منتدى محامي سوريا
« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: الاجتهادات القضائية الناظمة عن المصدقات الكاذبة مع وقائع الدعوى (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: غير مسجل هل لديك ذكريات خلال دراستك في كلية الحقوق تخبرنا بها (آخر رد :محمد نضال القاسمي)       :: دعوة لحضور رسالة الدكتوراه (آخر رد :المحامي ناهل المصري)       :: نموذج دعوى :طلب الغاء قرار إداري (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: ما هي الممارسة الفعلية لمهنة المحاماة و ما آلية إثباتها (آخر رد :مظهر غسان الصوص)       :: العلاقة بين النقيب والمحامي (آخر رد :مظهر غسان الصوص)       :: سلطات الرئيس الأمريكي المتعلقة بالحرب (آخر رد :سامر تركاوي)       :: مساء الخير (آخر رد :المحامي عبدالرحمن عبدالله)       :: مساء الخير (آخر رد :المحامي عبدالرحمن عبدالله)       :: أيهما أهم..أدبيات المهنة أم (الشطارة)؟؟ (آخر رد :هشام سعيد)       :: مشروع قانون الإيجار للمناقشة (آخر رد :المحامي باسل)       :: مجموعة الاجتهادات القضائية العقارية الصادرة عن الغرفة المدنية (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: الغاء مسابقة انتقاء محامين لتعيينهم كقضاة (آخر رد :المحامي باسل)       :: مرسوم تشريعي بتعديل بعض مواد الناظمة للجمعيات الفلاحية (آخر رد :عمار حمودي)       :: أول مشاكلي كمتمرن .... إيجاد محامي يدربني . .! (آخر رد :المحامي ناهل المصري)       :: نصائح ذهبيه للمحامين المتمرنين (آخر رد :مظهر غسان الصوص)       :: نداء للمحامين المتمرنين (آخر رد :مظهر غسان الصوص)       :: بعض الاجتهادات القضائية الناظمة عن غصب العقار (آخر رد :احمد ابوالزين)       :: دعوى تصحيح اسم أو كنية (آخر رد :جلال فليحان)       :: إضاءة حول إجراءات الانتخابات النقابية (آخر رد :المحامي ناهل المصري)      


مواضيع ننصح بقراءتها نساء محاميات      علمتني المحاماة !!      متى يصبح التامين واقعا وليس حلما ؟      المحامون والقسم المهني      الجرائم السياسية ليست جرائم شائنة تمنع التسجيل في نقابة المحامين      اروع ما قيل في مهنة المحاماة      سلطات الرئيس الأمريكي المتعلقة بالحرب
العودة   منتدى محامي سوريا > منتدى سوريا > سوريا يا حبيبتي

سوريا يا حبيبتي أخبار البلد وأهل البلد ويومياتهم وتجاربهم وحياتهم وكل ما يهم المواطن ببلدنا الحبيب.

مختارات من قانون المهنة    <->   لمجلس الفرع أن يقرر عند الاقتضاء تمديد التمرين مدة لا تزيد على سنة ويكون قراره مبرماً    <->   
إضافة رد
المشاهدات 1319 التعليقات 3
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-08-2004, 07:07 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
المحامي ناصر الماغوط

