منتدى محامي سوريا

العودة   منتدى محامي سوريا > المنتدى الفقهي > أبحاث قانونية مختارة > أبحاث في القانون البحري

إضافة رد
المشاهدات 11989 التعليقات 0
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-12-2007, 07:50 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
المستشار/ فهر عبد العظيم صالح
إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي مسئولية الناقل البحري عن سلامة البضائع

مسئولية الناقل البحري عن سلامة البضائع بين أحكام اتفاقية هامبورج والقانون المصري
تمهيد

لا جرم أن النقل يعد ظاهرة من أخطر وأعمق الظواهر التي صاحبت تاريخ البشرية في كل عصورها، ظاهرة تنعكس آثارها واضحة في شتى ألوان النشاط الإنساني، بل أنه أصبح أهم فروع هذا النشاط وألزمها للاقتصاد الوطني والاقتصاد العالمي في زمننا المعاصر.
وقد تطورت وسائل النقل وطرقه منذ عصر البخار تطوراً فاق كل الظنون والآمال نتيجة لحدوث ما يعرف بثورة الحاويات وبدء تطبيق أسلوب تحوية البضائع (1).

ويحتل النقل البحري مركز الصدارة بين وسائط النقل الأخرى "البري والجوي والنهري" في نقل التجارة العالمية حيث أنه يمثل حوالي 85% من حجمها الإجمالي، وغالبا سيبقى النقل البحري على وضعه المتميز هذا نظراً لقدرة وسيلته وهى السفينة على التكيف بشكل سريع مع متطلبات التكنولوجيا الحديثة في إنتاج السلع، وكذا ما تتميز به من سعه استيعابية تمكنها من استقبال البضائع مختلفة الأنواع والأحجام خاصة البضائع المحواه منها ونقلها إلى موانئ العالم، يضاف إلى ذلك إلى أن النقل البحري يعد من أرخص وسائط النقل تكلفة في أجور الشحن.

وغالبا ما يتم النقل في ضوء عقد يبرم بين مالك البضاعة والناقل يجسد هذا العقد ورقة تعد من أهم الأوراق التي تنظم هذه العملية وهي سند الشحن ويلقى هذا السند بمجموعة من الالتزامات على عاتق مالك البضاعة كما يلقى بمجموعة من الالتزامات على عاتق الناقل.
*
وقد تولت اتفاقية هامبورج 1978 تنظيم العلاقة بين أطراف عقد النقل البحري وقد جاءت هذه الاتفاقية بعد ما رسخ الاعتقاد في ضمير المجتمع الدولي بأن التحديث الشامل للقوانين الدولية لنقل البضائع بطريق البحر قد أصبح ضرورة لا غنى عنها، ولا سيما بعد ما شعرت دول كثيرة أن مصالحها كبلدان شاحنة للبضائع لا تحظى برعاية عادلة في ظل معاهدة بروكسل لسندات الشحن التي وجدت حتى بعد تعديلها لم تعد صالحة لإقامة توازن مقبول بين مصالح الدول الناقلة ومصالح الدول الشاحنة التي هي غالباً من الدول النامية والتي دأبت على إنفاق مبالغ طائلة للناقلين الأجانب لنقل ما تصدره من منتجاتها وما تستورده من سلع لازمة للتنمية.
وقد نودي إلى إبرام اتفاقية تحقيق التوازن بين الشاحنين والناقلين وكان النداء أن تأتي الاتفاقية المأمولة من خلال الأمم المتحدة وليس عن طريق اللجنة البحرية الدولية "C.M.I"
وبالفعل تلقف هذا الخيط مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "UNCTAD" وقام في 25 مارس 1968 بإصدار توصية رغم معارضة كثير من الدول الصناعية بتكوين فريق عمل لإعداد مشروع اتفاقية دولية تحت رعاية الأمم المتحدة لتحل محل اتفاقية بروكسل لسنة 1924 وبروتوكول 1968 المعدل لإحكامها.
*
وقد تمكن فريق العمل الذي أنتخب لرئاسته الأستاذ والعالم الجليل الدكتور محسن شفيق وبعد جهود مضنية من وضع مشروع اتفاقية جديدة لنقل البضائع بحراً ذلك المشروع الذي أقرته لجنة الأمم المتحدة الخاصة بقانون التجارة الدولية (اليونسترال) في مايو 1976 ومن ثم دعت الجمعية العمومية للأمم المتحدة إلى عقد مؤتمر دبلوماسي لمناقشة المشروع. وقد كان حيث انعقد مؤتمر دبلوماسي للأمم المتحدة في مدينة هامبورج في الفترة من 6 إلى 31 مارس سنة 1978 وحضر المؤتمر سبع وسبعون دولة من بينها مصر.
وفي 31 مارس 1978 أقر المؤتمر الوثيقة الختامية للاتفاقية وقرر المؤتمر أن يطلق على الاتفاقية اسم (اتفاقية الأمم المتحدة لنقل البضائع بحراً لعام 1978) وأوصى أن تعرف أحكامها باسم (قواعد هامبورج). وقد كانت مصر من أولى الدول المصدقة على الاتفاقية حيث صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 104 لسنة 1979 في 10 مارس 1979 بالموافقة عليها وأصبحت نافذة في مصر ابتداء من 3 نوفمبر 1990(2).
وحقا فقد استوحى التقنين البحري المصري الجديد أحكامه الخاصة بمسئولية الناقل البحري من قواعد هامبورج، ولكنه لم ينقلها حرفيا وكاملا وإنما خالفا في كثير من المواضع وبخاصة في أساس مسئولية الناقل البحري. ومن خلال هذا البحث نتناول مسئولة الناقل البحري عما قد يلحق البضائع من هلاك أو تلف وعن تأخره في توصيلها وذلك في ضوء أحكام هامبورج وأحكام قانون التجارة البحرية المصري رقم 8 لسنة 1990.
*
المبحث الأول
عقد النقل البحري
يأتي نقل البضائع بحراً في ظل عقد يبرم بين أطراف هذه العملية ومن ثم كان لزاما أن نتعرض في بادئ الأمر إلى تعريف العقد وأطرافه ومحله.
