عرض مشاركة واحدة
قديم 16-08-2010, 05:59 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
الأب ريمون جرجس

الصورة الرمزية الأب ريمون جرجس

إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي الزواج المسيحي سر

أنّ الإرادة الإلهيّة التي ظهرت في الخلق تشمل كل إنسان و هي تعبر عن الدعوة الشاملة لكل إنسان كي يحيا زواجه كما يريده الله فرصة لتجسيد رزح التكامل البشري في شركة حياة . و قد قال البابا بيوس الحادي عشر في رسالته 31 كانون الأول 1930 في "الزواج المسيحي" Casti connub:
"أن الزواج لم يضعه البشر ولم يجّددوه، بل الله. و ليس على يد البشر، و لكن على يد صانع الطبيعة نفسه ومجدّد الطبيعة، المسيح الرب، جُعلت للزواج شرائعه، و ثُبّت ورُفع. و بالتالي لا يمكن أن يكون لهذه الشرائع أي تعلّق بالإرادات البشرية، و لا أيّ تعاهد مخالف، حتى من الزوجين نفسيهما. أمّا طبيعة الزواج فليست على الإطلاق خاضعة لحرّية الإنسان، بحيث إن كل من عقده مرّة يكون بالفعل نفسه خاضعاً لشرائعه الإلهية، و مقتضياته الجوهرية" .
انطلاقاً من هذا المبدأ نفسه، الزواج يَنعمْ بحماية فائقة الطبيعة إذ أنَّ الله هو مصدره وواضع نظامه، فلا يجوز للإنسان أن يتلاعب بنظام هذه المؤسسة على هواه و يخضعها عن خطأ لشتى أنواع المداخلات. و من خلال هذا البعد الإلهي يتضح لنا البعد الإلهي في الزواج المسيحي.
إن السيد الرب يسوع المسيح لا يكتفي برد الزواج إلى ذلك الكمال الأصلي، الذي كانت الخطيئة البشرية قد شوهته، إنما يقرر له أساساً جديداً يضفي عليه معناه الديني في ملكوت الله. فإنه بالعهد الجديد الذي يؤسسه في دمه الخاص (متى 28:26)، يصير هو نقسه عريس الكنيسة (التي هي مجموعة المؤمنين). وأنّ ما جاء على لسان القديس بولس الرسول من أقوال ووصايا متعلقة بقداسة الزواج وسموه "و هذا السرّ لعظيم بـارتباطه بـسر اتـحاد الكنيـسة " ( أفسس 32:5 ) ومن ثمّ حثّه عـلى عـقده "في الربّ" (1 كو 39:7)، أدخل الزوجين في سرّ المسيح الفصحي، و جعل بالفعل عينه من الأسرة المسيحية أسرة على مثال الكنيسة. فخضوع الكنيسة للمسيح، وحب المسيح المخلص للكنيسة، التي افتداها ببذل ذاته من أجلها ، هما القاعدة الحية التي يجب على الزوجين الإقتداء بها. وإنهما القادران على ذلك لأن نعمة الخلاص تمس حبهما ذاته، مكرسة له مثله الأعلى ( أفسس 5: 21- 33 ).
يقول اللاهوتي المعاصر إدوار سخيليبكس في تعريفه لسرّ: "إنّ يسوع المسيح هو تجسّد الله. ومحبته هي التجسيد البشري لمحبة الله الخلاصيّة، ومجيء الله إلينا بصورة منظورة. ولأنّ هذه الأعمال الإنسانية هي في الوقت عينه أعمال الله، أي أعمال الله في صورة تجلّ بشري، فهي تملك في جوهرها قدرة إلهية للخلاص. و بما أنّ هذه القدرة الإلهيّة قد ظهرت لنا في صورة أرضية منظورة، فأعمال المسيح الخلاصية هي أعمال من نوع "السرّ". والسرّ هنا يعني عطيّة خلاصيّة يمنحنا إياها الله بشكل خارجي يمكن إدراكه وتيقّنه، و به تصير تلك العطيّة واقعاً و حقيقة" .
وأنّ قلنا أن الـزواج سرّ فهذا يعني أنّّ المحبة الله التي ظهرت في يسوع المسيح قد سكبت في قلبي اللـذين يـرتبطان ليصير حبهما أحدهما للآخـر على مثال حـبّ المسيح للكنيسة. و بذلك يصبح زواج المعمدين رمزاً واقعياً للعهد الجديد الأبدي المختوم بدم المسيح .

