منتدى محامي سوريا

العودة   منتدى محامي سوريا > المنتدى الفقهي > أبحاث قانونية مختارة > أبحاث في القانون المدني

إضافة رد
المشاهدات 3908 التعليقات 0
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 17-05-2006, 07:21 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
د. صبري حمد خاطر & د. فائق محمد الشماع
إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي دور الحيازة الشخصية في حماية المعرفة التقنية

دور الحيازة الشخصية في حماية المعرفة التقنية

د. صبري حمد خاطر
د. فائق محمد الشماع

** المقدمة

قد يتوصل أحد ما إلى حيازة ابتكار ويحتفظ به بوصفه سر من أسرار المعرفة التقنية بيد أنه قد يفاجأ بشخص آخر يقدم طلباً للحصول على براءة اختراع محلها الابتكار ذاته ويمنح البراءة فعلاً.

وهنا يثور سؤال مهم تنطوي عليه مشكلة هذا البحث وهو : أيهما جدير بالحماية، هل الحائز الذي توصل إلى الابتكار أولاً أو صاحب البراءة الذي حصل عليها بموجب القانون.

إن جواب هذا السؤال ليس سهلاً، إذ أن حماية الحائز قد تعني مباركة سكوته أو إهماله دون أن يبادر إلى الحصول على البراءة. هذا الإهمال الذي يوصف بسببه أنه "غير" بالنسبة للبراءة. وبدلاً من أن يكون مالكاً صار حائزاً، وشتان بين حق المالك وحق الحائز. ولكن من جانب آخر، يلاحظ أن حماية صاحب البراءة وإهدار حق الحائز أو الغير كما يطلق عليه يؤدي إلى ضياع حق لا يكسبه الحائز بموجب القانون وإنما ينشأ له بموجب جهود علمية ضرورية للتطور وتستلزم نفقات غير قليلة. كما أن الاحتفاظ بالمعرفة سراً ليس إهمالاً بالضرورة وإنما قد يجد الحائز أن من المناسب الاحتفاظ بها كذلك إلى حين بما يجعل من الأداء العلمي أكثر فاعلية.

إنها موازنة بين مركزين تقتضي الترجيح : وهذا ما يستلزم منا ابتداء البحث عن مدى الحماية بالحيازة من حيث النظام والنطاق ثم شروط الحماية بالحيازة وتنتهي إلى محاولة تأمل الأثر الذي يترتب على الحيازة وذلك في المباحث التالية .

المبحث الأول
مدى الحماية بواسطة الحيازة

يستلزم البحث عن مدى هذه الحماية بيان نوع الحيازة التي تتم بها ثم بعد ذلك النظام الذي يمكن أن تطبق أحكام الحيازة في ظله وذلك في فصلين كالآتي :

المطلب الأول
نوع الحيازة
ليست حيازة المعرفة هي ذات الحيازة التقليدية المعروفة في القانون المدني فالحيازة عادة هي سيطرة مادية، ولكن حيازة المعرفة ترد على محل معنوي ولذلك فهي من طراز خاص تتميز بسمات تجعل منها نوعاً خاصاً، وهذه السمات هي :
1. يمكن أن تكون حيازة المعرفة لأكثر من شخص في آن واحد لأن المحل المعنوي قائم فيها على المعرفة.
2. إن انتقال هذه الحيازة لا يؤدي إلى حرمان الحائز الأول منها، كل ما هنالك يمنع هذا الانتقال – متى كان باتفاق أو بنص القانون الحائز الأول من استغلال المعرفة التي نقلها أو إفشاء أسرارها.
3. بالإمكان أن يحوز الأشخاص المعرفة دون أن يعرف أحدهما الآخر ودون أن يكون أحدهما طرفاً في علاقة قانونية مع الآخر إلا بعد أن يظهر تعارض بين الحيازتين.

أما إذا نظرنا إلى الحيازة من جهة حمايتها فيمكن أن نقسمها إلى نوعين وهما(1) :
أولاً: الحيازة اللاحقة لبراءة الاختراع أي بعد أن تمنح براءة اختراع للمعرفة يتوصل شخص آخر إلى ذات المحل فيحوزه معنوياً.

إن هذا النوع من الحيازة لا يوفر الحماية لصاحبه، وهذا واضح، لأن منح براءة الاختراع على وفق الإجراءات القانونية يحقق حماية كاملة للمالك، ولا يخل بهذه الحماية أن يتوصل شخص آخر إلى ذات الاختراع أو المعرفة حتى وإن تم ذلك بحسن نية. ويمارس المالك ضد الحائز دعوى استرداد action enfevendication بيد أن هذه الدعوى هي أيضاً ذات طابع خاص إذ تنسجم مع الطبيعة المعنوية لمحل البراءة كما أن للمالك دعوى تقليد أو تزوير ضد الحائز فيما لو كان الحائز سيء النية.

ثانياً: الحيازة السابقة لبراءة الاختراع :

وهذه الحيازة تعني أن الحائز يتوصل إلى المعرفة قبل غيره بيد أنه يتراخى في تقديم طلبه بالحصول على البراءة. ومن ثم من يحصل على البراءة يعد مالكاً، أما من توصل ابتداء إلى المعرفة فيعد حائزاً وغيراً بالنسبة للبراءة.

إن هذا النوع من الحيازة هو الذي يحقق الحماية للحائز إزاء دعوى التقليد أو التزوير التي يقيمها المالك ضده وهي موضوع هذا البحث، ولكن هل بالإمكان تكريس أحكامها في جميع القوانين؟

للإجابة لا بد أن نبين النظام الذي تظهر الحيازة في ظله.