*
المطلب الأول
المقصود بعقد النقل البحري
في ضوء اتفاقية بروكسل فإن عقد النقل ينطبق فقط على عقود النقل المثبتة بسند الشحن أو بأية وثيقة مماثلة تكون سنداً لنقل البضائع بحراً – كذلك تنطبق على سند شحن أو أي وثيقة مماثلة
صادرة بسبب مشارطة السفينة ابتداء من الوقت الذي ينظم فيه هذا السند العلاقات بين الناقل وحامل سند الشحن. أما مصطلح عقد النقل البحري فيراد به طبقاً للفقرة السادسة من المادة الأولى من اتفاقية هامبورج (أي عقد يتعهد الناقل بموجبه نظير دفع أجره بنقل البضائع بحراًً من ميناء إلى آخر). وعلى أي حال فإن العقد الذي يشتمل على نقل بحري ونقل بوسيلة أخرى يعتبر عقد نقل بحري لأغراض هذه الاتفاقية بالقدر الذي يتعلق فيه بالنقل بحراً.
وباستقراء هذين التعريفين يتضح لأول وهلة الخلاف في مفهوم عقد النقل البحري في قواعد هامبورج عنه في معاهدة بروكسل، ذلك أن هذه الأخيرة وعلى نحو ما تقدم تقصر عبارة عقد النقل على العقد المثبت بسند شحن أو بأية وثيقة أخرى مماثلة كما أن معاهدة بروكسل كانت تصب بالغ اهتمامها على توحيد بعض القواعد المتعلقة بسندات الشحن على النحو المستمد من تسميتها.
ولكن بمطالعة التعريف الوارد باتفاقية هامبورج نجد أنها تجنب فيه حتى مجرد الإشارة إلى عبارة سند الشحن، ويعني ذلك أنه ليس بالضرورة الاعتبار عقد البحري خاضعا لقواعد هامبورج أن يكون مصاغا في سند شحن. *ومن ثم فإن العبرة بوجود اتفاق بين الناقل بين الشاحن بصرف النظر عن الشكل الذي يمكن أن يصب فيه (3). وبتعبير آخر فإن اتفاقية هامبورج لا يقتصر نطاق تطبيقها على عمليات النقل التي يصدر فيها سندات شحن فقط. وانطلاقا من تعريف هامبورج لعقد النقل البحري يمكن القول بأنه ينبغي توافر عنصرين أساسين فيه:
الأول: أن يكون النقل بحرياً
الثاني: أن يكون محل النقل (4).
ولكن المطالع للتعريف الوارد بالمادة 196 من قانون التجارة البحري المصري رقم 8 لسنة 1990 يجد أن المشرع لم يفرق بين ما إذا كان النقل منصباً على البضائع أو الأشخاص إذ عرفه على أنه عقد يلتزم بمقتضاه الناقل بنقل البضائع أو الأشخاص بالبحر مقابل أجره. ونرى أن تعريف المشرع المصري لعقد النقل البحري على هذا النحو أكثر شمولا لأنه جاء لينظم التجارة البحرية برمتها ولم يقتصر على عمليات النقل التجاري فحسب كما كان هدف هامبورج.
*
المطلب الثاني
المقصود بسند الشحن *Bill of loading
عرفت اتفاقية هامبورج في الفقرة السابعة من المادة الأول سند الشحن بأنه (( وثيقة تثبت عقد النقل البحري واستلام الناقل للبضائع أو تحميلها، ويتعهد الناقل بموجبه بتسليم البضائع مقابل استرداد الوثيقة وكل نص في الوثيقة على تسليم البضائع لأمر شخص مسمى أو تحت الإذن أو لحامله يرتب قبل هذا المتعهد )).
ويستفاد من تعريف هامبورج أن لسند الشحن الوظائف التالية (5):
1- إثبات شروط النقل بل ولإثبات عقد النقل
2- إثبات استلام الناقل للبضائع أو شحنها على السفينة
3- قابلية السند للتنازل وانتقال ملكية البضائع عن طريق التطهير لذا فإن سند الشحن دليل على ملكية البضاعة فهو دليل ملكيتها، فنقل ملكية هذا السند إلى شخص آخر يؤدي(6) إلى نقل ملكية البضاعة ويعطي صاحبه الحق في استلام البضاعة والمطالبة بها في ميناء الوصول ويجدر بالذكر أن سند الشحن القابل للتداول هو الوحيد الذي يمكن أن يعمل كوثيقة ملكية.
4- التزام الناقل بتسليم البضائع إلى الحامل الشرعي لسند الشحن.
وقد نظم قانون التجارة البحري سند الشحن فألزم الناقل بإصدار سند الشحن عند تسلمه للبضاعة بناء على طلب الناقل، كما يمكن أن يتضمن سند الشحن بيانا يفيد تمام شحن البضائع بالفعل على السفينة وتحديد تاريخ الشحن.
*
إذاً وحسبما سلف فسند الشحن يُعد وثيقة مثبته لعقد النقل لذا فإنه يتضمن مجموعة من البيانات الهامة حيث نذكر فيه:
أ- اسم الناقل والشاحن والمرسل إليه البضاعة وعنوان كل منهم.
ب- صفات البضاعة – وطبيعتها وعدد الطرود ووزنها وحجمها والعلاقات المميزة الموضوعة عليها وحالتها الظاهرة.
ج- اسم السفينة التي سيتم النقل بها وذلك إذا صدر سند الشحن عند إجراء الشحن أو بعده.
د- اسم ربان السفينة
ه - ميناء الشحن وميناء التفريغ.
و- أجرة النقل وما إذا كانت مستحقة بكاملها عند الوصول أو الجزء المتبقي المستحق منها.
ز- مكان إصدار السند وتاريخ إصداره وعدد النسخ التي حررت منه.
ح- إذا كان الناقل سيقوم بنقل البضاعة على سطح السفينة فإنه لابد أن يذكر ذلك أيضا بسند الشحن.
ويحرر سند الشحن من نسختين تسلم إحداهما إلى الشاحن وتبقى الأخرى مع الناقل الذي يجب عليه أن يوقع هو أو من ينوب عنه على الشحن المسلم للشاحن وهذه النسخة الأخيرة تعطى لحاملها الشرعي الحق في تسلم البضاعة أو التصرف فيها.
وجدير بالذكر أن سند الشحن يعد دليلاًَ على تسلم الناقل للبضائع من الشاحن بالحالة المبينة فيه – كما أنه يعد حجة في إثبات البيانات التي يشتمل عليها وذلك فيما بين الناقل والشاحن – وبالنسبة للغير أيضا.
وقد جاء قانون التجارة البحري المصري مفصلا وواضحا فيما يتعلق بهذا الشأن حيث يفهم منه أن هناك عدة أنواع من سندات الشحن هي:
أ‌) سند الشحن الاسمي: وهو السند الذي يحرر باسم شخص معين وهو لا يجوز فيه التظهير طالما ثم النص فيه صراحة على حظر حوالته أو تداوله (7).
