منتدى محامي سوريا
« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: اجتهادات عن وقف سريان المهل (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: اجتهادات عن عدم دفع سلفة الادعاء (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: المرسوم رقم 272 لعام 2017 القاضي بتحديد يوم السبت الواقع في 30-9-2017 موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية لملء المقعد الشاغر في الدائرة الانتخابية لمحافظة دير الزور القطاع ب. (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: اجتهادات الصادرة عن مجلة القانون لعام 2015 -اجتهادات محكمة النقض الغرفة المدنية الأولى -الجزء الرابع (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: المرسوم التشريعي رقم 27 حول يعدل تعديل مقدار المكافأة الشهرية (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: مجلة القانون عدد عام2015 أساس87 / مدنية الأولى قرار 53 لعام 2015( جزء الثاني) (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: اجتهادات حول اختلاف الخبرة في التخمين (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: اجتهادات الصادرة عن مجلة القانون لعام 2015 (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: القانون رقم /28/ لعام 2017 المتضمن إعفاء المركبات الآلية المعبأة وفق أحكام المرسوم التشريعي رقم /104/ لعام 2011 من الغرامات المالية المترتبة عليها نتيجة التأخر في دفع الرسوم السنوية المستحقة خلال فترة التعبئة (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: المرسوم التشريعي /26/ لعام 2017 القاضي بجواز إعفاء رئيس مجلس وحدة إدارية أو إعفاء عضو مكتب تنفيذي لمجلس وحدة إدارية نتيجة صدور تقرير تفتيشي يوصي بإعفائه معتمد من رئاسة الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش أو من رئاسة الجهاز المركزي للرقابة (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: اجتهادات على ان المحكمة غير ملزمة بإعادة الخبرة (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: اجتهادات عن سرقة سيارة (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: اجتهادات عن التعرض للآداب العامة (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: اجتهادات عن الوكالة كل ذي صفة (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: اجتهادات على ان المحكمة غير ملزمة بإعادة الخبرة (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: مرسوم رقم 253 لعام 2017 القاضي بمنح دورة امتحانية إضافية واحدة لطلاب المرحلة الجامعية الأولى في الجامعات (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: التامين الصحي (آخر رد :ابراهيم احمد)       :: اجتهادات عن تقادم إساءة الأمانة (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: القانون27 لعام 2017 المتضمن التنقيب عن البترول (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: الشروط الواجب توفرها في جريمة الذم والقدح والتحقير في القانون السوري (آخر رد :احمد ابوالزين)      


آخر 10 مواضيع اجتهادات عن وقف سريان المهل    <->    110290 Imgcache قانون الأيفاد الجامعي    <->    اجتهادات عن عدم دفع سلفة الادعاء    <->    110336 Imgcache تنفيذ فراغ حصة    <->    سؤال    <->    110319 Imgcache أسئلة حول خدمة العلم اعفاء - تأجيل - بدل    <->    استفسار وأرجو المساعدة    <->    المرض النفسي    <->    عقارات    <->    حجز    <->   
العودة   منتدى محامي سوريا > منتدى القضاء > الأنظمة القضائية

مختارات من قانون المهنة    <->   على المحامي أن يعطي موكله بناء على طلبه ونفقته صورا عن أوراق الدعوى    <->   
إضافة رد
المشاهدات 6511 التعليقات 2
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-05-2011, 08:30 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
د. هايل نصر
عضو جديد مشارك

الصورة الرمزية د. هايل نصر

شكراً: 0
تم شكره 42 مرة في 7 مشاركة
إحصائية العضو








آخر مواضيعي


د. هايل نصر غير متواجد حالياً


افتراضي قضاة يقاضون قضاءهم


قضاة يقاضون قضاءهم ــ فرنسا
بقلم: د. هايل نصر (*)


ليس من الغريب أن يقوم قضاة بالتعرض لقضاء هم رجاله، ونقده نقدا موضوعيا، وفي العمق، كلما دعت الحاجة لذلك. والمطالبة بإصلاحه. وإنما سيكون الغريب عدم إقدامهم على ذلك في دولة الديمقراطية نظامها، و القانون فيها لا يعلى عليه. وبما أن القضاة أعلم الناس بمؤسستهم القضائية، أي أن أهل مكة أدرى بشعابها حسب القول العربي، فهم الأقدر ميدانيا على طرح الأفكار الإصلاحية، والأولى بمراجعة المطروح منها، والنصح بإقرارها أو تعديلها أو رفضها. ويدخل هذا، إلى جانب أمور أخرى، في ترسيخ مبدأ استقلال القضاء.

ومن المفيد إطلاع القارئ العربي، الطّامح كغيره من أبناء المعمورة، لقضاء عادل ونزيه، على بعض أفكار هؤلاء، وخاصة تلك التي بدأت تطرح أخيرا، حيث يواجه القضاء مشاكل وتساؤلات هزت صورته لدى المتقاضين والمواطنين العاديين، و جعلت القضاة ينتقدون حتى الأسس العميقة، ذات الأبعاد التاريخية، التي قامت عليها المؤسسات القضائية.

وقبل ذلك، ولتكون الصورة كاملة، نرى ضرورة الإشارة السريعة، وبما تسمح به مقالة في منتدى الكتروني للمحامين، إلى المراحل التي مر بها القضاء الفرنسي حتى وصوله إلى ما هو عليه اليوم. دون الإشارة إلى المصادر الجرمانية و الرومانية والمسيحية، ومصادر القرون الوسطى والنظام القديم، للقانون الفرنسي.



لمحــة تـاريخيـــــة
تعود أصول المؤسسات القضائية الفرنسية الحالية إلى عهد الثورة التي أنجزت في هذا المجال عملا جبارا، أكمل لاحقا من قبل القنصلية والإمبراطورية، بعد أن غيرت ما كان قائما في العهد القديم تغييرا جذريا. حيث تميز ذلك النظام بتنوع وتعدد أنواع المحاكم فيه، فإلى جانب المحاكم الملكية، وجدت محاكم السادة الإقطاعيين، ومحاكم الكنيسة التي اقتصرت اختصاصاتها ـ حتى نهاية ذلك العهد ـ على قضايا الزواج والحالة المدنية.

وقد وجدت، زيادة على، ذلك محاكم متخصصة في مجالات معينة مثل المحاكم صاحبة الاختصاص في المواد التجارية، وتلك المتخصصة في المواد البحرية.. ومحاكم من طبيعة إدارية، مثل محكمة المساعدات في المجال الضريبي. وغرفة محاسبات البرلمان في باريس.