المطلب الثاني
نظام الحيازة

قد تظهر الحيازة الشخصية في ظل جميع الأنظمة ولا مناص من ذلك ما دامت الأنظمة تختلف في تنظيم أحكام براءة الاختراع ولبيان الكيفية التي تظهر بها هذه الحيازة، بوصفها نظاماً لحماية الغير، نتناول أبرز نظامين في هذا السياق وهما(2):

أولاً: النظام الأنكلو-أمريكي:

تمنح البراءة في ظل هذا النظام للمبتكر الحقيقي الأول "The true first inventor" ويطلق الفقه الألماني على هذا النظام تسمية (Erfinderprinzip) وفيه لا تظهر الحيازة، وآية ذلك أن الحائز الشخصي هو من يتوصل إلى الابتكار أولاً.

ولكن يبقى على الابتكار كمعرفة تقنية ولا يقدم طلباً ببراءة الاختراع، وما دام الأمر كذلك لا يستطيع غيره أن يحصل على البراءة بمعنى أن الغير لا يستطيع أن يقيم عليه دعوى استرداد أو دعوى تقليد استناداً إلى البراءة، فهو إذن ليس بحاجة إلى الحماية بواسطة فكرة الحيازة.

إذ يكفي أن يكون أول مبتكر، ومبتكراً حقيقياً حتى يحول بينه وبين من يزاحمه في استغلال المعرفة أو في الحصول على براءة بها(3).

ثانياً: النظام الفرنسي :

لا تمنح البراءة في هذا النظام للمبتكر الأول أو الحقيقي، وإنما تمنح لمن يودع طلباً بها(4)، (وهذا ما يطلق عليه الفقه الألماني (anmelderprinzip) ويشترط فيمن يقدم الطلب أن يكون مبتكراً وبخلافه يكون مغتصباً فلا يستطيع الحصول على براءة.

وفي هذا النظام تظهر فكرة الحيازة الشخصية، إذ يوجد المبتكر الحقيقي لمحل البراءة ولكن يفضل أن يحتفظ به سراً من أسرار المعرفة، في حين يتوصل شخص آخر إلى ذات الابتكار ويحصل على البراءة ومن ثم يقيم الدعوى على المبتكر الأول فلا تحميه إلا دعوى الحيازة الشخصية.
وقد برر هذا النظام بما يلي(5):
1. التقدم الصناعي يرتبط بإفشاء الأسرار الصناعية والبراءة مثل التعويض لمن يبادر إلى إفشاء هذه الأسرار.
2. أن احتكار استغلال المعرفة يعطي للشخص اليقظ الذي ما إن يتوصل إلى الابتكار يبادر في الحصول على براءة تحميه.
3. أن من الصعوبة بمكان في ظل التطور التقني الحديث التوصل إلى معرفة المبتكر الحقيقي الأول لمرحلة البراءة أو المعرفة.

وقد اتبع عديد من الدول هذا النظام، كألمانيا والنمسا وبلجيكا وهولندا وسويسرا والدول الاسكندنافية ويمكن القول أن عموم الدول العربية سلكت هذا السبيل إذ لا تمنح البراءة في قوانين عربية إلا بقرار من المسجل كالقانون العراقي والأردني أو بقرار من وزير التجارة والصناعة كالقانون المصري. ولكن جدير بالملاحظة أن المشرع السوداني عالج موضوع هذه الحيازة في المادة (24) من قانون براءات الاختراع لعام 1971 بقوله :
"إن أي شخص يكون، في تاريخ تقديم طلب البراءة بوساطة شخص آخر أو من تاريخ المطالبة بحماية حق صحيح بالأسبقية، فيما يتعلق بذلك الطلب، قائماً بحسن نية يصنع السلعة أو استخدام طريقة التصنيع موضوع الاختراع، أو كان قد قام بالاستعداد الجدي لأي صنع أو استخدام فيكون له الحق بالرغم من البراءة في المضي في تلك الأعمال.."


المبحث الثاني
شروط الحماية بواسطة الحيازة

من البديهي أن تكون الحيازة مقررة للأشخاص ومن هنا استمدت اسمها أنها "حيازة شخصية". وقبل بيان شروط هذه الحيازة لا بد من التأكيد على أن المعرفة تنطوي على ابتكار ومن ثم فإن وراءها جهود شخص، ولكن لا يشترط أن يكون الحائز هو نفسه من بذل هذه الجهود إذ قد ينقل المبتكر ما توصل إليه من معرفة إلى شخص آخر يصبح حائزاً بواسطة التعاقد، ولا يشترط كذلك أن يكون الشخص طبيعياً على وفق هذا المنوال بل يجوز أن يكون شخصاً معنوياً عاماً أم خاصاً.

بيد أن ثمة شروطاً لا بد من تحققها لتطبيق أحكام الحيازة نتناولها في المطلبين الآتيين:

المطلب الأول
الشروط الجوهرية

إن أهم شروط الحيازة التي بتحققها يمكن حماية الحائز ضد دعوى التقليد أو التزوير هما شرطا حسن النية، ووضع اليد اللذان اثارا جدلاً بسبب الوضع الخاص للحيازة:

أولاً: حسن النية لكي يكون الحائز جديراً بالحماية لا بد أن يحوز المعرفة بصورة مشروعة : والمشروعية تقاس بمعيار حسن النية، فإذا حاز شخص المعرفة دون أن يمس حقوق الغير فهو حسن النية وبذلك لا يجوز للحائز العرضي أن يحتج بالحيازة كما لو كان حائزاً فعلياً إذ يصبح بذلك سيء النية، فالعامل قد يحوز المعرفة لمصلحة رب العمل ولكن لا يجوز له أن يستند إلى هذه الحيازة ليطلب الحماية في مواجهة رب العمل عندما يحصل رب العمل على براءة اختراع بشأنها.

