منتدى محامي سوريا

العودة   منتدى محامي سوريا > المنتدى المفتوح > حوار مفتوح

حوار مفتوح إذا كان لديك موضوع ترى أهمية طرحه في منتدانا ولا يدخل ضمن الأقسام الأخرى فلا تردد بإرساله إلينا ولنناقشه بكل موضوعية وشفافية.

إضافة رد
المشاهدات 5619 التعليقات 4
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 29-12-2004, 12:25 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
فيصل القاسم
إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي عندما تنقلب العولمة على نفسها

هل أخطأ أحد المفكرين عندما قال إن أخطر أعداء العولمة هم دعاتها، أم أنه أصاب كبد الحقيقة؟ إن المراقب لتصرفات أسياد العولمة بكافة أشكالها الاقتصادية والتجارية والإعلامية والثقافية والديموغرافية يقف هذه الأيام مشدوهاً عندما يرى أن من يعرقل مسار انفتاح العالم على بعضه البعض وتقاربه وتفاعله حضارياً وإثنياً ويمارس لعبة الاحتكار الإعلامي والثقافي هم في واقع الأمر أصحاب نظرية العولمة أنفسهم وفي مقدمتهم طبعاً الأمريكيون ومن بعدهم الأوروبيون. فهم الذين يرفعون شعار "القرية الكونية" وهم الذين يدوسونه تحت أقدامهم عندما يتعارض مع مصالحهم الاحتكارية. ولعلهم في ذلك يقلدون أنظمتنا العربية التي كانت ترفع شعارات الحرية ثم تمارس من وراءها أبشع أنواع القمع والقهر والاستبداد والتفرقة والعنصرية. وإذا تركنا الشق الاقتصادي من العولمة جانباً وركزنا على الجوانب الإعلامية والثقافية والديموغرافية لوجدنا أن مدّعي العولمة يناصبونها العداء بشكل سافر ويقوضون أركانها دون أن يرمش لهم جفن ربما لأن العولمة، بالنسبة لهم، ليست أكثر من شعار جميل يهدف إلى تحقيق أغرض أخرى غير معلن عنها في "الإنجيل" العولمي المتداول.< br /> لقد رفع العولميون شعار التلاقح الحضاري والتفاعل العالمي والاندماج الكوني والتقريب بين الأمم من خلال فتح الحدود وإزالة الموانع التي كانت تحول دون اندماج العالم في قرية واحدة. لكنهم يمارسون في الوقت ذاته نفاقاً عز نظيره. فإذا أخذنا طريقة التعامل الأوروبية والأمريكية مع المهاجرين العرب في أوروبا وأمريكا لوجدنا أنها تتناقض تماماً مع ناموس العولمة. ففي فرنسا مثلاً شاهدنا كيف أن "حزب الجبهة الوطنية" بزعامة جان ماري لوبان حقق نتائج باهرة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية السابقة عندما تبنى قضية طرد الأجانب وفي مقدمتهم العرب من فرنسا. ومازال حزب لوبان يعتاش سياسياً على شعار معاداة الأجانب حتى الآن. صحيح أن الدولة الفرنسية جندت كل طاقاتها في الانتخابات الأخيرة كي تطرده من السباق ونجحت، لكن ذلك لا ينفي وجود توجه لا يُستهان به في الأوساط الفرنسية للتقوقع والإنكفاء على الذات في مواجهة الوافدين ومنع اندماجهم في المجتمع الفرنسي. وينطبق المثال الفرنسي على العديد