يضاف إلى هذا كله، وفي قمة التنظيم، البرلمانات (المحاكم) التي كانت تقوم في كل مقاطعة بدور محاكم الاستئناف. وأخيرا مجلس الخصوم القائم إلى جانب الملك.
ومن الجدير بالذكر أن منطقة الوسط الفرنسي، بشكل خاص، كانت تطبق القانون الروماني. وهو قانون مكتوب. في حين أن مناطق الشمال كانت تتبع القانون العرفي المستوحى من التقاليد الجرمانية.

هذا التشابك والتداخل كان يتسبب في مشاكل عديدة أهمها مسائل الاختصاص ومعرفة الجهة صاحبة الولاية في النظر بهذه القضية أو تلك.

فمن السلبيات الخطيرة التي كانت تشوب هذا النظام، كما أشار رجال القانون والقضاء الفرنسي: البطء الشديد في سير الدعاوى بسبب التعدد المفرط في الطعون (5 إلى 6 أنواع استئناف متعاقبة). ترسيخ الامتيازات التي كان يتمتع بها بعض المتقاضين من النبلاء ورجال الدين بشكل خاص. التكاليف الباهظة للقضاء، حيث كان يجبر المتقاضون على دفع تكاليف القضاء لقضاتهم.

وفي نهاية هذا العهد كان إصلاح النظام القضائي أمنية عبرت عنها الشكاوى والتظلمات المقدمة إلى هيئة أركان الثورة عام 1789.

استجابة لذلك بدأت الثورة الفرنسية تتخلص من الماضي حيث ألغت في 4 أوت (آب) 1789 القضاء الإقطاعي والامتيازات وتكاليف القضاء، وأبقت بشكل مؤقت على البرلمانات (المحاكم) ليتم إلغاؤها بعد 3 شهور من العام المذكور، و فتح المجال لإقامة هيئات قضائية جديدة.

ومن المعلوم أن القضاء في ذلك العهد لم يكن حكرا على الدولة. فإلى جانب المحاكم الملكية التي كانت تصدر أحكامها باسم الملك كانت تقوم محاكم السادة الإقطاعيين التي تصدر أحكامها باسم السيد الإقطاعي المحلي. والمحاكم الكنسية و تصدر أحكامها باسم رجل الدين ( Evêque ).

وقد عرف التاريخ القضائي الممتد بين القرن السادس عشر والسابع عشر صراعا طويلا بين السلطة الملكية والسادة الإقطاعيين. ليس من أجل إلغاء المحاكم الإقطاعية، ولكن لتعزيز سلطة ونفوذ القضاء الملكي. أي لجعل كلمة الملك هي الأخيرة. باعتباره السيد الوحيد في مجال القضاء.

وتعددت المطالب الداعية لجعل القضاء الملكي قضاء استئناف لما تصدره بقية المحاكم من أحكام. وتم إنشاء محاكم لهذه الغاية سميت المحاكم الملكية للإشارة إلى أنها مكلفة بالحكم في الدرجة النهائية باسم الملك. لها ولاية النظر قي أحكام محاكم الإقطاعيين المطعون فيها.!

بدأ هذا التطور، لترسيخ القضاء الملكي، في عهد فيليب اوغيست. وتتابع في عهد لويس الحادي عشر. وكان يواجه بمقاومة شديدة من أصحاب النفوذ من الإقطاعيين ورجال الدين.

وعلى سبيل المثال سجن كونت أنجو ! (أخو القديس لويس) أحد المتقاضين لأنه تجرأ على الطعن في حكمه أمام محكمة الملك. كما أمر خوري تيل بقطع اليد اليمنى لأحد المتقاضين لأنه استأنف أمام محكمة الملك حكما يقضي بقطع يده اليسرى.

ومع ذلك فقد ترسخ، في القرون الأخيرة من النظام القديم، المبدأ القائل بأن القضاء الأعلى الوحيد هو قضاء الملك.

وفي ليلة الرابع من آوت (آب) 1789 وضعت الثورة الفرنسية حدا لكل هذه الصراعات التاريخية بإلغائها المحاكم الإقطاعية. ليصبح القضاء حكرا على الدولة. وليبدأ تطور النظام القضائي الفرنسي. ويحصر المؤلفون هذا التطور بثلاثة مراحل أساسية:

ـ المرحلة الأولى من عام 1790 ـ 1810.
ـ المرحلة الثانية تمتد بين عام 1810 إلى 1958.
ـ المرحلة الثالثة، المرحلة الراهنة من عام 1958 والى يومنا هذا.


المرحلة الأولى : 1790 ـ 1810
أقرت الجمعية التأسيسية قانون 16 و 24 أوت 1790 بعد مناقشات معمقة ومستفيضة. واعتبرته أحد أهم القوانين في التاريخ السياسي الفرنسي. ( Roger Perrot. Institutions judiciaires، 12° édi. Montchrestien، p.7 )

فقد وضع المشرع المبادئ الأساسية التي ما زال بعضها يحكم المؤسسات الحالية مثل: مبدأ فصل السلطات، الذي أصبح مسلمة ومرجعا أساسيا، ليس في فرنسا فقط وإنما في غالبية الأنظمة القضائية في وقتنا الحالي. ومبدأ المساواة أمام القضاء. ومبدأ مجانية القضاء. والقاعدة الأساسية: القضاء على درجتين.

على ضوء المبادئ المذكورة، أنشأت الجمعية التأسيسية مؤسسات قضائية جديدة، مازال بعضها قائما رغم تغير المسميات. ويشار هنا إلى محاكم الأقاليم، التي هي أصل المحاكم الابتدائية الكبرىTribunal de grande instance ). ومحاكم الصلح، التي أصبحت تسمى ابتداء من عام 1958 المحاكم الابتدائية ( Tribunal d'instance ).

كما أبقت الثورة على المحاكم المكلفة بالنظر في المنازعات التجارية، لأنها تتكون من قضاة منتخبين. لذا أبقاها مشرع عام 1790 تحت اسم المحاكم التجارية.