كما أن موجبات حسن النية بالنسبة للمعرفة تقتضي إما أن يتوصل إليها الحائز بواسطة الابتكار وإما أن تنتقل إليه بواسطة عقد. إذا حصل عليها بواسطة التحايل أو الغش افتقرت حيازته إلى حسن النية(6) ومثل هذه الحيازة لا تؤدي إلى نشوء أي حق وفي ذلك تقول محكمة النقض الفرنسية إذا أخذنا بالاعتبار أنه قد تبين أن (R) استفاد من العلاقات بينه وبين (P) للتوصل إلى أسرار الآلة بالحصول على خريطتها ومن ثم إعادة إنتاجها فإنه بذلك يسأل عن فعل التزوير: وإذا أخذنا بالاعتبار أن حيازته سابقة على الحصول على البراءة فإنه جدير بالحماية، ولكن لما كانت حيازته ناجمة عن غش فإنه لا يستطيع أن يحتج بحق في مواجهة (أ) الذي حصل على براءة اختراع(7).

ثانياً: وضع اليد :
وهو أخطر شرط في الحيازة وأدقها، بالنظر لأنه لا يمثل وضعاً مادياً وإنما هو في الأساس وضع معنوي، من هنا لم تتفق الآراء على تحديد المقصود بهذا الوضع واختلفت بشأنه وظهرت في اتجاهات مختلفة كما يلي :

الاتجاه الأول :
المقصود بوضع اليد في هذا الاتجاه علم الحائز بالمعرفة التقنية علماً دقيقاً وكاملاً على النحو الذي يتصف فيه الشخص بموجب هذا العلم أنه مبتكر ولا يشترط أن يتم استغلال هذه المعرفة أو الإنتاج بموجبها إذ يكفي أن يكون الابتكار معلوماً ويمكن أن يوصف بدقة ووضوح على نحو ما يمكن أن يتم تنفيذه دون صعوبة(8).

إذن يستلزم في هذا الاتجاه شرطين، العلم، والابتكار، وفي ذلك يقول الأستاذ كازالونكا CASALONGA صراحة "أن الحائز للأسرار التقنية لا يستفيد من الحيازة في مواجهة من يحصل على براءة اختراع، لأن هذا الحائز وأن عد من الغير إلا أنه لا يعد مبتكراً ويبدو كأن هذا الاتجاه يتبع معادلة منطقية هي كالآتي :

• يجب حماية المبتكر.
• المبتكر هو من يعرف الابتكار الذي تجب حمايته.
• لذلك فلكل من يعرف الابتكار يجب حمايته.

إن حجة هذا الاتجاه هي أن الحيازة تؤدي إلى نشوء علاقة معنوية بين الحائز والمعرفة التقنية وهذه العلاقة التي هي علاقة انتماء (paternite) لا يمكن أن تتحقق بمجرد العلم وإنما لا بد من وجود ابتكار. وبعد ذلك يؤكد كازلونكما أيضاً "أن من يعلم بالسر حتى وإن كان علمه بحسن نية لا يبدو أنه جدير بالحماية ولكي يستفيد من الحيازة في مواجهة مالك البراءة لا بد أن يكون غيراً من الطراز الذي يوصف بأنه مبتكر (أو مخترع)" (9).

الإتجاه الثاني :
لم يشترط هذا الاتجاه "الابتكار" وإنما اشترط العلم بالمعرفة فثمة حيازة فكرية بيد أن هذه الحيازة لا تكفي لوحدها وإنما لا بد أن يكون الاستغلال من عناصرها إذ يرى العميد روبية ROUBIER ان الحيازة، بصورة جوهرية من وقائع الاستعمال والاستخدام وذلك عندما تكون الحيازة محل اعتبار لأن الحائز في استغلاله للمعرفة يبذل نفقات ومصاريف ومن هنا فهو جدير بالحماية(10).

مع ذلك فإن العميد Roubier خفف من وطأة هذا التوجه فأقر الحماية حتى وإن كان الحائز في مرحلة التحضير للاستغلال بحجة أن الحائز قد يبذل المصاريف والنفقات قبل أن يبدأ باستغلال المعرفة من الناحية الفعلية.

وحجة هذا الاتجاه، كما يبدو، أن النية في إطار حيازة المعرفة التقنية لا تكفي لوحدها وإنما لا بد من أن يقرر بالاستثمار أو الاستغلال أو أن ذلك يعد ترجمة لهذه النية واقعياً، كما أن الاستعمال أو الاستثمار الفعلي للمعرفة التقنية هو الذي يرجح كفة الحائز على اعتبار أن شخصاً بذل المصاريف والنفقات في سبيل ذلك هو أولى بالرعاية من شخص لم يفعل ذلك وحصل على البراءة في وقت لاحق.

الاتجاه الثالث :
لقد ظهر هذا الاتجاه في قرارات القضاء الفرنسي من خلال محاولة وضع تفسير للمادة (31) من القانون الصادر عام 1968.

قد نصت هذه المادة على أن "كل شخص يحوز – بحسن نية- الاختراع أو محل البراءة عند طلب البراءة أو قبل ذلك له الحق، بصورة شخصية- في استغلال الاختراع على رغم وجود براءة به" وبناء على أن هذه المادة لم توضح فيما إذا كان المقصود بالحيازة، المعرفة أم الاستغلال، حاولت محكمة النقض تفسير معنى الحياة. فقد جاء في وقائع أحد القضايا أن السيد دورا Dore بنى عدداً من المنازل بموجب طريقة إنشاء معينة احتفظ بها سراً وتنازل بعد ذلك عن محلاته التجارية بما فيها القوالب (Moules) التي استخدمها إلى شراكة سابانور (Sabanor) التي ظلت حائزة لها دون استغلال إلى أن حصلت شركة لاجونوت Lagenotte على براءة اختراع بها. وعندما استخدمت شركة سابانور، فيما بعد، هذه القوالب قاضتها شركة لاجونوت على اعتبار أنها ارتكبت فعل تزوير (Contrefacon) باستخدامها محل البراءة. وقد دفعت شركة (سابانور) بأن استخدامها للقوالب يستند إلى الحيازة الشخصية. وعندما عرضت القضية على محكمة استئناف باريس أصدرت هذه الأخيرة قرارها لصالح (سابانور). وقد صادقت محكمة النقض على هذا القرار بالقول (اعتبرت محكمة الاستئناف بصورة عادلة أنه وإن لم تقم شركة (سابا نور) بذاتها ببناء المنزل بل إيداع طلب البراءة، فإن هذه الشركة – رغم ذلك – تحوز الحق في الاستغلال ولهذا الحق حجية في مواجهة المالك الحالي للبراءة) (11).