ب) سند الشحن المحرر للأمر: ويصدر لأمر شخص محدد ويكون هذا السند قابلاً للتداول بالتظهير ويعتبر مجرد توقيع الشخص المحرر لأمره السند على ظهره بمثابة تظهير ناقل لملكية البضائع ويعطي المظهر له الحق في استلام البضاعة من الناقل لمن ظهر إليه.
ج) سند الشحن لحامله: وهو السند الذي يصدر ويدون فيه كلمة لحامله وهو يعطي الحق لكل من يحرزه أن يتسلم البضائع بل إن ملكية البضائع تثبت لمن يحمل السند ويتم تداول سند الشحن المحرر لحامله بالمناولة (8).
ومن ثم فإنه يكون مالكاً للبضاعة وصاحب حق في استلامها وحاملاً شرعيا لسند الشحن كل من:
1- صدر السند باسمه إذا كان سند الشحن اسمياً.
2- حامل السند إن كان السند صادرا لحامله أو مظهرا على بياض.
*
المطلب الثالث
أطراف عقد النقل البحري
1- الناقل Carrier
وهو كل شخص أبرم عقدا أو أبرم باسمه عقد مع الشاحن لنقل البضائع بحراً، وقد ورد هذا التعريف في الفقرة الأولى من المادة الأولى لاتفاقية هامبورج وهو يعد أكثر عمومية وأوسع شمولا من التعريف الوارد في معاهدة بروكسل التي عرفت الناقل في الفقرة الثانية من المادة الأولى منها بأن الناقل يشمل مالك السفينة أو مستأجرها المرتبط مع الشاحن بعقد نقل وهذا التعريف ولا شك ضيق من مفهوم الناقل وجعله قاصرا على مالك السفينة أو مستأجرها الذي يبرم عقد النقل مع الشاحن.
وفي ظل معاهدة هامبورج فإن اعتبار الشخص ناقلا مرهون بمجرد التعاقد مع الشاحن لنقل البضائع بحراً ومن ثم فإن مصطلح الناقل يمكن أن يشمل مقدم البضائع أو متعهد الوسائط الذي يتعاقد من الباطن مع ناقل بحري لإنجاز مرحلة النقل البحري (9).
وفي قانون التجارة البحري جاءت المادة 198 تنص على سريان أحكام الفصل الثاني فية على عقد النقل البحري سواء أكان الناقل مالكا للسفينة أم مجهزا أم مستأجرا لها.
ولا ريب أن ما ورود في هذه المادة بشأن الناقل ليس على سبيل الحصر وإنما هو على سبيل المثال فلا يمنع هذا التعداد بصفته الناقل من كونه مالكا أو مجهزا أو مستأجرا للسفينة إمكانية أن يقوم بالنقل ويبرم عقد النقل أي شخص آخر.
فالعبرة هي بمن يبرم عقد النقل مع الشاحن، وإن كنا نميل إلى الوضوح الذي اعتنقته اتفاقية هامبورج في هذا الشأن حيث وضعت تعريفاً دقيقاً لمصطلح الناقل وهو ما كان يتعين على المشرع المصري الإقتداء به.
*
2- الناقل الفعلي Actual Carrier
تنص الفقرة الثانية من المادة الأولى من اتفاقية هامبورج على أنه يراد بمصطلح الناقل الفعلي كل شخص يكون الناقل قد عهد إليه بتنفيذ نقل البضائع أو جزء من هذا النقل، كما يشمل كل شخص آخر يكون قد عهد إليه بهذا التنفيذ. وبالرجوع لاتفاقية بروكسل نجد أنها لم تنظم مسألة الناقل الفعلي الذي يعهد إليه الناقل بنقل البضائع في حين أفردت اتفاقية هامبورج المادة العاشرة منها لتنظيم مسئولية الناقل الفعلي فاتسمت بذلك بالوضوح والدقة في تحديد مسئولية كل من يقوم بدور في عملية النقل البحري.
*
3- الشاحن Shipper
في الوقت الذي خلت فيه اتفاقية بروكسل وكذا قانون التجارة البحرية رقم 8 لسنة 1990 من وضع تعريف للشاحن فقد ورد باتفاقية هامبورج في الفقرة الثانية من المادة الأولى بها تعريفاً له على أنه ( كل شخص أبرم أو أبرم باسمه أو نيابة عنه عقد نقل للبضائع بحرا مع الناقل أو أي شخص قام بتسليم البضائع للناقل سواء أتم ذلك التسليم بواسطته أو باسمه أو نيابة عنه وكانت تلك البضائع تتعلق بعقد النقل البحري. ولقد جاء هذا التعريف واسع المدلول من أجل حماية حقوق جميع الأشخاص الذين يتعاملون مع الناقل بموجب عقد النقل، وكذا حماية حقوق الناقل قبل المتعاملين معه (10).
*
4- المرسل إليه Consignee
المرسل إليه وكما عرفته الفقرة الرابعة من المادة الأولى من اتفاقية هامبورج هو ذلك الشخص الذي له الحق في استلام البضائع. وقد انعقد الإجماع فقها وقضاء على أنه إذا كان المرسل إليه شخصيا آخر غير الشاحن فإن المرسل إليه عندما يطالب باستلام البضاعة لا يعد مستعملا حق الشاحن أو بوضعه وكيلا عنه بل أن له حقا مباشراً وأصيلاً قبل الناقل يستطيع أن يطالب بوفائه باسمه الخاص (11). بيد أن الخلاف قد ثار حول الأساس القانوني لهذا الحق ويرى أستاذنا الدكتور / سمير الشرقاوي أن حقوق المرسل إليه والتزاماته تنطلق من فكرة ملكيته للبضاعة.
*
المطلب الرابع
محل عقد النقل - البضائع
إن الهدف من إبرام عقد النقل ولا ريب هو نقل البضائع من مكان إلى آخر لأغراض التجارة الدولية. ومن ثم فإن محل العقد هو البضائع المنقولة وبصدد مضمون البضائع فقد جاء بالفقرة (5) من المادة الأولى من اتفاقية هامبورج أن كلمة البضائع تتسع لتشمل الحيوانات الحية. وفي حالة تجميع البضائع في حاوية أو طبلية “Pallet” أو أداة نقل مماثلة أو في حالة تغليفها، فإن مصطلح البضائع يشمل أداة النقل أو مواد التغليف المذكورة إذ قدمها الشاحن.