إصلاحات مكملة:
من الأعمال التشريعية التي جاءت لا كمال قانون 16 و24 آوت 1790 يشار إلى:
1 ـ قانون 27 نوفمبر و 1 ديسمبر المنشئين لمحكمة النقض Cour de Cassation حيث رأت الجمعية التأسيسية ضرورة إنشاء قضاء أعلى يمنع خرق القاعدة القانونية، ويوحد تفسير القانون.
2ـ دستور القنصلية الصادر بتاريخ 23 فريمار للعام الثامن والذي أنشأ مجلس الدولة. لكي يصبح فيما بعد قمة القضاء الإداري.
3ـ قانون 28 بليفيوز للعام الثامن الذي أنشأ مجالس الأقاليم للنظر في المنازعات الإدارية على مستوى المحافظات و لتصبح عام 1953 المحاكم الإدارية.
4ـ قانون 27 فينتوز للعام الثامن المنشئ لمحاكم الاستئناف.
وتجدر الإشارة هنا إلى الإلغاء التدريجي، مع عهد القنصلية، لانتخاب القضاة. حيث أصبح القنصل الأول هو المسؤول عن تعيين قضاة الدوائر.
الإمبراطورية

رسخت الإمبراطورية الإصلاحات التي بدأت في عهد القنصلية. كما ألغت تدريجيا انتخاب القضاة. وترجع الإصلاحات الهامة إلى عهد الإمبراطور الأول نابليون بونابرت. حيث نشأت مجالس قضايا العمال وعقود العمل ( Conseil du prud'homme ) التي مازالت قائمة إلى اليوم. وتنحصر اختصاصاتها في مواد عقود العمل.

كما يعود الفضل في إعادة بناء مهنة المحاماة إلى قانون 22 فانتوز للعام السابع.
المرحلــة الثــانيــة: 1810 ـ 1958

يعتبر قانون 20 أفريل (نيسان) 1810، قانون تنظيم القضاء العادي والقضاء الإداري، الميثاق الأساسي للتنظيم القضائي خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. فقد راعى كل الإصلاحات القضائية المنجزة خلال السنوات السابقة. فأقام في كل دائرة محكمة مدنية مكونة من ثلاثة قضاة معينين من قبل الحكومة. ومحكمة استئناف يشمل اختصاصها المكاني عدة ولايات ( محافظات). وفي قمة هذا النظام محكمة النقض.
استقر التنظيم على هذا النحو حتى منتصف القرن العشرين. ولكن هذا الاستقرار لم يمنع حدوث تغيرات هامة حيث ظهر:

1ـ تنوع القضاء بإنشاء محاكم متخصصة:
عمل المشرع الثوري، وبعده مشرع عام 1890، على حصر القضاء في محاكم محددة خوفا من رجوع الإمتيازات القضائية التي سادت العهد القديم، وسماها محاكم القانون العام، وهي المحاكم المدنية. ومحاكم الاستئناف ومحكمة النقض.

وزيادة على ذلك، ولأسباب خاصة، أقام محاكم الصلح. والمحاكم التجارية. وبعدها مجالس قضايا العمال. غير أن تغيرات عديدة فرضتها الضرورات اقتضت إقامة محاكم متخصصة في مجالات معينة، مؤلفة غالبا من قضاة يمثلون مصالح فئات محددة، مثل: لجان الضمان الاجتماعي. ومحاكم القضايا الزراعية. والمحاكم العسكرية. ومحاكم الأحداث الجزائية. Roger Perrot. Op.cit. p.7


2ـ محاكم إدارية فعلية:
لم يقم القضاء الإداري في الأصل لمقاضاة الإدارة. فقد كان عمال الإدارة لا يستطيعون بصدد مخاصمتهم لسلطة الإدارة التوجه إلى المحاكم. إذ كان عليهم إخطار الوزير الذي كان ينظر في تظلماتهم.
ولكن مع تطور دور مجلس الدولة، بفضل القانون الصادر في 24 ماي (آيار) 1872 الذي اعترف له بأهلية إصدار قرارات عليا، أصبح مدعوا لإصدار أحكام حقيقية، ويدين، الإدارة نفسها في الحالات المستوجبة للإدانة.
وقد تزايد عدد المحاكم الإدارية. وأصبحت مجالس الأقاليم المستحدثة في العام الثامن لتسوية المنازعات الإدارية على مستوى الأقاليم، تعرف باسم المحاكم الإدارية، وذلك بمقتضى المرسوم رقم 934ـ53 الصادر في 30 ديسمبر 1953.

وهكذا قام إلى جانب القضاء التقليدي المسمى القضاء العادي، نظام قضائي إداري حقيقي مكلف بالنظر في الدعاوى التي تخاصم الإدارة.

غير أن المعطيات الجديدة والمتطلبات التي عرفتها فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، أظهرت شيخوخة النظام القضائي الفرنسي، وعدم مقدرته على إقامة عدالة تلبي الطلبات المتزايدة لحلول عاجلة للقضايا العديدة والمشاكل التي أفرزتها تلك المرحلة.

ولم يعد القضاء يستطيع مجاراة سرعة وسائل الاتصال، وتميزت الإجراءات بالبطء وارتفاع التكاليف. ولم يخفف من ذلك تعيين قضاة جدد معدين على عجل، ولا التزود ببعض الوسائل الحديثة، التي بقيت مع ذلك عاجزة عن استيعاب المشكلة. ومن هنا جاء اتهام البناء القضائي القائم على أساس قانون 1810 بالعجز وعدم الملائمة.

وفي غياب سياسة قضائية واضحة فضل المشرع المعالجة الجزئية لتحسين الواقع ولكن هذه المعالجة غالبا ما كانت غير فعالة، ومثال ذلك المحاكم المدنية التي كانت مجال إصلاحات متعددة ومتناقضة، طوال الفترة الممتدة بين 1919 و 1958.



المــرحلـة الثــالثــة
عرفت هذه المرحلة بمرحلة تجديد المؤسسات. فقد كان من أهم انشغالات النظام السياسي الجديد الذي استقر عام 1958 إعادة تنظيم القضاء. فدستور أكتوبر للعام المذكور نص على أحكام جديدة بهذا الصدد (المادة 64 و56).

وبعد ذلك بقليل، وحتى قبل ترسيخ المؤسسات السياسية الجديدة، جرى تعديل الهيئة القضائية بواسطة أوامر مصحوبة بمراسيم. هذه النصوص لم تكن تعني إلا النظام القضائي العادي، حيث أن النظام القضائي الإداري، الأكثر قربا من الإدارة والأقل تبعية للتقاليد، كان قد عرف العديد من الإصلاحات قبل هذا التاريخ وبالتحديد عام 1953.

وبعد ذلك جرت إصلاحات متنوعة ولكنها أقل اتساعا وعمقا مما سبقت الإشارة إليه. فقد جاءت للرد على تحديات مستجدة وللبحث عن حلول لمشكلات معينة. وامتدت لتطال المحاكم و ممثلي القضاء والدعاوى.


إصلاحات متعلقة بالمحاكم:
لم يلجأ مشرع عام 1958 إلى تغيير البناء القضائي الموروث عن الثورة الفرنسية بكليته وبالعكس من ذلك فإننا نلمس الاستمرارية في مجالات عديدة. فقد غير التسميات، حيث أصبحت المحاكم المدنية تسمى المحاكم الابتدائية الكبرى (Tribunaux de grande instance). ومحاكم الصلح المحاكم الإبتدائية (Tribunaux d’instance).
والواقع أن التغيير لم يقتصر على التسميات فقط فقد طال طبيعة هذه المحاكم. وجرى تعديل الخريطة القضائية كلها. كما جرى إلغاء المحاكم التي لم تكن تتمتع باختصاصات هامة. وأقيمت وحدات قضائية في إطار جغرافي أكثر اتساعا.