إن الحيازة في إطار هذا القرار هي ليست العلم بالمعرفة التقنية ولا الاستغلال الفعلي للتقنية محل النزاع وإنما هي السيطرة الصناعية الحقيقية على الاختراع أو إمكانية الاستغلال الصناعي المباشر له. على أن تتحقق في محل الحيازة ذات الشروط المطلوبة في محل البراءة واستلزام هذه الشروط هو تطبيق لما نصت عليه المادة (31) – آنفة الذكر – وقد أصدرت محكمة استئناف باريس قراراً بهذا المعنى – قبل تشريع هذه المادة – بقولها "لا توصف الحيازة الشخصية كذلك ما لم يوجد تطابق دون غموض بين محل هذه الحيازة ومحل براءة الاختراع"(12).

استنتاج :
إزاء الاتجاهات سابقة الذكر، يظهر السؤال عن الذي نراه راجحاً وعما نقترحه بصدد التشريعات العربية. الواقع، لا يمكن إهدار فكرة الحيازة الشخصية" بوصفها توفر حماية المبتكرين وهم يبذلون جهوداً علمية كبيرة للتوصل إلى هذا الابتكار أو ذاك، وما شرعت براءة الاختراع إلا لهذا الهدف، ولكن بالمقابل لا بد من حماية الشخص الذي توصل إلى الابتكار وبادر إلى طلب براءة الاختراع، وبالتالي فإن الموازنة بين مصلحة الحائز والمبتكر تقودنا إلى القول :

"أنه لا بد أن يتحقق في الحيازة شرط وضع اليد بمعنى قابلية المعرفة التقنية للاستغلال الصناعي بمعرفة أن يتحقق العلم إلى جانب القابلية ولا يشترط أن يتم الاستغلال الصناعي فعلاً وذلك تحقيقاً لهدفين:

1. حماية الحائز ضد الدعوى التي يقيمها مالك البراءة (كأن تكون دعوى تزوير أو تقليد).

2. تعويض الحائز بأن تكون له نسبة معينة في الحقوق الناجمة عن البراءة تتفاوت بين النفقات المبذولة للتوصل إلى الابتكار الصناعي وبين استغلال المعرفة التقنية بصورة فعلية، وهذا أمر يقدره القضاء الذي يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار فيما إذا كانت هناك ضرورة للاحتفاظ بالمعرفة التقنية سراً أو إذاعتها".

وإذا كنا نطرح هذه الفكرة ستتبلور حتماً بصورة أعمق عندما نتبين الحق الناشئ عن الحيازة في إطار المبحث المخصص لأحكام الحيازة.

المطلب الثاني
شروط نفاذ الحيازة

ثمة شروط لنفاذ الحيازة، وقد وضعناها بهذا الوصف لأنه لا يعلق عليها وجود الحيازة وإنما هي شروط تتعلق بنطاق المكان والزمان الذي تنفذ فيه ومنها ما يتعلق بالشكل، وهذا ما نتناوله كالآتي:

أولاً : المكان
يتعلق شرط المكان بمسألة مهمة وهي فيما إذا كان للأجنبي أن يتمسك بالحيازة في مواجهة الدعوى التي يقيمها مالك البراءة ضده على اعتبار أنه قلد أو زور محل الحيازة.

وقد طرحت ثلاثة حلول لهذه المسألة نبينها كالآتي:

1. نفاذ الحيازة: لقد ذهب البعض إلى أن من شروط البراءة الجدة وهذه الجدة لا بد أن تكون مطلقة وليست مقيدة بالمكان بدليل أن أي استخدام عام أو أي إفشاء لأسرار البراءة حتى وإن تم في الخارج قد يؤدي إلى إبطال البراءة.

ومن ثم فإن اي استغلال للمعرفة التقنية إذا تم بصورة سرية في الخارج قد يؤدي إلى نشوء حق في الحيازة ويمكن الاحتجاج به في مواجهة المالك الوطني لبراءة الاختراع(13).

بيد أن هذا التحليل إنتقدهُ بشدة الأستاذ شافان (Chavanne) الذي لم يجوز مطلقاً للأجنبي أن يحتج بالحيازة في مواجهة الوطني الفرنسي إذ يقول "على العكس، نقران الحيازة المسبقة التي تكتسب في الخارج لا حجية لها في فرنسا: فالقانون الفرنسي لا يعترف بالحقوق الناشئة عن البراءة في الخارج ومن باب أولى أنه لا يعترف بحيازة سر من الأسرار"(14).

2. ذهب الأستاذ البجليكي شرانش (SCHRANSW) إلى الفصل بين الجدة ومكان الحيازة الشخصية إذ يقول بصدد التشريع البلجيكي "لا نتصور، على سبيل المثال أن المشرع البلجيكي يمنح شخصاً احتكاراً قانونياً يتمتع بآثاره في فرنسا، أو في ألمانيا وبالنتيجة فمن الطبيعي أن تكون الحماية الممنوحة بموجب البراءة مقيدة بالمكان. كذلك يجب أن لا نشك في أن الحيازة الشخصية السابقة على منح البراءة لا تعطي أي حق مانع. وإنما تمكّن الحائز من التخلص من دعوى التزوير ومن ثم لا مجال لتطبيق أحكام الحيازة الشخصية في الخارج".