من الدول الأوروبية وخاصة هولندا التي تتمتع فيها الأحزاب الوطنية المتطرفة بشعبية عالية في صفوف الناخبين. وهناك حديث خطير الآن في الأ وساط الأوروبية عن إمكانية تهجير ملايين العرب والمسلمين من الدول الأوروبية فيما لو لم يتخلوا عن جنسياتهم الأصلية. فربما سيُخير العرب والمسلمون بين احتفاظهم بجنسيات بلدانهم وبين جنسية البلد الأوروبي الذي يعيشون فيه. وفي ذلك طبعاً ابتزاز سافر لهؤلاء المهاجرين. ويهدف الأوروبيون من وراء هذه السياسة الظالمة إلى إحلال الأوروبيين الشرقيين الذين انضمت بلدانهم إلى الاتحاد الآوروبي مؤخراً محل المهاجرين الأجانب وجلهم من البلدان العربية والإسلامية وذلك بحجة التشابه الحضاري بين أوروبا الشرقية والغربية وكأنهم بذلك يطبقون نظرية صامويل هنتنغتون القائمة على صراع الحضارات بحذافيرها.
ولا يختلف الأمر بالنسبة لأمريكا إن لم يكن أسوء بسبب تبعات أحاداث الحادي عشر من سبتمبر. فقد أصبحت زيارة أمريكا بالنسبة للعرب أمراً محفوفاً بالمخاطر والإزعاجات الرهيبة حتى لو كان لدى الزائر تاشيرة دخول إلى الأراضي الأمريكية. وقد سمعنا كيف أن السلطات الأمريكية أعادت شخصيات عربية مرموقة على نفس الطائرات التي استقلوها إلى بلدانهم بحجة أنهم أشخاص غير مرغوب فيهم أو لأنهم، على حد زعم الأجهزة الأمريكية، لم يستوفوا شروط الدخول. ويحدثونك عن سقوط الحدود وتحول العالم إلى فضاء واحد مشترك!! إن السياسات الغربية في واقع الأمر هي أكبر عدو للعولمة وهي تشجع أيضاً على التقوقع والإنزواء وصدام الحضارات بدلاً من تلاقيها. إنها عولمة في اتجاه واحد. فالأمريكيون والأوروبيون يريدون أن يستبيحوا أراضينا وبلداننا بحجة التعولم، لكنهم لا يريدون لنا أن تطأ اقدامنا أراضيهم إلا بشق النفس.
وما ينطبق على الجانب البشري ينسحب أيضاً على الجانب الإعلامي والثقافي. فقد بشرنا دعاة العولمة ومخترعوها بعصر السموات المفتوحة وزمن الانترنت الذي لا يتعرف بحدود ولا قيود. وأوهمونا أن العالم سيستمتع بحرية إعلامية لم يشهدها في تاريخه بفضل ثورة المعلومات والتكنولوجيا الحديثة. لكن القرية الكونية الموعودة إعلامياً لن تتحقق على ما يبدو وذلك بسبب الانتقائية الغربية تحديدا والميل الدائم إلى الاحتكار الذي يميز العقلية الرأسماليةً. فأمريكا وأروبا تريدان اختراق فضاءاتنا الإعلامية وإغراقها بثقافاتها المتعددة بحجة السموات المفتوحة، فهي ما انفكت تمطرنا بأفلامها وبرامجها المتعارضة شكلاً ومضموناً مع ثقافاتنا وخاصة الأفلام والقنوات الإباحية، لكنها تضع ألف عقبة وعقبة في وجه الإعلام العربي الذي يصل إلى أراضيها. أي نفاق أكبر من هذا النفاق؟ لقد سمعت أحد كبار الإعلاميين الأوربيين يتذمر ذات مرة لأن الأمريكيين لم يقصفوا مكاتب بعض القنوات الفضائية العربية في أفغانستان والعراق ويدمروها عن بكرة أبيها لأن تغطيتها لم ترق للغزاة. يا للعولمة!!