وزيادة على ذلك، عزز المشرع بشكل كبير دور محاكم الاستئناف. التي أصبحت، منذ ذلك الوقت، المحاكم الوحيدة المختصة في الدرجة الثانية. كما أصبحت محاكم استئناف بالنسبة للمحاكم المتخصصة.

واتسعت الإصلاحات لتطال أيضا المحاكم الإدارية، لتحسين سير عملها. وأهمها تلك التي حملها قانون 31 ! ديسمبر 1987 تحت رقم 1127ـ87 والتي تم بموجبها إنشاء محاكم الاستئناف الإدارية.


2ـ إصلاحات الملاك القضائي:
انصب الجهد الجوهري لمشرع 1958 على تنظيم مهنة القضاء، حيث لم يعر مشرع 1810 هذه المسألة أهمية كبرى. وبهدف سد هذه الثغرة صدرت بعض النصوص القانونية، منذ بداية هذا القرن،ولكنها لم تكن كافية. فدستور عام 1958 فرض العديد من المبادئ الأساسية. وصدر في 22 ديسمبر من العام المذكور أمران يحمل الأول رقم 1270/58 ، متعلق بوضع الهيئة القضائية. والثاني رقم 1271/58 ، الحامل للقانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء. كما أنشأت نصوص عام 1958 المركز الوطني للدراسات القضائية لتكوين القضاة وإعدادهم، ليصبح عام 1970 المدرسة الوطنية للقضاء.
لم يبحث المشرع وضع معاوني القضاء ( Auxiliaires de la Justice ). ولكن قانون 30 ديسمبر 1965 حمل العديد من الإصلاحات بهذا الصدد. وكذلك قوانين 31 ديسمبر 1971 و 31 ديسمبر 1990 الذي ألغى مهنة وكيل الدعاوى ( Avoué) للدرجة الابتدائية. ونظم بشكل أساسي مهنة المحاماة. وضم فئة المستشارين القانونيين ( Conseil juridique) إلى المحامين.


3ـ إصلاحات متعلقة بالدعاوى:
من بين الاهتمامات الرئيسية التي سادت هذه المرحلة، تلك المتعلقة بالإمكانيات المادية للوصول إلى المحاكم، وإتاحة الفرصة للجميع، بمن فيهم من لا يملك الوسائل المادية الكافية. ولهذه الغاية جاء قانون 1972 المعدل بقانون 10 جويليه 1991 لمنح المساعدات القضائية وينظمها.

وفيما يتعلق بتحديث الإجراءات أمام المحاكم صدرت قوانين جديدة بين عام 1958 و 1976 حملت إصلاحات هامة بهذا الصدد.

وأخيرا، يبين الواقع أن كل الإصلاحات التي عرفها القضاء حتى الآن لم تكن نهائية. كما أن العدد الكبير والمتزايد للقضايا المعروضة أمام المحاكم، خلال الـ 15 سنة الماضية، دون أن يرافق ذلك زيادة كافية في الملاك القضائي، أدى، إلى تأخير كبير جدا في البت فيها. وهذه الظاهرة العامة عانت، وتعاني، منها كل أنواع المحاكم على اختلاف درجاتها.

لم يكن هذا التطور المتتابع عبرا لتاريخ الطويل، وتلك الإصلاحات المستمرة، تعتمد أساسا على مشاركة القضاة، بحجة طبيعة ومجال اختصاصهم، والوظيفة الموكولة إليهم.

ونرى اليوم العديد منهم ، وعلى أعلى المستويات، يعرضون أرائهم، وحتى انتقاداتهم القاسية، في أعمال خارج إطار المؤسسة القضائية ــ حتى لا تبقى مقتصرة على حوار بين أخصائيين لا يعرف المواطن العادي، والمعني بالدرجة الأولى بها شيئا عنها ــ في كتب. ومقالات. ومقابلات إعلامية الخ.. متعلق بعضها بسير القضاء. الإجراءات الجزائية والمدنية. بتكوين القضاة وواجباتهم الأدبية. وبقضاء التحقيق. وبالنيابة العامة. وهذا ما سنشير إلى بعضه. لأنه يعتبر في نظرنا نوع من المحاكمة يقوم بها بعض رجال القضاء لقضاء هم رجاله. خاصة بعد أحداث قضائية متواترة مست بسمعة القضاء، وجعلته في مركز اهتمام المتقاضين، والإنسان العادي، والسياسي، والإعلامي، والحقوقي.! .


"فصورة القضاء الفرنسي، من كل وجهات النظر، يرثى لها، كما أعلن وزير عدل سابق، وفي بعض الحالات تدعو لليأس. مع أن القضاة، في غالبيتهم العظمى، يعملون بشكل صحيح وبجدية وبإخلاص. ويبذلون كل ما في مقدورهم، رغم عدم ملائمة الشروط الواجبة لعملهم..". (هنري ناله Henri Nallet في كتاب قضاؤنا. ص. 51 (.


ومن المفيد هنا أن نشير إلى استطلاع للرأي قامت به مؤسسة لويس هريس Louis Harris بتاريخ 28 مارس إلى 18 افريل 2001 بناء على طلب لجنة البحث: الحقوق والعدالة، على عينة مكونة من 1201 شخص كانت لهم قضايا في القضاء خلال الثلاث سنوات السابقة على تاريخ الاستطلاع .

فقد أبدى 73% من المستطلعة أرائهم عن رضاهم عن ملاك القضاء، موظفون وقضاة، فهم: مهذبون . محترمون . مؤهلون ، نشيطون. واضحون في شروحا تهم وفي والمعلومات التي يقدمونها. 81 % منهم أعلنوا أن القضاة شرفاء. 77% بأنهم مؤهلون. 72 % على درجة عالية من النزاهة.


ومن بين الانتقادات المتكررة الموجهة للمؤسسة القضائية: تعقيدها. وتعقيد الإجراءات. وان كان هدف هذه الأخيرة ضمان قضاء ذي قيمة عالية. مع أن الإجراءات وجدت لحماية حقوق الإنسان.


فالقضاء الفرنسي، حسب هيربر دال Hurbert Dalle رئيس المحكمة الابتدائية الكبرى بايفري، قضاء "بطيء. مكلف. معقد. وغير مفهوم ".

