منتدى محامي سوريا

العودة   منتدى محامي سوريا > منتدى المحاماة > المحاماة- هموم وشجون

المحاماة- هموم وشجون إذا صادفتك مشكلة في البيت أو المكتب أو المحكمة أو الشارع أو من خلال ممارسة مهنة المحاماة فلا تتردد في طرحها علينا لنتعاون جميعاً في البحث عن حل لها. أخبرنا عن مشاهداتك اليومية في المحاكم والشارع.

إضافة رد
المشاهدات 2940 التعليقات 1
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-08-2011, 11:36 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
المحامي متروك صيموعة
إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي الوجه الآخر للمحاماة ..


ليس سهلاً قياس مدى انسجام ظاهر الحال والشكليات مع المضامين وحقائق العلاقات في توصيف وتقييم مهنة المحاماة , وإلى أي مدى يمكن إطلاق حكم قيمة إيجابي على الأداء النقابي بين الواقع والمفترض , بين الشكل والمضمون , بين ما هو كائن , وما يجب أن يكون .
صحيح أن مهنة المحاماة هي بالأصل رسالة جليلة , كان روادها الأوائل يقومون بواجب الدفاع عن الحق وعن أصحاب المظالم دون مقابل , متبرعين بثمرة جهدهم وعلمهم لحساب العدالة ولإنصاف المظلومين , وهي مهنة سامية بأهدافها ومراميها وغاياتها أيضاً. والمحامون هم بالمبدأ ظهراء الحق والعدل والحرية , والذائدون عن حقوق الإنسان الأساسية وهم كذلك ــ وبالمبدأ أيضاً ــ حراس للدساتير والنواميس والقوانين , وفرسان للعدالة . وتأسيساً على هذا يمكن مقاربة الحكم على المهنة , الرسالة , وفق مستويين أو فرضين : أن تكون المحاماة رسالة , ذلك شيء .. وأن تكون مجرد مهنة تهدف لمساعدة الموكلين في اقتضاء حقوقهم ومساعدة القضاء في تسيير مرفق العدالة , شيء آخر .. أن تكون المحاماة رسالة سامية ونبيلة , يتطلب ذلك عدداً من الشروط والمناخات التي تجعلها كذلك , وهي شروط , إما ذاتية , تتصل بالجسم النقابي وتكوينه وآلياته ومحدداته .. وطبيعة المهنة وأعرافها وتقاليدها ومستوى سوية منتسبيها .
وإما شروط موضوعية , تتعلق بمناخ العمل العام وقوانينه وشكل علاقاته , وعليه : ــ حتى تكون المحاماة , بالمبدأ , نقابة فاعلة ذات طابع مؤسسي وقوامها المؤسسية , وتظهر كوحدة متماسكة متكاملة تحمي حقوق منتسبيها , وتوفر لهم أفضل الشروط لأداء رسالتهم , فتتحول عندئذ إلى فكرة دافعة باتجاه الأعلى والأمام , فتكرس وتحمي قيم الحق والعدل والحرية والديمقراطية وحقوقالإنسان الأساسية , ما يستدعي إنجاز وتوافر العديد من الشروط والمقدمات ومنها : ــ أن تكون سلطة التشريع مستقلة وكفوءة , حتى يتاح إنتاج بنية قانونية وتشريعية ملائمة , تخلق المحفزات , وتحقق ضمانات العمل العام , وتتيح الحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي , دون معوقات أو حواجز تشريعية وقانونية , أو حتى سياسية , بحيث لايعطل الجمود التشريعي أو حركته البطيئة , وكذلك القيود الأخرى , تقدم المجتمع وحراكه المستمر , أو يشل فعالياته . بمعنى : خلق منظومة قانونية حديثة ومواكبة , تستجيب لمتطلبات الانتقال بالمجتمع إلى درجة أعلى في سلم التطور في كافة المناحي , وبضمانات قانونية فعالة ومناسبة , دون عقبات تشريعية وقانونية وإدارية . ــ أن يكون القضاء سلطة مستقلة , ومن ثم كفوءة , حتى تستطيع إنجاز وظائف بسط العدل وإحقاق الحق وحفظ الكيانية الأساسية للمجتمع , فتوفر الطمأنينة والإحساس بالأمان الاجتماعي , وترفع مظنة الغبن عبر تطبيق القوانين , دون استثناءات أو اعتبارات أو محسوبيات , أو انصياع لإرادات أو مراكز نفوذ أو سلطات , اللهم إلا سلطة القانون .
ــ تطبيق معايير صارمة وموضوعية , قوامها الكفاءة والأهلية في شغل الوظائف العامة , بعيداً عن المحسوبية والزبائنية السياسية , حتى يتم خلق جهاز إداري مرن وعصري , يتم رفده باستمرار بالعناصر المؤهلة والشابة , ويكون سريع الاستجابة للمتطلبات ويدفع المجتمع باتجاه حركة صاعدة , بعيداً عن التكلس الإداري والبيروقراطي , عبر الاستفادة السريعة من إنجازات العلم ( أتمتة إدارية ــ تمكين معلوماتي .. نافذة واحدة ..إلخ ) وهذا يسهل تطبيق القوانين والتشريعات وفق السياق الآيجابي المفيد والمنتج , ويؤدي مع الزمن إلى الحد من طغيان الشكليات القانونية على حساب مضامين الحق , ويفضي إلى التخلص من الاختناقات الإدارية في تسيير وإنهاء المعاملات , والتخلص من واقع المتاهة الإدارية في إنجازها ( حيث تستغرق معاملة فراغ سيارة في بلادنا مثلاً عدة أيام بينما يتم أنجازها في بلدان أخرى مماثلة بعدة دقائق .. مع توسيع حدود القياس على عدة مستويات ) .!! ــ إن وضوح القوانين وعدم تعقيدها وتشعبها , ووجود جهاز إداري كفوء ومؤهل وتشريعات محررة من الشكليات والتعقيدات البيروقراطية , يسهل عمل رجال القانون , وخاصة المحامين , ويقلل فرص سلوك الطرق الملتوية في متابعة القضايا , للوصول إلى غايات تطبيق القانون والدفاع عن الحقوق في ظل هذه الأجواء يتاح للمحاماة أن تكون رسالة سامية , وليست مجرد مهنة , تبرر الدفاع عن الموكلين بكل الطرق والوسائل , دون أي اعتبار للأساليب المتبعة , على مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة .) ــ أن يكون هناك فعلاً سيادة للقانون وفصل للسلطات واستقلال للقضاء , دون أن تتغول سلطة على أخرى وتصادر صلاحياتها , وتمارس ــ خارج الشرعية ــ بعض أو معظم وظائفها , أو تملي عليها كل ذلك , فتتعزز عندئذ قيم وتقاليد مهنة المحاماة , وترتفع السوية الأخلاقية لمنتسبيها ويرتقي سلوكهم ومستوى أدائهم المهني والأخلاقي.
أما في حالة تخلف هذه الشروط و المناخات , وسيطرة أشكال المحسوبية والفساد, وكذلك البيروقراطية والتعقيدات الإدارية والتشريعية , وتشعب وتناقض القوانين , كل ذلك يجعل المحاماة تنحدر من رسالة سامية إلى مهنة تنافسية تنطوي على أشكال عديدة من المضاربة غير المشروعة , بل وإلى انتهازية مهنية , تستهدف اجتراح الحلول والمخارج للفوز والظفر في هذا الخضم المتلاطم , وغالباً عبر أساليب ووسائل ملتوية , فتسود "الذئبية" في العلاقات إذا صح التشبيه , من خلال النقابة, في ظل تسابق محموم على الفرص واقتناصها .