أن هذا الرأي يستند إلى الأثر الذي يترتب على الحيازة، وهو التخلص فقط من دعوى التزوير: بينما قد يكون أثر الحيازة أكثر من ذلك وهذا ما سنعالجه فيما بعد.

3. ذهب رأي ثالث أن الحيازة الشخصية قد تظهر في الخارج(15) وذلك عندما يحوز الشخص الابتكار أو المعرفة قبل إيداع طلب البراءة، ومن ثم فإن هذا الشخص يستطيع أن يستغل هذه الحيازة في البلد الوطني دون أن يتعرض لخطر دعوى التزوير، وهذا الاستثناء يتعلق بالحائز وينتقل معه أينما ذهب(16).

ويعتقد الأستاذ كازلونكا (CASALONGA) الفكرة ذاتها إذا يرى أن الحيازة يمكن أن تنشأ في الخارج ولكنها ذات حجية في فرنسا، إلا أنه يشترط أن يكون الحائز مبتكراً(17) ويستند هذا الرأي إلى أن الحيازة الشخصية قائمة على أساس العدالة وبالنتيجة ليس من الضروري أن تظهر هذه الحيازة على الإقليم الوطني. وبدورنا نعتقد أن الراجح هو الحيازة الشخصية لا أثر لها في الخارج، ولكن لو استغل أجنبي المعرفة التي يحوزها قبل منح براءة الاختراع فإن الحيازة الشخصية لا تنقل له أي حق وإنما تقتصر على حمايته ضد إدانته عن جريمة تزوير ونعتقد أن الحجة التي تقف وراء ذلك هي أن العدالة وما يفرضه مبدأ حسن النية تعطي للحيازة هذه المكنة في الحماية إذ أن الحائز لا يرتكب خطأ يعرضه للمسؤولية.

ثانياً: الزمان
لا معنى للحيازة "الشخصية" إلا بالمقابلة بينها وبين وجود البراءة ومن ثم لا توجد الحيازة ما لم تكن سابقة على تاريخ نشوء البراءة ولا يختلف أحد حول هذا القيد الزمني: وبالنتيجة لا يستطيع أحد أن يستند إلى حيازة تكونت بعد أن منحت براءة الاختراع أي بعد الحصول على هذه البراءة فعلاً. بل من يستغل محل البراءة بعد هذا التاريخ دون وجود حيازة سابقة عليه يتعرض لتهمة التقليد أو التزوير. فالأسبقية (L'anteriorite) هي إذن من أسس الحيازة الشخصية(18).

بيد أن ثمة جدلاً ظهر حول مدى إمكانية التمسك بالحيازة الشخصية بعد تقديم طلب بالحصول على البراءة وقبل منح هذه البراءة فعلاً: حيث ذهب القضاء الألماني إلى تفسير أسبقية الحيازة على أنها أسبقية على منح البراءة فقط، وليس على تاريخ طلبها فالطلب يحول دون تقديم طلب آخر بالبراءة أو الحصول عليهما ولكنه لا يمنع من ظهور الحيازة الشخصية ومن ثم نشوء حقوق باستعمال المعرفة (droits d'usage).

لقد انتقد هذا التفسير بشدة، ووصفه العميد روبية بأنه غير منطقي، إذ يقول بصدده "إذا كان للأسبقية حجية في مواجهة من يقدم طلباً للحصول على براءة اختراع فإن لها حجية حتماً إزاء الحيازة الشخصية، لأن أي صناعي جدي لا يمكن أن يقدم على استغلال من هذا النوع، فالحقيقة أنالتحفظ بشأن حقوق الغير لا يمثل إلا حماية ضد التزوير وذلك لأنه في أي نطاق صناعي بالإمكان أن يعرف أي ابتكار جديد ولكن من الصعب أن تظهر نية الحائز الشخي فيما إذا كانت سيئة أم حسنة(19).

إذن فتقديم طلب بالبراءة هو ذو مفعولية تفوق الحيازة الشخصية، إذن كيف يحول طلب البراءة لأول مرة دون تقديم طلب ثاني ولا يحول دون الحيازة الشخصية؟

وبدورنا نرى – مع العميد روبيه – أن تقديم براءة يسهل على الغير من معرفة مضمون الطلب ومن ثم الحصول على الحيازة الشخصية: ولما كان الأصل هو حسن النية سيصعب فيما بعد إثبات سوء نية الحائز.

والحال أن تفسير القضاء الألماني رفض في نهاية المطاف لترجح أسبقية الحيازة ليس بالنسبة لتاريخ منح البراءة فحسب وإنما بالنسبة لتاريخ تقديم طلب بها.

ثالثاً: الشكل :
الواقع أن الشكل هو مظهر تتجلى به الحيازة الشخصية، ولا يوجد شكل محدد لظهور هذه الحيازة. بيد أن ثمة اهتمام به بالنظر لأن الشكل يتصل بالإثبات: وإثبات هذه الحيازة مهمة خطيرة بالنظر لعدم وجود حيازة مادية بها يتكون وضع ظاهر، وإنما هي معرفة تقنية ذات طبيعية معنوية.
وأبرز من بحث في مسألة الشكل هو الأستاذ برتان (BERTIN) إذ يقترح بصدد هذا الشكل ما يلي(20):
1. إيداع المعرفة على وفق نظام أي أن تبقى سراً، وذلك لدى منظمة دولية كأن تكون الهيئة الدولية للملكية الفكرية (O.M.P.I).
2. يسجل الإيداع ويحتفظ به لمدة عشر سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة، وعند انتهاء هذه المدة تنتهي أيضاً سرية الحيازة.
3. لحائز المعرفة (المودع) أن يحصل على صورة من الوثائق المودعة، ويستطيع أن يتنازل عن السرية ويطالب بإعلان المعرفة للكافة.
4. يستطيع الحائز أن يتنازل عن الحيازة الشخصية للغير.