إنه الإرهاب الإعلامي بعينه. وهل نسينا الضجة الكبيرة التي أثارها ال لوبي اليهودي في كندا قبل فترة لمنع بث قناة (الجزيرة) على خدمة الكابل المحلية. لقد ضغطوا بكل الوسائل تحت حجج ومزاعم واهية لكنهم لم ينجحوا. ويجب أن لا نغفل أيضاً التحقيقات والاستدعاءات التي مارستها سلطة مراقبة وسائل الإعلام في فرنسا بحق بعض القنوات الفضائية العربية لنفس الأهداف.
إن حملة التضييق على وسائل الإعلام العربية والإسلامية جزء لا يتجزأ من حرب الأفكار التي يشنها أرباب العولمة علينا، فهم لا يكتفون بالحجر على ما تبثه وسائل إعلامنا بل "يحاولون جاهدين إعادة بناء الأديان والثقافات. وهم يحصرون هذه المهمة بالدين الإسلامي والثقافة الإسلامية وينشدون صوغ إسلام على مقاسهم يتقبل قيمهم وتوجهاتهم. فلم يعد حتى نظام القيم شأناً خاصة في عصر عولمتهم وكذلك الثقافة لم تعد شأناً محلياً تراكمياً تخناره الأمم والشعوب وتنتجه بقدر ما غدت القيم والثقافات خاضعة لاختيارات قوى الخارج ولعبة مصالحها ودخلت في سلم أولوياتها. وهي اختيارات مغلفة تحت عنوان الدفاع عن القيم المدنية والديموقراطية وتقاس بمدى اتفاقها مع اسلوب الحياة الغربية." إن حرب الأفكار هذه لا تقبل بأقل من اجتثاث كل وسيلة تسير في اتجاه معاكس لما يُراد فرضه غربياً أو بالأحرى إلغاء الآخر إعلامياً. وقد شاهدنا كيف أن الأمريكيين لم يسمحوا لأي وسيلة إعلام عربية لتغطية اجتياحهم للفلوجة. إنهم باختصار لا يريدون سماع وجهة نظرنا وأصواتنا بل يبتغون فقط أن نسمع آراءهم ووجهات نظرهم وتبني تقاليدهم وقيمهم كما لو كنا غير جديرين ب التعبير عن آرائنا وأفكارنا ونشر مفاهيمنا وقيمنا!!
لقد جاء القرار الفرنسي بمنع قناة (المنار) اللبنانية من البث في الأراضي الفرنسية عبر القمر الأوروبي (يوتلسات) ومن بعده القرار الأمريكي بوضع القناة على لائحة المنظمات الإرهابية لينسف أكذوبة السموات المفتوحة ويعريها ويكشف زيف إسطورة الإعلام الحر. ويا ليتهم يقارعون الحجة بالحجة. لكنهم بدلاً من ذلك يلجأون إلى إسلوب الترهيب والاستئصال فوراً كما تفعل الأنظمة الشمولية عادة. فالعولمة حسب تعريفهم المزاجي لها لا تعني الفضاءات المفتوحة إلا بالنسبة لوسائل إعلامهم. أما وسائلنا فهي مقيدة بألف شرط وشرط كي يكون لها شرف التمتع بمنجزات الثورة الإعلامية. هل ما زالت السموات مفتوحة بعد الإجراءات الفرنسية والأمريكية؟ هل مازال الفضاء العالمي مشتركاً بين الأمم، أم أنه يضيق يوماً بعد يوم بسبب المكارثية والاحتكارية الإعلامية الغربية الرهيبة؟ ومما يزيد الأمور خطورة أن الغربيين لا يريدون التحكم فقط بأقمارهم الصناعية التي تبث عليها القنوات العربية بل أيضاً بالأقمار التي يمتلكها العرب كقمر (عرب سات) الذي وصفته إحدى الصحف الفرنسية "بأعلى مإذنة في أوروبا" أي أنه برأيها رمز للإصولية والتطرف. إذن فإن مقولة ال سماوات المفتوحة، حسب الغمز واللمز الغربي، ليست أكثر من وهم كبير بكبر السماء ذاتها. ولكم شعر العديد منا بنوع من القرف والغثيان وهو يقرأ مقالات لمن يسمون أنفسهم ليبراليين عرباً جدداً يباركون فيها القرارين الفرنسي والأمريكي بوقف بث قناة المنار. فمن جهة يزعمون أنهم يريدون نشر قيم الحرية والانفتاح في مجتمعاتنا ومن جهة ثانية يهللون لأشكال صارخة من القمع والمنع الغربية. لماذا يصبح تكميم الأفواه مبرراً عندما يمارسه أسيادهم الغربيون؟ لا أستطيع فهم ذلك! أليس المنع واحداً أياً كان فارضه؟
ولم يكن منع بث قناة المنار أول انتهاك لنواميس العولمة، بل سبقتها قبل فترة محاولات لإغلاق مواقع انترنت عربية وإسلامية في أمريكا. فقد داهمت قوات (الأف بي آي مكتب التحقيق الفيدرالي الأمريكي) ذات مرة مراكز الكترونية تابعة لمنظمات إسلامية في أمريكا وقلبت مكاتبها راساً على عقب وصادرت محتوياتها وعطلت بثها على الشبكة الدولية. وقد أصبحت عبارة "هذا الموقع مغلق بأمر من الحكومة الأمريكية" معروفة جيداً لدى مرتادي مواقع الانترنت في أنحاء العالم. وهل نسينا أيضاً أن أمريكا قادرة على إطفاء شبكة الانترنت العالمية بكبسة زر؟ فربما لا يعرف الكثيرون أن مفتاح الشبكة العالمية موجود لدى البحرية الأمريكية التي بإمكانها أن تقطع الانترنت عن أي بلد تريد. وهو أمر قد يحدث مستقبلاً كنوع من العقوبات الاقتصادية على البلدان التي تعتبرها واشنطن مارقة. وهل نسينا أيضاً أن الأحرف الأربعة http التي تظهر لنا فوراً عندما نفتح موقعاً على الشبكة تعني أن الفتح يمر عبر بروتوكول خاص مربوط بأمريكا، ناهيك عن أن الحرية الالكترونية المزعومة ليست أكثر من وهم أيضاً، فكل ما يُنشر عبر الانترنت من أفكار ورسائل الكترونية تفلتره أ جهزة الكومبيوتر العملاقة القابعة في مراكز التحكم الالكترونية بأمريكا بحجة مكافحة الإرهاب.
لقد غدت تهمة التحريض على التطرف والإرهاب سيفاً مسلطاً على وسائل الإعلام العربية بكافة أنواعها دون أن يكون هناك تعريف متفق عليه دولياً للإرهاب. وما لم تكن تلك الوسائل سائرة في الفلك الأمريكي فهي معرضة بين لحظة وأخرى لكل إجراءات التضييق وحتى الإغلاق. فتجربة قناة (المنار) والضغوط التي تـُمارس على غيرها عبرة لمن يعتبر وهي رسالة واضحة لبقية وسائل الإعلام العربية. إنها سابقة خطيرة قد تطال لاحقاً وسائل إعلام عربية وإسلامية أخرى. لكنها على الأقل فضحت خرافة السموات المفتوحة وأزالت الغشاوة التي كان المروجون لأسطورة العولمة الإعلامية والثورة المعلوماتية يغطون بها أعين البسطاء، كما أنها أظهرت كيف أن العولمة بدأت تنقلب على نفسها بطريقة مفضوحة، وكأنهم يقولون لنا: "إنـّا نحن أطلقنا الأقمار الصناعية وإنـّا لها لمراقبون وبها لمتحكمون".