وأنّ الرموز و الشعائر التي ترافق الاحتفال بالزواج لهي دليل على أن الكنائس الشرقية بشكل خاص، قد وعت منذ الأجيال الأولى أنّ الزواج المسيحي هو عمل الكنيسة بحد ذاته يمجدّ الله في المسيح يسوع و في الكنيسة. وهو شأن الأسرار يمنح النعمة بقوة العمل نفسه. لذلك الزواج المسيحي سر مقدس والحب الزوجي هو عهد بين الزوجين وليس عقدا، و ليس للسلطة المدنية أي صلاحية في الأمور الروحية كالأسرار، و هذا بمثابة مبدأ التعليم اللاهوتي للكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية، لا يمكن التخلي عنه.
وقد أكدت السلطة التعليميّة في الكنيسة الكاثوليكيّة، التي نجدها في إرشادات والوثائق الكنسيّة، على أنّ الزواج هو "مؤسسة" إلهية لها نظامها و شرائعها و غايتها. وجوهر هذه المؤسسة بأنها مقدَّسة وقد رفعها المسيح إلى مقام السرّ . نذكر أهمّ هذه الوثائق:
1- المجمع التريدنتيني (المسكوني التاسع عشر) 1545-1563 في كانون الأول قد قرر:
"أن قال أحد أن الزواج ليس بالحقيقة أحد أسرار الناموس الإنجيلي السبعة التي أنشأها المسيح ربنا، ولكنه أمر اختلقه البشر في الكنيسة وأنه لا يمنح النعمة، فليكن محروماً ".
2- البابا بيوس التاسع في براءة له سنة1851 ميلادية بعبارةِ Apostolica Sedis يقول:
"ما من أحد من الكاثوليك يجهل ولا يسعه أن يجهل كون الزواج سراً بالحقيقة من أصل الأسرار السبعة للشريعة الأنجيلية مرسوماً من السيد المسيح. ولذا كان من الممتنع أن يتم زواج بين المؤمنين وما يكون له صبغةالسر. فإن وقع الاقتران بين الرجل وامرأة مسيحيين بمعزل عن السر فلا يكون زواجاً وأن وقع على مقتضى رسم الشريعة المدنية وانما يكون من قبيل التسري القبيح المهلك المحرم من الكنيسة منذ زمن طويل. فمن ثم قد تقرر امتناع انفصال السر عن عقد الزواج" .
3- و قد جاء في التعليم البابا لاون الثالث عشر ما يلي:
"وليس لأحد أيضاً أن يتأثّر بهذا التمييز الذي يعلنه بشدة أصحاب التشريع الملكي، بين العقد والسرّ، لكي يحفظوا للكنيسة ما هو من السرّ ويسلّموا العقد لصلاحية السلطات المدنية وإدارتها. مثل هذا التمييز، أو بالحري هذا الفصل، لا يمكن قبوله، إذ من المترف به أن العقد، في الزواج المسيحي، لا يمكن فصله عن السرّ، وبالتالي لا يمكن أن يوجد عقد صحيح وشرعي لا يكون بالفعل ذاته سرّاً، لأن المسيح الرب قد رفع الزواج إلى كرامة السرّ، والزواج هو العقد نفسه إذا ما تم بحسب الحق" .
4- و قد جاء أيضاً في رسالة "الزواج المـسيحي"، "Casti connubii "، 31 كانون الأول 1930 للبابا بيوس الحادي عشر:
" ولأنّ المسيح قد اختار علامةً لهذه النعمة الرضى الزوجي الذي يجري تبادله بوجه صحيح بين المؤمنين، فالسر متجد بوجه وثيق جداً بالزواج المسيحي بحيث لا يمكن أن يوجد زواج حقيقي بين معمدين بدون ان يكون بالفعل عينه سراً" .
5- وقد جاء المجمع الفاتيكاني الثاني وأصدر الدستور العقائدي "فرح و رجاء" الذي أعلنه البابا بولس السادس بتاريخ 7\ 12\ 1965 حيث قدم مفهوم اللاهوتي الجديد لـسرّ الزواج المسيحي، حين اعلن أنه (العدد 48):
"رباط مقدس الذي لا يخضع لمزاج الهوى البشريّ. فإنّ الله نفسه هو واضع الزواج...وكما أنّ الله قطع مع شعبه قديماً عهد محبة وأمانة، هكذا أراد الآن مخلص البشر، عروس الكنيسة، أن يقابل الأزواج المسيحيين بسرّ الزواج...كما أحبّ هو الكنيسة وبذل ذاته لأجلها...إنّ الحبّ الزوجيّ الحقيقي يرتكز على الحبّ الالهي وهو يستمد معالم طرقه وغناه من قوة المسيح الفدائية ومن عمل الكنيسة الخلاصيّ".
