما يكتب فيه عن الحرية
وكتبت أيضا: السماء تتثاءب في عباءة ليس لها
لمن تكون إذن هذه العباءة؟
وكتبت أيضا أحبك أيتها المجنونة التي تغالب النعاس
كبحيرة تسبح تحت ضوء القمر
اكتشفت أنني شاعر حقيقي، فشعرت بالزهو والإعجاب الكبير بنفسي، وبما أن الشعر سهل لهذا الحد مادام أنه لا يحتاج إلى موسيقى ولا دربكة ولا إيقاع، بل هو مجرد كلمات تأتي عفو الخاطر ويجب أن يكون لها بناء هندسي مثل أبنية السكن العشوائي لذلك قررت أن أكتب كل يوم قصيدة أنشرها في جريدة ما من الصحف الأدبية. وخلال ذلك، سأتحدث مع الرفيق علي رئيس جمعية الكتاب ليحدد لي موعدا لأمسية شعرية أرجو أن تحظى بالإعجاب الذي نالته أمسية ذلك الشاعر المشهور الذي لم أذكر اسمه الآن ولا حرفا واحدا من القصائد الرائعة التي صفقنا لها جميعا دون أن يفهم أي منا حرفا واحدا منها.







رد مع اقتباس