الموضوع: مذكرات مخبر
عرض مشاركة واحدة
قديم 24-04-2005, 11:44 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
المحامي ناصر الماغوط

الصورة الرمزية المحامي ناصر الماغوط

إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي مذكرات مخبر

بعد تلك الأمسية الشعرية التي حضرتها وحدثتكم عنها في الحلقة الماضية، شعرت بأنني بت متمكنا جدا من كتابة الشعر، ولا أقل عن ذلك الشاعر الذي سمع "صوت رعد في ثياب عجوز تصعد الدرج". وفعلا صرت أكتب بثقة بالنفس بعد أن أدركت بأن مسألة الكتابة الشعرية هي عبارة عن تمرين وتدريب، وأن تضع كلمات جانب بعضها. وبقدر ما تكون غامضة ومبهمة بقدر ما تكون مثيرة للإعجاب أكثر.
وتطبيقا لذلك، استيقظت ذات يوم باكرا وغليت كاسة شاي وأكلت معها قرص شنكليش وقليلا من القريشة وبعض الزعتر وثلاث بيضات مسلوقات، بعدها حمدت الله ودخنت سيكارتين حمراء طويلة ثم وضعت الورقة والقلم أمامي وحرنت فكتب قصيدة برقم قياسي لا يتجاوز الساعة.
قرأت القصيدة للوهلة الأولى، وأعدتها عدت مرات حتى مخمخمت فيها تماما فأعجبتني كثيرا شعرت بأنني قد أكون قنبلة شعرية تنفجر مدوية في اتحاد الكتاب تدمر كل الأشكال الكلاسينية في الأدب وخصوصا في الشعر.
وضعت القصيدة في جيبتي وحملت حالي وذهبت إلى اتحاد الكتاب. كان لا يزال الوقت باكرا. ومع ذلك رحت وانتظرت رئيس الاتحاد في المحرس وشربت القهوة مع الحارس ريثما صار وقت الدوام الرسمي. وحالما بدأ توافد الموظفين من كتاب وشعراء حتى أطليت برأسي ولولحت لهم بالقصيدة وأنا أقول لهم: بأنني سوف أصير عضوا معهم في الاتحاد. رحبوا بي كثيرا وقالوا لي بأنه شرف كبير لاتحاد الكتاب أن يكون شخص بوزني وحجمي عضوا معهم. وما أن جاء رئيس اتحاد الكتاب وأطلعته على نيتي بالانتساب لاتحاده الكريم حتى رحب بي أجمل ترحيب لكنه قال لي بأنه يجب أن أكون قد سبق لي أن قمت بكتابة كتاب أو قصيدة أو ترجمت رواية ما. قلت له وأنا أناوله القصيدة من جعبتي: هذه قصيدة اليوم كعربون لمزيد من الكتابة، وأعدك بكتابة رواية في أقرب وقت ممكن. وإذ هو انصرف لقراءة قصيدتي ورأيت أنه كان يلولح برأسه طربا وإعجابا بها، كنت أقول له بأنني لن أتوانى عن ترجمة أي رواية يشاء عن اللغة الإنكليزية التي درستها وأنا في الصف السابع والثامن قبل أن أطرد من المدرسة، وأنا لا أحتاج إلا إلى قليل من المراجعة حتى أستعيد كل المفردات التي تعلمتها مثل السقف والأرض والشباك والباب الخ.. وزيادة في إتقاني للغة قلت له بأنني مستعد اعتبارا من اليوم لأن أشتري كتابا مشهورا دائما أراه مع أصحاب البسطات على الأرصفة وهو بعنوان "تعلم الإنكليزية في خمسة أيام" وما أن أنتهي منه حتى أباشر في اليوم السادس بترجمة رواية ما عن اللغة الإنكليزية. شكرني على اندفاعي وحماسي ودعاني وهو يعيد لي القصيدة أن أحضر اجتماع جمعية الشعر في الاتحاد وقال بأنه سوف يقدمني لهم. أنا شخصيا أعتقد بأن جميع أعضاء هذه الجمعية يعرفون بأنني مخبر ولذلك سوف يشجعونني على كتابة الشعر وحتى التقارير بلغة شعرية. في الموعد المحدد مساء حضرت وتفاجأ الجميع بدخولي لأني أعرف بأنهم جميعا ما أن يروني حتى يتعوذبون من الشيطان الرجيم في داخلهم. لكنهم يتظاهرون بأنهم يحبونني ويمدحون الحكومة في حضوري ويشتمون أمريكا مع العلم أنني سمعت عن أحدهم أنه قال أمام زملائه وهو يرى الحفاوة التي أستقبل أنا فيها في الاتحاد كلما حضرت محاضرة بأن صرماية أمريكا أحسن مني ومن أمثالي. وقد رفعت تقريرا بحقه وهو الآن قيد الدراسة وأظن بأنه سوف يستدعى قريبا للفرع للتحقيق معه.