ويبين من نص تلك الفقرة أنها لم تستهدف تعداد البضائع المشمولة بالتنظيم القانوني للاتفاقية على سبيل الحصر ولكنها أوردت مجرد تعريفا توضيحياً ليس إلا. ولقد تميزت وبحق اتفاقية هامبورج في هذه الخصوصية بوضوح ومدى أوسع جاوز ما ورد بشأنها بمعاهدة بروكسل (12). حيث أن معاهدة بروكسل اعتراها القصور في هذا الجانب حيث استبعدت من مصطلح البضائع الحيوانات الحية والبضائع التي تشحن على سطح السفن ولم يكن ذلك إلا محاباة للناقلين على حساب الشاحنين بينما جاءت هامبورج لتقر التوازن بين الطرفين في هذا الخصوص وتواجه الحاجات الحديثة للنقل البحري (13).
وبعقد مقارنة بين معاهدة هامبورج وبروكسل فيما يتعلق بمحل عقد النقل وهو البضائع نجد الأولى شملت جميع البضائع دون استثناء بل أنها جاءت لتواكب تطورات النقل البحري بشأن وسائل النقل الحديثة إذا أنها تناولت في التعريف أمرين هما:
أولا: التأكيد على شمول هذا الاصطلاح على الحيوانات الحية لإبراز الفرق بينها وبين معاهدة بروكسل في هذا الشأن.
ثانيا: إدخال مكون جديد في معنى البضاعة ألا وهو الحاويات والطبالي وغيرها من الوسائل التي تستخدم في التعبئة وذلك إذا قدمها الشاحن (14).
*
المبحث الثاني
مسئولية الناقل البحري في ضوء أحكام اتفاقية هامبورج وقانون التجارة البحري Liability of Carrier
*
المطلب الأول
الأساس القانوني لمسئولية الناقل في ضوء قواعد هامبورج
إذا كانت مسئولية الناقل البحري تحتل مركز الصدارة من مسائل النقل البحري فإن أساس المسئولية هو المحور الذي تدور حوله أحكام المسئولية وهو الجوهر الذي يحتوي فلسفة المشرع وأهدافه العليا.
وفي واقع الأمر فإن المواد 5، 6، 8 من اتفاقية هامبورج وهي المتعلقة بأساس وحدود المسئولية تقع بمثابة القلب في الجسد وتتميز بأهمية قصوى لأثرها المباشر على التجارة البحرية واقتصاديات النقل البحري للدول المختلفة. ونظرا لحساسية هذه المواد وخطورة أحكامها فقد ثار بشأنها جدل واسع النطاق وهو يعكس في حقيقة الأمر واقع صراع المصالح المتعارضة في عقد النقل البحري (15).
- مصلحة الناقلين في إسقاط المسئولية عن كاهلهم أو على الأقل التخفيف من أعبائها ما أمكن.
- مصلحة الشاحنين في الحصول في الحصول بأيسر الشروط على تعويض كامل مقابل ما يلحق بهم من ضرر نتيجة هلاك بضائعهم أو تلفها أو تأخير وصولها.
وهو الصراع الذي أمكن حسمه من خلال حزمة الاتفاق “Package deal”, ولعل أهم ما قدمته اتفاقيه هامبورج وتتميز به على معاهدة بروكسل هو ما يتعلق بالأساس القانوني الذي بنيت عليه مسئولية الناقل البحري حيث ورد هذا الأساس بالفقرة الأولى من المادة الخامسة بالاتفاقية والتي نصت على أن (الناقل يسأل عن الخسارة الناتجة عن هلاك البضائع أو تلفها، وكذلك الناتجة عن التأخير في التسليم، إذا وقع الحادث الذي تسبب في الهلاك أو التلف أو التأخير أثناء وجود البضائع في عهدته على الوجه المبين في المادة 4، ما لم يثبت الناقل أنه قد اتخذ هو أو مستخدموه أو وكلاؤه جميع ما كان من المعقول اتخاذه من تدابير لتجنب الحادث وتبعاته) وهي بذلك رتبت وبوضوح مسئولية الناقل عن كل حادث (occurrence) يترتب عليه هلاك البضاعة أو تلفها أو تأخر وصولها إذا وقع هذا الحادث أثناء وجود البضاعة في حراسته على الوجه المقرر بالمادة الرابعة من الاتفاقية (16) وذلك ما لم يثبت النقل أنه هو ووكلائه وتابعيه اتخذوا جميع ما كان يلزم اتخاذه من تدابير معقولة لتجنب وقوع الحادث واتقاء نتائجه (17) فألفت بذلك اتفاقية هامبورج على عاتق الناقل التزاماً بضمان سلامة البضائع وموعد وصولها فإن أخل به افترض وقوع الخطأ في جانبه وانعقدت مسئوليته(18) ومفاد ذلك أن المسئولية في كنف اتفاقية هامبورج ليست موضوعية تقوم على مجرد الضرر وإنما تقوم على فكرة الخطأ المفترض ومن ثم فليس على المدعى سوى إثبات ما لحق ببضاعته من ضرر حتى يفترض بذلك خطأ الناقل وعلاقته السببية بين هذا الخطأ المفترض وذلك الضرر.
*
ولكن يستطيع الناقل نفي قرينة هذا الخطأ المفترض ودفع مسئوليته إذا ما أفلح في إثبات أنه قد اتخذ كافة التدابير المعقولة لمنع الضرر (19). وتطبيقاً لذلك فإنه إذا نشأ الضرر مثلاً عن مخاطر البحر فعلى الناقل ليدرأ عن كاهله قرينة الخطأ المفترض في حقه أن يثبت أنه قد اتخذ التدابير المعقولة للحيطة منها واتقاء نتائجها. وحقيقة الأمر أن ضابط " التدابير المعقولة " هو معيار جديد على مفهوم المدرسة اللاتينية التي تعتنق معيار " الرجل المعتاد " ولكن لا خلاف على كون هذا الضابط ذو طبيعة مادية ينظر إلى ما يفترض أن يفعله الناقل المتوسط الحرص في نفس الظروف لا الناقل الغافل ولا الشديد اليقظة. والتزم الناقل باتخاذ التدابير المعقولة ليس لمنع وقوع الحادث فحسب بل لاتقاء نتائجه أو تحديد أثرها إذا ما وقع، كما هو الحال في القوة القاهرة. وفي ضوء ما تقدم وما ورد النص عليه بالمادة الخامسة من اتفاقية هامبورج يتضح أن التزام الناقل في ضوء أحكام هذه الاتفاقية هو التزام يبذل عناية لا بتحقيق نتيجة.