كذلك فإن انحسار فرص العمل وتقليص مساحات ومجالات العمل القانوني , وتزايد عدد المنتسبين , يذكي هذه التناحرية في العلاقات , ويجعل الذهنية التنافسية هي السائدة , عبر تشويه الآخر والطعن في كفاءته وسلوكه وسيرته , حيث يكون ذلك هو الطريق للظفر بفرصة جديدة في معترك المزاحمة . وفي هذا السياق يمكن إيراد مجموعة من الملاحظات والمقاربات ذات الصلة عبر التساؤلات التالية :
ــ إلى أي مدى يمكن اعتبار الجسم النقابي وحدة متكاملة ومتجانسة ؟ وذات طابع مؤسسي تجمعها جملة من التقاليد والأعراف المهنية , إضافة للقوانين الناظمة ؟ وإلى أي مدى يتحقق هدف تطبع المنتسب الجديد وانصهاره في هذه البوتقة , والانسجام مع متطلباتها وغاياتها ؟ بمعنى : إلى أي حد تجبر النقابة , كمؤسسة , منتسبيها على التخلي عن العادات والسلوكيات الخاصة التي تحصلوا عليها في بيئاتهم المختلفة , ليندرجوا في إطار نمط من السلوكيات والعادات التي تتطلبها طبيعة هذه المهنة وأنظمتها وتقاليدها ؟ ومن ثم تصهرهم في بوتقة الأعراف والتقاليد المهنية المتواترة , ويتخلون بذلك عن الذهنيات والنزعات الشخصية والعادات السلوكية المنقولة من بيئات اجتماعية متفاوتة ومتباينة قدموا منها , بهدف الانخراط في بيئة جديدة ذات متطلبات خاصة , وطابع مؤسسي متجانس ومتناغم ومتماسك , أو يفترض أن يكون كذلك ؟ وإلى أي حد يمكن التضحية بالفردية أو الشخصانية , إذا صح التعبير, لمواءمة شروط ومتطلبات عمل من نوع خاص يقبع الذين يتصدون له ــ المحامون طبعاً ــ على أعلى درجات " البناء الفوقي" في المجتمع , وهو القانون ؟ . أليست الندرة في وجود شركات المحامين , والمكاتب الجماعية , اللهم إلا بدوافع خاصة وضيقة , دليلاً على استفحال الفردانية أو الشخصانية , إذا صح التعبير , وعدم خلق روح جماعية حقيقية , وطغيان نزعة الأنا والأثرة الشخصية على ميزات العمل الجماعي في ممارسة مهنة المحاماة , وما يوفره ذلك من مزايا على الصعيد المهني والعلمي ؟ أليس ذلك دليلاً على غياب روح الجماعة وسقوطها أمام الطموح الشخصي والفردي ورغبة الاستئثار والتفرد والأنانية ؟ أوليس الانخراط في النقابة هذه الأيام هو مجرد عبور تلقائي سريع وبسيط ويسير , لا يلحقه تغيير يذكر في الذهنية والسلوك والثقافة , حيث الجسم النقابي كتلة رجراجة يعوزها التماسك والتجانس , بينما ينبغي أن تشدها منظومات التقاليد الراسخة المكرسة في أدبياتها , بسبب عدم التأهيل الكافي , وكذلك التساهل في المتطلبات والشروط , ليس الشكلية فقط , بل الموضوعية ؟ وقد يكون لكل ذلك أسبابه أيضاً , نظراً لتنوع واختلاف الروافد التي تسم القادمين إلى فضاء هذه المهنة , والمنخرطين في صفوفها , وتفاوت مستوياتهم وخلفياتهم وتباينها .
ــ إن المتطلع , بنظرة متفحصة , إلى مكونات الجسم النقابي , يلحظ كتلة غير متجانسة , متفاوتة الثقافة , مختلفة الذهنياتِِ والمشارب والتطلعات ــ لم تنصهر في بوتقة التقاليد والسلوكيات المتواترة والمكرسة في الأدبيات المتوارثة لمهنة المحاماة بعد ــ منها : ــ شريحة حديثة شابة , انتقلت مباشرة من المناخ الجامعي الطلابي , وهو جو مفعم بالألفة والتكافل والحميمية , إلى صفوف النقابة , يدفعها زخم الإقبال على العمل النقابي بروح شبابية متوثبة وطموحة , حيث لم يسبق لها الانخراط في أي عمل إداري أو وظيفي سابق , ولم تنغمس في خضم هذا المعترك وبيئاته ومثالبه وأمراضه المزمنة , ولم تتكشف لها عيوبه , وهي شريحة طازجة , تتميز بالاندفاع والحماسة , وإن كانت ذات خبرة متواضعة في ميدان العمل العام وفي معترك الحياة أيضا. ــ شريحة الموظفين المحالين على التقاعد المبكر أو العادي , الذين درسوا الحقوق , احتياطاً , أو طموحاً , وتطلعوا لممارسة المهنة بدوافع مختلفة , ولغايات متفاوتة , وانخرطوا في صفوفها بعد عمر زمني ليس بالقليل , أمضوا جله في وظائف وفعاليات أخرى متنوعة , استهلكوا فيها طاقاتهم وشبابهم , ومارسوا بعدها المحاماة عبر شوط زمني إضافي , ومرحلة عمرية متقدمة , ربما لـ "كسر التعادل السلبي" مع ظروف الحياة , إذا صح التعبير , أو محاولة تجاوز رتابتها والتغلب عليها بضربات الترجيح , على مرماها الموارب قليلاً.. بعد استنفاذ الزمن الأصلي والإضافي أيضاً.
ــ شريحة مخملية لطيفة تتمثل في عدد غير قليل من الزميلات اللاتي اقتحمن ميدان العمل في المحاماة , ذلك الميدان الذي كان حكراً على الرجال , فكانت الكثيرات منهن على جانب كبير من الثقة والنباهة والشجاعة في اقتحام هذا المعترك الحساس بمهنية عالية , رغم ما ينطوي عليه هذا العمل من مجازفة في ظل اعتبارات اجتماعية متعددة , فخاضته الكثيرات بكفاءة وبوسائل وأساليب وأدوات الدفاع والمرافعة الأصلية , فقلائل أولئك اللاتي اضطررن لإعلان أشكال مــــن التعبئة واستخدام الوسائل الاحتياطية ..
ــ شريحة " سوبرمانية " , إذا صح التشبيه, وإن كانت قليلة العدد , تتمثل في بعض كبار الموظفين وغيرهم الذين مارسوا العمل العام في مراكز رفيعة , وحافظوا على عضويتهم في النقابة أو استعادوها لأسباب متعددة , ربحوا بعدها سباق التتابع مع الزمن , دون عبور المضمار, ودون أن يسلموا العصا لغيرهم ..بل فتحوا ممرات عريضة على فضاءات عمل نوعي , وميادين فسيحة , مجزية ومغرية وفرص كسب خيالية وحصلوا على تعويضات مجزية من صناديق النقابة دون أن يخدموها .
كذلك بعض الضباط الذين انتسيوا للمهنة بعد عمل طويل أو متوسط في اختصاصهم , تشبعوا من خلاله بروح عسكرية , وتراتبية صارمة , على طريقة النظام المنضم , فمن حروب الجبهات الميدانية إلى جبهات الدفاع القانونية , مع فارق في التوق إلى تحقيق "النصر" , من الجبهة .. إلى الدعوى , وخرائط عملياتهم أضحت محملة بالمواد القانونية وليس المواقع العسكرية , ويتقنون فن الإنزال خلف خطوط " العدو" ومباغتته والإجهاز عليه...
وربما يصح القول أنها "مهنة" تغري المتطلع إليها و تغري كذلك من يود الخروج .. فالكثيرون غادروا فضاءها إلى سلك القضاء , بعد زمن قضوه في صفوفها , رغم نجاح بعضهم , وذلك ربما للتطلع لمزايا أخرى .. حيث هناك فرق طبعاً , بين رفع الالتماس وسلطة التقرير .. بين اتساع وتعدد البدائل مع المحامين , والعلاقة الحكمية مع القضاة , بين تعدد الطلبات بلغة الترجي , وإمكان أن يطوى الكشح عنها أو عن بعضها , وبين سلطة البت والحكم القابل للتنفيذ ..! بين الوقوف المتعدد والحكمي أمام جالس واحد ( القاضي ) دون سلطة التقرير , والجلوس أمام المتعدد , الطالب والملتمس ( المحامون) ..! ورب داخل إليها مضح بكل تلك الامتيازات ربما تطلعاً إلى فضاء العلاقات وميزات العمل النقابي العام , واتساع روافده ومكوناته , وإلى الحميمية مع قليل من الحرية في الحركة , بخلاف وضعية الوظيفة العامة .
ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى الأعراض التي تسبق حمى الانتخابات ,وإن كانت متباعدة بين دورة وأخرى , وما يطرأ على الجسم النقابي خلالها من تبدلات " فيزيزلوجية" ونفسية , وما تتركه من آثار, وهي أعراض تشبه إلى حد ما تلك التي تسبق ألم المخاض والوضع لدى العديد من الكائنات , حيث تسيطر الغريزية والمزاجية ونزعة الأنا على العلاقات , ويمكن للطامح أن يضحي بالكثير من اعتبارات الصداقة والزمالة , على مذبح الرغبة في الصعود والفوز , فتتبدى مظاهر الفوقية لدى البعض , وتسيطر الذهنية الوصائية على البعض الآخر وتحكم سلوكه , و تتجلى مظاهر التبعية والزبائنية عبر اصطفافات شللية تحكمها العديد من الاعتبارات , البعض يرتب لها مبكراً عبر صياغة وتشكيل اللجان المختلفة خاصة تلك التي تتيح الاحتكاك الدائم والمباشر مع الوافدين الجدد إلى الجسم النقابي , وهؤلاء على الغالب مصابون بالعمى الانتخابي , نظراً لانحصار معرفتهم أو ندرتها اللهم إلا بمستقبليهم فقط من خلال تلك اللجان وعبرها , دون إمكانية التعرف على مكونات الجسم النقابي وتلاوينه وتنويعاته , فيكونون صيداً تلقائياً وسهلاً للمغرمين والمسكونين بنزعة الطموح والاستئثار الشخصي , ففي هذه الأجواء تتم إزالة أشكال الديكور الخارجي من العلاقات , وتتم إزالة الملصقات , ويكون القول الفصل لاعتبارات أخرى , تبدأ بالتبلور والظهور , فعلى هذا الهامش تنمو علاقات جديدة وتنفرط عرى صداقات قديمة , وتنشأ تحالفات وتنفرط أخرى وهكذا ..
كذلك لابد من الإشارة ولو بشكل عابر إلى أن ظاهرة الفساد التي لا يمكن مقاربتها دون الإشارة إلى دور المحامين الإيجابي من حيث المبدأ عندما يقتضي الحديث عن محاربتها , والسلبي الطارئ عندما يكون المحامون جزءاً منها , فالمحامون بصفتهم وكلاء خصومة قضائية , ومعلوم أن على هذا الهامش يسوغ لهم تسيير وإنجاز بعض المعاملات المتصلة بالقضايا والمراجعات القضائية أو تلك التي تنشأ عنها , تجعل المحامي على احتكاك مباشر بمفاصل الإدارات المختلفة والدوائر القضائية , وبالتالي جمهور المواطنين وأصحاب الحاجات والمعاملات , وكل هذا يتيح للمحامي هامش من الحركة والاحتكاك بكل أولئك , وتجعل منه حلقة مهمة في متابعة وإنجاز وتنفيذ الأحكام وغيرها , وبالتالي إمكانية تمريرها عبر أساليب ملتوية , مما جعل ظاهرة السمسرة تستفحل وتتفاقم , وتتعمق كذلك العلاقات الزبائنية التي توفر منافع متبادلة تجعل العديد من الأساليب الطفيلية تدور في فلك المحامين وعبرهم , حيث تؤهلهم مواقعهم وصفاتهم لكي يكونوا بوابات عبور لمثل هذه الممارسات , فيتحول عدد لا بأس به من المحامين إلى جزء من شبكة هائلة من المنافع والمكوس , وحلقة مهمة في ماكينة الفساد , فيؤدون وظيفة ودوراً يتعارض بالمبدأ مع غايات ومبادئ وتقاليد المهنة بوصفها رسالة نبيلة حمل رايتها أناس يفترض أنهم مترفعون أصلاً عن خوض معترك المحاصصات , على مذبح المنافع المتبادلة وشراء وبيع الذمم , وتحولت الكثير من التقاليد والأصول والأعراف إلى واجهات وديكور اسمي , سرعان ما يسقط في خضم معترك المصالح والمنافع .
كذلك لابد من الإشارة موضوع وكالة المحامين عن الجهات العامة والشركات , حيث تحولت معايير التكليف فيها من أفضليات تحكمها اعتبارات محددة وأصول متعارف عليها , إلى أعطيات مزاجية تحكمها الرغبات والمنافع المتوخاة مستقبلاً , وبديل عن الاعتبارات الموضوعية في التكليف, فسادت الزبائنية والولاءات الشخصية لاعتبارات انتخابية بالدرجة الأولى وغير ذلك , في ظل مناخ عام ضاغط على عمل المحامين , وسياق يفضي إلى تقليص مجالات عملهم , فأصبح هذا المجال امتيازاً ومنحة لها ما يقابلها , في ظل تقلص فرص العمل والجو المحموم من المنافسة الذي بدأ يحكم العلاقات , فقد قال قائل يوماً مقولة ربما تجد بعض الترجمة على أرض الواقع مفادها : لا تريحوا المحامين فتتعبوا ..! أتعبوهم فترتاحوا ..!
فعلى هذا المفترق وفي ظل هذا الواقع من التفاوت بين هذه الشرائح والمكونات , أضحى للمهنة أكثر من وجه , وأوضح من معلم .
فأخذت تتبدى , وربما تبدت ملامح خط للفقر , أخذ يتبلور في الجسم النقابي العام , مسقطاً الكثيرين تحت مداه الذي أخذ يتسع يوماً بعد يوم , وبدأت تتزايد أعداد الذين تنحدر بهم الظروف إلى ما دونه , وأصبح لهذه المهنة , بل الرسالة السامية والنبيلة , التي حمل لقبها علية القوم , وسادة الفكر , وفرسان الوطنية , عبر العصور , وجه آخر ــ يتسع ويتمدد , وتتكون ملامحه وتزداد تعمقاً .
ــ وجه يواري هذه الملامح خلف دهاليز العتمة , وما وراء الشكليات والمظاهر الخادعة , فثمة كثيرون من أولئك أصبحوا يقبعون على مشارفه .. لكن القلائل منهم , هم الذين يستطيعون رؤيته .. وتحديد ملامحه .. إنه الوجه الآخر .




الوجه الآخر ...!
ليس سهلاً قياس مدى انسجام ظاهر الحال والشكليات مع المضامين وحقائق العلاقات في توصيف وتقييم مهنة المحاماة , وإلى أي مدى يمكن إطلاق حكم قيمة إيجابي على الأداء النقابي بين الواقع والمفترض , بين الشكل والمضمون , بين ما هو كائن , وما يجب أن يكون .
صحيح أن مهنة المحاماة هي بالأصل رسالة جليلة , كان روادها الأوائل يقومون بواجب الدفاع عن الحق وعن أصحاب المظالم دون مقابل , متبرعين بثمرة جهدهم وعلمهم لحساب العدالة ولإنصاف المظلومين , وهي مهنة سامية بأهدافها ومراميها وغاياتها أيضاً. والمحامون هم بالمبدأ ظهراء الحق والعدل والحرية , والذائدون عن حقوق الإنسان الأساسية وهم كذلك ــ وبالمبدأ أيضاً ــ حراس للدساتير والنواميس والقوانين , وفرسان للعدالة . وتأسيساً على هذا يمكن مقاربة الحكم على المهنة , الرسالة , وفق مستويين أو فرضين : أن تكون المحاماة رسالة , ذلك شيء .. وأن تكون مجرد مهنة تهدف لمساعدة الموكلين في اقتضاء حقوقهم ومساعدة القضاء في تسيير مرفق العدالة , شيء آخر .. أن تكون المحاماة رسالة سامية ونبيلة , يتطلب ذلك عدداً من الشروط والمناخات التي تجعلها كذلك , وهي شروط , إما ذاتية , تتصل بالجسم النقابي وتكوينه وآلياته ومحدداته .. وطبيعة المهنة وأعرافها وتقاليدها ومستوى سوية منتسبيها .
وإما شروط موضوعية , تتعلق بمناخ العمل العام وقوانينه وشكل علاقاته , وعليه : ــ حتى تكون المحاماة , بالمبدأ , نقابة فاعلة ذات طابع مؤسسي وقوامها المؤسسية , وتظهر كوحدة متماسكة متكاملة تحمي حقوق منتسبيها , وتوفر لهم أفضل الشروط لأداء رسالتهم , فتتحول عندئذ إلى فكرة دافعة باتجاه الأعلى والأمام , فتكرس وتحمي قيم الحق والعدل والحرية والديمقراطية وحقوقالإنسان الأساسية , ما يستدعي إنجاز وتوافر العديد من الشروط والمقدمات ومنها : ــ أن تكون سلطة التشريع مستقلة وكفوءة , حتى يتاح إنتاج بنية قانونية وتشريعية ملائمة , تخلق المحفزات , وتحقق ضمانات العمل العام , وتتيح الحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي , دون معوقات أو حواجز تشريعية وقانونية , أو حتى سياسية , بحيث لايعطل الجمود التشريعي أو حركته البطيئة , وكذلك القيود الأخرى , تقدم المجتمع وحراكه المستمر , أو يشل فعالياته . بمعنى : خلق منظومة قانونية حديثة ومواكبة , تستجيب لمتطلبات الانتقال بالمجتمع إلى درجة أعلى في سلم التطور في كافة المناحي , وبضمانات قانونية فعالة ومناسبة , دون عقبات تشريعية وقانونية وإدارية . ــ أن يكون القضاء سلطة مستقلة , ومن ثم كفوءة , حتى تستطيع إنجاز وظائف بسط العدل وإحقاق الحق وحفظ الكيانية الأساسية للمجتمع , فتوفر الطمأنينة والإحساس بالأمان الاجتماعي , وترفع مظنة الغبن عبر تطبيق القوانين , دون استثناءات أو اعتبارات أو محسوبيات , أو انصياع لإرادات أو مراكز نفوذ أو سلطات , اللهم إلا سلطة القانون .
