عرض مشاركة واحدة
قديم 05-11-2013, 12:34 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
المحامي عارف الشعَّال
عضو أساسي ركن
إحصائية العضو








آخر مواضيعي


المحامي عارف الشعَّال غير متواجد حالياً


افتراضي بعض الأحكام في الفقه الإسلامي تحتاج لمراجعة حتى لا يساء للشريعة

بعض الأحكام في الفقه الإسلامي تحتاج لمراجعة حتى لا يساء للشريعة
======================================

راجعني منذ سنوات أحد الأشخاص طالباً رفع دعوى نفي نسب لولد منسوب له ، و روى لي قصته معززة بالوثائق الرسمية التي يؤيد كل كلمة تفوه بها ، و التي تقول :
قام بإجراء مخالعة رضائية مع زوجته بعد تجربة زواج قصيرة فاشلة لم يرزقا خلالها بأولاد ، و قام بإجراء المعاملة الرسمية اللازمة لتسجيل المخالعة بدائرة الأحوال المدنية .
بعد إجراء هذه المخالعة بأسبوع تقريباً سافر للعمل في بلد عربي ، و بعد وصوله بأيام تعرض لمشكلة جنائية كبيرة دخل السجن في ذلك البلد و بقي به لأكثر من عام حتى أطلق سراحه .
بعد ثلاث أو أربع سنوات عاد الرجل لسوريا ، و عندما راجع دائرة الأحوال المدنية للحصول على بعض الوثائق الشخصية له ( قيد نفوس ) فوجئ بوجود ولد له مسجل على أسمه رسمياً و أن والدته تلك المرأة التي خلعها من عصمته .
استقصى عن موعد ولادة الطفل و كيفية سجل على أسمه بعد إجراء المخالعة ، فتبين له حسب الوثائق المحفوظة بدائرة النفوس أن الطفل ولدته طليقته بعد إجراء المخالعة بأحد عشر شهراً و عشرين يوم تقريباً ، و بحسبة بسيطة تبين له أن المرأة لو أتمت مدة حملها تسعة أشهر كاملة ففي الوقت الذي يجب أن يحدث به التلقيح كان حينها بالسجن في ذلك البلد العربي .
و سأل المسؤولين في دائرة النفوس عن سبب قبولهم تسجيل الطفل على أسمه على الرغم من أنه ثبت لديهم إجراء المخالعة بينهما قبل سنة إلا بضعة أيام من ولادة الطفل ، فقيل له أن القانون السوري ينص ان أقصى مدة للحمل سنة كاملة ، و بالتالي يعتبر بنظر القانون من الناحية النظرية هو والد الطفل .
فذهب و قابل طليقته و لم تكن قد تزوجت ثانية ، فتعاملت معه بجفاء و برود شديد قائلة له ما معناه أن هذا ما حصل و افعل ما بدا لك ..... ثم نظر للطفل فوجده يشبه كثيراً أعزّ أصدقائه .
سألني فيما إن كان يستطيع مقاضاة طليقته و نفي نسب الطفل له و ترقين قيده من سجلات دوائر الأحوال المدنية .
نظراً لأن المادة 128 من قانون الأحوال الشخصية تنص صراحة أن أكثر مدة للحمل سنة شمسية .
و حيث أن شروط دعوى اللعان ( نفي النسب ) غير متوفرة في حالته لأن المادة 336 من كتاب الأحكام الشرعية لقدري باشا الذي يعمل به في مثل هذه الحالات تقول أنه (( يصح نفي الولد في وقت الولادة أو عند شراء أدواتها أو في أيام التهنئةالمعتادة على حسب عرف أهل البلد ،و إذا كان الزوج غائباً فحالة علمه كحالة ولادتها))
و بالتالي فإن فرص نجاح أي دعوى بهذا الغرض ضئيلة جداً ، و لا يمكن التعويل على الشطر من المادة السابقة من كونه كان لا يعلم بالمولود ، لأنه حينما راجعني كان قد مضى عدة أشهر أيضاً على علمه بالولادة و رؤيته للطفل .
و لما أخبرته بأن فرصة نجاح مثل هذه الدعوى ضعيفة جداً ، و احتمال فشلها كبير انصرف لحال سبيله و لم أعلم ماذا حصل معه بعدها .
دفعني الفضول للبحث عن السبب الذي حدا بالمشرع لجعل أقصى مدة للحمل بهذا الشكل ، و رجعت لبعض كتب الفقه الإسلامي باعتبارها مصدراً لأحكام قانون الأحوال الشخصية ، فوجدت ما أثار دهشتي فعلاً إذ يعتبر الأحناف أن أقصى مدة للحمل سنتين ، و عند الشافعية أربع سنوات !!! .
و باعتبار الشريعة الإسلامية تقوم على العقل و المنطق ، و ظاهر هذه المدة للحمل تنافي العلم و العقل في زمننا هذا فرجعت لبعض أمهات الكتب في الفقه الإسلامي لأقف على مصدر هذه الأحكام ، و فيما إن كان لها أصل بالكتاب أو السنة ، فوجدت في " المبسوط " للسرخسي ، ( أحد أهم المراجع في الفقه الحنفي ) ما يلي حرفياً :
(( أن أكثر مدة للحمل عند الشافعية أربع سنوات ...
و أكثر مدة الحمل عند الأحناف سنتين ، لما روي عن رجل في زمن عمر بن الخطاب غاب عن زوجته سنتين ثم قدم و هي حامل ، فهم عمر برجمها ، فقال معاذ :
إن يك لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها .
فتركها حتى ولدت ولداً قد نبتت يشبه أباه ، فلما رآه الرجل قال : ابني و رب الكعبة .