والمواطن يطلب قضاء من نوعية عالية. سريع. مؤهل. وفعّال . ووصول هذا المواطن لقاضيه الطبيعي حق مطلق. كفلته له الاتفاقية الأوروبية لحماية الحقوق والحريات. ( D.S. Larivière. H. Dalle. Notre justice، Robert Laffont، 2002 ).


ويعلن النائب العام في محكمة النقض الفرنسية في كتابه " دعوى القضاء" أننا عندما نتحدث عن القضاء نتحدث عن تجربتنا. عن قلقنا. عن أملنا. وقد ركز في كتابه المذكور على المواضيع التالية:

- النقص في عدد القضاة. في الوقت الذي يتزايد فيه عدد المتقاضين بشكل كبير جدا.
- النظام القضائي الفرنسي المتكون من نظامين قضائيين منفصل كل منهما عن الأخر: قضاء يهتم بقضايا المواطنين (القضاء العادي) وآخر يهتم بمنازعات الدولة (القضاء الإداري).
- ميزانية القضاء الراكدة وغير الكافية.
- عدم وضوح الحدود الفاصلة بين قاضي الحكم وقاضي النيابة.
- المساواة بين أسلحة الاتهام والدفاع غير واقعية.
- الإجراءات الجزائية مهملة وسرها غير مصان.


معتبرا أن إصلاح القضاء يمر عبر إصلاح الدولة.

وحتى يؤسس آراءه المتعلقة بالإصلاح القضائي ـ التي يمكن اعتبارها جذرية لأنها تطال مؤسسات راسخة في التاريخ الفرنسي وفي ثقافة الفرنسيين، ولم يسبق التعرض لها بإصلاح عميق، على هذا المستوى ـ يعود النائب العام المذكور للتاريخ البعيد والقريب وبالتحديد إلى جنرالين: نابليون و ديغول. معتبرا أنهما يشتركان في ميزة أساسية هي الحذر من القضاة والمحامين "gens de robe " لأنهم لا يستطيعون أن يقوموا، كما لا يجب أن يقوموا، إلا بدور محدود في حياة الوطن الذي جعله القدر مرهون لقوة السلاح وللقوة الاقتصادية وللتأثير الدبلوماسي.


فبالنسبة لهذين الجنرالين، كما يرى، تقع المسائل الحقيقية فوق مقدرة هؤلاء بسبب غياب مدلول الدولة (le sens de l’Etat ) عند غالبيتهم. ولم يكن عند أي من الجنرالين سلطة قضائية مستقلة عنهما، فكان على القضاء، الذي هو من مكونات السيادة، أن ينحني أمام الدولة.

ومع ذلك فقد تجلت عبقريتهما في البناء المؤسساتي القضائي الذي ساهم بشكل واسع في بناء الصرح القضائي الذي مازال قائما إلى يومنا هذا. وكما يلاحظ الكاتب المذكور فان الحذر المشار إليه طبع وما زال يطبع هذا الصرح بطابعه. فرق تسد، مبدأ متبع من قبل كل من يريد التفرد بالسلطة.

ومنه، كما يرى الكاتب، تم خلق قضاء إداري خاص بالمنازعات المتعلقة بالإدارة. ونظام قضائي جديد بإنشاء المجلس الدستوري عام 1958.
فللقضاء العادي justice judiciaire مهمته: حماية الحريات الفردية ومعاقبة المجرمين والحكم في المنازعات بين الأفراد. ملتزم باستقلالية في مواجهة السلطات العامة.

والقضاء الإداري مخصص ليأخذ في الاعتبار أساسا المصلحة العامة في منازعات الدولة وهيئاتها. ويهتم بالخدمة العامة. فمفهوم الدولة هو الفضيلة الأساسية لأعضائه.

والقضاء الدستوري مخصص لمجال ضيق جدا، ولكنه أساسي من اجل التوازن الدستوري للدولة.

هذا التقسيم للقضاء كما يرى الكاتب لم يعرف تقريبا معارضة تذكر. ولكن الآن بدأ البعض من أصحاب الأفكار الجديدة يطرح السؤال التالي: ما هي ضرورة الاحتفاظ بمثل هذا التقسيم القضائي ؟ وفي المقابل لا يجد أنصار التقسيم المذكور أسبابا يبنون عليها إجاباتهم سوى أن السابقين كانوا يجدون في الظروف القائمة آنذاك ضرورة للتقسيم القضائي. فالعادة تخلق الوظيفة.


مسألة تكوين القضاة والنقص الحالي في عددهم مسألة تطرح نفسها بحدة هذه الأيام. وخاصة بعد قضية اوترو Outreau . فقد انصب البحث على الدور الذي تقوم به مدرسة تكوين القضاة "المدرسة الوطنية للقضاء "Ecole Nationale de la Magistrature EMN" القائمة في مدينة بوردو.


هدف المدرسة كما حددته المادة 14 من مرسوم 1958 هو تأمين التكوين المهني للقضاة في طور التكوين auditeur de justice . وابتداء من قانون 17 جويليه 1970 أصبح للمدرسة كذلك مهمة تأمين التكوين المتواصل للقضاة العاملين.


حددت المادة 16 من مرسوم 1958 شروط الدخول لهذه المدرسة فهي: شروط عامة تتعلق بالجنسية. التمتع بالأهلية المدنية. و شرط الأخلاق والسلوك الحسن. و شروط خاصة تتعلق بالتحصيل العلمي، كالحصول على شهادة المتريز maîtrise في الحقوق .. وإضافة لطريق التعيين عن طريق المدرسة المذكورة، وأمام الحاجة الملحة لزيادة عدد القضاة، جرى منذ عدة سنوات اللجوء إلى التوظيف عن طريق المسابقات من داخل الملاك ومن خارجه.


لم تسلم هذه المدرسة، لحساسية مهمتها، من النقد. فقد أشار احد خرجيها، فيليب بيلجيرPhilippe Bilger المحامي العام لدى محكمة الجنايات بباريس، إلى ضرورة إصلاحها. فالدارسة فيها غير كافية. وغير منفتحة ومتعددة حتى تتمكن من الوصول إلى التكوين الكامل والفعلي لطلابها. الدراسة فيها لا تتضمن محاضرات تقنية، وفهم للواقع الاجتماعي، وتحقيقات نفسية.
فالدراسات، والتدريبات الكلاسيكية المعتمدة حاليا غير مجدية بالقدر المطلوب. فالأمر هنا ليس مجرد تمديد للدراسة الجامعية. وإنما متعلق بتكوين قضاة. وهو ما يتطلب تغييرا كاملا وجذريا في المنظور.


