عرض مشاركة واحدة
قديم 16-06-2010, 08:01 PM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
المحامي حازم علوش
عضو جديد مشارك
إحصائية العضو







آخر مواضيعي


المحامي حازم علوش غير متواجد حالياً


افتراضي رد: أسباب التبرير : ممارسة الحق

الشرط الثاني : مشروعية وسيلة ممارسة الحق
يتطلب هذا الشرط أن يكون هنالك رابطة بين الفعل والحق ، ويتحقق هذا الترابط بتوافر عدة أمور :
أولا ً : التزام حدود الحق
لكل حق حدود يرسمها القانون الذي يقرره ، ويجب على من أعطي حقا ً أن يلتزم بحدوده ، ومن يخرج عنها يكون قد تعسف في استعمال حقه ولا يستفيد من سبب تبرير .
ويمكن التعرف على هذا حدود الحق بالعودة إلى القاعدة القانونية التي تقرره ، فهي التي تبين شروط ونطاق ممارسته ، ولما كانت هذه الشروط تختلف باختلاف الحقوق فإن دراستها بشكل موسع تتطلب دراسة كل حق على حدة ، ولكننا نشير إلى التزام حدود الحق يتطلب الأمور العامة التالية :

4

أ- يجب ممارسة الحق بواسطة من يملكه قانونا ً :
ويستوي في ذلك أن يكون من يمارس الحق هو صاحبه الأصيل أو نائبا ً عنه في الحدود التي يقررها القانون ، والأصل أن يكون من يستعمل الحق هو صاحبه ، فمن يملك الحق قانونا ً هو من يملك الاحتجاج به ، ولا يشترط أن يكون صاحب المصلحة .
ولتعيين صاحب الحق يرجع إلى مصدر هذا الحق ، فإذا كان مصدره القانون فإن صاحب الحق هو الشخص الذي يعينه هذا القانون ، كولي النفس بالنسبة لحق التأديب والخصم بالنسبة لحق الدفاع ، ولكن المشرع أحيانا ً قد لا يحدد صاحب الحق ، وإنما يمكن أن يمارس هذا الحق من قبل أي شخص كالدفاع المشروع وحق القبض .
ويثور هنا التساؤل حول جواز الإنابة في ممارسة الحق . . . ؟
لا يلزم لإباحة الفعل إلا أن يكون استعمالا ً لحق ، ولا يشترط ارتكاب الفعل من صاحب الحق ، أي أن الإنابة في استعمال الحق جائزة في الأصل ، بمقتضى القانون أو التعاقد ، ولا تقتصر هذه الإنابة على الحقوق المالية بل تشمل كل حق يمكن قانونا ً الإنابة في استعماله كحق التأديب وحق الدفاع .
ويؤيد ذلك نص المادة /173/ من القانون المدني المصري التي تسوي بين الملزم برقابة القاصر قانونا ً وبين الملزم برقابته اتفاقا ً ، كما أن الرقابة على القاصر تنتقل إلى معلمه في المدرسة أو المشرف عليه في الحرفة ، وبذلك ينتقل معها الحق في تأديبه ، إذ لا يتأتى بغير هذا الحق تنفيذ الالتزام بالرقابة ، ومن البديهي القول بأن من ينوب عن غيره في ممارسة الحق لا يكون له سوى ما يخوله الاتفاق أو ما يجيزه القانون لصاحب الحق .
إذن الأصل أن الإنابة تجوز في ممارسة الحق ، وعلة ذلك أن القانون اعترف بالنيابة وأعطى لتصرفات النائب حكم تصرفات الأصيل ، فهذا يقتضي أن يستفيد النائب مما يستفيد منه الأصيل ، وبذلك يتحقق الاتساق بين قواعد القانون ، ولكن النائب لا يستفيد من سبب تبرير إلا بتوافر شرطين :
1- أن يكون فعل النائب مشروعا ً فيما لو قام به الأصيل ، أي أن تتوافر شروط التبرير في النائب .
2- أن يكون فعل النائب داخلا ً في نطاق النيابة .
ومن الأمثلة على ذلك من يقلد إمضاء غيره على سند بعلم صاحب الإمضاء ورضاه لا يسأل عن جرم تزوير لأن رضاء صاحب الإمضاء يعد إقرارا ً منه بصحة البيانات التي دونت في السند .
ولكن القانون قد يشترط أحيانا ً أن يمارس الحق من صاحبه الأصيل بذاته ولا يجيز الإنابة ، لأنه يضع شروطا ً محددة لممارسة هذا الحق من قبل الأصيل .
ومن الأمثلة على ذلك أن القانون لا يبيح لغير الطبيب معالجة المرضى , فلا يجوز للممرض أن يقوم بذلك وإلا وقع فعله تحت طائلة العقاب ، كما أن الشريعة لا تقرر الحق في تأديب الزوجة إلا للزوج ، فلا يجوز لغيره ولو كان ذا رحم أن يحتج به .
5