ــ تطبيق معايير صارمة وموضوعية , قوامها الكفاءة والأهلية في شغل الوظائف العامة , بعيداً عن المحسوبية والزبائنية السياسية , حتى يتم خلق جهاز إداري مرن وعصري , يتم رفده باستمرار بالعناصر المؤهلة والشابة , ويكون سريع الاستجابة للمتطلبات ويدفع المجتمع باتجاه حركة صاعدة , بعيداً عن التكلس الإداري والبيروقراطي , عبر الاستفادة السريعة من إنجازات العلم ( أتمتة إدارية ــ تمكين معلوماتي .. نافذة واحدة ..إلخ ) وهذا يسهل تطبيق القوانين والتشريعات وفق السياق الآيجابي المفيد والمنتج , ويؤدي مع الزمن إلى الحد من طغيان الشكليات القانونية على حساب مضامين الحق , ويفضي إلى التخلص من الاختناقات الإدارية في تسيير وإنهاء المعاملات , والتخلص من واقع المتاهة الإدارية في إنجازها ( حيث تستغرق معاملة فراغ سيارة في بلادنا مثلاً عدة أيام بينما يتم أنجازها في بلدان أخرى مماثلة بعدة دقائق .. مع توسيع حدود القياس على عدة مستويات ) .!! ــ إن وضوح القوانين وعدم تعقيدها وتشعبها , ووجود جهاز إداري كفوء ومؤهل وتشريعات محررة من الشكليات والتعقيدات البيروقراطية , يسهل عمل رجال القانون , وخاصة المحامين , ويقلل فرص سلوك الطرق الملتوية في متابعة القضايا , للوصول إلى غايات تطبيق القانون والدفاع عن الحقوق في ظل هذه الأجواء يتاح للمحاماة أن تكون رسالة سامية , وليست مجرد مهنة , تبرر الدفاع عن الموكلين بكل الطرق والوسائل , دون أي اعتبار للأساليب المتبعة , على مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة .) ــ أن يكون هناك فعلاً سيادة للقانون وفصل للسلطات واستقلال للقضاء , دون أن تتغول سلطة على أخرى وتصادر صلاحياتها , وتمارس ــ خارج الشرعية ــ بعض أو معظم وظائفها , أو تملي عليها كل ذلك , فتتعزز عندئذ قيم وتقاليد مهنة المحاماة , وترتفع السوية الأخلاقية لمنتسبيها ويرتقي سلوكهم ومستوى أدائهم المهني والأخلاقي.
أما في حالة تخلف هذه الشروط و المناخات , وسيطرة أشكال المحسوبية والفساد, وكذلك البيروقراطية والتعقيدات الإدارية والتشريعية , وتشعب وتناقض القوانين , كل ذلك يجعل المحاماة تنحدر من رسالة سامية إلى مهنة تنافسية تنطوي على أشكال عديدة من المضاربة غير المشروعة , بل وإلى انتهازية مهنية , تستهدف اجتراح الحلول والمخارج للفوز والظفر في هذا الخضم المتلاطم , وغالباً عبر أساليب ووسائل ملتوية , فتسود "الذئبية" في العلاقات إذا صح التشبيه , من خلال النقابة, في ظل تسابق محموم على الفرص واقتناصها .
كذلك فإن انحسار فرص العمل وتقليص مساحات ومجالات العمل القانوني , وتزايد عدد المنتسبين , يذكي هذه التناحرية في العلاقات , ويجعل الذهنية التنافسية هي السائدة , عبر تشويه الآخر والطعن في كفاءته وسلوكه وسيرته , حيث يكون ذلك هو الطريق للظفر بفرصة جديدة في معترك المزاحمة . وفي هذا السياق يمكن إيراد مجموعة من الملاحظات والمقاربات ذات الصلة عبر التساؤلات التالية :
ــ إلى أي مدى يمكن اعتبار الجسم النقابي وحدة متكاملة ومتجانسة ؟ وذات طابع مؤسسي تجمعها جملة من التقاليد والأعراف المهنية , إضافة للقوانين الناظمة ؟ وإلى أي مدى يتحقق هدف تطبع المنتسب الجديد وانصهاره في هذه البوتقة , والانسجام مع متطلباتها وغاياتها ؟ بمعنى : إلى أي حد تجبر النقابة , كمؤسسة , منتسبيها على التخلي عن العادات والسلوكيات الخاصة التي تحصلوا عليها في بيئاتهم المختلفة , ليندرجوا في إطار نمط من السلوكيات والعادات التي تتطلبها طبيعة هذه المهنة وأنظمتها وتقاليدها ؟ ومن ثم تصهرهم في بوتقة الأعراف والتقاليد المهنية المتواترة , ويتخلون بذلك عن الذهنيات والنزعات الشخصية والعادات السلوكية المنقولة من بيئات اجتماعية متفاوتة ومتباينة قدموا منها , بهدف الانخراط في بيئة جديدة ذات متطلبات خاصة , وطابع مؤسسي متجانس ومتناغم ومتماسك , أو يفترض أن يكون كذلك ؟ وإلى أي حد يمكن التضحية بالفردية أو الشخصانية , إذا صح التعبير, لمواءمة شروط ومتطلبات عمل من نوع خاص يقبع الذين يتصدون له ــ المحامون طبعاً ــ على أعلى درجات " البناء الفوقي" في المجتمع , وهو القانون ؟ . أليست الندرة في وجود شركات المحامين , والمكاتب الجماعية , اللهم إلا بدوافع خاصة وضيقة , دليلاً على استفحال الفردانية أو الشخصانية , إذا صح التعبير , وعدم خلق روح جماعية حقيقية , وطغيان نزعة الأنا والأثرة الشخصية على ميزات العمل الجماعي في ممارسة مهنة المحاماة , وما يوفره ذلك من مزايا على الصعيد المهني والعلمي ؟ أليس ذلك دليلاً على غياب روح الجماعة وسقوطها أمام الطموح الشخصي والفردي ورغبة الاستئثار والتفرد والأنانية ؟ أوليس الانخراط في النقابة هذه الأيام هو مجرد عبور تلقائي سريع وبسيط ويسير , لا يلحقه تغيير يذكر في الذهنية والسلوك والثقافة , حيث الجسم النقابي كتلة رجراجة يعوزها التماسك والتجانس , بينما ينبغي أن تشدها منظومات التقاليد الراسخة المكرسة في أدبياتها , بسبب عدم التأهيل الكافي , وكذلك التساهل في المتطلبات والشروط , ليس الشكلية فقط , بل الموضوعية ؟ وقد يكون لكل ذلك أسبابه أيضاً , نظراً لتنوع واختلاف الروافد التي تسم القادمين إلى فضاء هذه المهنة , والمنخرطين في صفوفها , وتفاوت مستوياتهم وخلفياتهم وتباينها .