فقال عمر لولا معاذ لهلك عمر و أثبت نسب الولد .
و ورد في ذات المرجع أن عبد العزيز الماجشوني ولدته أمه لأربع سنين ، و هذه عادة معروفة في نساء ماجشون أنهن يلدن لأربع سنين .
و يتابع السرخسي قائلاً :
و لنا في حديث عائشة رضي الله عنها قالت : لا يبقى الولد في رحم أمه أكثر من سنتين و لو بفلكة مغزل ))
( المبسوط – السرخسي – ج6 – ص 44 ، 45 - طبعة دار المعرفة – لبنان )
فإذن لا يوجد سند لهذا الحكم في الكتاب الكريم أو السنة الشريفة ، و بصراحة استغربت كثيراً ، طريقة استنباط الحكم الشرعي بأن أقصى مدة للحمل سنتين ، من حادثة الرجل الذي كان يشك بزوجته ثم تراجع عن شكوكه ، و لم تذكر المصادر من هو هذا الرجل و مدى صدقه و عدالته .
و سألت نفسي أننا في القرن الواحد و العشرين و في قمة التطور العلمي المذهل و ثورة الاتصالات هذه ، لو أن امرأة واحدة تجاوزت مدة حملها العشرة أشهر أو أحد عشر شهراً ، ألم يكن العالم قد سمع بها من أقصاه لأقصاه ، و لأصبحت هذه المرأة معجزة بشرية إذا تأخرت عن موعد ولادتها الطبيعي شهر واحد أو شهرين ، فكيف لو حملت لمدة سنتين أو أرع سنوات كما يقول الشافعية !!!! .
نعلم أن الشريعة الإسلامية التي تصلح لكل زمان و كل مكان لديها من المرونة ما يكفي لتتجاوز الحكام التي تخالف العلم أو العقل .
و إذا غضضنا الطرف عن كيفية الحمل و الولادة منذ ألف و أربعمائة سنة ، يجب ألا نتجاهل أن ظاهرة الحمل المديد الذي يتجاوز التسعة أشهر في هذا العصر الذي نعيشه من المستحيل أن تحدث ، و يعلم أبسط الناس ممن حملت زوجته و رزق نعمة الأولاد أنه إذا دخلت المرأة الشهر العاشر و لم تضع حملها ، تمسي في خطر شديد هي و الجنين ، و بالتالي فإن هذا الأمر محال أن يحدث علمياً و طبياً في وقتنا هذا .
و من الجدير بالذكر أن (( أبن حزم الأندلسي )) من بين الفقهاء الكبار قد تصدى لهذه الناحية بالانتقاد الشديد و التفنيد الفقهي أيضاً معتبراً أنه لا يجوز أَن تكون مدة الحمل أَكثر من تسعة أَشهر ، حيث فند في مرجعه المعروف " المحلى " قول الحنفية حول أقصى مدة للحمل قائلاً عن حديث عمر عن المرأة التي غاب عنها زوجها سنتين ، بأن الحديث باطل لأن راوي الحديث و يدعى أبي سفيان ضعيف ، و أشياخه مجهولون .
كما أبطل ابن حزم حديث السيدة عائشة الذي أخذ به الأحناف أيضاً ، لأن من روته و تدعى ( جميلة بنت سعد ) بأنها مجهولة و لا يعرف أحد من هي ، و بالتالي يبطل قولها .
و تحدث ابن حزم عن بعض الأقوال التي رأت بأن أكثر مدة الحمل أربع سنين كالشافعية .
و من قال بأنها يمكن أن تكون خمس سنوات ، و هو قول عباد بن العوام و الليث بن سعد
و من قال بأنه سبع سنين ، و هو قول الزهري و مالك .
و انتقد ابن حزم كافة هذه الأقوال قائلاً :
كل هذه أخبار مكذوبة راجعة إلى من لا يصدق ، و لا يعرف من هو ، و لا يجوز الحكم في دين الله تعالى بمثل هذا ، و ذكر حديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرى الحمل أكثر من تسعة أشهر .
( ابن حزم الأندلسي - المحلى – ج10 – ص316 – المطبعة المنيرية – طبعة 1352 هـ )
و بالتالي فإن من بين الفقهاء من قال بأن أقصى مدة للحمل تسعة أشهر ، و من المستغرب أن يتم تجاهل هذا القول من قبل مشرع قانون الأحوال الشخصية السوري ، لاسيما انه لم يتقيد بمذهب واحد في جميع أحكامه .
و في هذا الصدد يحضرني قول للأستاذ " إبراهيم امين محمد " ذكره في مقدمة تحقيقه لكتاب ( رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ) – ص5 – عن مثل هذه الخلافات ، إذ يقول :
(( .... فلما جاء أئمة المذاهب الأربعة تبعوا سنن من قبلهم و لم يتعصبوا لمذاهبهم ، و لم يحمل أحد منهم الناس على اتباع مذهبه إذا لم يقتنع به في مسألة من المسائل أو حكم من الأحكام ، بل نقل عنهم جميعاً أن الإمام منهم إذا قرر حكماً من الأحكام كان يقول :
هذا ما وصل إليه علمي فإن وجدتم في كتاب الله عزّّ و جلّ أو سنة رسول الله عليه الصلاة و السلام ما يخالف قولي ، فاضربوا بكلامي عرض الحائط )) .
لذلك يجدر بنا أن نتحلى بالشجاعة الكافية لمراجعة مثل هذه الأحكام التي قد تسيء للشريعة الغراء و تتسبب لها بتهمة تحجر غير صحيحة ، و جعلها تتماهى مع طبيعة العصر و التقدم العلمي و الطبي المذهل الذي نعيشه .






التوقيع

الله أكبر
رد مع اقتباس