ويلحق بحالة الإنابة نظام الفاضلة ، وهي أن يتولى شخص القيام بشأن عاجل لحساب آخر دون علمه ، ودون أن يكون ملزما ً بذلك بموجب عقد أو اتفاق ، وإذا توافرت شروط الفاضلة أصبح الفضولي في مركز الوكيل له حقوقه وعليه التزاماته ، لأنه من التناقض أن يعاقب الفضولي على العمل الذي يعد مباحا ً للأصيل .
ومن الأمثلة على ذلك أن يقوم أحدهم بذبح حيوان محتضر ليمكن صاحبه من الانتفاع بلحمه ، أو أن يقوم البائع ببيع البضاعة المعرضة للتلف والتي لم يستلمها المشتري ، فيعد عمله مبررا ً ولا يعتبر مسيئا ً للأمانة .
ب_ يجب على الفاعل إتباع الإجراءات التي يستلزم القانون لممارسة الحق :
إن من يأت الفعل الذي يجرمه القانون أصلا ً دون أن يتبع الإجراءات التي يرسمها القانون لتبريره لا يجوز له أن يحتج بممارسته للحق الذي يرمي إليه هذا الفعل ، فمن يحتج بحقه في تأديب زوجته يجب عليه أن يراعي الإجراءات التي ترسمها الشريعة لممارسة هذا الحق ومنها التدرج في التأديب ، فيبدأ بالوعظ ثم الهجر ثم يلجأ أخيرا ً إلى الضرب .
ولا يجوز لشخص ما أن يقيم العدالة لنفسه ، فمن كان ذا حق يتعين عليه أن يلجأ إلى القضاء لإلزام خصمه بأن يؤديه إليه ، فإذا اعتمد على وسائله الخاصة لم يكن له أن يحتج بحقه لتبرير فعله .
ثانيا ً : أن تكون الوسيلة لازمة وملائمة لممارسة الحق
أ- لزوم الفعل لاستعمال الحق :
يجب أي أن يكون الفعل في الظروف التي صدر فيها ضروريا ً لاستعمال الحق ، وأن لا يكون في وسع صاحب الحق في مثل تلك الظروف أن يستعمل حقه بواسطة فعل آخر ، أي أنه لا يستفيد من سبب تبرير إذا استخدم وسيلة غير مشروعة وكان في وسعه اللجوء إلى فعل آخر مشروع من شأنه أن يوصله إلى حقه المزعوم .
ومبرر هذا الشرط أن استعمال الحق يضر بالغير ، وهذا الإضرار لا يكون مبررا ً إلا إذا كان لازما ً لاستعمال حق معتبر قانونا ً ، فإذا لم يكن لارتكاب الفعل من ضرورة فلا يستفيد مرتكبه من سبب تبرير .
ومن الأمثلة على ذلك أن يفاجئ المعتدي خصمه بإشهار سلاح ناري فيضطر المدافع بدوره إلى استعمال مسدسه مثلا ً لرد هذا الاعتداء ، ولا يحتج على المدافع بعدم استخدامه لوسيلة أخرى كرده باليدين أو العصا مثلا ً ، لأن الوسيلة التي استخدمها كانت ضرورية في الظروف التي افترضناها سابقا ً .
ب_ ملائمة الفعل لاستعمال الحق :
يجب أن يكون الفعل من حيث الجسامة والضرر أقل الوسائل التي يستعمل الحق عن طريقها ، أي وجود التناسب والملائمة بين الإيجابيات والمزايا التي يحققها الفعل وبين الأضرار التي تترتب عليه ،
6