فليس المطلوب فقط التركيز على النظرية المتفق عليها في هذا المجال، وإنما على التفكير الناتج عن الملاحظة، وعن التعليم التطبيقي. فالمدرسة المذكورة في وضعها الحالي مدرسة كلاسيكية منغلقة على نفسها. (pour la justice، p. 25 et s.) .


وقد رأى الرئيس الأول لمحكمة النقض ضرورة تذكير القضاة بعد تخرجهم، وطيلة حياتهم المهنية والخاصة، بالواجبات الأدبية. فخصص، كما أعلن، مؤلفا كاملا لهذه الغاية. فهذه المسألة في قلب الأحداث حاليا. ليس في فرنسا فقط ولكن كذلك في أوروبا وفي بقية الأنظمة العالمية.


ففي فرنسا بالتحديد عرفت الأحداث السياسية ـ القضائية لعام 2003 بشكل خاص اتهام بعض القضاة المتورطين بقضايا استعمال النفوذ، بالفساد، أو بالحصول على منافع بشكل غير مشروع. "دعت الضرورة إلى التحدث للقضاة وبإلحاح عن الواجبات المهنية وكذلك الشخصية المفروضة عليهم.

ومع ذلك فهؤلاء عدديا محدودون جدا ويمثلون حالات معزولة. مثل هذا السلوك، الذي يمكن تضخيمه من قبل وسائل الأعلام، له انعكاسات رمزية على الرأي العام وقوية جدا وتلحق ضررا كبيرا ومباشرا بسمعة المؤسسة القضائية بأكملها"، déontologie des magistrats، P.1) la ).

وفيما يتعلق بقاضي التحقيق هناك جدل حاد بين أنصار بقائه وأنصار إلغاء وظيفته من النظام القضائي الفرنسي. فهو كما يراه رونود فان ريمباك، القاضي الأكثر إثارة للجدل في عالم القضاء، وفيه تجتمع المتناقضات.

ويتساءل: ألا يعتبر، وهو الشخص الأقوى في فرنسا، مجرد أداة في الجهاز الزجري. حامي الحريات الفردية.
أليس هو من يرسل للسجون المكتظة بمساجين لم تجر محاكمتهم والمفترض في هذه الحالة أنهم أبرياء ؟ . هذا الشخص المعروف المجهول من يكون في الواقع ؟ وضمن أي إطار تقع تدخلاته؟
(Renaud Van Ruymbeke. Le juge d’instruction، puf).


قاضي التحقيق قاضي يتبع النظام القضائي العادي، ويقيم نظاما قضائيا خاصا: فهو لا يحاكم مرتكبي الجرائم، ولكنه يحقق في القضايا الجزائية المحالة إليه. يتمتع بسلطات هامة وخاصة في مسائل الحبس الاحتياطي.


هذه الامتيازات الممنوحة له لا تمارس إلا ضمن القواعد القانونية المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجزائية. وهي الإجراءات التي تحاول التوفيق بين هاجس تأمين حماية النظام العام وبين ضمان الحريات الفردية في مواجهة السلطات الزجرية، وتعكس صورة الديمقراطية التي تستوحي وجودها منها.


وقد كتب أحد الحقوقيين الإنكليز " تبعية العدالة والحرية لتعريف الجريمة أقل من تبعيتها لطبيعة الإجراءات الإدارية أو القضائية العادية المتخذة لإخضاع الضنين للعدالة ". ( مشار إليه في المرجع السابق).


فازدواجية شخصيته تبين التناقض الحقيقي في عالم القضاء. تناقض يستمد مصدره من تعريفه الخاص لهذا القاضي. فرغم تمتعه بسلطات تلحق الأذى بالحريات، فهو نفسه من يمثل بوجوده ضمانة أساسية لها، بصفته قاض يتمتع باستقلال كامل يضمنه الدستور، في مواجهة السلطة التنفيذية.

ويتساءل: ألا يعتبر، وهو الشخص الأقوى في فرنسا، مجرد أداة في الجهاز الزجري. حامي الحريات الفردية.
أليس هو من يرسل للسج! ون المكتظة بمساجين لم تجر محاكمتهم والمفترض في هذه الحالة أنهم أبرياء ؟ . هذا الشخص المعروف المجهول من يكون في الواقع ؟ وضمن أي إطار تقع تدخلاته؟
(Renaud Van Ruymbeke. Le juge d’instruction، puf).


في الواقع ليست كل الأنظمة الديمقراطية تعترف بمؤسسة قاضي التحقيق. فبعض البلدان وبشكل خاص الأنكلو - سكسونية تحيل التحقيق كاملا إلى الشرطة، منذ البداية وإلى يوم الجلسة المقررة للحكم. ويجري بانتظام الرجوع إلى القاضي الذي ينحصر دوره بالنطق بمدى ملائمة إجراءات التحقيق التي تمس الحريات الفردية، ( مثل وضع الهواتف تحت المراقبة ) والحكم في قضايا التوقيف.

وبلدان أخرى تسند مهمة إدارة التحقيقات وتوجيه الإجراءات التي تجريها الشرطة لقضاة مستقلين عن السلطة التنفيذية. فيؤلفون النيابة العامة الممثلة بنائب الجمهورية ومعاونيه.غير أن العديد من الدول، على غرار فرنسا تذهب أبعد من ذلك عندما يقوم النائب بتوجيه سير التحقيق. ويستطيع في التحقيقات المعقدة إحالتها لقاضي التحقيق الذي يقوم بعد إكمال مهمته بإحالتها للمحكمة إذا رأى وجها لذلك.

وإذا كانت ألمانيا قد تخلت عن قاضي التحقيق، فإن هذا الأخير موجود في إيطاليا وأسبانيا والبرتغال والبلدان المنخفضة وبلجيكا ولكسمبورغ. وكذلك في دول المغرب (الجزائر وتونس ..) وفي إفريقيا السوداء التي خضعت للهيمنة الفرنسية.

أما فيما يتعلق بالنيابة العامة، يدعو كل من وزير العدل السابق روبير بادينتار Robert Badintaer، والنائب العام لدى محكمة النقض المذكور أعلاه في نقدهما الجذري، إلى إلغاء منصب قاضي التحقيق. ويقترحان " توحيد النيابة والتحقيق لتبسيط التنظيم القضائي". وضرورة إعادة بناء الإجراءات الجزائية دون إبطاء.


ويعلن النائب العام لدى محكمة الاستئناف بتولوز، أن مسألة النيابة العامة، حاليا، مسألة مطروحة بحدة. نظرا لاتصالها بالسلطة التنفيذية والهيئة القضائية في الدولة الديموقراطية. متسائلا هل هي كما كانت بدساتير 1790. " وكالة للسلطة التنفيذية " لدى المحاكم ؟ .