الصورة الرمزية المحامي ناصر الماغوط

إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي مذكرات مخبر

كلماتي هذه مغمسة بالحزن والدم، لأنها تعبر بصدق عن حالة من الإحباط واليأس يعيشها إنسان عاشق. نعم أنا عاشق. كنت ولا أزال أعشق الحكومة والسلطة، أحبها وأغار عليها وأحرص عليها كما يحرص الرجل الشرقي على زوجته وبناته وكما يحرص الراعي على خرفانه وعنزاته. لذلك جندت نفسي منذ أكثر من ثلاثين عاما في أحد أجهزتها الأمنية وقضيت كل هذه الفترة استرق السمع إلى أعدائها من الحاقدين والموتورين وأحلل معاني أقوالهم وأكتب التقارير عنهم في آخر الليل وأرفعها إلى فرع المعلومات الذي كان له ثقة عمياء بتقاريري التي كانت توصف هناك بأنها لا يقف عليها طبيب لشدة ما كانت تقطر سما. وهذا الحب والهيام للحكومة كلفني ثمنا غاليا: سمعتي التي أثرت على علاقاتي، وبالتالي على حياتي الاجتماعية التي ضحيت فيها لأجل الحكومة التي أعشقها، الحكومة العربية القومية التي وعدتني بإقامة وطن عربي واحد من المحيط إلى الخليج، شعب واحد دين واحد لغة واحدة ثقافة واحدة تاريخ واحد جغرافيا واحدة وحزب واحد، والناس كلهم من المحيط إلى الخليج صف واحد خلف الحكومة. وانطلاقا من عشقي وهيامي كنت مستعدا لأن أكتب التقارير الأمنية ولو بأمي التي خلفتني أو أبي الذي رباني. لم أوفر أحدا يتفوه بكلمة بحقها حتى كنت أسارع لفقعه تقريرا أجيب له أجله فيه. وكدليل على إخلاصي للحكومة أذكر أنني ذات مرة رفعت تقريرا بحماتي التي عرفت بعد أن تزوجت ابنتها أنها من عائلة ديموقراطية مشبوهة. وعلى أثر إحدى التعديلات الوزارية قلت لهم بأن هذه الوزارة سوف تشيل الزير من البير لأن كل أعضائها من الدكاترة ، فضحكت حماتي ضحكة ساخرة وقالت بلغة تعليمية متعالية: الله يستر من الأعظم، كلهم نفس الشيء يا بني. فشممت من كلامها حقدا على الدولة، ولم أتمالك نفسي عن تسطير تقرير بحقها. لا أنفي أنني ترددت في البداية قبل أن أقدم التقرير للعريف الذي كنت على علاقة مباشرة معه، لكنني دست على مشاعري العاطفية ودفعت بالتقرير انطلاقا من إيماني بأن كل الناس سواسية أمام المخبرين. وخلال يومين فقط داهمت دورية أمنية المدرسة التي كانت تعمل فيها حماتي كمعلمة وشحطوها من أمام تلاميذها الذين كانت تربيهم وتعلمهم واقتادوها إٍلى مكان مجهول للتحقيق معها وبقيت هناك ستة أشهر بين سين وجيم ثم سرحت من عملها وأطلق سراحها بعد أن كتبت تعهدا تعلن فيه أنها لن تعيد مثل هذه الأقوال بحق الدولة التي تفتح الم دارس والمؤسسات الاستهلاكية وتشق الطرق وتبني محطات توليد الكهرباء، ومحطات ضخ المياه. وتعطي الرخص لفتح الدكاكين وإقامة الأعراس. ولم أكن متأكدا ما إذا كانت قد عرفت أنني أنا من كتب التقرير بحقها، لذلك عند خروجها ذهبت لأهنئها بالسلامة. لكن ما إن رآني عمي أدخل من بوابة المنزل حتى نهض من بين ضيوفه واندفع نحوي وأنا أظن أنه يهرع لملاقاتي بالأحضان لكنني تفاجأت حين بصق في وجهي على مرأى من الجميع "تفو عليك يا كلب. انقلع من هون ولك. لا بتعرفنا ولا منعرفك". ومنذ ذلك اليوم لم أر زوجتي إلا في المحكمة الشرعية لتثبيت المخالعة.
للأسف تغيرت الأحوال كثيرا اليوم. تقاريري صارت مثل قلتها ومصيرها الإهمال والتصنيف. فقد رفعت الكثير من التقارير مؤخرا بحق الكثير من الأشخاص الذين صادفتهم والذين كانوا ينتقدون سياسة الدولة علنا ويسخرون منها أمامي رغم أن معظمهم يعرف بأنني مخبر ومع ذلك كانوا يهزؤون مني ومن تقاريري التي كنت أطلقها رشا ودراكا بحقهم دون أن تحرك دورية أمن. بينما كنت في الماضي، أكتب التقرير وألفق التهمة التي أريدها فتلقى صدى في الحال دون أن أسأل في يوم عن مصدر معلوماتي. وكمثال على أهميتي في الماضي أسوق هذه الحكاية: كنت مستأجرا لغرفة في خربة الضبع، وهي منطقة سكنية فقيرة جدا من مناطق السكن العشوائي التي تزنر مدينتنا، وأعترف أنني لم أكن مواظبا على دفع الأجرة كل آخر شهر كما هو متفق عليه وأعذب صاحب المنزل، فما كان منه إلا أن طالبني بإخلاء الغرفة بحجة أنه يريد أن يزوج ابنه فيها. تهربت منه على عدة أشهر لكنه مع الوقت ازداد إلحاحا ووصلت بيننا الأمور إلى حدوث مشادات فيما بيننا وهددني بأنه سوف يرمي لي أغراضي في الشارع إن لم أضبهم وأرحل. فما كان مني إلا أن رفعت فيه تقريرا ادعيت فيه بأنه قد تهجم علي وقال عني بأنني مخبر حقير وشتم الحكومة التي جعلت من أمثالي الخروات خلق وعالم. وأضفت أنني أشك أنه قد يكون منتميا لتنظيم سري معاد للدولة وادعيت بأن اسمه هو حزب الجهاد الثوري، (في الحقيقة لم يكن من وجود لهذا التنظيم) وبينت أن غاية ذلك التنظيم إسقاط الحكومة عن طريق أعمال تخريبية إرهابية وتفجير سيارات مفخفخة "هكذا ورد بالنص" وفي اليوم التالي لرفع ذلك التقرير داهمت منزله أربع سيارات مدججة بعناصر المخابرات وكانوا بكامل ذخيرتهم واستعدادهم للمواجهة المسلحة وألقوا القبض عليه من بين أصدقائه الذين كانوا عنده وقتها يشربون الشاي والمتة والقهوة ورموه في صندوق السيارة. وقد علمت فيما بعد أنه قد اعترف بانتمائه للتنظيم المذكور وحكمت عليه محكمة ميدانية بالاعتقال عشرة أعوام. لاحظوا كم كانت كلمة المخبر من أمثالي ثمينة ولها تأثير على الدولة والمجتمع بينما هي اليوم للأسف في عصر الإصلاح والانفتاح والعولمة متل الضراط على البلاط. لعن الله الإصلاح والعولمة. مؤخرا سمعت بأن كاتبا قد كتب مقالة في الكمبوتر نشرها في الإترنيت "هكذا ورد في النص" يقول فيها بأن كل هذا الإصلاح كذب في كذب، لأن العجائز الكبار في الدولة هم عبار ة عن شلة حرامية ولا مصلحة لهم في الإصلاح وبالتالي فهم يضعون العصي في العجلات، ففار دمي منه وسألت عن اسمه ورفعت فيه تقريرا على السماع من قفا الدست لكن يا حسرة، ها قد مضى أكثر من ستة أشهر على ذلك التقرير وما زال ذلك الكاتب المأفون يكتب ضد الدولة ويحرض أعداءها من الديموقراطيين والعملاء عليها وهي لا تحرك ساكنا لإخراسه.
وانطلاقا من غيرتي على الحكومة التي أعشقها كما ذكرت، طرقت الباب على رئيس الفرع وقلت له يا سيدي أنا أكتب التقارير منذ أكثر من ثلاثين عاما وانظر إلى حالي، الثورة التي أعطيتها عمري تعطيني قفاها. أحلفك بحبك للحزب وإخلاصك للدولة أن تفعل شيئا. فنظر إلى نظرة تشع احتقارا وقال لي: هذا مو شغلك. إنت شقفة مخبر كل ما عليك أن تكتب التقرير الذي تسمعه وتأخذ أجرتك وتنقلع، ونحن الباقي علينا. أما إذا كنت تريد أن تعلمني عملي فتعال واجلس في مكاني. فارتبكت من نظراته ووليت هاربا وعرفت أنه قد مضى الزمان الذي كان فيه الناس يخافون من خيالهم وكنا، نحن المخبرين، نسرح ونمرح في تقاريرنا ونروع الناس من أشياء تافهة مثل "فلان قال كذا، وفلان حكىالنكتة الفلانية، وفلان مشى مع فلان، وفلان خرج من بيت فلان، وفلان لم يصفق، وفلان لم يهتف وفلان لم يدبك في الاحتفال الفلاني. أدركت متأخرا بأنني كنت مغسول الدماغ، فقد كتبت كثيرا من التقارير بهدف فضح الفاسدين، من مثل ذلك التقرير الذي رفعته بأمين الوحدة الحزبية في مدرستنا وذكرت فيه أن رفيقنا قد سرق الاشتراكات التي دفعها له الطلاب، واشترى فيها دراجة راح يتبختر فيها حول مدرسة البنات، لكن ذلك التقرير لم يثر اهتمام أحد بل على العكس وكأنه شكل له قوة دفع نحو الأعلى، إذ أذكر أنه على أثرها صار أمين وحدة نقابية في معمل مدينتنا ثم صار رئيس النقابة ورفع تقريرا بدوره برئيس المعمل الذي كان نظيفا طيّره على أثره وتم تعيين زميلي المخبر مكانه الذي صار فيما بعد وزيرا، وأخيرا اشترى كامل أسهم شركة تعنى بتأجير ناقلات نفط. رفعت الكثير من التقارير بحق البعض ممن كانوا معروفين على أنهم حرامية ولصوص ومرتشين لكن كان لتقاريري مفعولا عكسيا، فبدلا من أن يسجنوا كانوا يحلقون في سماء المناصب وكأنهم يمتطون صاروخا فضائيا.
لقد آن الأوان لي كي أتقاعد من مهنة كتابة التقارير. وفعلا توقفت. وكنت أتوقع أن يتصلوا بي من الفرع ليسألوا عني ويقولوا لي يا رفيق لقد اشتقنا لتقاريرك. لكن أحدا لم يتصل.
أرى اليوم نفسي منبوذا كالعنزة الجربانة. أجلس في المقهى وحيدا. وإذا جلست إلى طاولة مجاورة لطاولة شباب منغمسين بنقاش ما، سرعان ما يجفلون مني وينتقلون بعيدا عن طاولتي وهم يقولون لبعضهم، العمى من وين طلع لنا هذا؟ ولأطمئنهم، كنت أنظر إليهم وأقول لهم وعيناي مغرورقتان بالدموع. لا تخافوا يا شباب. لقد تغير الوضع.

منقول عن
مقالة لناصر الماغوط منشورة بـ ( كلنا شركاء ) 6/7/2004







رد مع اقتباس
قديم 17-01-2005, 10:10 AM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
المحامي ناصر الماغوط