نؤيد هذا المقترح مع التحفظ حول "التنازل" لأن أغلب التشريعات لا تجيزه ما لم يتم مع المشروع (ENTREPRISE) بأكمله(21) ونضيف أن إفشاء الأسرار رغم إيداع الحيازة يعد خطأ يستلزم المسؤولية أياً كانت الجهة التي ترتكب هذا الخطأ: كما نعتقد أن تكون هذه الوسيلة اختيارية تسهل على الحائز الإثبات ولكن لا يلزم بالإيداع.

المبحث الثالث
أثر الحيازة

أن هذا الأثر لا يظهر من خلال طرح مسألتين مهمتين أولهما فيما إذا كانت الحيازة تؤدي إلى نشوء حق الاستغلال للمعرفة التقنية وثانيهما تتعلق بالدفع ضد دعوى التقليد أو التزوير التي يقيمها مالك البراءة ضد الحائز.
وهذا ما نتناوله في المطلبين التاليين :

المطلب الأول
الحق في استغلال المعرفة

أن الحيازة الشخصية تمكن الحائز من استغلال المعرفة وذلك على الرغم من وجود البراءة وقد نص المشرع الفرنسي على ذلك صراحة في المادة 31 من قانون عام1968 بقوله : "كل شخص ......له الحق، وعلى أساس شخصي، في استغلال الابتكار على الرغم من وجود البراءة".

وهذا يعني أن المعرفة ستكون في آن واحد محلاً للحق الناشئ عن الحيازة الشخصية(22) ومحلاً لبراءة الاختراع: وهذا ما يثير أسئلة عديدة : هل يشترك الحائز مع مالك البراءة في هذا الحق؟ أو يؤدي حق الحائز إلى عدم نفاذ البراءة؟ وأن حق الحائز ينشئ امتيازات معينة لا تخل بوجود البراءة؟ وهل يستطيع الحائز أن يتصرف بمحل الحيازة فيستفيد المتصرف إليه من أثر الحيازة أيضاً؟

أن الجواب على ذلك نطرحه في الفقرتين الآتيتين:

أولاً: التعارض، ( الحيازة والملكية):
يظهر، في الواقع، حق في الحيازة وحق في الملكية: مما يؤدي إلى التعرض بينهما وقد قيلت آراء في رفض التعارض كالآتي:

1. الرأي الأول ويذهب إلى ظهور حق مشترك بين الحائز ومالك البراءة أي بما يشبه، الملكية المشاعة(23).
وهذا الرأي لا ينسجم مع المبادئ القانونية التي تنظم الحيازة في هذا السياق، وذلك لأن الحائز يعتبر مستقلاً تماماً عن مالك البراءة.

2. الرأي الثاني وذهب إلى أن الحائز هو صاحب الحق في المعرفة وينفرد بها بوصفه المبتكر الأول، فلا يتقدم عليه مبتكر ثاني حتى وإن حصل على براءة اختراع(24).
أن هذا الرأي ينسجم مع النظام الانكلو- أمريكي الذي يشترط أن يكون صاحب البراءة هو المبتكر الأول، مما يعني في نهاية المطاف عدم ظهور فكرة الحيازة الشخصية.

3. الرأي الآخر وذهب إلى أن الحائز الذي يحوز المعرفة قبل إيداع طلب البراءة يجرد البراءة من عنصر الجدة. وبناء على ذلك يكون له الحق بدلاً من مالك البراءة(25).
وهذا الرأي مردود أيضاً لأن نفي "عنصر" الجدة يستلزم من الحائز أن يعلن للعامة عن المعرفة التي يحوزها والحال أن الحائز يحتفظ بالمعرفة بوصفها من قبيل الأسرار.

4. الرأي الراجح وهو الذي يذهب إلى أن مالك البراءة له الحق الكامل في احتكار محل البراءة Monopole وفي استغلاله وفي التصرف به، بيد أن هذا الحق لا ينفذ في واجهة الحائز وهذا ما ينسجم تماما معً ما نصت عليه المادة (31) من القانون الفرنسي آنف الذكر – من أن الحائز يستغل محل الحيازة على رغم وجود البراءة(26).

فالحيازة إذن هي نظام للحماية ينشأ في ظله حق للحائز تتم حمايته بعدم نفاذ البراءة في حقه وفكرة عدم النفاذ تدعونا لمعالجة المسألة الأخرى وهي قيام الحائز بالتصرف بالمعرفة التي يحوزها.

ثانياً: التصرف بمحل الحيازة
لا بد في بيان حق الحائز في استغلال المعرفة أن نتوقف برهة عند تصرفه بمحل الحيازة : فلو اعتبرنا حق الحائز هذا استثناء بالنسبة لأحكام البراءة التي تمنح مالكها امتيازات الاختراع، فإن ذلك يعني أن يفسر حق الحائز في أضيق نطاق فلا يجوز له التصرف بمحل الحيازة.

ولكن ما طرح من آراء وما منصوص عليه من حق للحائز أن يتمتع بامتياز أيضاً (وهو استغلال محل الحيازة) أي المعرفة وما دام الحق في البراءة لا ينفذ في حقه، فإن هذا الحق لا يشكل أي قيد على حريته في التصرف، فهو يستطيع أن يبيع السر الذي يحتفظ به على سبيل الحيازة، بيد أن البيع إذا تم قبل منح البراءة يثير فكرتين:

الأولى : إذا باع الحائز نتاج الاستغلال مع العناصر التي تشتمل المعرفة عليها أي أعلن عن الابتكار على نحو صار معروفاً، فإن ذلك يحول دون نشوء براءة اختراع لأن من يتقدم فيما بعد لطلب البراءة سيفتقر طلبه لعنصر الجدة "الضروري لمنح البراءة".