أليست بالأحرى، حسب تعبير الرئيس الأول بيير تريش، هي "حد مشترك بين السلطة السياسية والقضاة " ؟.
أم أن الأمر متعلق بهيئة متخصصة لدى الهيئة القضائية ؟.

هذه أسئلة على قدر كبير من الأهمية . فحرية التعبير المتاحة لقاضي النيابة العامة، عندما يباشر الملاحقات القضائية، أو عندما يحفظ قضية معينة، تبررها الإجابات التي يحددها لها. وتتبع مدى الثقة التي يراها المواطنون في تجرده ( Jean Vollf، le Ministère public، PUF.

والمقصود، حسب تعبير السيد ميشال جيول، " المحافظة على النظام الأصل الذي نحن ورثته، والذهاب بإصلاحه إلى النهاية، أي ترقية النيابة لتكون علاقتها بالسلطة واضحة أتم الوضوح. وظروفها منتظمة ومحمية. وتحديث عملها بشكل جذري. و توسيع تدخلها". مثل هذا التحديث للنيابة العامة تنعكس فائدته على المؤسسة القضائية بأكملها.


قطع الصلة بين النيابة العامة ووزارة العدل، كما يطالب بعض القضاة، يصدم بشكل عميق المفاهيم المؤسساتية، وحتى الدستورية للغالبية البرلمانية.

ويعلن السيد هنري ناله انه من خلال مناقشاته مع غالبية السياسيين، بشتى توجهاتهم، تبين أنهم ينتمون لمفهوم خاص للحقوق والقانون. يمكن تلخيصه على انه مفهوم "جمهوري بنسخته الديغولية".

فبالنسبة لهم لا ينتج الحق إلا عن القانون الذي يصوت عليه البرلمان، وليس عن هيئة أخرى كالمجلس الدستوري، أو القاضي، أو مجلس القضاء.

أما الهيئة (وليس السلطة) القضائية تبقى الفم الذي ينطق بالقانون الصادر عن الدولة الذي يمثلها رئيس الجمهورية المنتخب من قبل الشعب بالاقتراع المباشر. والحكومة تحدد السياسة الجزائية للوطن. ويعود لوزير العدل فيها garde des sceaux تأمين تطبيقها. (المرجع السابق ص. 54).


وتجد الإشارة إلى أن مصطلح السلطة ". Pouvoir »" القضائية لم يظهر إلا في دساتير 1791 و1795 1848. حيث كان التأثير الدستوري ضعيف. أما دستور 1985 فقد استعمل كلمة الهيئة « autorité » القضائية وليس السلطة القضائية.

في الواقع، ليست العلاقة التي تربط النائب العام بوزارة العدل هي التي تثير الإشكاليات، ولكن ما يثيرها هي العلاقة بين النيابة وقضاء الحكم، باستثناء محكمة النقض حيث المحامون العامون الذين لا يقومون بمهام الملاحقة، كما يوضح احد قضاة النيابة، هم المدافعون عن القانون..

ويرى النائب العام الحالي لدى محكمة النقض الذي يعتبر النيابة العامة صوت المجتمع لدى المحاكم، أن عليها أن تدافع، عن القواعد الثقافية التي قامت عليها الحياة المشتركة للمواطنين، من جهة، ومن جهة ثانية، عن تطور الأفكار.

فالدفاع عن القواعد الثقافية المشتركة يعني الأخذ بعين الاعتبار الدولة ومؤسساتنا وكذلك الأفراد. إذ على النيابة المساهمة، كمهمة أولى، في الدفاع بقوة عن وحدة الدولة وأمنها ضد الإرهاب، والجريمة المنظمة، والفساد، وكل أنواع العنف. وعن التنظيم المؤسساتي للمجتمع. وعلى النيابة أن تكون مقتنعة بما فبه الكفاية بان الوطن ليس مجرد تجمع أفراد يعيشون على أرضه، ولكن جماعة ضاربة جذورها في أعماق تاريخنا وجغرافيتنا. ومؤسساتنا هي ثمرة كل ذلك. وعلينا حمايتها.


وأخيرا، على النيابة، كما يرى، وطبقا لمقدمة دستور 27 أكتوبر 1946 أن تأخذ في الاعتبار الفرد، في حريته، و كرامته، وبشكل خاص ضعفه.

ودور النيابة في الدفاع عن الضعفاء دور تقليدي. والمقصود بالضعيف هنا هو من وضعته ظروف الحياة في درجة متدنية في سلم الحياة الاجتماعية.

استقلالية النيابة، كما أشار الكاتب في كلمته أمام الجلسة العامة للعام القضائي المنعقدة بتاريخ 9 جانفي 1998، يجب أن ينظر إليها كضرورة في مواجهة الضغوط التي يمكن أن تمارس عليها. مهمة النيابة هو شرح، في كل دعوى، للقضاة وللمواطنين ما يفرضه التطبيق الجيد للقانون. وما هي التعديلات المبتغاة.

فان كانت النيابة أداة اتهام عام، أصبحت حاليا، شيئا فشيئا، عاملا تربويا. وهي محامي المجتمع. محامي القانون. محامي التقدم الاجتماعي. وعلى الإصلاحات الجارية حاليا أن تعطي لمواطنينا مؤسسة قضائية، وبشكل خاص نيابة عامة، تتجاوب مع أمانيهم من حيث النوعية والسرعة والتبسيط واستقلالية الفكر والإنسانية.

ومثل العديد من القضاة في مختلف درجات القضاء، تساءل القاضي المذكور عن فائدة الاحتفاظ بنظامين قضائيين يتقاسمان المنازعات ويوزعان الاختصاص بينهما. وهذا ما لا يتلاءم مع المعايير الأوربية. ويقرر بأنه يقف بحزم إلى جانب قضاء واحد مبني على إصلاح جذري.

فعلى فرنسا، كما يقترح، أن تقوم بتكييف مؤسساتها القضائية مع المتطلبات الأوربية. وأن تتزود بسلطة قضائية تأخذ شرعيتها من الشعب مباشرة، مثل ما هو الحال عليه بالنسبة للسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية.

وما هو ضرورة ملحة الآن، هو أن ينصبّ التفكير على توحيد المؤسسات القضائية. وإصلاح النيابة. والإجراءات الجزائية. وتعريف هدف العقوبة. وفي نهاية الأمر خلق سلطة قضائية فعلية.

فالسلطة القضائية حلمت طويلا، حسب الكاتب، بان تكون موازية للسلطة التنفيذية ذات القوة الكبرى. لكن القضاء لم يصل مطلقا عبر تاريخه، وحتى الآن، لتأمين تفوقه. وكان عليه دائما الخضوع للهيئة السياسية. حكومة القضاة لم توجد مطلقا في فرنسا. وخضوع القضاء للتنفيذية لم ينتج عن الصدفة التاريخية.