الصورة الرمزية المحامي ناصر الماغوط

إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي مذكرات مخبر...عودة الروح

قررت أن أتأقلم مع الوضع الجديد الذي يتناسب مع المرحلة الإمبريالية اللعينة الراهنة وأن أكف عن كتابة التقارير لأني سمعت أن أمريكا سوف تقوم بشحن الديموقراطية البرجوازية العفنة إلى هذه المنطقة وتنشرها في بقاع وطننا العربي الغالي الذي قضيت عمري وأنا أكتب التقارير في سبيل وحدته ضد أعدائه من الحاقدين والموتورين من شيوعيين وإخوانجية وبرجوازيين وعملاء وكل من يتنفس بكلمة أو عبارة أو نكتة تشي بسخرية من رجال حكومتنا العظمية الذين نذروا أنفسهم لوحدة هذا الوطن من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر.
آه كم أغمضت عيني وحلمت بوطن عربي واحد وعلم واحد يخفق فوق إداراته ومؤسساته وشركاته العامة وفوق أسطح المنازل وكنت مستعدا لأن أفسخ كل من أشعر أنه قد يقف حجر عثرة في طريق تحقيق حلمي إلى نصفين. كما حلمت أيضا بأن أذهب إلى الكراجات فأجد هناك باصات القاهرة وبغداد ومراكش والخرطوم وعدن وبيروت وتونس وجيبوتي والكويت وعمان وغيرها من المدن التي سوف تتخلى بعد الوحدة عن صفتها كعواصم وتصبح مجرد مدن من مدن وطننا الحبيب الواحد. وكم حلمت أن أركب في الباص المؤدي إلى أبو ظبي أو الكويت أو الرياض وأذهب إلى هناك دون فيزيا كي أعمل في أي شيء، بينما تصدح الأغاني العربية الأصيلة للأخوين علي وحسين الديك ووفيق حبيب وثائر العلي ومصطفى قمر وراغب علامة وعمرو دياب ونانسي وهيفا وأصالة وغيرهم، بينما الركاب يصعدون ويهبطون من الباصات بلا جواز سفر لكن على الهوية فقط لتسجيلها خوفا من الإرهابيين.
للأسف أقول اليوم بأن كل هذا التعب وهذه الأحلام طلعت على الفاضي. لقد سمعت البعض يقول بأن تقاريري وتقارير العرصات من أمثالي هي السبب الكامن وراء هذه الحالة من التجزئة والتفتت التي نعيشها هذه الأيام والتي يجري فيها الحديث عن التعددية والحرية. وأنا لست مقتنعا بكل هذا الحكي الفاضي، وأرى أن هذا الشعب بدو عفس بالصرماية، ويجب أن يبقى البوط فوق رأسه كي لا تفلت الأمور وتعم الفوضى والخراب والأعمال الإرهابية والطائفية، فيصير كل واحد منهم راس ويريد أن يقرر ما يريد، هذا لا يمشي حاله في بلادنا التي تتعرض لمؤامرات إمبريالية وصهيونية متواصلة على مدار الساعة. إذ أن الديموقراطية هي الطريق الذي سوف يسير فيه أعداء الوطن للتغلغل بكل الأحزاب والطوائف والقوميات وسيعملون على تدميرنا من
الداخل، لأننا مستهدفون. وأنا واثق من أن القيادة عندنا تعرف ذلك، لكن الله وحده يعلم لماذا هي تتهاون مع هذا الشعب وتسمح للموتورين والحاقدين أن يرفعوا أصواتهم مع أنني رفعت تقارير بالجملة والمفرق بأشخاص كانوا يتحدثون علنا على الدولة ولم يتم توقيفهم كما كان يجري في الماضي.
أنا لا أتحدث انطلاقا من كرهي للشعب، بل انطلاقا من حبي للحكومة أولا ولوطني ثانيا. أنا عندي الحكومة تأتي بعد الله بشوي، ولا أتصور أن أرى أحدا يهددها في يوم من الأيام إلا وألوكه بأسناني وكأنه علكة نايلون. وهؤلاء الحثالات الذين يعتبرون أنفسهم فهمانين ويكتبون اليوم في الصحف الخارجية وعلى الكمبوترات ويرفعون رؤوسهم ويطالبون بالإصلاح، يصلحهم أبو ملعون إنشاء الله، ، أين كانوا سابقا أيام كانت الحكومة تزج بهم في السجون لأقل كلمة وتضع صرمايتها في فم كل واحد منهم يفتح فمه بكلمة واحدة؟ اليوم بعد أن سارت الحكومة من تلقاء ذاتها في طريق التطور، وتهاونت مع طويلي اللسان الطامعين في سيارات المرسيدس وقسائم البنزين والمهمات والعمولات والسمسرات والوساطات، تراهم يرفعون رؤوسهم. أين كان هؤلاء
قبل أن تشجعهم أمريكا وتحميهم وتصنع لهم هذه الإنترنت والديشات والأقمار الاصطناعية ليتحدثوا ويرفعوا أصواتهم من خلالها؟ لو كانوا وطنيين وأبطالا فعلا لكتبوا في صحافتنا المحلية وطلعوا على شاشة تلفزيوننا بدلا من أن يكتبوا في هذه الصحف المشبوهة التي تصدر في الخارج ويطلعوا على شاشة الجزيرة التي تمولها الصهيونية وشاشة العربية الرجعية وغيرها من المحطات المشبوهة التي يشر ف عليها مباشرة الموساد الإسرائيلي والمخابرات الأمريكية.
أريد أن أعرف جوابا لسؤال واحدا فقط هو، لماذا يجعجع هؤلاء مطالبين بالإصلاح بينما الحكومة لا هم لها سوى الإصلاح؟ لماذا لا يعملون مع الحكومة يدا بيد؟ إن هؤلاء يريدون أن يحولوا البلاد إلى حالة من الفوضى، وأنا عاتب على الحكومة لأنها أعطتهم ريقا حلوا، وبدلا من أن يسبحوا بحمدها
ويسيروا معها ويضعوا يدهم في يدها، تراهم ينتقدون ولهم علاقة بالسفارات ويتصلون بالخارج ويتعاونون معه ضد بلادهم، بينما الحكومة تتسامح معهم على أمل أن يصحوا على أنفسهم، وهنا يحضرني قول الشاعر: إذا ما أنت أكرمت اللئيم تمردغا (هكذا ورد في النص). أنا بصراحة قلق شخصيا من هذا الوضع الجديد لأن هناك الكثير من الناس من حولي يظنون أنني قد أذيتهم، بينما أنا في الحقيقة كنت أحمي الثورة من كيدهم. هذا يعني أن نيتي كانت دائما حسنة، لكن نتيجة لعدم فهم هؤلاء فإنني أخشى أن أتعرض لعمليات انتقام في المستقبل تتمثل في محاولات اغتيال أو اعتداء.
من هؤلاء مثلا، أذكر أن شخصا ملتحيا حافا شاربيه كان يسكن في حينا وكان دائما بيده مسبحة ويرتدي جلابية قصيرة، ولا يمر بجانب شخص إلا ويقول له "السلام عليكم" ويبتسم له ويحاول أن يكون لطيفا ومساعدا للجميع وذلك في محاولة منه ربما لجذبه إلى صفه. ففكرت بأنه يا ما تحت السواهي دواهي، ولا يستبعد أن يكون من الإرهابيين أخوة الشياطين لذلك هو يتبع هذه السياسة لاستقطاب الناس إلى الأصولية والرجعية. لعب الفار بعبي، وكنت أتصور أنه يكرهني لأنني لست ملتحيا ولا ألبس جلابية قصيرة مثله، مع أنه كان يقول لي دائما السلام عليك يا أخي، أما أنا فلم أرد عليه، ومع ذلك لم يكف عن إفشاء السلام علي حتى الليلة السابقة لاعتقاله. وعلى طريقة الحرب الاستباقية الأمريكية الدارجة هذه الأيام، نظمت تقريرا بحقه ورفعته
إلى الفرع، وفي نفس الليلة طبوا عليه قبل طلوع الفجر، وأخذوه، وعلمت بعد حوالي الشهر أنه اعترف بأنه من الإرهابيين أخوان الشياطين، وبعد حوالي السنة حكمت عليه محكمة عسكرية بالسجن خمسة عشر عام، قضى منها نحو عشر سنوات كان أهله يزورونه خلالها، ثم انقطعت أخباره عنهم، ومنعت عنه الزيارة. وها قد مضى عليه حتى اليوم حوالي عشرين عاما دون أن يعرف ذووه أهو من الأحياء أم من الأموات. وكلما لمحني أحد من ذويه ينظر إلي نظرات فيها حقد وتوعد، وأنا واثق تمام الثقة أنهم جميعا يعرفون أنني أنا السبب في مأساتهم المستمرة وجرحهم النازف. وعلمت أنهم كانوا يبعثون برسائل إلى جهات مختلفة بالدولة لعلهم يعرفون ما إذا كان والدهم لازال على قيد الحياة أم غادر هذا العالم بلا رجعة، فقط للاطلاع وأخذ العلم وللثقافة العامة.
تقدموا بعدة طلبات إلى إدارة الأمن يقولون فيها بأن لدى المفقود أملاكا يريدون أن يقتسموها على بعضهم كورثة، وإذا كان قد توفى لسبب أو لآخر فالموت حق، وهم متسامحون ولا يتهمون أحدا، لكن من حقهم أن يعرفوا مصير والدهم، وهذا من أبسط قواعد العدالة. لكنهم لم يحصلوا على أي جواب، وهذا ما كان ولا زال يزيد من حقدهم على الدولة وعلي أنا شخصيا.