المطلب الثاني
أساس مسئولية الناقل لمسئولية الناقل في التقنين البحري المصري
نصت المادة 227 فقرة أولى من القانون البحري المصري على أن " يضمن الناقل هلاك البضائع وتلفها إذا حدث الهلاك أو التلف في المدة بين تسليم الناقل البضائع في ميناء الشحن وبين قيامه في ميناء التفريغ بتسليمها إلى صاحب الحق في تسلمها أو إيداعها طبقاً للمادة ".
ونصت المادة 229 على أن يعفى الناقل من المسئولية المنصوص عليها بالفقرة سالفة الذكر إذا أثبت أن هلاك البضاعة أو تلفها يرجع إلى سبب أجنبي لا يد له أو لنائبة أو لأحد تابعيه فيه.
ونصت المادة 240 في فقرتها الأولى على أن " يسأل الناقل عن التأخير في تسليم البضائع إلا إذا أثبت أن التأخير يرجع إلى سبب أجنبي لا يد له فيه.
ويستفاد من هذه النصوص أن التزام الناقل البحري في القانون المصري هو التزام بتحقيق نتيجة بحيث يكون الناقل مسئولاً عن عدم تحقيق النتيجة المقصودة أي عن هلاك البضائع أو تلفها أو التأخير في تسليمها.
ولا ترتفع هذه المسئولية عن الناقل إلا إذا أثبت أن الهلاك أو التلف أو التأخير يرجع إلى سبب أجنبي لا يد له أو لنائبه أو لأحد من تابعيه فيه كقوة قاهرة أو خطأ من الشاحنة أو العيب الذاتي للبضائع أو خطأ الغير وهو ذات ما كان مقرراً من قواعد في القانون البحري القديم.
*
حالات المسئولية

وبعد أن تعرضنا لأساس مسئولية الناقل في كل من قانون التجارة البحري واتفاقية هامبورج يتضح أن هناك ثلاث حالات لمسئولية هذا الناقل هي:

الحالة الأولى: مسئولية الناقل عن هلاك البضاعة سواء كان هذا الهلاك كلياً أو جزئياً كما لو وجد عند الوصول عجز في وزنها أو عددها المبينة في سند الشحن. بيد أن مسئولية الناقل عن العجز قد ينالها بعض التخفيف بسبب ما جرت به العادة لاسيما فيما يتعلق بالبضائع التي تشحن صباً كالحبوب، ومن التسامح عما يلحق هذه البضاعة من عجز طفيف أثناء النقل في حدود معينة بسبب الضغط أو البخر أو تعرضها لرطوبة البحر وتقلبات الجو فضلاً عن عمليتي الشحن والتفريغ وهو ما يسمى بعجز الطريق. أما البضائع المشحونة في طرود فإن حزمها يقيها من هذه العوارض.(20).
*
الحالة الثانية: مسئولية الناقل عن التلف الذي يكتشف بالبضاعة عند الوصول إذ يفترض أن الناقل قد تسلم البضاعة من الشاحن في حلة جيدة مادام أنه لم تدرج تحفظات في سند الشحن فيما يتعلق بحالة البضاعة.
*
الحالة الثالثة: مسئولية الناقل عن التأخر في تسليم البضاعة عن الميعاد المتفق عليه أو الذي جرت به العادة وهو ما ورد بنص المادة (240) من قانون التجارة البحري السالف ذكرها. وقد عنت الفقرة الثانية من هذه المادة وضع معياراً للتأخر في تسليم البضاعة حيث نصت على أن الناقل يعتبر قد تأخر في تسليم البضاعة إذا لم يسلمها في الميعاد المتفق عليه أو في الميعاد الذي تسلمها فيه الناقل العادي في الظروف المماثلة إذا لم يوجد مثل هذا الاتفاق. وتعد البضائع في حكم الهالكة إذا لم تسلم خلال الستين يوماً التالية لانقضاء ميعاد التسليم وذلك وفق ما تقرره المادة (228) من القانون المصري. وبالانتقال لما أوردته هامبورج من أحكام في شأن المسئولية عن التأخير في تسليم البضاعة نجد أنها تولت في الفقرة الثانية من المادة الخامسة توضيح معنى التأخير"Delay" فقالت انه يقع إذا لم تسلم البضاعة في الميناء المعين للتفريغ في حدود الوقت المتفق عليه في العقد. ونحن لا نجد فرقا يذكر بين هذا النص والحكم الوارد بالقانون المصري في ذات الشأن.
*
ولكن فيما يتعلق بحالة عدم الاتفاق على ميعاد محدد لوصول البضائع نجد أن هامبورج اعتنقت معيارا أكثر دقة بل أنه يحقق مزيد من التوازن العقدي بين حقوق الشاحن والتزامات الناقل إذا أنها نصت على أنه "إذا لم ينص العقد على ميعاد التسليم فيقع التأخير إذا لم تسلم البضاعة في الميعاد الذي يكون من المعقول تطلبه من ناقل حريص مع مراعاة ظروف الحال. وهي بذلك وضعت معياراً شخصياً مناطه الناقل الحرص بينما تبنى القانون المصري معيار الناقل العادي ولا مراء في أن الأول أكثر تشدداً فيما ينبغي على الناقل الالتزام به فالحرص أداء يشير إلى ضرورة تحرى الناقل كل ما ينبغي عليه القيام به كمتخصص في هذا النطاق وليس مجرد أداءً عادياً يتصور أن يؤتيه ناقلاً معتاد الخبرة لذا نعتقد أنه كان حرياً بالمشرع المصري تبني معيار الحرص بدلاً من الناقل المعتاد. وحقيقة الأمر أن هذه النصوص الواردة بقانون التجارة البحري المصري وتلك المشابهة لها في اتفاقية هامبورج أعادت التوازن العقدي بين طرفي عملية النقل البحري حيث لم تكن معاهدة بروكسل تتناول إلا المسئولية عن الهلاك أو التلف فحسب في حين استبعدت مسئولية الناقل عن التأخير في تسليم البضائع وإن كان المبرر في ذلك آنذاك عدم الرغبة في إرهاق الناقل في وقت كانت السفينة لا تستطيع ضبط مواعيد إقلاعها ووصولها نظراً لتواضع ظروف الملاحة البحرية في مطلع العشرينات من القرن السابق (21).
*
ويتضح من جماع ما تقدم انه يترتب على عدم قيام الناقل بتنفيذ التزاماته بتسليم البضائع سالمة في الميعاد المتفق عليه أو الميعاد القانوني حال عدم الاتفاق مسئوليته عن تعويض ما حاق بالشاحن من ضرر على النحو التالي (22).