فإذا كان هناك عدة وسائل أمام الفاعل ولكنه لجأ إلى وسيلة يترتب عليها ضرر أكبر من غيرها فإنه يعود إلى نطاق التجريم ، بوصفه متعسفا ً في استعمال حقه ، وهذا ما تشير إليه المادة /6/ ق.م.س التي عددت صور إساءة استعمال الحق ومن ضمنها أن تكون المصالح التي يرمي إليها الفاعل غير متناسبة البتة مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها .
ومن الأمثلة على هذا التناسب ، أن يكون بوسع الأب أن يهذب ابنه بالضرب الخفيف ولكنه يلجأ إلى الضرب الشديد ، فلا يستفيد من سبب تبرير لعدم وجود التناسب والملائمة ، وقد جاء حكم لمحكمة النقض المصرية بمسؤولية الأب الذي ربط ابنته في عضديها مما تسبب لها بالغر غرينا التي أدت إلى وفاتها .
كما أن الراعي الذي يحتاج إلى إمرار دوابه في أرض الغير ، لا يجوز أن يؤدي فعله إلى إتلاف محصولات هذه الأرض ، ولا يستفيد بالتالي من سبب تبرير لعدم وجود التناسب .
ثالثا ً : أن يتوافر حسن النية عند من يمارس الحق :
لا يكفي لتبرير الفعل أن يرتكب ممارسة لحق مقرر بمقتضى القانون ، وأن يلتزم بحدوده المعتبرة ، وإنما يلزم بالإضافة إلى ذلك أن يكون الفاعل حسن النية .
والمقصود بحسن النية هنا التقيد بالغرض الاجتماعي الذي من أجله تقرر الحق ، ذلك أن الحقوق جميعها يقررها القانون لاستهداف أغراض معينة ولا يعرف القانون حقوقا ً مجردة عن الغاية ، فلكل حق وظيفة اجتماعية لا يؤديها إلا إذا استهدف صاحبه غرضا ً محددا ً ، أما إذا سعى إلى تحقيق هدف آخر انتفى لديه حسن النية ، ولم يكن له أن يحتج باستعمال الحق لتبرير فعله .
واختلفت التشريعات في الإشارة إلى شرط حسن النية ، فالبعض نص عليه كالقانون المصري ، وبعضها الآخر أغفله كالقانون السوري واللبناني والليبي والسوداني .
معيار حسن النية في استعمال الحق في القانون السوري :
يمكن تحديد هذا المعيار بالعودة إلى القانون المدني وفي المادة /6/ منه التي تحدد حالات إساءة استعمال الحق ، لنستنتج أنها تضع ضابط لحسن النية يقوم على شرطين أولهما انتفاء قصد الإضرار بالغير ، وثانيهما شرعية المصالح المستهدفة ، وبانتفاء هذين الشرطين أو أحدهما ينتفي حسن النية لدى من يمارس الحق .
ومن الأمثلة على توافر قصد الإضرار ، الزوج الذي يضرب زوجته أو ابنه بدافع الحقد والإهانة بالرغم من أن الغاية التي يستهدفها الحق هي التأديب والتهذيب ، وكذلك الشخص الذي يطعن بالموظف العام بقصد التشهير به وتجريحه لضغائن أحقاد شخصية ، وينتفي حسن النية في هاتين الحالتين لتوافر قصد الإضرار ، ولا يشملهما سبب التبرير .
ومن الأمثلة على عدم شرعية المصلحة ، الطبيب الذي يصف المخدر لمريضه بقصد تسهيل تعاطي المخدرات ، وليس بقصد علاجه ، وهذا ما جاء في حكم لمحكمة النقض المصرية .
7

ويبدو أن هذا الضابط الذي وضعه القانون السوري لتوافر حسن النية غير كاف ، لأنه قد يهدف صاحب الحق إلى مصلحة مشروعة ولكنه لا يكون حسن النية ، ومثال ذلك أن يجري الطبيب عملية لشخص ما لإجراء تجربة علمية ، فهذا الطبيب ينتفي لديه حسن النية على الرغم من أن إجراء التجربة العلمية مصلحة مشروعة .
ويمكن أن نخلص إلى القول بأن الضابط في حسن النية هو أن يستهدف صاحب الحق الغرض الاجتماعي الذي تقرر من أجله الحق ، وبالتالي إذا كان يستهدف مصلحة مشروعة ولا يستهدف الغرض الاجتماعي فلا يكون حسن النية ولا يستفيد من سبب تبرير .
كما يمكن أن ندعم هذا الضابط بالقول أن القانون الجزائي وضع لحماية مصالح المجتمع من خلال تجريم الأفعال المعادية لهذه المصالح ، والمشرع عندما يبيح بعض الأفعال المجرمة أصلا ً كونها تهدف إلى استعمال حق ، فإن ذلك يكون مراعاة لمصالح أولى وأجدر بالحماية من المصالح المضحى بها ، وقلنا أن المشرع يضع حدودا ً لممارسة هذه الأفعال ومن ضمنها حسن النية ، فإذا خرج صاحب الحق عن هذه الحدود يكون قد خرج من نطاق حسن النية ، ولا يستفيد من سبب تبرير .
ويلاحظ أن شرط حسن النية ذو طبيعة شخصية لأنه يتعلق بالحدود الشخصية للحق الذي يفترض تحديد الباعث إلى الفعل والتحقق من مطابقته لغاية الحق ، ولا يتعلق بالحدود الموضوعية لاستعمال الحق وهي أن يمارس من قبل صاحبه وأن يكون الفعل مناسبا ً وملائما ً لممارسة الحق .
وتجدر الإشارة أخيرا ً إلى أن حسن النية في القانون الجزائي هو انتفاء القصد الجرمي ، إلا أن توافر القصد الجرمي لا يحول دون توافر حسن النية ، ومثال ذلك في حالة الدفاع المشروع ، حيث يقصد المدافع إلى ارتكاب الفعل الذي يجرمه القانون ولكن بنية الدفاع عن نفسه وليس بنية الاعتداء ، فهو يعد حسن النية بالرغم من توافر القصد الجرمي لديه .






رد مع اقتباس