وحادثة أخرى أرويها كمثال آخر. مرة سمعت في المقهى بأن ثمة أستاذا في مدرسة من مدارس وطننا الحبيب يحبه تلاميذه ويتعلقون به ويناقشهم ويعلمهم الحوار، وحتى على مستوى اختيار العريف في الصف كان يطلب من طلابه أن يترشح منهم من يرى في نفسه كفاءة لهذا الموقع. ثم يطلب من الطلاب أن يصوتوا على هؤلاء المرشحين بحرية لاختيار من يرونه مناسبا لمنصب العريف ثم يجري عد الأصوات ليتم تعيين من ينال أكبر عدد منها. ولا تخفى النية العدوانية المبيتة في هذا النهج الديموقراطي البرجوازي القذر الذي يهدف إلى تنشئة أولادنا فلذة أكبادنا تنشئة فاسدة وتدمير قيمنا الديموقراطية المركزية والشعبية ، فقمت بتنظيم تقرير بحقه لإبلاغ السلطات بهذه الحالة وذلك انطلاقا من غيرتي على الجيل الجديد وخوفي على أخلاقه من الفساد. وبعد فترة قصيرة تم نقل هذا المعلم من وزارة التربية والتعليم إلى وزارة الزراعة، وصار موظف ديوان يسجل الصادر والوارد هناك. لا أعرف من نقل له أن فلان، أي أنا، هو من رفعه تقريرا. ويبدو أنه طويل لسان، لذلك صار يشهر بي علنا في المقهى وفي كل مكان يذهب إليه فيقول:: هذا الكلب، أي أنا، هو مخبر، احذروا منه. فقمت بإبلاغ فرع الأمن بذلك، فما كان من رفاقي هناك إلا أن انتصروا لي وشحطوه وأكل قتلة قياما وقعودا وبقي عندهم حوالي السنة
لقيامه بالتهجم على موظف مخبر أثناء قيامه بواجبه القومي والوطني، ثم خرج من السجن مريضا وقد هرت كل أسنانه وانكسرت فقرتين من ظهره وبدا كما لو أنه قد كبر عشرين سنة دفعة واحدة، فعرف أن الله حق. صار كلما لمحته في المقهى أشعر من نظراته أنه يتمنى لو يشرب من دمي، لذلك فعلا أخاف منه الآن وأعتقد أنه معي حق ولا يعني ذلك أنني جبان، معاذ الله. لكن أخشى من أن يرتكب هؤلاء الحاقدون حماقة ما بحقي إذا ما سنحت لهم الفرصة
لذلك، خصوصا أنني لا أستطيع الهرب خارج البلاد كما يفعل الرفاق المناضلين الكبار الذين يحملون عدة جنسيات في وقت واحد في جعبتهم وعندهم حسابات خاصة في بنوك خارجية ولا يهمهم شيء، وبالتالي فإن الفأس لن تقع إلا على رأس الحشرات الصغيرة من أمثالي.
كما قلت سابقا، صارت تقاريري وتقارير زملائي المخبرين اليوم مثل قلتها، لذلك انقطعت عن تقديم التقارير إلى فرع المعلومات كوني شخص أحترم عملي، ولا أرضى أن أقدم تقريرا يكون مصيره الإهمال، كما أن أخلاقي لا تبيح لي أن أتقاضى أي أجر عن أي تقرير أو معلومة إذا لم تكن ضرورية ونافعة للدولة. ومضى حوالي الشهرين دون أن يسأل عني أحد. وذات يوم، اتصل بي مساعد من قسم التقارير يقول لي: ولك وينك أنت يا كر. قلت له ها أنذا معك، فعاتبني على تقصيري بمتابعة الوضع الأمني بالبلد. قلت له. أنا نظريتي بأنه لم يعد من لزوم لأمثالي في عصر العولمة واقتصاد السوق والديموقراطية البرجوازية العفنة التي تمهد لعودة الإقطاع والرأسمالية إلى بلادنا الحبيبة، وبالتالي لم تعد الدولة بحاجة لأمثالي، مع أننا نحن الذين قامت الحكومة على أكتافنا طوال هذه العقود الماضية دون أن نجني سوى البهدلة والشرشحة. وفشيت خلقي وقهري على الهاتف إذ قلت له: انظر إلى وضعي، لقد تركتني زوجتي تركة الكلاب عندما عرفت أنني مخبر بعد أن رفعت تقريرا بالسيدة والدتها. وبعد أن انتشرت قصتي على كل لسان، لم تعد هناك امرأة في المنطقة تقبل بي مهما كانت قبيحة أو شر شوحة لأن سمعتي في الحارة وفي كل مكان زفت وأقل كلمة تقال عني هي "شقفة مخبر كلب" والناس يتحاشونني كما يتحاشون
السقوط في مجرور مفتوح.
مقابل هذه البهدلة التي نلتها كرمى لعيني الدولة والثورة، كنت أتوقع من الحكومة أن تكرمني وتسلمني على الأقل شي رئيس تحرير جريدة رسمية لأكتب الافتتاحيات الصباحية التي يقرؤها الناس في مقاهي الرصيف وهم يتناولون قهوتهم قبل توجههم إلى عملهم. أو أن يعينوني نقيبا للصحفيين لأنني أنا الصحفي الحقيقي والمراسل المجهول للدولة في الشارع والحي والمقهى والعمل. كما كنت أتوقع أن تعمل الدولة على تعييني رئيسا لاتحاد كتاب التقارير.
وعوضا عن ذلك، أنظر إلي الآن أين أنا؟ شقفة موظف لا أحد يقول لي مرحبا، اللهم إلا من يخاف من قلمي الحاد واللاذع. لهذه الأسباب، أرجو اعتباري مستقيلا من عملي الذي قضيت فيه كل هذه العقود. فرد علي قائلا: فعلا أنك حمار. وطلب مني أن آتي إلى عنده في الفرع لنتحدث بحرية أكبر.
خلال ساعة كنت في مكتبه بالفرع. قال لي: ولك أنت فعلا جحش قصير النظر مثل الطبقة البرجوازية الصغيرة. من كل عقلك ما عاد فيه ضرورة لتقاريرك؟ ولك أصلا شو الدولة لولا أمثالك من الشباب النشيطين والمخلصين؟ سرت كلماته في شراييني كجرعة من الحياة شعرت معها بالفخر والاعتزاز من جديد، ومع ذلك أردت استفزازه بالقول: من يسمعك يتحدث يظن أنك شي فدان كبير أو رئيس فرع، بينما أنت شقفة مساعد. فأجابني جوابا مقنعا قال فيه أن كل واحد منا هو في الحقيقة شقفة، بس بالأخير نحنا جهاز أمن كل متكامل نحمل الدولة على أكتافنا، ويجب أن نكون صفا واحدا للدفاع عن مصالحنا الشخصية. وعن الوطن، أكملت له. فقال لي طز من الوطن. لا تكن غبيا. الوطن حقه فرنكين. المهم أن تحمي نفسك. أنت ذاتك برقبتك شي عشرين
واحد على الأقل رفعتهم أنت ذاتك تقارير، وغادروا هذا العالم على أثر تقاريرك وأنت تعرف أن أهل هؤلاء يعرفون بذلك. وكن واثقا بأنهم يتحينون الفرصة التي ينتقمون فيها منك. فيجب أن تبقى معنا حتى آخر لحظة، فالمسألة بالنسبة لك هي حياة أو موت. شعرت بأنه قد وقف شعر رأسي من الخوف من كلماته. وتابع موضحا بأن من واجبي أن أواصل رفع التقارير حت ى لو قام الفرع بالاحتفاظ بها لاستعمالها عند اللزوم. وقال لي بالحرف: ولك يا كر لا تفكر بأنهم يمسحون كنادرهم بتقاريرك، على العكس ربما أنه قد تم تغيير التكتيك قليلا، لكن المعركة لا تزال مستمرة بين الحكومة وبين هؤلاء الحاقدين والموتورين الذين يتحينون الفرصة للانقضاض علينا، ومن كل عقلك ستسمح لهم الدولة بذلك؟ أبدا. لاحظ، لا يزال هناك قانون طوارق، ومحاكم أمن دولة ومحاكم عسكرية وميدانية. ولا تظن بأن المحاكم المدنية أحسن حالا. كله مثل بعضه. المهم شو بدك. لم يتغير شيء. العملية مجرد تجميل في عصر العولمة. أردت أن أسأله عن معنى قانون طوارق، لكنني خجلت من أن أبدو غير مثقف. لكن بعد أن فكرت بمعنى طوارق تذكرت القائد العربي المناضل البطل طوارق بن زياد، لذا فإنني اعتقد جازما بأن هذا القانون منسوب له وصادر على عهده ولا يزال ساريا حتى اليوم.
أخيرا قال لي: انقلع شوف شغلك، وغدا أنا بانتظار تقارير جديدة تغطي المرحلة السابقة التي انقطعت عنا فيها. كل ما رأيت وما سمعت بالتفصيل الممل.
تابع عملك أنت وكأن شيئا لم يكن. يا الله لشوف. حيي وانصرف.
خرجت من الفرع مزهوا بنفسي وكدت أغني بصوت عال "أنا مخبر آه يا نيالي" لولا أنني أردت أن أبقى سريا مثل رجال المخابرات المركزية الأمريكية الذين سمعنا منذ صغرنا بأن أحدهم إذا عرفت زوجته أنه يعمل في الاستخبارات المركزية فيسارع لتقديم استقالته لأنه لن يستطيع أن يؤدي عمله على أكمل وجه بعد انكشاف أمره.