هذا المفهوم للزواج، أعطى أولاً، للمؤسسة الزوجية بعداً جديداً و أدخل العهد الزوجي في نطاق النظام الكنسي، وأضفى عليها صفة العهد بدل صفة العقد، لأنّ صفة العهد هي أكمل و أصح من صفة العقد بالنسبة للزواج الكنسي، وخصوصية العهد تتعدى الضوابط القانونية العائدة لسائر العقود . ثانياً فهو يساهم في إبعاد مؤسسة الزواج عن أي مؤسسة مدنية.
انطلاقاً من هذه المبادئ اللاهوتية في تفسير النظرة المسيحية للزواج من كل جوانبه، نجد أنّ لغة التشريع الكنسي الجديد، في الحديث عن الزواج، مستوحى من تصريحات المجمع الفاتيكاني الثاني. فالقانون الجديد للكاثوليك الشرقيين 1990 يقدم تعريفاً لسرّ الزواج: ق. 776-البند 2- بترتيب من المسيح، الزواج الصحيح بين المعمّدين هو سرّ بذات الفعل، به يجمع الله بين الزوجين على مثال الاتحاد السرمدي بين المسيح و الكنيسة، ونعمة السرّ تمنحهما نوعا من التكريس والحصانة".
فلأنّ السيد المسيح بترقية عقد الزواج إلى مـقام الأسرار قد وهب الكنيـسة عليه سلطاناً مطلقاً وخاصاً ومانعاً لغيره يخولها دون سواها سن الشرائع المتعلقة به، فهي – الكنيسة - تطالب لوحدها بحق التشريع والحكم في الأمور الزوجية ، وذلك بما يجب القيام به من الطقوس وشكليات لصحّة الزواج وجوازه، و تطالب بهذا الحق تجاه السلطات المدنية. كما أنّ لها الحق أيضاً في أن تنظر وتحكم في جميع الدعاوى الزوجية العائدة إلى صحـة الزواج أو بطلانه أو فسخه وإلى واجب المـساكنة وشرعية الأولاد وفسخ الخطبة ومفاعيل الزواج الأساسية . وقد بحثت القوانين 828-842 في الإجراءات القانونية التي يجب ممارستها لإتمام الاحتفال الزوجي. وهذه الإجراءات شكلية رسمها الشرع الكنسي لصحة العهد وجوازه.
لذلك زواج المعمدين ينظمه الشرع الإلهي و الكنسي بموجب القانون 780 ش.ك -البند 1 حيث ينصّ بوضوح كما يلي:
- يحكم زواج الكاثوليك، حتى إذا كان طرف واحد كاثوليكياً، لا الشرع الإلهي فحسب، بل القانون الكنسي أيضاً، مع عدم الإخلال باختصاص السلطة المدنية، في ما يتعلق بأثار الزواج المدنية المحض.
لذلك يخضع الزواج عند الكنائس الكاثوليكية جميعها لأحكام القانون الكنسي وجميع المعمّدين ما عدا الغير كاثوليكي مقيّدين بتطبيقه بموجب القانون 11 اللاتيني وقانون 1490 ش ك . والشرع الكاثوليكي الشرقي يلزم أيضاً المؤمنين المتحديـن بالمسيح وفي الكنيسة التي هي جسده (أفسس 5\23) المحافظة أينما كانوا بطقوسهم الليتورجية الشرعية ونظامهم الخاص وعليهم أيضاً أن يحصلوا فيها معرفة أحـسن وأن يمارسوهـا ممارسـة أكمل وإذا ما ابعدوا عنها اضطرارياً بفعل ظروف الزمان والأشخاص فليجتهدوا أن يرجعوا إلى تقاليد اجدادهم . وبموجب القانون 39 ش ك :
"إنّ طقوس الكنائس الشرقية يجب حفظها ودعمها بورع، لكونها تراث كنيسة المسيح بأسرها، يشع فيه التقليد المنحدر من الرسل عن طريق الأباء، ويؤكّد بتنوعّه وحدة الأيمان الكاثوليكي الإلهية".
وأيضاً القانون 12 ش.ك يقرر:
"يجب على المؤمنين، كل بسيرته، أن يحافظوا دوما على الشركة مع الكنيسة".
وذلك من خلال خضوعهم و توقيرهم بالعقل والإرادة لتعاليم الكنيسة .
لهذا السبب تطلب الكنيسة عادة للمؤمنين من أبنائها الإلتزام بالصيغة الكنسيّة الطقسية والقانونية لإجراء الزواج. ثمّة أسباب كثيرة تساعد في تعليل هذا القرار:
-" الزواج الأسراريّ عمل ليتورجيّ. فيجدر، من ثمّ، أن يحتفل به في الكنيسة في إطار ليتورجي علنيّ، - يندرج الزواج في نظام كنسيّ، و يُنشىء في الكنيسة حقوقاً وواجبات بين الأزواج و تجاه الأولاد، - لمّا كان الزواج حالة حياة ضمن الكنيسة، كان لا بدّ من أن يحظى باليقين، - إنّ الطابع العلنيّ في الرضى الزوجين يحمي ميثاقهما ويساعدهما في الوفاء به" .







رد مع اقتباس