على كل في الوقت المحدد لاجتماع جمعية الشعر حضرت وقام الرفيق علي بقراءة قصيدتي بصوت دافئ ناعم وراح يتغنى بها بطريقة جميلة جدا. تقول القصيدة:
أنا لن أعيش إلى الأبد / ما كل فاتحة بلد / هي قل مدد /أو قل هي حبل من مسد/لا تنفع الأيام أي تؤدة في عين لام أو بعير / كل يؤدي دوره مها اكتوى أو مهما اشتد/ها قد بدى ما قد بدى /أو ما اشتكى من عين ورد
حبي إليك يهزني /يغمرني يفيض بي /وكأنني أحبك أبا عن جد /أو كأنني قد ورثت قلبك/وعشقت روحك وأنا ولد/ولم أزل كما سأكون /وسوف كنت /بل غير صيغ الزمان وصيغ المكان/غير الحركات وشكل الحروف
وبعثر النقاط بين السطور لا فوقها ولا تحتها /من كل بد/نريد لغة أخرى /غير لغة الذل التي خانتنا على مدى السنين وعد/إلى حيث نعثر على لغة تنهض بنا كالبرق /عندها سأكون هناك حاملا قلمي /وقلبي ودمي شرايين /لكنني سأترك ظهري خلفي/لأنني أشعر بأنني لن أحتاجه بعد اليوم.
وما إن انتهى من قراءة القصيدة بصوته النسائي العذب، حتى لمحت الدهشة على أعين الحاضرين، وسألهم الرفيق علي إن كانوا يعرفون الشاعر؟ فسمعتهم يتمتمون بأسماء لم يكن قد سبق لي أن سمعت بها، لكنني عندما عدت إلى المنزل وفتحت آلة التسجيل التي كانت ترافقني دائما علمت أنهم كانوا يقولون متسائلين: من؟ أبوليس؟ بولدير؟ لامبو؟ نسيم الحاج؟ محمد الطاطوط لكنه أشار نحوي بكل فخر واعتزاز قائلا: هو الشاعر. والتفت الجميع إلي وشهقوا شهقة واحدة وكأنك دلقت عليهم سطل ماء بارد. فشعرت بالزهو والفخر والاعتزاز ورحت ألوح لهم بكلتا يدي وكنت أتوقع أن يحملوني على أكتافهم لكنهم لم يفعلوا.
بعد هذه القصيدة العصماء تم قبولي عضوا في جمعية الشعر، ووعدني رئيس الاتحاد بأنه حالما أكتب رواية ما سوف يضمني إلى عضوية الاتحاد منشان يطلع لي تقاعد وطبابة الخ..