وللحديث صلة. :lol:
وإلى اللقاء بالجزء الثالث
منقول عن المحامي ناصر الماغوط : ( كلنا شركاء) 10/1/2005







رد مع اقتباس
قديم 24-04-2005, 11:44 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
المحامي ناصر الماغوط

الصورة الرمزية المحامي ناصر الماغوط

إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي مذكرات مخبر

بعد تلك الأمسية الشعرية التي حضرتها وحدثتكم عنها في الحلقة الماضية، شعرت بأنني بت متمكنا جدا من كتابة الشعر، ولا أقل عن ذلك الشاعر الذي سمع "صوت رعد في ثياب عجوز تصعد الدرج". وفعلا صرت أكتب بثقة بالنفس بعد أن أدركت بأن مسألة الكتابة الشعرية هي عبارة عن تمرين وتدريب، وأن تضع كلمات جانب بعضها. وبقدر ما تكون غامضة ومبهمة بقدر ما تكون مثيرة للإعجاب أكثر.
وتطبيقا لذلك، استيقظت ذات يوم باكرا وغليت كاسة شاي وأكلت معها قرص شنكليش وقليلا من القريشة وبعض الزعتر وثلاث بيضات مسلوقات، بعدها حمدت الله ودخنت سيكارتين حمراء طويلة ثم وضعت الورقة والقلم أمامي وحرنت فكتب قصيدة برقم قياسي لا يتجاوز الساعة.
قرأت القصيدة للوهلة الأولى، وأعدتها عدت مرات حتى مخمخمت فيها تماما فأعجبتني كثيرا شعرت بأنني قد أكون قنبلة شعرية تنفجر مدوية في اتحاد الكتاب تدمر كل الأشكال الكلاسينية في الأدب وخصوصا في الشعر.
وضعت القصيدة في جيبتي وحملت حالي وذهبت إلى اتحاد الكتاب. كان لا يزال الوقت باكرا. ومع ذلك رحت وانتظرت رئيس الاتحاد في المحرس وشربت القهوة مع الحارس ريثما صار وقت الدوام الرسمي. وحالما بدأ توافد الموظفين من كتاب وشعراء حتى أطليت برأسي ولولحت لهم بالقصيدة وأنا أقول لهم: بأنني سوف أصير عضوا معهم في الاتحاد. رحبوا بي كثيرا وقالوا لي بأنه شرف كبير لاتحاد الكتاب أن يكون شخص بوزني وحجمي عضوا معهم. وما أن جاء رئيس اتحاد الكتاب وأطلعته على نيتي بالانتساب لاتحاده الكريم حتى رحب بي أجمل ترحيب لكنه قال لي بأنه يجب أن أكون قد سبق لي أن قمت بكتابة كتاب أو قصيدة أو ترجمت رواية ما. قلت له وأنا أناوله القصيدة من جعبتي: هذه قصيدة اليوم كعربون لمزيد من الكتابة، وأعدك بكتابة رواية في أقرب وقت ممكن. وإذ هو انصرف لقراءة قصيدتي ورأيت أنه كان يلولح برأسه طربا وإعجابا بها، كنت أقول له بأنني لن أتوانى عن ترجمة أي رواية يشاء عن اللغة الإنكليزية التي درستها وأنا في الصف السابع والثامن قبل أن أطرد من المدرسة، وأنا لا أحتاج إلا إلى قليل من المراجعة حتى أستعيد كل المفردات التي تعلمتها مثل السقف والأرض والشباك والباب الخ.. وزيادة في إتقاني للغة قلت له بأنني مستعد اعتبارا من اليوم لأن أشتري كتابا مشهورا دائما أراه مع أصحاب البسطات على الأرصفة وهو بعنوان "تعلم الإنكليزية في خمسة أيام" وما أن أنتهي منه حتى أباشر في اليوم السادس بترجمة رواية ما عن اللغة الإنكليزية. شكرني على اندفاعي وحماسي ودعاني وهو يعيد لي القصيدة أن أحضر اجتماع جمعية الشعر في الاتحاد وقال بأنه سوف يقدمني لهم. أنا شخصيا أعتقد بأن جميع أعضاء هذه الجمعية يعرفون بأنني مخبر ولذلك سوف يشجعونني على كتابة الشعر وحتى التقارير بلغة شعرية. في الموعد المحدد مساء حضرت وتفاجأ الجميع بدخولي لأني أعرف بأنهم جميعا ما أن يروني حتى يتعوذبون من الشيطان الرجيم في داخلهم. لكنهم يتظاهرون بأنهم يحبونني ويمدحون الحكومة في حضوري ويشتمون أمريكا مع العلم أنني سمعت عن أحدهم أنه قال أمام زملائه وهو يرى الحفاوة التي أستقبل أنا فيها في الاتحاد كلما حضرت محاضرة بأن صرماية أمريكا أحسن مني ومن أمثالي. وقد رفعت تقريرا بحقه وهو الآن قيد الدراسة وأظن بأنه سوف يستدعى قريبا للفرع للتحقيق معه.
على كل في الوقت المحدد لاجتماع جمعية الشعر حضرت وقام الرفيق علي بقراءة قصيدتي بصوت دافئ ناعم وراح يتغنى بها بطريقة جميلة جدا. تقول القصيدة:
أنا لن أعيش إلى الأبد / ما كل فاتحة بلد / هي قل مدد /أو قل هي حبل من مسد/لا تنفع الأيام أي تؤدة في عين لام أو بعير / كل يؤدي دوره مها اكتوى أو مهما اشتد/ها قد بدى ما قد بدى /أو ما اشتكى من عين ورد
حبي إليك يهزني /يغمرني يفيض بي /وكأنني أحبك أبا عن جد /أو كأنني قد ورثت قلبك/وعشقت روحك وأنا ولد/ولم أزل كما سأكون /وسوف كنت /بل غير صيغ الزمان وصيغ المكان/غير الحركات وشكل الحروف
وبعثر النقاط بين السطور لا فوقها ولا تحتها /من كل بد/نريد لغة أخرى /غير لغة الذل التي خانتنا على مدى السنين وعد/إلى حيث نعثر على لغة تنهض بنا كالبرق /عندها سأكون هناك حاملا قلمي /وقلبي ودمي شرايين /لكنني سأترك ظهري خلفي/لأنني أشعر بأنني لن أحتاجه بعد اليوم.
وما إن انتهى من قراءة القصيدة بصوته النسائي العذب، حتى لمحت الدهشة على أعين الحاضرين، وسألهم الرفيق علي إن كانوا يعرفون الشاعر؟ فسمعتهم يتمتمون بأسماء لم يكن قد سبق لي أن سمعت بها، لكنني عندما عدت إلى المنزل وفتحت آلة التسجيل التي كانت ترافقني دائما علمت أنهم كانوا يقولون متسائلين: من؟ أبوليس؟ بولدير؟ لامبو؟ نسيم الحاج؟ محمد الطاطوط لكنه أشار نحوي بكل فخر واعتزاز قائلا: هو الشاعر. والتفت الجميع إلي وشهقوا شهقة واحدة وكأنك دلقت عليهم سطل ماء بارد. فشعرت بالزهو والفخر والاعتزاز ورحت ألوح لهم بكلتا يدي وكنت أتوقع أن يحملوني على أكتافهم لكنهم لم يفعلوا.
بعد هذه القصيدة العصماء تم قبولي عضوا في جمعية الشعر، ووعدني رئيس الاتحاد بأنه حالما أكتب رواية ما سوف يضمني إلى عضوية الاتحاد منشان يطلع لي تقاعد وطبابة الخ..