ويوصي بضرورة الإصلاح الجذري قبل حدوث الأزمة، مذكرا بقول كرمشي Gramsci بان «الأزمة تقوم عند موت العجوز في الوقت الذي لا يكون فيه الجنين مستعد بعد للولادة". فالنظام القضائي الفرنسي الموروث عن الإمبراطورية قد يموت قبل أن يقدم نموذجا جديدا. (ص. 18).


وما أحوجنا نحن العرب أن نسمع كلمة حق جريئة من قضاتنا عن قضائنا في القرن الواحد والعشرين، أليس الحق والجرأة في قوله من صفات القاضي ومن مكونات شخصيته ومتطلبات مهنته.
_____________



(*) كاتب سوري مقيم في فرنسا منذ عام 1980
دكتوراه في الحقوق، دكتوراه في علم السياسة، وعضو الجمعية الفرنسية للدكاترة الحقوقيين، مؤسس ورئيس جمعية الحقوقيين من أصول أجنبية
hailaaa@maktoob.com

مرسل بالبريد الإلكتروني
نقله للمنتدى ونسقه ولونه وتبناه بكل ما فيه المحامي محمد ناهل المصري






التوقيع

كاتب سوري مقيم في فرنسا منذ عام 1980
دكتوراه في الحقوق، دكتوراه في علم السياسة، وعضو الجمعية الفرنسية للدكاترة الحقوقيين، مؤسس ورئيس جمعية الحقوقيين من أصول أجنبية

رد مع اقتباس
13 عضو قام بشكر العضو د. هايل نصر على المشاركة المفيدة:
قديم 02-06-2011, 10:51 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
المحامي يوسف قدورة
عضو مميز

الصورة الرمزية المحامي يوسف قدورة

شكراً: 2,060
تم شكره 2,646 مرة في 556 مشاركة
إحصائية العضو








آخر مواضيعي


المحامي يوسف قدورة غير متواجد حالياً


افتراضي رد: قضاة يقاضون قضاءهم

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د. هايل نصر نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
  

أما فيما يتعلق بالنيابة العامة، يدعو كل من وزير العدل السابق روبير بادينتار Robert Badintaer، والنائب العام لدى محكمة النقض المذكور أعلاه في نقدهما الجذري، إلى إلغاء منصب قاضي التحقيق. ويقترحان " توحيد النيابة والتحقيق لتبسيط التنظيم القضائي". وضرورة إعادة بناء الإجراءات الجزائية دون إبطاء.



أصبح هذا الأمر ضرورة ملحة وبقوة خاصة وأن قضاة التحقيق في دمشق لديهم عدد من الملفات لا يحسدون عليه إطلاقاً تضيق بها الخزن في المكتب


والكردور والديوان والزوايا و الأروقة وحقائب السادة القضاة من الدعاوى التي يأخذونها للبيت الجاهزة للفصل , فتدخل مثلاً إلى مكتب أي قاضي تحقيق فترى

الاضابير في كل مكان على المكتب والكراسي وفوق الخزانة وبالدروج مما يعود سلباً على القاضي الذي لا يلام إن ضاق ذرعاً من حيطان المكتب من حوله

نظراً للضغط الشديد جداً عليه من سيل الدعاوى المنهمر كالمطر ...


ثم التأخير في فصل الدعاوى و يراجع بعض الزملاء أحد المسؤولين المباشرين عن هذا الموضوع فيكون الجواب طول بالك يا أستاذ عند هذا القاضي ألف

وخمسمية دعوى ...... طيب يا سيد يا مسؤول رفاع اقتراح بهالموضوع وكن جزءاً من الحل وحاول رفع سوية العمل

إنها مهمتك أن تجد الحلول وليتهم يتبنون هذا الحل فتتحقق الغاية المرجوة من قضاة التحقيق ومن كل السادة القضاة وهي العدل في وقته

وليس تحقيق العدل بعد فوات الأوان فما الفائدة منه آنذاك .............

ومشكور أستاذنا ناهل على هذا النقل المفيد






التوقيع

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
رد مع اقتباس
2 عضو قام بشكر العضو المحامي يوسف قدورة على المشاركة المفيدة:
أسيل (11-10-2012), المحامية راما (03-06-2011)
قديم 03-06-2011, 01:01 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
المحامية راما
عضو مساهم

الصورة الرمزية المحامية راما

شكراً: 552
تم شكره 183 مرة في 41 مشاركة
إحصائية العضو







آخر مواضيعي


المحامية راما غير متواجد حالياً


افتراضي رد: قضاة يقاضون قضاءهم

وما أحوجنا نحن العرب أن نسمع كلمة حق جريئة من قضاتنا عن قضائنا في القرن الواحد والعشرين، أليس الحق والجرأة في قوله من صفات القاضي ومن مكونات شخصيته ومتطلبات مهنته.
_____________

أستاذي المحترم لا أعتقد أننا سنسمع كلمة حق جريئة من قضاتنا ولا حتى حرف حق إذا لم يستقل قضاءنا .. يجب أن يستقل القضاء أولاً .. وإلا فإننا نطلب من القضاة ما يفوق طاقاتهم بكثير لأن فاقد الشيء لا يعطيه ... وما أحوجنا إلى الاستقلال القضائي وفصل القضاء عن جميع مؤسسات الدولة .. ولا بد أن نسعى جاهدين للعمل على استقلال قضائنا للوصول إلى قمة الحق والعدل وهو الخطوة الأولى على طريق الإصلاح وتطهير المجتمع من الفساد ..







رد مع اقتباس
4 عضو قام بشكر العضو المحامية راما على المشاركة المفيدة:
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
من تجارب الآخرين في بناء دولة القانون محكمة النقض الفرنسية 1 د. هايل نصر تطوير القضاء 3 27-02-2010 08:01 PM
قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني أحمد الزرابيلي قوانين الجمهورية اللبنانية 0 08-11-2009 08:33 PM
حــوار مع المحامي العـام الأول محمد مروان اللوجي المحامي ناهل المصري لقاءات وحوارات 0 15-10-2008 08:22 AM
قانون السلطة القضائية - المرسوم رقم 98 لعام 1961 المحامي محمد صخر بعث موسوعة التشريع السوري 0 03-12-2006 04:00 PM


عزيزي العضو/الزائر.. نحيطك علماً بأن مواضيع المنتدى لاتمثل رأي الإدارة وإنما تمثل رأي كاتبها.


الساعة الآن 03:46 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Nahel
يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر>>>جميع المواضيع والردود والتعليقات تعبر عن رأي كاتيبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى أو الموقع