طلبت منه أن يقبلني بشكل شرطي، خصوصا كنت قد سمعت بأن الاتحاد كان قد فصل كاتبا من أعضائه اسمه اسم أجنبي لا أعرف من هو بالضبط لكن اسمه هو على وزن أبليس أو قندريس لا أعلم بالضبط، وربما يكون اسمه أبوليس أو قل هو على هذا الوزن لأنه عميل، المهم أن اسمه فيه "إيس" بالأخير. فقال لي الرفيق علي بأن المشكلة هي في وجوب أن أكون قد كتبت كتابا أو رواية أو ديوان شعر أو مسرحية على الأقل، أما بمثل حالتي إذ تقتصر أعمالي على قصيدة واحدة لحد الآن فالأمور ليست سهلة. ومع ذلك، ورغبة منه في مساعدتي، طلب مني أن أقدم له طلبا أضع عليه طابعا أعبر فيه عن رغبتي بالانتساب للاتحاد أتعهد فيه بأن أكتب رواية بأسرع ما يمكن، وقال لي لا تنسى أن تضع عليه طابعا. ففعلت. قدمت له طلبا أقول له فيه أن مقدمه فلان الفلاني: أرجو الموافقة على تعييني عضوا في اتحاد الكتاب وتفضلوا بقبول فائق التقدير والاحترام، والخلود لنضالنا النقابي والاتحادي والأمني ووضعت عليه طابعا ووقعت. فما كان من رئيس الاتحاد إلا أن كتب بالقلم الأخضر بخط جميل وكلمات كبيرة: مع الموافقة أصولا بصفة كاتب شرط أن يكتب رواية في غضون شهر من تاريخه. وهكذا شعرت بسعادة بالغة بعد أن صرت كاتبا مثلي مثل أي كاتب آخر، وفي المستقبل، إذا ما دعمني السيد رئيس الاتحاد لدى فرعنا في السويدا ربما أنهم سوف يمنحوني جائزة بابا نويل التي هي عبارة عن قرشين ملاح يمكن أن أشتري فيهما منزلا وسيارة ويزيد معي كم قرش فأتزوج.
اعتكفت في منزلي لأفكر في الرواية التي اشترط علي رئيس الاتحاد كتابتها. ورحت أتساءل عن الموضوع الذي سوف اكتب فيه. هل أكتبها عن الحب بين الرجل والمرأة أم عن الوطن والاستعمار والإمبريالية. ولأننا في فترة عصيبة من تاريخ أمتنا العربية حسمت أمري أن تكون روايتي الأولى وطنية قومية بالدرجة الأولى تتخللها قصة حب. وفعلا صرت أسهر كل يوم حتى أكاد أن أموت من النعاس ثم أستيقظ باكرا لأكمل كتابة روايتي التي أنهيتها بأقل من شهر.
تدور أحداث الرواية حول أب وطني ورفيق محب للحكومة، وكان هذا الأب الصالح كثيرا ما يسمع أن ابنه لا يحب الحكومة ودائما يسخر منها ومن خططها وبرامجها وأعضائها ويقول عنهم بأنهم شلة حرامية نهبوا البلد والشعب، فيشعر الأب بالألم لأنه أنجب هذا العقرب الحاقد على الدولة. فينصحه كثيرا بأن يتخلى عن هذه الوساخات التي تغلف عقله وأن يفهم بأن الحكومة هي الأب الرؤوف والأم الحنون والأخ والأخت وهي دائما على حق وأن الله قد قيضها للشعب والوطن لما فيه الخير، وهي لا تعمل شيئا إلا لمصلحة الوطن والشعب ولا تنطق عن الهوى، بل بما يهديها الله إليه لمصلحة الشعب والاشتراكية. لكن الابن الجاحد العاق يتمادى في غله وحقد فيقوم الأب بنفسه، بعد أن يدوس على مشاعره وعواطفه، بإبلاغ أجهزة الأمن ويقول لهم بأن ابنه جاحد وناكر للجميل الذي تقدمه الحكومة للشعب ويطلب من هذه الأجهزة أن تنظر بوضع ابنه. لكنه كأب لا يستطيع إلا أن يرجوهم في نهاية التقرير أن يترأفوا بوضع ابنه وألا يقتلوه كثيرا أثناء التحقيق معه لأن الدم لا يصير ماء.