طلبت منه أن يقبلني بشكل شرطي، خصوصا كنت قد سمعت بأن الاتحاد كان قد فصل كاتبا من أعضائه اسمه اسم أجنبي لا أعرف من هو بالضبط لكن اسمه هو على وزن أبليس أو قندريس لا أعلم بالضبط، وربما يكون اسمه أبوليس أو قل هو على هذا الوزن لأنه عميل، المهم أن اسمه فيه "إيس" بالأخير. فقال لي الرفيق علي بأن المشكلة هي في وجوب أن أكون قد كتبت كتابا أو رواية أو ديوان شعر أو مسرحية على الأقل، أما بمثل حالتي إذ تقتصر أعمالي على قصيدة واحدة لحد الآن فالأمور ليست سهلة. ومع ذلك، ورغبة منه في مساعدتي، طلب مني أن أقدم له طلبا أضع عليه طابعا أعبر فيه عن رغبتي بالانتساب للاتحاد أتعهد فيه بأن أكتب رواية بأسرع ما يمكن، وقال لي لا تنسى أن تضع عليه طابعا. ففعلت. قدمت له طلبا أقول له فيه أن مقدمه فلان الفلاني: أرجو الموافقة على تعييني عضوا في اتحاد الكتاب وتفضلوا بقبول فائق التقدير والاحترام، والخلود لنضالنا النقابي والاتحادي والأمني ووضعت عليه طابعا ووقعت. فما كان من رئيس الاتحاد إلا أن كتب بالقلم الأخضر بخط جميل وكلمات كبيرة: مع الموافقة أصولا بصفة كاتب شرط أن يكتب رواية في غضون شهر من تاريخه. وهكذا شعرت بسعادة بالغة بعد أن صرت كاتبا مثلي مثل أي كاتب آخر، وفي المستقبل، إذا ما دعمني السيد رئيس الاتحاد لدى فرعنا في السويدا ربما أنهم سوف يمنحوني جائزة بابا نويل التي هي عبارة عن قرشين ملاح يمكن أن أشتري فيهما منزلا وسيارة ويزيد معي كم قرش فأتزوج.
اعتكفت في منزلي لأفكر في الرواية التي اشترط علي رئيس الاتحاد كتابتها. ورحت أتساءل عن الموضوع الذي سوف اكتب فيه. هل أكتبها عن الحب بين الرجل والمرأة أم عن الوطن والاستعمار والإمبريالية. ولأننا في فترة عصيبة من تاريخ أمتنا العربية حسمت أمري أن تكون روايتي الأولى وطنية قومية بالدرجة الأولى تتخللها قصة حب. وفعلا صرت أسهر كل يوم حتى أكاد أن أموت من النعاس ثم أستيقظ باكرا لأكمل كتابة روايتي التي أنهيتها بأقل من شهر.
تدور أحداث الرواية حول أب وطني ورفيق محب للحكومة، وكان هذا الأب الصالح كثيرا ما يسمع أن ابنه لا يحب الحكومة ودائما يسخر منها ومن خططها وبرامجها وأعضائها ويقول عنهم بأنهم شلة حرامية نهبوا البلد والشعب، فيشعر الأب بالألم لأنه أنجب هذا العقرب الحاقد على الدولة. فينصحه كثيرا بأن يتخلى عن هذه الوساخات التي تغلف عقله وأن يفهم بأن الحكومة هي الأب الرؤوف والأم الحنون والأخ والأخت وهي دائما على حق وأن الله قد قيضها للشعب والوطن لما فيه الخير، وهي لا تعمل شيئا إلا لمصلحة الوطن والشعب ولا تنطق عن الهوى، بل بما يهديها الله إليه لمصلحة الشعب والاشتراكية. لكن الابن الجاحد العاق يتمادى في غله وحقد فيقوم الأب بنفسه، بعد أن يدوس على مشاعره وعواطفه، بإبلاغ أجهزة الأمن ويقول لهم بأن ابنه جاحد وناكر للجميل الذي تقدمه الحكومة للشعب ويطلب من هذه الأجهزة أن تنظر بوضع ابنه. لكنه كأب لا يستطيع إلا أن يرجوهم في نهاية التقرير أن يترأفوا بوضع ابنه وألا يقتلوه كثيرا أثناء التحقيق معه لأن الدم لا يصير ماء.
طبعا تقوم أجهزة الأمن باعتقال الابن العاق الناكر للجميل والحاقد ويقتلونه قتلة قياما وقعودا ويبقى في التحقيق عندهم حوالي الشهرين يصحوا ضميره خلالها، فيندم ندما شديدا ويحلف لهم أغلظ الأيمان بأنه سيحب الحكومة من كل قلبه وسيكون جنديا وفيا لها وللثورة ويعبر لهم عن استعداده لعمل أي شيء لإثبات ذلك، فيفشي لهم عن أسماء كل زملائه الذين كانوا يثقون به ويحكون له نكتا عن الحكومة وكل زملائه الآخرين الذين كانوا يكرهون الحكومة، فيفهم المحققون أنه تعافى تماما من حقده واستوى وصار جاهزا للتعامل معهم، فيعرضوا عليه أن يعمل معهم مخبرا فيوافق ويصبح مواطنا صالحا وتعيش الأسرة عيشة سعيدة، طبعا بعد أن يصير مواطنا صالحا يتزوج وينجب أولادا يتعهد بأن يطوعهم في المخابرات عندما يكبرون. ودائما يعترف بين كل رفاقه وجلسائه وزملائه بأن والده هو قدوته ولولا والده لكان ارتمى في أحضان الإمبريالية والصهيونية والبرجوازية الديموقراطية العفنة ربما. أخيرا تنتهي الرواية في صرخة يطلقها البطل يقول فيها شكرا لك يا أبي يا من أرضعتني حب الوطن ولولاك لكنت الآن بين يدي الإمبريالية والصهيونية، شكرا لك، شكرا لك، شكرا لك، وتبكي الأم عند هذه النقطة وتعانق ابنها ولربما يتساءل القارئ لماذا تعانق مع والدته وليس والده، الجواب هو لضرورة الحبكة الأدبية وهذه صنعة لا يجوز أن أفشي سرها لأحد.
حالما تم نشر تلك الرواية حتى اعتبرها الرفاق في الفرع واتحاد الكتاب الأولى من نوعها في المنطقة لجهة الوطنية والقومية وتم نشر دراسات عنها في جميع الصحف والمجلات اليومية والأسبوعية وقد كتب عنها في الصحف العربية والعالمية العديد من الزملاء الكتاب وعلى رأسهم رئيس الاتحاد الذي اعتبرها في دراسة مطولة نشرها في إحدى الجرائد بأنها رواية وجدت لتبقى ما بقيت الثورة (وهذا يفهم منه أن روايتي بدون هذه الثورة حقها فرنكين) وضمن لي بأنها ستكون إحدى أهم الروايات في القرن الخامس والعشرين.
بعد النجاح الهائل الذي حققته روايتي، أفكر بأن أحولها إلى فلم أمريكي من الأفلام البوليسية التي أحبها كثيرا، لكن ذلك لن يكون قبل أن أدرس كتاب تعلم اللغة الإنكليزية في خمسة أيام وأتقن هذه اللغة لأنه لا يمكن أن أعمل فلم أمريكي باللغة العربية، في هذه الحالة يستحسن أن أحولها إلى فلم وطني مصري مثل فلم ليلة القبش على فاطمة لأن روايتي كما قيل لي جديرة حتى أن تتحول إلى مسرحية أو على الأقل يجب أن تتحول إلى مسلسل عربي ثلاثين حلقة ليعرض في شهر رمضان المبارك، ثم يكتب له جزء ثان وثالث.
وهكذا صرت كاتبا ليس للتقارير فحسب، بل للروايات أيضا.