الثانية : إذا باع الحائز نتاج الاستغلال ولكن احتفظ بحيازة أسرار المعرفة ولم يعلن عنها، تظل له مكنة التصرف دون أن يمنع ذلك غيره من الحصول على البراءة ويقتصر دور المشتري على ممارسة العملية التجارية مع الحائز استناداً إلى أن الأخير له الحق في الاستغلال".

ومما تجدر الإشارة إليه هو أن فكرة عدم نفاذ البراءة في حق الحائز تفيد بوضوح أن الحائز لا يلزم باستغلال محل الحيازة كما أنه إذا باشر باستغلال محل الحيازة ثم توقف عن هذا الاستغلال فإن بإمكانه أن يباشره مرة ثانية دون أن يؤثر ذلك على حقه، إذ يظل حراً في ممارسة هذا الحق قبل منح البراءة وبعدها، ومع ذلك لا يجوز له أن يتصرف بقصد الإضرار بمالك البراءة أو منافسته منافسة غير مشروعة كما يقول العميد روبية "لا شك في الاعتراف للحائز بالحق في الاستغلال دون قيد .. إذ لا يقيد بالحاجات المعاصرة لصناعته ولا بالوسائل التي يتصرف بها وقت طلب البراءة، كذلك يجوز له توسيع نشاطه وإنشاء مؤسسات جديدة ، والشرط الوحيد المطلوب أن لا يضر بالبراءة في حدود نشاطه(27).

المطلب الثاني
"الدفع" بواسطة الحيازة

يعد "الدفع" أثراً للحيازة الشخصية ونعني بالدفع "الحماية المقررة للحائز في مواجهة الدعوى التي يقيمها مالك البراءة ضد الحائز، فلو أقام المالك دعوى (تزوير أو تقليد) فإن بإمكان الحائز أن يدفع بحيازته الشخصية ولولا ذلك لتَعَرَض الحائز للمسؤولية ليس المدنية فحسب وإنما الجنائية أيضاً.

ولقد أثير التساؤل عما إذا كان الدفع شكلياً أو موضوعياً؟ لقد ذهب البعض إلى أن الدفع شكلي وهذا يعني أن الحائز يجب أن يستند إلى الحيازة حال إقامة الدعوى عليه وإلا خسر الدعوى. بينما يذهب رأي آخر إلى أن الدفع هنا هو موضوعي على نحو يجوز الاستناد إلى الحيازة لأول مرة أمام محكمة الاستئناف.

ويبدو لنا أن هذا التساؤل يخلو من الصبغة العملية لأن بمجرد إقامة الدعوى يتم التحقق عن الطريقة التي يحوز بها المدعى عليه المعرفة التقنية ومع ذلك عند وصف الحيازة بأنها دفع، فهي موضوعي وليس مسألة شكلية، لأن الحائز يتمتع بحق وتنصرف نيته إلى تملكه وهو مستقل عن الحق في براءة الإختراع ولكن هل يقتصر الدفع على الحائز الشخصي؟

فمثلآً إذا استغل الحائز المعرفة التقنية وتعامل مع مجهز أو تاجر أو مقاول ثانوي : فقد يتعرض هؤلاء إلى دعوى التزوير أو التقليد على إعتبار أنهم تعاملوا بإنتاج دون اتفاق مع مالك البراءة.

الواقع أن هذه الحالة عرضت على القضاء الفرنسي، وأشار فيها أن البائع يمكن أن يدفع بالحيازة قائله "ولكن ما زال الإنتاج في حالته الأولية ولم يسلم للعام قبل طلب البراءة، فيجوز الاحتفاظ به للأسبقية ولا يكون إلا حيازة شخصية للصانع وللبائعين، حق يؤدي إلى رفض الطلب باتهامهم بالتزوير"(28).
إن هذا الحل هو مهم على الصعيد الاقتصادي "فضلاً عن أنه يعزز القوة القانونية لأثر الحيازة. ولكن من الناحية النظرية – على الأقل – قد يؤدي إلى تمكن من تلقي الإنتاج من إعادة إنتاجه دون حاجة للترخيص له بالحصول على عناصر المعرفة من الحائز الشخصي. ويقيناً أن ذلك يؤدي إلى إضعاف الحيازة الشخصية الأصلية ما دام من يتلقى الإنتاج يستطيع الاحتجاج بها دون قيد.

ونقترح في هذا السياق، وانسجاماً مع شخصية الحيازة أن يستمد الحائز الثانوي الحماية بواسطة الحائز الأصلي الذي يستطيع بدوره أن يقاضي الأخير إزاء أي تصرف غير مشروع وبعبارة أخرى أن لا تكون للمقاول الثاني أو البائع أو التاجر حيازة شخصية مستقلة دون أن تنتقل إليه عناصر المعرفة.

الخلاصة :

إن موضوع الحيازة الشخصية على درجة كبيرة من الأهمية النسبية للأنظمة القانونية– ومنها العربية– التي تمنح براءة الاختراع بناء على الطلب أو بقرار من الوزير وليس لأول مبتكرة.

وتتجلى أهمية الحيازة في حماية المبتكر الأول بوصفه حائزاً للمعرفة التقنية ضد دعوى التقليد أو التزوير فضلاً عن أنها تنشئ للحائز حقاً شريطة علمه بالمعرفة علماً حقيقياً على النحو الذي تكون المعرفة التقنية والتي في حيازته قابلة للاستغلال الصناعي، على أن هذه الحيازة التي تتم خارج الإطار الوطني لا توفر للحائز إلا الحماية ضد دعوى التزوير.