(1) فقد يكون الضرر اللاحق بالبضاعة ناشئاً عن خطأ الناقل الشخصي كأن يستخدم في النقل سفينة غير صالحة للملاحة. وإذا كان عدم صلاحية السفينة للملاحة ناشئاً عن عيب خفي بها يجهله الناقل، فان هذا لا ينقص من مسئوليته. يبد أن القضاء الفرنسي، مستوحياً في ذلك اعتبارات العدالة وحدها، يقضي بعدم مسئولية الناقل في هذه الحالة، استناداً إلى أن السفينة الحديثة كثيرة التعقيد بحيث يستحيل على الناقل مهما بذل من همه وعناية أن يحيط بجميع أجزائها وأن يتوصل إلى معرفة عيوبها الخفية.
(2) والغالب أن ينشأ الضرر اللاحق بالبضاعة عن خطأ تابعي الناقل البحريين (الربان، والطاقم، والمرشد) أو تابعيه البريين، كأن يكون الهلاك أو العجز نتيجة سرقة أو حريق بخطأ التابع، أو التصادم من الربان، أو نتيجة مناورة خاطئة أو عدم العناية بالبضاعة، أو رصها رصاً سيئاً. ويستطيع الناقل أن يدفع هذه المسئولية إذا أثبت أن عدم التنفيذ أو التأخر فيه ناشئ عن سبب أجنبي لا يد له فيه ، كخطأ الشاحن أو عيب ذاتي في البضاعة أو خطأ من الغير أو قوة قاهرة (مادة 165 مدني 229، 240 بحري).
(أ) فلا يسال الناقل إذا أثبت أن الضرر اللاحق بالبضاعة ناشئ عن خطأ الشاحن كعدم إحكام ربط البضاعة أو سوء تعبئتها.
(ب) ولا محل لمساءلة الناقل إذا كان الهلاك أو التلف ناتجاً عن عيب ذاتي في البضاعة كأن تكون مما يتلف بالحرارة أو البرودة أو الرطوبة.
(ج) كذلك لا تقوم مسئولية الناقل إذا أثبت أن الضرر اللاحق بالبضاعة ناشئ عن خطأ الغير أي من شخص أجنبي لا يسأل عنه الناقل ، كما إذا كان الضرر نتيجة تصادم وقع بخطأ ربان سفينة أخرى ، وكما كان الضرر ناتجاً من بضاعة أخرى خطرة لم يعلن صاحبها عن طبيعتها ولم يكن في وسع الناقل أن يعلم بخطرها.
(د) كذلك لا مجال لمسئولية الناقل إذا كان الضرر ناشئاً عن قوة قاهرة والقوة القاهرة يجب أن تكون حادث لا يمكن توقعه ، ولا يمكن دفعه. ومن أمثلتها العواصف العاتية وهياج البحر هياجاً شديداً وحوادث الحرب ، وحظر التجارة ، وفرض حصار بحري على ميناء الوصول ، واستيلاء السلطة العامة على السفينة أو البضاعة ، وقيود الحجر الصحي الاستثنائية وقيام اضطراب أو ثورة ولا يعتبر الحريق أو السرقة بمثابة قوة قاهرة إلا إذا وقع في ظروف جعلت توقعه غير مفروض وتلافيه غير ممكن. أما الأضرار عن العمل فلا قوة قاهرة إلا إذا كان عاماً يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً وكان فجائياً غير متوقع من الناقل ولا دخل لإرادته في وقوعه.
*
ويلاحظ أن التغيرات الجوية العادية لا تعتبر من قبيل القوة القاهرة لانتقاء عدم التوقع. ومن ثم يكون الناقل مسئولاً عن التأخير الناشئ عن تجمد مياه الميناء إذا كان هذا التجمد يقع كل سنة على وتيرة واحدة في فصل معين. كما يكون مسئولاً عن التأخير الناشئ عن المد والجزر إذا كان يحصل بصفة دورية. وفي حالة ما إذا لم يتم التوصل إلى سبب الهلاك أو التلف أو التأخير فإن الناقل يظل مسئولاً ولا ترتفع المسئولية عن كاهله وقد حددت المادة 227 فقرة أولى النطاق الزمني لمسئولية الناقل بالفترة بين تسلم الناقل البضائع في ميناء الشحن وبين قيامه في ميناء التفريغ بتسلمها على صاحب الحق في تسلمها وفي هذا النطاق الزمني تسري أحكام المسئولية المنصوص عليها في القانون. أما خارج هذا النطاق الزمني، أي قبل هذه الفترة أو ما بعدها فتخضع مسئولية الناقل للقواعد العامة في المسئولية، ويجوز الاتفاق بشأنها على شروط الإعفاء من المسئولية تطبيقاً للحرية التعاقدية.
*
وتقضي المادة 227 فقرة 2 بعدم سريان أحكام المسئولية المنصوص عليها في الفقرة الأولى من ذات المادة على نوعين من النقل:
النوع الأول: الملاحة الساحلية بين مواني الجمهورية إلا إذا اتفق على غير ذلك. وليس معنى ذلك أن الناقل لا يكون مسئولاً عن الهلاك أو التلف أو التأخير في هذه الملاحة، وإنما تخضع مسئولية القواعد العامة في المسئولية العقدية، مادام أنه لم يتفق على خضوع هذه الملاحة لأحكام المسئولية الواردة في لتقنين البحري.
النوع الثاني: النقل بمقتضى عقد إيجار إلا إذا صدر سند شحن تنفيذاً لهذا النقل فتسري أحكام هذه المسئولية ابتداء من الوقت الذي ينظم فيه السند العلاقة بين حامله والناقل.
غير أنه يلاحظ أن المادة 227 فقرة 2 بعد أن أخرجت النقل بمقتضى عقد الإيجار من نطاق أحكامها، عادت فاستثنت حالة صدور سند شحن تنفيذاً لعقد الإيجار وقضت بسريان أحكام هذه المسئولية على هذا السند إذا كان حامل سند الشحن عند لوصول هو غير المستأجر الموقع على الإيجار. وهذا الاستثناء مقرر لصالح الغير حامل سند الشحن الذي لم يشترك في إبرام عقد الإيجار وكان أجنبياً عنه فله الاستفادة من أحكام المسئولية الواردة في القانون والتمتع بحمايتها، ومن ثم تخضع علاقته بالناقل ( المؤجر ) لأحكام هذه المسئولية لا لنصوص عقد الإيجار.
أما إذا كان حامل سند الشحن عند الوصول هو نفس المستأجر الموقع على عقد الإيجار أو ممثله، فإن النقل يظل خاضعاً لنصوص عقد الإيجار الذي يربط الطرفين، ذلك أن سند الشحن لا يعدو أن يكون أيضاً إيصالاً بتسلم الربان البضاعة في هذه الحالة.