منقول عن المحامي ناصر الماغوط : ( كلنا شركاء) 23/4/2005







رد مع اقتباس
قديم 30-10-2006, 12:44 AM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
المحامي ناصر الماغوط

الصورة الرمزية المحامي ناصر الماغوط

إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي ضرورة الثقافة

ضرورة الثقافة
المحامي ناصر الماغوط : ( كلنا شركاء) 19/3/2005
يؤسفني أن أقول بأن مخبري هذه الأيام يفتقرون للحد الأدنى المطلوب من الثقافة التي يفترض أن يتحلوا بها لكي يصيروا مخبرين ناجحين. اليوم كل واحد لا شغلة ولا عملة ويعرف واحدا بالأمن صار مندوبا أو مخبرا. بينما كان المخبر أيام زمان إذا لم يلحس مائة كندرة لا يصح له أن يصير مخبرا لأن عمل المخبر هو أمانة في عنقه تضعها السلطة في رقبته وتثق به فيكون لتقريره المفعول المباشر لأنه من المفترض فيه أن لا يكتب أي تقرير انطلاقا من عواطفه تجاه شخص ما، وإنما يفترض أن تكون كل تقاريره واقعية وحقيقية وصادقة لأنه مسؤول أمام الله عنها قبل أن يكون مسؤولا أمام أسياده في الفرع. لذلك أرى أنه يجب على المخبر الحقيقي أن يتحلى بالأمانة أولا وبالثقافة المميزة ثانيا. لأن هذه الأخيرة سوف تمكنه من فهم ما يقال أمامه وتمكنه أيضا من معرفة ما يدور حوله من أحاديث تتعلق بالقضايا المطروحة للنقاش. كما أن المخبر قد يكلف بحضور أمسيات شعرية وقصصية وندوات ثقافية، فكيف له أن يفهم ما يجري هناك من حوارات ونقاشات إن لم تكن ثقافته رفيعة، ويفهم ما بين السطور كي لا تضيع منه أية فكرة قد تخفي خلفها مؤامرة أو سخرية من الحكومة. لهذه الأسباب أقول أنني، والعياذ بالله من كلمة أنا، قد تعبت على نفسي كثيرا كي أصل لثقافة ترضيني وصرت مثقفا والحمد لله بشهادة الكثير من الكتاب.
مخبرو هذه الأيام لا يفهمون الحديث الجاري أمامهم، وربما أنهم يلتقطون كلمة واحدة ينسجوا عليها تقريرا قد يضر بمصداقية المخبر أحيانا. من جهتي معروف عني أنني من هواة الثقافة وفي سبيل ذلك أتابع التمثيليات والبرامج التلفزيونية الرياضية منها والمهنية من فلاحين وعمال وشرطة وأحل الكلمات المتقاطعة في الصحف لأنها تعطي ثقافة عامة يحتاجها المخبر كي يكون أمينا لعمله وناجحا فيه. لكنني أعترف بأنني ما من مرة فتحت فيها كتابا لأقرأه إلا وشعرت بالنعاس الشديد ونمت. لكن ومع ذلك، فقد تصفحت الكثير من الكتب وأخذت فكرة عنها. وباستطاعتي أن أقول بأنني تعبت على نفسي لكنني والحمد لله وجدت نتيجة على ذلك كان أهمها أنني نلت ثقة المثقفين والفهمانين بشكل عام، وخصوصا الكتاب، وهنا لا أقصد كتاب التقارير من زملائي، بل كتاب القصص والحكايات والأناشيد والمسرحيات وغيرها. كما أنني نلت ثقة أسيادي في الفرع الذين كانوا دائما يرسلونني إلى الأمسيات الشعرية والمنتديات الثقافية التي كانت تقام كي أكتب عنها تقارير أرسلها للفرع. ونظرا لأهمية حضوري كانوا دائما يحجزون لي في الصف الأول في جميع الأمسيات الشعرية والندوات التي تقام في المراكز الثقافية وجمعية الكتاب. وكنت أجلس جنبا إلى جنب مع رئيس جمعية الكتاب ورئيس جمعية الصحفيين لأننا كنا جميعا زملاء لكننا في مواقع مختلفة، كما أننا جميعا نخدم نفس الغاية. كان الرفيق علي رئيس جمعية الكتاب، وما أن يراني من بعيد، حتى يهش ويبش ويهرع لملاقاتي وكأنني رئيس فرع ويرحب بي أجمل ترحيب ويهجم علي يقبلني كل قبلة مثل كاسة الهوى، ويقول لي كيفه معلمك؟ سلم لي عليه وبوس لي عينيه. وهو يقصد المساعد الذي أعطيه التقارير وأعتذر عن ذكر اسمه لأسباب أمنية.
ذات مرة كان هناك أمسية شعرية لشاعر مشهور جدا نسيت اسمه الآن وهو معروف ربا أكثر من علي الديك وهو مرشح دائم كما علمت لنيل جائزة بابا نويل لكن الاستعمار والإمبريالية له بالمرصاد على ما يبدو. وكالعادة كلفت بحضور تلك الأمسية لأنهم قالوا لي بأن هذا الشاعر خطير جدا ومعروف وله علاقات ربما مع الخارج. لذلك، كنت من أوائل الحاضرين ووضعت آلة تسجيل في جعبتي كي لا تفوتني ولا كلمة مما يقولها هذا الشاعر الخطير الذي ما إن اعتلى المنصة حتى دوت عاصفة من التصفيق وراح ينشد شعرا رائعا بصوته الجميل. قال:
(مُدّت مائدةُ المنتصرين/ كلٌّ يعكف على غنيمته/ كلٌّ يشربُ حليب ناقة ليست له)
كنت أنتظر كي يكمل لي قصة الحليب والناقة لكن الجمهور هب واقفا وراحوا يصفقون لشدة إعجابهم بهذا المقطع الشعري فوقفت معهم ورحت أصفق وأزيد عليهم وأصرخ. الله.. الله، ماهذا البيت؟ .. رغم أنني في الحقيقة لم أفهم ولا حرفا واحدا منه لكنني تظاهرت بالطرب لهذا الشعر كي أبدو للحضور شاعرا وليس مخبرا، مع العلم أن معظم الحضور يعرفون بأنني مخبر لأنهم دائما يتحاشونني كما يتحاشون النعجة الجربانة. ولا يهمني ذلك ما دمت أنا أقوم بعملي كما يمليه علي ضميري ولا غاية لي سوى إرضاء أسيادي في الفرع عني.
ثم تابع الشاعر يقول:
(آهات المغلوبين/ فُتاتٌ على المائدة). فسبقت بقية الحضور وصرخت بصوت وكأن خنجرا غرز في خاصرتي. الله.. فصفق الحضور كثيرا.
وتابع الشاعر قائلا: (الممرات، الجدران، الحُفَرُ، الخنادقُ / تُصفِّق لقادة / لا يسيرون على أقدامهم. يطيرون، ولهم أجنحة مما بعد الملائكة). اهتزت القاعة بالتصفيق لهذا المقطع الرائع وراحوا يلوحون برؤوسهم لفرط إعجابهم بهذه الصورة الرائعة. وقفت أنا عند كلمة قادة. من يقصد الشاعر؟ هل يقصد قائدا معينا؟ سأذكر هذا في تقريري للأمانة.