طبعا تقوم أجهزة الأمن باعتقال الابن العاق الناكر للجميل والحاقد ويقتلونه قتلة قياما وقعودا ويبقى في التحقيق عندهم حوالي الشهرين يصحوا ضميره خلالها، فيندم ندما شديدا ويحلف لهم أغلظ الأيمان بأنه سيحب الحكومة من كل قلبه وسيكون جنديا وفيا لها وللثورة ويعبر لهم عن استعداده لعمل أي شيء لإثبات ذلك، فيفشي لهم عن أسماء كل زملائه الذين كانوا يثقون به ويحكون له نكتا عن الحكومة وكل زملائه الآخرين الذين كانوا يكرهون الحكومة، فيفهم المحققون أنه تعافى تماما من حقده واستوى وصار جاهزا للتعامل معهم، فيعرضوا عليه أن يعمل معهم مخبرا فيوافق ويصبح مواطنا صالحا وتعيش الأسرة عيشة سعيدة، طبعا بعد أن يصير مواطنا صالحا يتزوج وينجب أولادا يتعهد بأن يطوعهم في المخابرات عندما يكبرون. ودائما يعترف بين كل رفاقه وجلسائه وزملائه بأن والده هو قدوته ولولا والده لكان ارتمى في أحضان الإمبريالية والصهيونية والبرجوازية الديموقراطية العفنة ربما. أخيرا تنتهي الرواية في صرخة يطلقها البطل يقول فيها شكرا لك يا أبي يا من أرضعتني حب الوطن ولولاك لكنت الآن بين يدي الإمبريالية والصهيونية، شكرا لك، شكرا لك، شكرا لك، وتبكي الأم عند هذه النقطة وتعانق ابنها ولربما يتساءل القارئ لماذا تعانق مع والدته وليس والده، الجواب هو لضرورة الحبكة الأدبية وهذه صنعة لا يجوز أن أفشي سرها لأحد.
حالما تم نشر تلك الرواية حتى اعتبرها الرفاق في الفرع واتحاد الكتاب الأولى من نوعها في المنطقة لجهة الوطنية والقومية وتم نشر دراسات عنها في جميع الصحف والمجلات اليومية والأسبوعية وقد كتب عنها في الصحف العربية والعالمية العديد من الزملاء الكتاب وعلى رأسهم رئيس الاتحاد الذي اعتبرها في دراسة مطولة نشرها في إحدى الجرائد بأنها رواية وجدت لتبقى ما بقيت الثورة (وهذا يفهم منه أن روايتي بدون هذه الثورة حقها فرنكين) وضمن لي بأنها ستكون إحدى أهم الروايات في القرن الخامس والعشرين.
بعد النجاح الهائل الذي حققته روايتي، أفكر بأن أحولها إلى فلم أمريكي من الأفلام البوليسية التي أحبها كثيرا، لكن ذلك لن يكون قبل أن أدرس كتاب تعلم اللغة الإنكليزية في خمسة أيام وأتقن هذه اللغة لأنه لا يمكن أن أعمل فلم أمريكي باللغة العربية، في هذه الحالة يستحسن أن أحولها إلى فلم وطني مصري مثل فلم ليلة القبش على فاطمة لأن روايتي كما قيل لي جديرة حتى أن تتحول إلى مسرحية أو على الأقل يجب أن تتحول إلى مسلسل عربي ثلاثين حلقة ليعرض في شهر رمضان المبارك، ثم يكتب له جزء ثان وثالث.
وهكذا صرت كاتبا ليس للتقارير فحسب، بل للروايات أيضا.

منقول عن المحامي ناصر الماغوط : ( كلنا شركاء) 23/4/2005







رد مع اقتباس