ــ إن المتطلع , بنظرة متفحصة , إلى مكونات الجسم النقابي , يلحظ كتلة غير متجانسة , متفاوتة الثقافة , مختلفة الذهنياتِِ والمشارب والتطلعات ــ لم تنصهر في بوتقة التقاليد والسلوكيات المتواترة والمكرسة في الأدبيات المتوارثة لمهنة المحاماة بعد ــ منها : ــ شريحة حديثة شابة , انتقلت مباشرة من المناخ الجامعي الطلابي , وهو جو مفعم بالألفة والتكافل والحميمية , إلى صفوف النقابة , يدفعها زخم الإقبال على العمل النقابي بروح شبابية متوثبة وطموحة , حيث لم يسبق لها الانخراط في أي عمل إداري أو وظيفي سابق , ولم تنغمس في خضم هذا المعترك وبيئاته ومثالبه وأمراضه المزمنة , ولم تتكشف لها عيوبه , وهي شريحة طازجة , تتميز بالاندفاع والحماسة , وإن كانت ذات خبرة متواضعة في ميدان العمل العام وفي معترك الحياة أيضا. ــ شريحة الموظفين المحالين على التقاعد المبكر أو العادي , الذين درسوا الحقوق , احتياطاً , أو طموحاً , وتطلعوا لممارسة المهنة بدوافع مختلفة , ولغايات متفاوتة , وانخرطوا في صفوفها بعد عمر زمني ليس بالقليل , أمضوا جله في وظائف وفعاليات أخرى متنوعة , استهلكوا فيها طاقاتهم وشبابهم , ومارسوا بعدها المحاماة عبر شوط زمني إضافي , ومرحلة عمرية متقدمة , ربما لـ "كسر التعادل السلبي" مع ظروف الحياة , إذا صح التعبير , أو محاولة تجاوز رتابتها والتغلب عليها بضربات الترجيح , على مرماها الموارب قليلاً.. بعد استنفاذ الزمن الأصلي والإضافي أيضاً.
ــ شريحة مخملية لطيفة تتمثل في عدد غير قليل من الزميلات اللاتي اقتحمن ميدان العمل في المحاماة , ذلك الميدان الذي كان حكراً على الرجال , فكانت الكثيرات منهن على جانب كبير من الثقة والنباهة والشجاعة في اقتحام هذا المعترك الحساس بمهنية عالية , رغم ما ينطوي عليه هذا العمل من مجازفة في ظل اعتبارات اجتماعية متعددة , فخاضته الكثيرات بكفاءة وبوسائل وأساليب وأدوات الدفاع والمرافعة الأصلية , فقلائل أولئك اللاتي اضطررن لإعلان أشكال مــــن التعبئة واستخدام الوسائل الاحتياطية ..
ــ شريحة " سوبرمانية " , إذا صح التشبيه, وإن كانت قليلة العدد , تتمثل في بعض كبار الموظفين وغيرهم الذين مارسوا العمل العام في مراكز رفيعة , وحافظوا على عضويتهم في النقابة أو استعادوها لأسباب متعددة , ربحوا بعدها سباق التتابع مع الزمن , دون عبور المضمار, ودون أن يسلموا العصا لغيرهم ..بل فتحوا ممرات عريضة على فضاءات عمل نوعي , وميادين فسيحة , مجزية ومغرية وفرص كسب خيالية وحصلوا على تعويضات مجزية من صناديق النقابة دون أن يخدموها .
كذلك بعض الضباط الذين انتسيوا للمهنة بعد عمل طويل أو متوسط في اختصاصهم , تشبعوا من خلاله بروح عسكرية , وتراتبية صارمة , على طريقة النظام المنضم , فمن حروب الجبهات الميدانية إلى جبهات الدفاع القانونية , مع فارق في التوق إلى تحقيق "النصر" , من الجبهة .. إلى الدعوى , وخرائط عملياتهم أضحت محملة بالمواد القانونية وليس المواقع العسكرية , ويتقنون فن الإنزال خلف خطوط " العدو" ومباغتته والإجهاز عليه...
وربما يصح القول أنها "مهنة" تغري المتطلع إليها و تغري كذلك من يود الخروج .. فالكثيرون غادروا فضاءها إلى سلك القضاء , بعد زمن قضوه في صفوفها , رغم نجاح بعضهم , وذلك ربما للتطلع لمزايا أخرى .. حيث هناك فرق طبعاً , بين رفع الالتماس وسلطة التقرير .. بين اتساع وتعدد البدائل مع المحامين , والعلاقة الحكمية مع القضاة , بين تعدد الطلبات بلغة الترجي , وإمكان أن يطوى الكشح عنها أو عن بعضها , وبين سلطة البت والحكم القابل للتنفيذ ..! بين الوقوف المتعدد والحكمي أمام جالس واحد ( القاضي ) دون سلطة التقرير , والجلوس أمام المتعدد , الطالب والملتمس ( المحامون) ..! ورب داخل إليها مضح بكل تلك الامتيازات ربما تطلعاً إلى فضاء العلاقات وميزات العمل النقابي العام , واتساع روافده ومكوناته , وإلى الحميمية مع قليل من الحرية في الحركة , بخلاف وضعية الوظيفة العامة .
ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى الأعراض التي تسبق حمى الانتخابات ,وإن كانت متباعدة بين دورة وأخرى , وما يطرأ على الجسم النقابي خلالها من تبدلات " فيزيزلوجية" ونفسية , وما تتركه من آثار, وهي أعراض تشبه إلى حد ما تلك التي تسبق ألم المخاض والوضع لدى العديد من الكائنات , حيث تسيطر الغريزية والمزاجية ونزعة الأنا على العلاقات , ويمكن للطامح أن يضحي بالكثير من اعتبارات الصداقة والزمالة , على مذبح الرغبة في الصعود والفوز , فتتبدى مظاهر الفوقية لدى البعض , وتسيطر الذهنية الوصائية على البعض الآخر وتحكم سلوكه , و تتجلى مظاهر التبعية والزبائنية عبر اصطفافات شللية تحكمها العديد من الاعتبارات , البعض يرتب لها مبكراً عبر صياغة وتشكيل اللجان المختلفة خاصة تلك التي تتيح الاحتكاك الدائم والمباشر مع الوافدين الجدد إلى الجسم النقابي , وهؤلاء على الغالب مصابون بالعمى الانتخابي , نظراً لانحصار معرفتهم أو ندرتها اللهم إلا بمستقبليهم فقط من خلال تلك اللجان وعبرها , دون إمكانية التعرف على مكونات الجسم النقابي وتلاوينه وتنويعاته , فيكونون صيداً تلقائياً وسهلاً للمغرمين والمسكونين بنزعة الطموح والاستئثار الشخصي , ففي هذه الأجواء تتم إزالة أشكال الديكور الخارجي من العلاقات , وتتم إزالة الملصقات , ويكون القول الفصل لاعتبارات أخرى , تبدأ بالتبلور والظهور , فعلى هذا الهامش تنمو علاقات جديدة وتنفرط عرى صداقات قديمة , وتنشأ تحالفات وتنفرط أخرى وهكذا ..
كذلك لابد من الإشارة ولو بشكل عابر إلى أن ظاهرة الفساد التي لا يمكن مقاربتها دون الإشارة إلى دور المحامين الإيجابي من حيث المبدأ عندما يقتضي الحديث عن محاربتها , والسلبي الطارئ عندما يكون المحامون جزءاً منها , فالمحامون بصفتهم وكلاء خصومة قضائية , ومعلوم أن على هذا الهامش يسوغ لهم تسيير وإنجاز بعض المعاملات المتصلة بالقضايا والمراجعات القضائية أو تلك التي تنشأ عنها , تجعل المحامي على احتكاك مباشر بمفاصل الإدارات المختلفة والدوائر القضائية , وبالتالي جمهور المواطنين وأصحاب الحاجات والمعاملات , وكل هذا يتيح للمحامي هامش من الحركة والاحتكاك بكل أولئك , وتجعل منه حلقة مهمة في متابعة وإنجاز وتنفيذ الأحكام وغيرها , وبالتالي إمكانية تمريرها عبر أساليب ملتوية , مما جعل ظاهرة السمسرة تستفحل وتتفاقم , وتتعمق كذلك العلاقات الزبائنية التي توفر منافع متبادلة تجعل العديد من الأساليب الطفيلية تدور في فلك المحامين وعبرهم , حيث تؤهلهم مواقعهم وصفاتهم لكي يكونوا بوابات عبور لمثل هذه الممارسات , فيتحول عدد لا بأس به من المحامين إلى جزء من شبكة هائلة من المنافع والمكوس , وحلقة مهمة في ماكينة الفساد , فيؤدون وظيفة ودوراً يتعارض بالمبدأ مع غايات ومبادئ وتقاليد المهنة بوصفها رسالة نبيلة حمل رايتها أناس يفترض أنهم مترفعون أصلاً عن خوض معترك المحاصصات , على مذبح المنافع المتبادلة وشراء وبيع الذمم , وتحولت الكثير من التقاليد والأصول والأعراف إلى واجهات وديكور اسمي , سرعان ما يسقط في خضم معترك المصالح والمنافع .