وعندما وصل إلى مقطع قال فيه (السَّقفُ ،هكذا كان دائماً، أقلّ علوّاً/وأكثرُ التصاقاً بالأرض،/من العتبة نفسها). انفجر الحضور بالهتاف والتصفيق إعجابا، وسمعت شخصا خلفي يقول: يا إلهي ما أجمل هذه الصورة الغير مباشرة، إنه يقصد سقف الحرية في بلادنا. قلت لنفسي العمى. ربما أن كل مقطع من مقاطع هذا الشاعر يقصد فيه شيئا خطيرا وأنا كالزوج المخدوع لا أعلم شيئا. وقررت أن أكون أكثر انتباها وفهلوية.
وتابع الشاعر قائلا: ( قالوا: هناك من يبتكر للغبار كلماتٍ خاصّة يتحدث بها مع المواد المتفجرة، ويكتب رسائله إلى مكاتبها، ويُفاوض حقول الألغام. وسأل بعضهم: متى ستتحرر حقول اللغة من السجن الهائل الذي بَنَتْهُ الكتابة؟ ومتى سيجيء الموج الذي يعرف كيف يلطُم خَدَّ الصحراء؟ والمدينة؟ ماذا يحدث للمدينة؟)
هنا وقف الحضور وراحوا يصفقون وكأنهم في حفلة لنانسي عجرم وما كان يلزمهم إلا أن يرقصوا لشدة طربهم لهذا المقطع الذي لم أفهم منه سوى كلمات مثل المواد المتفجرة التي يستخدمها الأرهابيون والألغام، وفهمت كلمة السجن. وأخيرا عندما تساءل الشاعر ماذا يحدث للمدينة لم أعرف أي مدينه يقصد، لكن الشيء الأكيد الذي عرفته أن هذا الشاعر ربما هو إرهابي ويقصد شيئا ما. فسألت الشاعر أو الكاتب الذي كان إلى جانبي وقلت له متسائلا: ماذا يقصد الشاعر في هذه الأبيات الشعرية؟ نظر إلى باستخفاف وقال لي: يا إلهي! ألا تعرف ماذا يقصد؟ يقصد أشياء كثيرة، وانصرف عني تاركا إياي في حيرة لا أهتدي ورحت أتابع التصفيق مع المصفقين وأنا مثل الأطرش بالزفة.
وعندما قال الشاعر: (كان الشارع خالياً تماماً إلا من الشمس التي كانت تتوضأ لصلاة الفجر. وكانت خيوطها كمثل أطفال ينامون في أحضان الغبار).
كالعادة ضجت القاعة بالتصفيق، ورحت بدوري أصفق وأنا أفكر ماذا سأكتب في تقريري عن هذه الأمسية الشعرية التي لم أفهم منها الطيخ من البطيخ، والتي ختمها الشاعر بالقول: (سُمِع رعدٌ في ثيابٍ عجوزٍ تصعد الدرج). هنا انفجر الحاضرون بالضحك وراحوا يصفقون وهجموا على الشاعر يقبلونه ويشكرونه على هذه الأمسية الشعرية الرائعة ويشكرون الله الذي خلقهم في هذه المرحلة التي يعيش فيها هذا الشاعر ليفخر أبناؤهم أنهم ينتمون لنفس الجيل ، وأنا بدوري هجمت على الشاعر ورحت أقبله، وقلت له وحلفت له بأغلظ الأيمان بأنني لم أحضر أمسية شعرية بحياتي أجمل من هذه الأمسية. شكرني وانصرفت عنه وأنا كنت أفكر بتلك العجوز البائسة وهي تصعد الدرج وصوت الرعد المنطلق من ثيابها، وهنا فهمت أنا بذاتي، من خلال ذكائي الخارق وثقافتي الرفيعة عرفت ماذا يقصد الشاعر هذه المرة، إنه يقصد أن العجوز كانت تضرط وهي تصعد متثاقلة درجات السلم وهي تظن أن أحدا لا يسمعها بينما كان الشاعر لها بالمرصاد.
تركت الأمسية الشعرية وانصرفت بينما كان الحضور من كتاب وشعراء يطرون على الشاعر بالمديح ويسألونه عن سر هذه الموهبة الشعرية النادرة التي يتمتع بها وعن هذا الإلهام الغريب الذي يمكنه من رسم مثل تلك الصور الشعرية الرائعة؟ فكان يهز رأسه بتواضع العظماء ويقول لهم: إنه إلهام من الله تعالى. فيحسدونه ويطلبون من الله أن يبارك به وأن يطيل في عمره ليعطي أكثر وأكثر.
وحالما انتهيت من كتابة تقريري الذي كنت سأقدمه في اليوم التالي عن تلك الأمسية، أحسست بأن نوعا من الإلهام الشعري قد هجم علي كالوحش وغلبني ولم أتمالك نفسي عن الكتابة. وفعلا أمسكت الورقة والقلم وكتبت:
الغبار المالح الصاعد من البحر يمسح عين الشمس بخرقة رمادية.
وكتبت أيضا: سمع صوت طقطقة غيوم في حقيبة الطفل المدرسية
وكتبت أيضا: ما رأيك أن نتمشى ولو لليلة واحدة بعد الظهر قبل الغذاء
فتقولين لي: طوبى لكل من أمسك ممسحة بيد واحدة.
ليمسك باليد الأخرى قلما يكتب فيه عن الحرية
وكتبت أيضا: السماء تتثاءب في عباءة ليس لها
لمن تكون إذن هذه العباءة؟
وكتبت أيضا أحبك أيتها المجنونة التي تغالب النعاس
كبحيرة تسبح تحت ضوء القمر
اكتشفت أنني شاعر حقيقي، فشعرت بالزهو والإعجاب الكبير بنفسي، وبما أن الشعر سهل لهذا الحد مادام أنه لا يحتاج إلى موسيقى ولا دربكة ولا إيقاع، بل هو مجرد كلمات تأتي عفو الخاطر ويجب أن يكون لها بناء هندسي مثل أبنية السكن العشوائي لذلك قررت أن أكتب كل يوم قصيدة أنشرها في جريدة ما من الصحف الأدبية. وخلال ذلك، سأتحدث مع الرفيق علي رئيس جمعية الكتاب ليحدد لي موعدا لأمسية شعرية أرجو أن تحظى بالإعجاب الذي نالته أمسية ذلك الشاعر المشهور الذي لم أذكر اسمه الآن ولا حرفا واحدا من القصائد الرائعة التي صفقنا لها جميعا دون أن يفهم أي منا حرفا واحدا منها.







رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مذكرات طالب في الكلية الحربية مازن ابراهيم استراحة المحامين 0 15-03-2010 09:22 PM
قانون الاجراءات الجزائية الفلسطيني رقم (3) لسنة 2001م أحمد الزرابيلي قوانين دولة فلسطين 0 26-11-2009 01:32 AM
من مذكرات أكرم الحوراني (ذكرياتي في المحاماة) المحامي سميح الزعيم أعلام المحامين والقضاة 0 16-07-2005 09:28 AM
مذكرات امرأة عاملة المحامي محمد خير بدير حوار مفتوح 0 02-06-2005 08:35 PM


عزيزي العضو/الزائر.. نحيطك علماً بأن مواضيع المنتدى لاتمثل رأي الإدارة وإنما تمثل رأي كاتبها.


الساعة الآن 03:11 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Nahel
يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر>>>جميع المواضيع والردود والتعليقات تعبر عن رأي كاتيبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى أو الموقع