ومن المسائل المهمة التي عالجها البحث هي حصول التعارض بين حق الحائز في المعرفة التقنية والحق في براءة الاختراع وبغية موازنة عادلة بين مصلحة الطرفين طرح البحث فكرة عدم النفاذ، إذ يبقى حق الحائز قائماً كذلك يبقى حق مالك البراءة ولكن نتيجة أسبقية الحيازة أي أن الحائز توصل إلى الابتكار قبل البراءة فإن الحق في البراءة لا ينفذ في حقه، وعلى وفق ذلك يتمتع الحائز بحق ينشئ له عن الحيازة يمكنه من التصرف فضلاً عن حمايته بواسطة الدفع بالحيازة.

إن هذا البحث الذي تم فيه تأمل كثير من المسائل في ضوء الحلول العالمية وما توصل إليه الفقه الحديث بصدد بعض المسائل الناجمة عن التقدم العلمي، يمثل دعوة جادة للباحثين للخوض في الموضوع وغيره والتعمق فيه، وللمشرع بغية استكمال النظام القانوني الخاص بحماية المبتكرين بما يشجعهم على الابتكار وبما يضمن حقوقهم بصورة أكيدة.


الهوامش

1. com .ROUBIEX, Le driest de la propriete Industrials, T.II, Lyon. P.56.
2. Cit par, MAGNIN, know-How et propriete industrielle. I.T, Strasbourg, 1974, pp. 187-188.
3. MAGNIN, Op.Cit, p. 188.
4. MAGNIN, Op.Cit, p. 188.
5. MAGNIN, Op.Cit, p. 188.
6. Stanc 2 acte de contrefacon de breve d invention.
7. Cass. 29 avril 1901 ann 1 cite par stanc. Pid.
8. H. allart traite theorique et pratiqute des brevetes d invention. Paris. 1911. no. 642
9. يشير الأستاذ بانل (Panle) إلا أنه من الناحية العملية، كانت فرنسا الدولة الوحيدة بين الدول الأوروبية التي تؤسس الحق في الحيازة الشخصية على المعرفة الفكرية السابقة، بينما يستلزم شركائها الاستخدام المسبق لمحل البراءة.
F. PANEL LAPROTECTION DES INVENTION. DROIT EUROPEEN DES PREVENTS. Paris 1977. P. 252.
10. BOUBIER, le droit de la propriete industrielle T.11, op.ut.p. 176.
11. Com 18 doc 1973 LA GENOTTEE, p. 1.B.D. 1974. N.126. 111.173.
12. Paris, 7 Nov 1966 Ann. 67.53.
13. Cite par le STANC, 1 acte de contrefason, op.cit, p.186.
14. CHAVANE, v.Brevet d'invention, R.de droit commercial, D., n.213.
15. Schrans. La localisetiom de la possession personnelle anterieure en matiere de prevets
Dinventioms Rev. I un-counseil. Oct. 1956 n 9-10.
16. ANDER, cite' par LE STANC, o.p. cit, p. 187.
17. CASALONGA, op.cit, p. 103.
18. Cite'pa, Le STANC, op.Cit, p. 135.
19. ROUBIER, op. Cit, T.2, p. 362.
20. BERTIN, ingenienr et les brevets C j'Invention, paris, 1958. Pp. 35-44.
21. V. FABR, R, Le know How, sa re'servation en droit commun op.cit, p22Le stanc, la
Re'servation du know-How par le droit de possession persnneli ante'rieure, op-cit, p. 187-188
22. أن الحائز يستمر بالتمتع بحق استغلال المعرفة حتى بعد منح البراءة وإلى ذلك أشار المشرع السوداني في المادة (24) من قا نون عام 1971 بأن للحائز الحق في استخدام محل البراءة ويكون له الحق "بالرغم من البراءة في المضي في تلك الأعمال....".
23. Opinion cite par LE STANC, I'acte decontrefacon, op.cit, p.p 79.
24. Eite'par: MORSSERON, op.cit, p. 105 ets. IBID.
25. ELIE'PAR mousseron, op.Cit, p. 105.
26. LE STANC, I'acte de contre fason, op.ct, p. 180, et comp. Re'gis FABRE, op, cit, p.21.
27. v.roibier, op.Ce't, p., 80.
28. Lyon 25 mais 1960 ANN 61-11. Et V.T.G.I, Lille, 23 juin 1971. SICA LEUSSIERE,
p.I.B.D. 1972, n.81-11, 1191 et LESTANG, OP.ECT, p-2,9.


د. صبري حمد خاطر
د. فائق محمد الشماع






آخر تعديل المحامي عارف الشعَّال يوم 16-10-2009 في 02:13 PM.
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اجتهادات هامة أحوال ردين حسن جنود أهم الاجتهادات القضائية السورية 3 12-11-2018 10:31 AM
التجديد في مباحث الأحوال الشخصية شويش هزاع علي المحاميد أبحاث في الأحوال الشخصية وقوانين الأسرة 2 19-07-2010 01:43 PM
تقنين أصول المحاكمات المدنية المحامي محمد صخر بعث أهم الاجتهادات القضائية السورية 25 01-12-2006 02:57 PM
*************** زنا *************** المحامي حيدر سلامة أهم الاجتهادات القضائية السورية 0 30-11-2006 11:30 AM
لماذا قانون الكمبيوتر؟ منشورات اتحاد المصارف العربية مقالات قانونية منوعة 2 08-07-2006 08:02 PM


الساعة الآن 12:00 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Nahel
يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر>>>جميع المواضيع والردود والتعليقات تعبر عن رأي كاتيبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى أو الموقع