*
المطلب الثالث
أوجه الخلاف بين أحكام قانون التجارة البحري المصري واتفاقية هامبورج فيما يتعلق بمدى مسئولية الناقل
حقيقة لم ينقل قانون التجارة البحرية أحكام مسئولية الناقل نقلاً حرفياً من اتفاقية هامبورج ولكنه استعان بها فحسب فتصرف في عباراتها بما يتفق والنظام المصري في صيانة النصوص وخالفها في المواضع التي تتطلب المصلحة ذلك.
وبتتبع أحكام مسئولية الناقل في كل من اتفاقية هامبورج والتقنين المصري يمكن أن نرصد ثلاثة أوجه للاختلاف:
الأول: بدأ في المادة 227 ق.ت.ب ببيان أحكام المسئولية عن الهلاك أو التلف مقررة مبدأ المسئولية بقولها " يضمن الناقل هلاك البضائع أو تلفها " كما يعني أن المسئولية هي الأصل ولا يحتاج قيامها إلى إثبات وأن نفيها استثناء يتعين إقامة الدليل عليه. بينما استخدمت المادة (5) من الاتفاقية تعبير " يسأل الناقل عن الخسارة الناتجة عن هلاك البضاعة أو تلفها.... " فكلمة يضمن التي أورد المشرع المصري أقوى من الناحية القانونية من كلمة يسأل لأن الضمان يشغل ذمة الشخص بالتعويض سواء أكان مخطئاً أو غير مخطئ.
*
الثاني: تعفي المادة 229 ق.ت.ب الناقل من المسئولية عن الهلاك أو التلف، كما تعفى الناقل من المسئولية عن التأخير إذا أثبت الناقل السبب الأجنبي الذي لا يد له أو لأحد تابعيه فيه بينما تعفى المادة الخامسة من اتفاقية هامبورج الناقل من المسئولية إذا اثبت اتخاذ التدابير المعقولة لتجنب الحادث وتبعاته. ولقد كان نص المادة 229 من مشروع القانون قبل إحالته لمجلس الشعب يعفي الناقل من المسئولية عن الهلاك أو التلف " إذا أثبت الناقل هو ومن ينوب عنه أو تابعوه اتخاذ التدابير المعقولة لمنع وقوع الضرر أو أنه لم يكن في استطاعتهم اتخاذ هذه التدابير"
وهذا النص يتمشى مع صياغة المادة الخامسة من اتفاقية هامبورج إلى حد بعيد غير أن التعديل حذف كلمة التدابير المعقولة وأضاف أن الإعفاء من المسئولية منوط بإثبات الناقل للسبب الأجنبي أو القوة القاهرة بما يبرز أن حقيقة هذا الالتزام هو أنه التزام بتحقيق نتيجة وليس ببذل عناية كما هو في اتفاقية هامبورج.
الثالث: الهلاك أو التلف أو التأخير الناتج عن الحريق. حيث أن مشروع التقنين المصري كان قد أخذ في شأنه بفكرة الخطأ الواجب الإثبات أسوة بنص الفقرة 4 من المادة (5) من اتفاقية هامبورج غير أنه في القراءة النهائية لمجلس الشعب تبدل الحال وأصبح حكم الحريق مثل غيره من الحوادث يخضع لمبدأ المسئولية المفترض في جانب الناقل. ويرى الأستاذ الدكتور فاروق ملش ونؤيده فيما اعتنقه من رأى أن المجلس كان محقاً فيما ذهب إليه. ذلك أن الحريق إذا شب في السفينة فسوف يكون من العسير على الشاحن اكتشاف سببه وإثبات خطأ الناقل ، بينما يكون الناقل هو الأقرب إلى الدليل وإلى الوقوف على كيفية وسبب نشوب الحريق واتخذ حياله من تدابير (23).

المطلب الرابع
المسئولية في حالة تعدد الناقلين
عرضت اتفاقية هامبورج لصورتين في هذا الشأن على النحو التالي:
الصورة الأولى:- مسئولية الناقل الفعلي والناقل المتعاقد
حيث يعهد الناقل المتعاقد مع الشاحن (contracting carrier) إلى ناقل آخر بتنفيذ النقل كله أو بعضه وقد جاء تنظيم هذا الشأن بموجب المادة العاشرة من الاتفاقية فقد نصت الفقرة الأولى على إنهاء مسئولية الناقل المتعاقد عن عملية النقل بأسرها سواء ما تولاه بنفسه من عملية النقل أو ما نفذه الناقل الفعلي إذا كان اقتصر دوره على جزء من الرحلة. كما أنها رتبت مسئوليته عما يأتيه الناقل الفعلي بل ومستخدموه وتابعوه ووكلاؤه في نطاق وظائفهم من فعل أو تقصير.
وعلى ذات النسق جاء نص الفقرتين الأولى والثانية من المادة 243 من ق.ت.ب حيث تناول القرض الذي يعهد فيه الناقل المتعاقد إلى الناقل الفعلي أو الناقل البديل بتنفيذ النقل بأجمعه أو جزء منه وقد توافقت أحكامها مع ما أوردته هامبورج في هذا الخصوص من أحكام. وفي ضوء أحكام هامبورج والتقنين المصري يجوز للمدعي الرجوع بالتعويض على الناقل المتعاقد بل والناقل الفعلي أيضاً فيما يتعلق بما لحق البضاعة من ضرر أثناء وجودها في حراسته. ولا جرم أن هذا المبدأ الذي أتت به هامبورج واعتنقه المشرع المصري يعتبر ذو أهمية بالغة في المجال العملي فلم تكن معاهدة بروكسل تتطرق إلى مسئولية الناقل الفعلي حيث كان ينظر إليه على أنه من الغير بالنسبة لعقد النقل الذي لا يعرف سوى الناقل الذي أبرم العقد مع الشاحن (24).
*
الصورة الثانية: النقل المتتابع
أقرت المادة 11 من اتفاقية هامبورج إمكانية النص في عقد النقل البحري على إعفاء الناقل المتعاقد المسئولية عن هلاك البضائع أو تلفها أو التأخير في تسليمها الذي يقع خلال تنفيذ الناقل الفعلي للجزء المكلف به من النقل المشمول بالعقد. وبعبارة أخرى أجازات الرجوع على الناقل الفعلي وحده عما لحق البضاعة من ضرر أثناء وجودها في حراسته. إلا أنها علقت هذا الحق على ما يلي:
- أن يكون الناقل الفعلي مسمى في العقد.