كذلك لابد من الإشارة موضوع وكالة المحامين عن الجهات العامة والشركات , حيث تحولت معايير التكليف فيها من أفضليات تحكمها اعتبارات محددة وأصول متعارف عليها , إلى أعطيات مزاجية تحكمها الرغبات والمنافع المتوخاة مستقبلاً , وبديل عن الاعتبارات الموضوعية في التكليف, فسادت الزبائنية والولاءات الشخصية لاعتبارات انتخابية بالدرجة الأولى وغير ذلك , في ظل مناخ عام ضاغط على عمل المحامين , وسياق يفضي إلى تقليص مجالات عملهم , فأصبح هذا المجال امتيازاً ومنحة لها ما يقابلها , في ظل تقلص فرص العمل والجو المحموم من المنافسة الذي بدأ يحكم العلاقات , فقد قال قائل يوماً مقولة ربما تجد بعض الترجمة على أرض الواقع مفادها : لا تريحوا المحامين فتتعبوا ..! أتعبوهم فترتاحوا ..!
فعلى هذا المفترق وفي ظل هذا الواقع من التفاوت بين هذه الشرائح والمكونات , أضحى للمهنة أكثر من وجه , وأوضح من معلم .
فأخذت تتبدى , وربما تبدت ملامح خط للفقر , أخذ يتبلور في الجسم النقابي العام , مسقطاً الكثيرين تحت مداه الذي أخذ يتسع يوماً بعد يوم , وبدأت تتزايد أعداد الذين تنحدر بهم الظروف إلى ما دونه , وأصبح لهذه المهنة , بل الرسالة السامية والنبيلة , التي حمل لقبها علية القوم , وسادة الفكر , وفرسان الوطنية , عبر العصور , وجه آخر ــ يتسع ويتمدد , وتتكون ملامحه وتزداد تعمقاً .
ــ وجه يواري هذه الملامح خلف دهاليز العتمة , وما وراء الشكليات والمظاهر الخادعة , فثمة كثيرون من أولئك أصبحوا يقبعون على مشارفه .. لكن القلائل منهم , هم الذين يستطيعون رؤيته .. وتحديد ملامحه .. إنه الوجه الآخر .




ليس سهلاً قياس مدى انسجام ظاهر الحال والشكليات مع المضامين وحقائق العلاقات في توصيف وتقييم مهنة المحاماة , وإلى أي مدى يمكن إطلاق حكم قيمة إيجابي على الأداء النقابي بين الواقع والمفترض , بين الشكل والمضمون , بين ما هو كائن , وما يجب أن يكون .
صحيح أن مهنة المحاماة هي بالأصل رسالة جليلة , كان روادها الأوائل يقومون بواجب الدفاع عن الحق وعن أصحاب المظالم دون مقابل , متبرعين بثمرة جهدهم وعلمهم لحساب العدالة ولإنصاف المظلومين , وهي مهنة سامية بأهدافها ومراميها وغاياتها أيضاً. والمحامون هم بالمبدأ ظهراء الحق والعدل والحرية , والذائدون عن حقوق الإنسان الأساسية وهم كذلك ــ وبالمبدأ أيضاً ــ حراس للدساتير والنواميس والقوانين , وفرسان للعدالة . وتأسيساً على هذا يمكن مقاربة الحكم على المهنة , الرسالة , وفق مستويين أو فرضين : أن تكون المحاماة رسالة , ذلك شيء .. وأن تكون مجرد مهنة تهدف لمساعدة الموكلين في اقتضاء حقوقهم ومساعدة القضاء في تسيير مرفق العدالة , شيء آخر .. أن تكون المحاماة رسالة سامية ونبيلة , يتطلب ذلك عدداً من الشروط والمناخات التي تجعلها كذلك , وهي شروط , إما ذاتية , تتصل بالجسم النقابي وتكوينه وآلياته ومحدداته .. وطبيعة المهنة وأعرافها وتقاليدها ومستوى سوية منتسبيها .
وإما شروط موضوعية , تتعلق بمناخ العمل العام وقوانينه وشكل علاقاته , وعليه : ــ حتى تكون المحاماة , بالمبدأ , نقابة فاعلة ذات طابع مؤسسي وقوامها المؤسسية , وتظهر كوحدة متماسكة متكاملة تحمي حقوق منتسبيها , وتوفر لهم أفضل الشروط لأداء رسالتهم , فتتحول عندئذ إلى فكرة دافعة باتجاه الأعلى والأمام , فتكرس وتحمي قيم الحق والعدل والحرية والديمقراطية وحقوقالإنسان الأساسية , ما يستدعي إنجاز وتوافر العديد من الشروط والمقدمات ومنها : ــ أن تكون سلطة التشريع مستقلة وكفوءة , حتى يتاح إنتاج بنية قانونية وتشريعية ملائمة , تخلق المحفزات , وتحقق ضمانات العمل العام , وتتيح الحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي , دون معوقات أو حواجز تشريعية وقانونية , أو حتى سياسية , بحيث لايعطل الجمود التشريعي أو حركته البطيئة , وكذلك القيود الأخرى , تقدم المجتمع وحراكه المستمر , أو يشل فعالياته . بمعنى : خلق منظومة قانونية حديثة ومواكبة , تستجيب لمتطلبات الانتقال بالمجتمع إلى درجة أعلى في سلم التطور في كافة المناحي , وبضمانات قانونية فعالة ومناسبة , دون عقبات تشريعية وقانونية وإدارية . ــ أن يكون القضاء سلطة مستقلة , ومن ثم كفوءة , حتى تستطيع إنجاز وظائف بسط العدل وإحقاق الحق وحفظ الكيانية الأساسية للمجتمع , فتوفر الطمأنينة والإحساس بالأمان الاجتماعي , وترفع مظنة الغبن عبر تطبيق القوانين , دون استثناءات أو اعتبارات أو محسوبيات , أو انصياع لإرادات أو مراكز نفوذ أو سلطات , اللهم إلا سلطة القانون .
ــ تطبيق معايير صارمة وموضوعية , قوامها الكفاءة والأهلية في شغل الوظائف العامة , بعيداً عن المحسوبية والزبائنية السياسية , حتى يتم خلق جهاز إداري مرن وعصري , يتم رفده باستمرار بالعناصر المؤهلة والشابة , ويكون سريع الاستجابة للمتطلبات ويدفع المجتمع باتجاه حركة صاعدة , بعيداً عن التكلس الإداري والبيروقراطي , عبر الاستفادة السريعة من إنجازات العلم ( أتمتة إدارية ــ تمكين معلوماتي .. نافذة واحدة ..إلخ ) وهذا يسهل تطبيق القوانين والتشريعات وفق السياق الآيجابي المفيد والمنتج , ويؤدي مع الزمن إلى الحد من طغيان الشكليات القانونية على حساب مضامين الحق , ويفضي إلى التخلص من الاختناقات الإدارية في تسيير وإنهاء المعاملات , والتخلص من واقع المتاهة الإدارية في إنجازها ( حيث تستغرق معاملة فراغ سيارة في بلادنا مثلاً عدة أيام بينما يتم أنجازها في بلدان أخرى مماثلة بعدة دقائق .. مع توسيع حدود القياس على عدة مستويات ) .!! ــ إن وضوح القوانين وعدم تعقيدها وتشعبها , ووجود جهاز إداري كفوء ومؤهل وتشريعات محررة من الشكليات والتعقيدات البيروقراطية , يسهل عمل رجال القانون , وخاصة المحامين , ويقلل فرص سلوك الطرق الملتوية في متابعة القضايا , للوصول إلى غايات تطبيق القانون والدفاع عن الحقوق في ظل هذه الأجواء يتاح للمحاماة أن تكون رسالة سامية , وليست مجرد مهنة , تبرر الدفاع عن الموكلين بكل الطرق والوسائل , دون أي اعتبار للأساليب المتبعة , على مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة .) ــ أن يكون هناك فعلاً سيادة للقانون وفصل للسلطات واستقلال للقضاء , دون أن تتغول سلطة على أخرى وتصادر صلاحياتها , وتمارس ــ خارج الشرعية ــ بعض أو معظم وظائفها , أو تملي عليها كل ذلك , فتتعزز عندئذ قيم وتقاليد مهنة المحاماة , وترتفع السوية الأخلاقية لمنتسبيها ويرتقي سلوكهم ومستوى أدائهم المهني والأخلاقي.
أما في حالة تخلف هذه الشروط و المناخات , وسيطرة أشكال المحسوبية والفساد, وكذلك البيروقراطية والتعقيدات الإدارية والتشريعية , وتشعب وتناقض القوانين , كل ذلك يجعل المحاماة تنحدر من رسالة سامية إلى مهنة تنافسية تنطوي على أشكال عديدة من المضاربة غير المشروعة , بل وإلى انتهازية مهنية , تستهدف اجتراح الحلول والمخارج للفوز والظفر في هذا الخضم المتلاطم , وغالباً عبر أساليب ووسائل ملتوية , فتسود "الذئبية" في العلاقات إذا صح التشبيه , من خلال النقابة, في ظل تسابق محموم على الفرص واقتناصها .