- أن يرد نص صريح في عقد النقل البحري يعفى الناقل المتعاقد من المسئولية عن الضرر الذي يحدث أثناء قيام الناقل الفعلي بتنفيذ المرحلة الخاصة به.
- على الناقل المتعاقد عبء إثبات وقوع الضرر أثناء وجود البضاعة في حراسة الناقل الفعلي.
- ألا يتعذر على الشاحن إقامة الدعوى ضد الناقل الفعلي أمام محكمه مختصة وفقا للفقرتين الأولى والثانية من المادة 21 من الاتفاقية.
وفى هذه الحالة يجوز للشاحن توجيه الدعوى إلى الناقل المتعاقد الذي يكون في مقدوره. ولهذا الأخير – إذا دفع التعويض - الرجوع على الناقل اللاحق إن كان لهذا الرجوع مقتض (25) وتقوم المادة 11 على فرضين أساسيين (26).
أولهما أن النقل المقصود هو في كل مراحله بحري فقط، فلا ينطبق حكم هذه المادة على النقل المشترك أو متعدد الوسائط.
وثانيهما أن أسماء الناقلين اللاحقين تذكر في العقد، فيكون الشاحن على دراية بهم، بل قد يختارهم الشاحن بنفسه.
وهكذا يتضح الفرق بين هذه الصورة والصورة السابقة التي يتولى فيها الناقل المتعاقد اختيار الناقل الفعلي دون أخذ رأى الشاحن أو دون علمه (27).
*
المراجع

(1) انظر الجريدة الرسمية – العدد 15 – في إبريل 1991، أيضا العدد (25) في 18 يونيو سنة 1992 – ص 1315 – حيث جرى تصحيح بعض الأخطاء المادية في العدد السابق.
(2) د. سعيد يحيى ، مسئولية الناقل البحري وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لنقل البضائع بالبحر العام 1978 – ص 22
(3) د. علي جمال الدين عوض: النقل البحري للبضائع، 1992، القاهرة، دار النهضة العربية، ص 622.
(4) د. فاروق ملش: النقل المتعدد الوسائط، الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا.
(5) د. محمود سمير الشرقاوي: العقود البحرية، 1991، دار النهضة العربية، ص243
(6) راجع الفقرة الرابعة من المادة 203 من قانون التجارة.
(7) الفقرة الثالثة من المادة 203 من قانون التجارة.
(8) محمد مرسي دياب : فكرة الخطأ في اتفاقية فارسوفي ، رسالة دكتوراه ، جامعة القاهرة ، 1985 ، ص105.
(9) د. فاروق ملش ، المرجع السابق ، ص 177
(10) د. مصطفى كمال طه : أصول القانون البحري ، الطبعة الأولى ، 1952 ، دار القضاء للنشر ، ص248.
(11) د. محسن شفيق الوسيط في القانون التجاري المصري ، الجزء الثاني ، 1952 ، القاهرة ، دار نشر الثقافة ، ص 16 وما بعدها.
(12) نصت الفقرة (ه) من المادة الأولى بمعاهدة بروكسل على أن البضائع تشمل الأموال والأشياء والبضائع والمواد من أي نوع كانت عدا الحيوانات الحية والمشحونات التي ذكر في عقد النقل أن يكون نقلها على ظهر السفينة وتكون نقلت فعلا بهذه الطريقة.
(13) د. فاروق ملش : المرجع السابق ، ص178.
(14) د. محسن شفيق : المرجع السابق ، ص30
(15) نصت الفقرة الأولى من المادة الرابعة من الاتفاقية على أن:
- مسئولية الناقل عن البضائع بموجب هذه الاتفاقية تشمل المدة التي تكون فيها البضائع في عهدة الناقل في ميناء الشحن وأثناء النقل وفي ميناء التفريغ.
(16) انظر د. محسن شفيق المرجع السابق ، ص 50
(17) د. فاروق ملش المرجع السابق، ص 218
(18) انظر المستشار عز الدين الدناصورى والمستشار الدكتور : عبد الحميد الشواربي: المسئولية المدنية في ضوء الفقه والقضاء، الجزء الثاني، منشأة المعارف، ص 2557
(19) الدناصورى وعبد الحميد الشواربي: المرجع السابق، الجزء الثاني، ص 2558
(20) د. فاروق ملش: المرجع السابق ، ص225
(21) الدناصوري وعبد الحميد الشواربي ص 2559 وما يعدلها
(22) د. فاروق ملش : المرجع السابق ، ص 229
(23) د: فاروق ملش: المرجع السابق ، هامش صفحة 247
(24) د.فاروق ملش :المرجع السابق ص248.
(25) تعرضت صياغة الماده 11 للنقد لما ينتابها من الغموض وعدم اتساق العبارات وهذا النقد فى نظرنا صادف محله. أنظر سعيد يحى، المرجع السابق ، ص66..
(26) محسن شفيق ، ص 73 – على جمال الدين ، النقل البحري للبضائع ، ص 557.
(27) تناولت الفقرة الثالثة من الماده243 ق.ت.ب حالة النقل المتتابع بسند شحن مباشر وهي الصورة الثانية التي يصدر فيها الناقل سند الشحن المباشر بناء على اتفاق مع الشاحن يحدد فيه أسماء الناقلين اللاحقين. غير أن هذه الفقرة تبرىء الناقل الأول من المسئولية " إذا أثبت أن الحادث الذي نشأ عنه هلاك البضاعة أو تلفها أو تأخير وصولها وقع أثناء وجودها في حراسة ناقل لاحق ". أنظر شرح ذلك في المذكرة الإيضاحية ، البند 171.






آخر تعديل المحامي عارف الشعَّال يوم 21-10-2009 في 12:50 AM.
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مسؤولية الإدارة عن القرارات الإدارية غير المشروعة سامر تركاوي مقالات قانونية منوعة 0 27-02-2011 09:17 PM
قانون الجمارك القطري رقم 5 لسنة 1988 المحامي محمد فواز درويش قوانين دولة قطر 0 31-12-2004 05:32 PM
القانون التجاري اليمني المحامي محمد فواز درويش قوانين الجمهورية اليمنية 0 03-12-2004 03:26 PM
قانون التجارة العماني رقم 55 لسنة 1990 المحامي محمد فواز درويش قوانين سلطنة عُمان 0 03-12-2004 06:20 AM
قانون التجارة الكويتي رقم 68 لسنة 1980 المحامي محمد فواز درويش قوانين دولة الكويت 0 03-12-2004 06:16 AM


الساعة الآن 05:32 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Nahel
يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر>>>جميع المواضيع والردود والتعليقات تعبر عن رأي كاتيبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى أو الموقع