كذلك فإن انحسار فرص العمل وتقليص مساحات ومجالات العمل القانوني , وتزايد عدد المنتسبين , يذكي هذه التناحرية في العلاقات , ويجعل الذهنية التنافسية هي السائدة , عبر تشويه الآخر والطعن في كفاءته وسلوكه وسيرته , حيث يكون ذلك هو الطريق للظفر بفرصة جديدة في معترك المزاحمة . وفي هذا السياق يمكن إيراد مجموعة من الملاحظات والمقاربات ذات الصلة عبر التساؤلات التالية :
ــ إلى أي مدى يمكن اعتبار الجسم النقابي وحدة متكاملة ومتجانسة ؟ وذات طابع مؤسسي تجمعها جملة من التقاليد والأعراف المهنية , إضافة للقوانين الناظمة ؟ وإلى أي مدى يتحقق هدف تطبع المنتسب الجديد وانصهاره في هذه البوتقة , والانسجام مع متطلباتها وغاياتها ؟ بمعنى : إلى أي حد تجبر النقابة , كمؤسسة , منتسبيها على التخلي عن العادات والسلوكيات الخاصة التي تحصلوا عليها في بيئاتهم المختلفة , ليندرجوا في إطار نمط من السلوكيات والعادات التي تتطلبها طبيعة هذه المهنة وأنظمتها وتقاليدها ؟ ومن ثم تصهرهم في بوتقة الأعراف والتقاليد المهنية المتواترة , ويتخلون بذلك عن الذهنيات والنزعات الشخصية والعادات السلوكية المنقولة من بيئات اجتماعية متفاوتة ومتباينة قدموا منها , بهدف الانخراط في بيئة جديدة ذات متطلبات خاصة , وطابع مؤسسي متجانس ومتناغم ومتماسك , أو يفترض أن يكون كذلك ؟ وإلى أي حد يمكن التضحية بالفردية أو الشخصانية , إذا صح التعبير, لمواءمة شروط ومتطلبات عمل من نوع خاص يقبع الذين يتصدون له ــ المحامون طبعاً ــ على أعلى درجات " البناء الفوقي" في المجتمع , وهو القانون ؟ . أليست الندرة في وجود شركات المحامين , والمكاتب الجماعية , اللهم إلا بدوافع خاصة وضيقة , دليلاً على استفحال الفردانية أو الشخصانية , إذا صح التعبير , وعدم خلق روح جماعية حقيقية , وطغيان نزعة الأنا والأثرة الشخصية على ميزات العمل الجماعي في ممارسة مهنة المحاماة , وما يوفره ذلك من مزايا على الصعيد المهني والعلمي ؟ أليس ذلك دليلاً على غياب روح الجماعة وسقوطها أمام الطموح الشخصي والفردي ورغبة الاستئثار والتفرد والأنانية ؟ أوليس الانخراط في النقابة هذه الأيام هو مجرد عبور تلقائي سريع وبسيط ويسير , لا يلحقه تغيير يذكر في الذهنية والسلوك والثقافة , حيث الجسم النقابي كتلة رجراجة يعوزها التماسك والتجانس , بينما ينبغي أن تشدها منظومات التقاليد الراسخة المكرسة في أدبياتها , بسبب عدم التأهيل الكافي , وكذلك التساهل في المتطلبات والشروط , ليس الشكلية فقط , بل الموضوعية ؟ وقد يكون لكل ذلك أسبابه أيضاً , نظراً لتنوع واختلاف الروافد التي تسم القادمين إلى فضاء هذه المهنة , والمنخرطين في صفوفها , وتفاوت مستوياتهم وخلفياتهم وتباينها .
ــ إن المتطلع , بنظرة متفحصة , إلى مكونات الجسم النقابي , يلحظ كتلة غير متجانسة , متفاوتة الثقافة , مختلفة الذهنياتِِ والمشارب والتطلعات ــ لم تنصهر في بوتقة التقاليد والسلوكيات المتواترة والمكرسة في الأدبيات المتوارثة لمهنة المحاماة بعد ــ منها : ــ شريحة حديثة شابة , انتقلت مباشرة من المناخ الجامعي الطلابي , وهو جو مفعم بالألفة والتكافل والحميمية , إلى صفوف النقابة , يدفعها زخم الإقبال على العمل النقابي بروح شبابية متوثبة وطموحة , حيث لم يسبق لها الانخراط في أي عمل إداري أو وظيفي سابق , ولم تنغمس في خضم هذا المعترك وبيئاته ومثالبه وأمراضه المزمنة , ولم تتكشف لها عيوبه , وهي شريحة طازجة , تتميز بالاندفاع والحماسة , وإن كانت ذات خبرة متواضعة في ميدان العمل العام وفي معترك الحياة أيضا. ــ شريحة الموظفين المحالين على التقاعد المبكر أو العادي , الذين درسوا الحقوق , احتياطاً , أو طموحاً , وتطلعوا لممارسة المهنة بدوافع مختلفة , ولغايات متفاوتة , وانخرطوا في صفوفها بعد عمر زمني ليس بالقليل , أمضوا جله في وظائف وفعاليات أخرى متنوعة , استهلكوا فيها طاقاتهم وشبابهم , ومارسوا بعدها المحاماة عبر شوط زمني إضافي , ومرحلة عمرية متقدمة , ربما لـ "كسر التعادل السلبي" مع ظروف الحياة , إذا صح التعبير , أو محاولة تجاوز رتابتها والتغلب عليها بضربات الترجيح , على مرماها الموارب قليلاً.. بعد استنفاذ الزمن الأصلي والإضافي أيضاً.
ــ شريحة مخملية لطيفة تتمثل في عدد غير قليل من الزميلات اللاتي اقتحمن ميدان العمل في المحاماة , ذلك الميدان الذي كان حكراً على الرجال , فكانت الكثيرات منهن على جانب كبير من الثقة والنباهة والشجاعة في اقتحام هذا المعترك الحساس بمهنية عالية , رغم ما ينطوي عليه هذا العمل من مجازفة في ظل اعتبارات اجتماعية متعددة , فخاضته الكثيرات بكفاءة وبوسائل وأساليب وأدوات الدفاع والمرافعة الأصلية , فقلائل أولئك اللاتي اضطررن لإعلان أشكال مــــن التعبئة واستخدام الوسائل الاحتياطية ..
ــ شريحة " سوبرمانية " , إذا صح التشبيه, وإن كانت قليلة العدد , تتمثل في بعض كبار الموظفين وغيرهم الذين مارسوا العمل العام في مراكز رفيعة , وحافظوا على عضويتهم في النقابة أو استعادوها لأسباب متعددة , ربحوا بعدها سباق التتابع مع الزمن , دون عبور المضمار, ودون أن يسلموا العصا لغيرهم ..بل فتحوا ممرات عريضة على فضاءات عمل نوعي , وميادين فسيحة , مجزية ومغرية وفرص كسب خيالية وحصلوا على تعويضات مجزية من صناديق النقابة دون أن يخدموها .
كذلك بعض الضباط الذين انتسيوا للمهنة بعد عمل طويل أو متوسط في اختصاصهم , تشبعوا من خلاله بروح عسكرية , وتراتبية صارمة , على طريقة النظام المنضم , فمن حروب الجبهات الميدانية إلى جبهات الدفاع القانونية , مع فارق في التوق إلى تحقيق "النصر" , من الجبهة .. إلى الدعوى , وخرائط عملياتهم أضحت محملة بالمواد القانونية وليس المواقع العسكرية , ويتقنون فن الإنزال خلف خطوط " العدو" ومباغتته والإجهاز عليه...
وربما يصح القول أنها "مهنة" تغري المتطلع إليها و تغري كذلك من يود الخروج .. فالكثيرون غادروا فضاءها إلى سلك القضاء , بعد زمن قضوه في صفوفها , رغم نجاح بعضهم , وذلك ربما للتطلع لمزايا أخرى .. حيث هناك فرق طبعاً , بين رفع الالتماس وسلطة التقرير .. بين اتساع وتعدد البدائل مع المحامين , والعلاقة الحكمية مع القضاة , بين تعدد الطلبات بلغة الترجي , وإمكان أن يطوى الكشح عنها أو عن بعضها , وبين سلطة البت والحكم القابل للتنفيذ ..! بين الوقوف المتعدد والحكمي أمام جالس واحد ( القاضي ) دون سلطة التقرير , والجلوس أمام المتعدد , الطالب والملتمس ( المحامون) ..! ورب داخل إليها مضح بكل تلك الامتيازات ربما تطلعاً إلى فضاء العلاقات وميزات العمل النقابي العام , واتساع روافده ومكوناته , وإلى الحميمية مع قليل من الحرية في الحركة , بخلاف وضعية الوظيفة العامة .
ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى الأعراض التي تسبق حمى الانتخابات ,وإن كانت متباعدة بين دورة وأخرى , وما يطرأ على الجسم النقابي خلالها من تبدلات " فيزيزلوجية" ونفسية , وما تتركه من آثار, وهي أعراض تشبه إلى حد ما تلك التي تسبق ألم المخاض والوضع لدى العديد من الكائنات , حيث تسيطر الغريزية والمزاجية ونزعة الأنا على العلاقات , ويمكن للطامح أن يضحي بالكثير من اعتبارات الصداقة والزمالة , على مذبح الرغبة في الصعود والفوز , فتتبدى مظاهر الفوقية لدى البعض , وتسيطر الذهنية الوصائية على البعض الآخر وتحكم سلوكه , و تتجلى مظاهر التبعية والزبائنية عبر اصطفافات شللية تحكمها العديد من الاعتبارات , البعض يرتب لها مبكراً عبر صياغة وتشكيل اللجان المختلفة خاصة تلك التي تتيح الاحتكاك الدائم والمباشر مع الوافدين الجدد إلى الجسم النقابي , وهؤلاء على الغالب مصابون بالعمى الانتخابي , نظراً لانحصار معرفتهم أو ندرتها اللهم إلا بمستقبليهم فقط من خلال تلك اللجان وعبرها , دون إمكانية التعرف على مكونات الجسم النقابي وتلاوينه وتنويعاته , فيكونون صيداً تلقائياً وسهلاً للمغرمين والمسكونين بنزعة الطموح والاستئثار الشخصي , ففي هذه الأجواء تتم إزالة أشكال الديكور الخارجي من العلاقات , وتتم إزالة الملصقات , ويكون القول الفصل لاعتبارات أخرى , تبدأ بالتبلور والظهور , فعلى هذا الهامش تنمو علاقات جديدة وتنفرط عرى صداقات قديمة , وتنشأ تحالفات وتنفرط أخرى وهكذا ..
كذلك لابد من الإشارة ولو بشكل عابر إلى أن ظاهرة الفساد التي لا يمكن مقاربتها دون الإشارة إلى دور المحامين الإيجابي من حيث المبدأ عندما يقتضي الحديث عن محاربتها , والسلبي الطارئ عندما يكون المحامون جزءاً منها , فالمحامون بصفتهم وكلاء خصومة قضائية , ومعلوم أن على هذا الهامش يسوغ لهم تسيير وإنجاز بعض المعاملات المتصلة بالقضايا والمراجعات القضائية أو تلك التي تنشأ عنها , تجعل المحامي على احتكاك مباشر بمفاصل الإدارات المختلفة والدوائر القضائية , وبالتالي جمهور المواطنين وأصحاب الحاجات والمعاملات , وكل هذا يتيح للمحامي هامش من الحركة والاحتكاك بكل أولئك , وتجعل منه حلقة مهمة في متابعة وإنجاز وتنفيذ الأحكام وغيرها , وبالتالي إمكانية تمريرها عبر أساليب ملتوية , مما جعل ظاهرة السمسرة تستفحل وتتفاقم , وتتعمق كذلك العلاقات الزبائنية التي توفر منافع متبادلة تجعل العديد من الأساليب الطفيلية تدور في فلك المحامين وعبرهم , حيث تؤهلهم مواقعهم وصفاتهم لكي يكونوا بوابات عبور لمثل هذه الممارسات , فيتحول عدد لا بأس به من المحامين إلى جزء من شبكة هائلة من المنافع والمكوس , وحلقة مهمة في ماكينة الفساد , فيؤدون وظيفة ودوراً يتعارض بالمبدأ مع غايات ومبادئ وتقاليد المهنة بوصفها رسالة نبيلة حمل رايتها أناس يفترض أنهم مترفعون أصلاً عن خوض معترك المحاصصات , على مذبح المنافع المتبادلة وشراء وبيع الذمم , وتحولت الكثير من التقاليد والأصول والأعراف إلى واجهات وديكور اسمي , سرعان ما يسقط في خضم معترك المصالح والمنافع .
كذلك لابد من الإشارة موضوع وكالة المحامين عن الجهات العامة والشركات , حيث تحولت معايير التكليف فيها من أفضليات تحكمها اعتبارات محددة وأصول متعارف عليها , إلى أعطيات مزاجية تحكمها الرغبات والمنافع المتوخاة مستقبلاً , وبديل عن الاعتبارات الموضوعية في التكليف, فسادت الزبائنية والولاءات الشخصية لاعتبارات انتخابية بالدرجة الأولى وغير ذلك , في ظل مناخ عام ضاغط على عمل المحامين , وسياق يفضي إلى تقليص مجالات عملهم , فأصبح هذا المجال امتيازاً ومنحة لها ما يقابلها , في ظل تقلص فرص العمل والجو المحموم من المنافسة الذي بدأ يحكم العلاقات , فقد قال قائل يوماً مقولة ربما تجد بعض الترجمة على أرض الواقع مفادها : لا تريحوا المحامين فتتعبوا ..! أتعبوهم فترتاحوا ..!
فعلى هذا المفترق وفي ظل هذا الواقع من التفاوت بين هذه الشرائح والمكونات , أضحى للمهنة أكثر من وجه , وأوضح من معلم .
فأخذت تتبدى , وربما تبدت ملامح خط للفقر , أخذ يتبلور في الجسم النقابي العام , مسقطاً الكثيرين تحت مداه الذي أخذ يتسع يوماً بعد يوم , وبدأت تتزايد أعداد الذين تنحدر بهم الظروف إلى ما دونه , وأصبح لهذه المهنة , بل الرسالة السامية والنبيلة , التي حمل لقبها علية القوم , وسادة الفكر , وفرسان الوطنية , عبر العصور , وجه آخر ــ يتسع ويتمدد , وتتكون ملامحه وتزداد تعمقاً .
ــ وجه يواري هذه الملامح خلف دهاليز العتمة , وما وراء الشكليات والمظاهر الخادعة , فثمة كثيرون من أولئك أصبحوا يقبعون على مشارفه .. لكن القلائل منهم , هم الذين يستطيعون رؤيته .. وتحديد ملامحه .. إنه الوجه الآخر .











رد مع اقتباس
قديم 05-02-2012, 05:29 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
المحامية عفاف الرشيد
عضو مساهم نشيط
إحصائية العضو







آخر مواضيعي


المحامية عفاف الرشيد غير متواجد حالياً


افتراضي رد: الوجه الآخر للمحاماة ..

أشكر زميلنا الأستاذ الفاضل على ما أورده في الوجه الآخر للمحاماة
وأقول الحل يكمن في مكافحة الفساد والتقييم السليم للأمور والابتعاد عن المحسوبيات والعدالة في توزيع الفرص
وإن لم نعري المفسدين لن نتحرك من مكاننا وسنظل ندور في دائرة مغلقة
لنبدأ معاَ بتعرية المفسدين
كي نرتقي بالمهنة كما يليق بها







رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اجتهادات تقليد ردين حسن جنود أهم الاجتهادات القضائية السورية 0 06-07-2011 08:15 PM
أقرأ هذا الخبر لتعلم أين تذهب أموال دافع الضرائب السوري أغيد شرف الدين أخر الأخبار 8 14-02-2011 01:03 PM
قانون التأمينات الاجتماعية المحامي أحمد صالح الحسن موسوعة التشريع السوري 0 24-06-2006 01:54 AM
الاتفاقية الخاصة بمساواة العمال والعاملات في الأجر المحامي محمد فواز درويش الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية 0 30-05-2006 06:41 PM
قانون ضريبة الدخل السوداني لسنة 1986 المحامي ناهل المصري قوانين جمهورية السودان 0 23-05-2006 01:54 PM


الساعة الآن 02:22 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Nahel
يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر>>>جميع المواضيع والردود والتعليقات تعبر عن رأي كاتيبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى أو الموقع