منقول عن د. فيصل القاسم : ( كلنا شركاء) 27/12/2004







رد مع اقتباس
قديم 14-01-2006, 08:10 AM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
المحامي ناهل المصري
عضو أساسي ركن

الصورة الرمزية المحامي ناهل المصري

إحصائية العضو








آخر مواضيعي


المحامي ناهل المصري غير متواجد حالياً


افتراضي عولمة انسانية نعم.... عولمة استعمارية لا....

قبل سنوات خرج علينا منظرو العولمة ليتحدثوا عن عالم جديد لا حدود فيه ولا سدود، تحكمه حالة انسياب كاملة للمعلومات والافكار والرساميل والبضائع والأشخاص وتتراجع فيه سيادات الدول أمام مشاريع الشركات، ويتحول العالم بأسره إلى قرية الكترونية صغيرة يتناقل سكانها أخبار بعضهم البعض بشكل فوري ويتفاعلون معها بشكل غير مسبوق.

ولم يتأخر تفسير الحلم "المعولم" كثيرا، فإذا بنا بعد 11/9/2001 نرى العولمة، التي قدموها لنا عولمة تجارة وإعلام وثقافة وسياسة، تتحول إلى "عولمة أمنية" تستورد فيه دول "عريقة" في الديمقراطية كل أساليب السلطة الأمنية في دول العالم الثالث، ويتحول الانسياب الموعود في المعلومات والبضائع والرساميل والأشخاص، إلى انسياب دموي للجيوش والأساطيل والحروب المتنقلة والى قيود تتزايد على حركة البشر والى رقابة متصاعدة على حركة تحويل الاموال، ولم ينحصر التضييق على شعوب "الأطراف"، خصوصا في العالم العربي والإسلامي، كما يبدو للوهلة الاولى، بل اتسع ليشمل مواطني المركز أنفسهم الذين بدأوا يشكون من تضييق على حرياتهم العامة والخاصة، ومن تدخل في خصوصياتهم، وتنصت على مكالماتهم باسم ما يسمى "الحرب على الإرهاب" التي تذكرنا بشعارات الأنظمة التوتاليتارية المعروفة "بالحفاظ على الأمن القومي".

ولم تكتف العولمة بهذا القدر من الابتعاد عن منطلقاتها النظرية الأصلية، بل بتنا نرى جدرانا عازلة تقوم بدلا من أن نرى حدودا تنهار، فأقام الصهاينة- أبناء العولمة والمروجون لها – جدارهم العنصري ليفصلوا فلسطين عن فلسطين، وأقام المحتلون الأمريكيون جدارا فاصلا على الحدود العراقية – السورية، ليبدأوا بإقامة جدران فاصلة حول المدن العراقية نفسها، كما هو الحال مع مدينة "الصينية" القريبة من "بيجي".

ولم تنحصر ظاهرة الجدران هذه في منطقتنا العربية الإسلامية بل وجدناها أيضا تعتمد بين الولايات المتحدة والمكسيك تحت ستار منع التهريب، وربما من اجل منع تداعيات الثورة الديمقراطية الحقيقية المتنامية التي تشهدها أمريكا اللاتينية والتي نجحت في إخراج ثلاثة أرباع سكان "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة الأمريكية من نطاق الأنظمة الخاضعة للهيمنة الأمريكية، وكان أخرها فوز موراليس في بوليفيا وزياراته الأولى إلى فنزويلا وكوبا والصين محددا بذلك وجهته السياسية الواضحة.

"عولمة بجدران" بدأت تقوم إذن في عالم اليوم، ولم تنحصر الجدران بما يقوم على الحدود بين الدول وداخلها فحسب، بل اتسعت لتشمل العقول والنفوس عبر غزوات إعلامية وثقافية، تتكشف كل يوم الكلفة الباهظة لها، والاساليب الملتوية في ادائها، والعدد الكبير من ضحاياها الصحفيين، والاغراءات المقرونة بالتهديدات لوسائل الاعلام، كي يعيش العالم كله في ظل إعلام يذكر بإعلام أنظمة الحزب الواحد، والرأي الواحد، والفكر الواحد، فتتعدد الشاشات فيما الصورة واحدة، وتتوزع الأصوات بينما القول واحد، وتتكاثر الأقلام ويبقى التوجيه واحدا.

فماذا بقي من "العولمة" التي أرادوها نظاما دوليا جديدا للعالم يقارب الحرية المطلقة، فإذا بها تتحول إلى مزيج من أنظمة القرون الوسطى ومحاكم التفتيش، ورمزها غوانتانامو وأبو غريب، ومن عصور "الحكم الإلهي" التي ادعت قيام علاقة مباشرة بين الحاكم والله ورمزها خطب الرئيس الامريكي بوش، وبين دعوات العنصرية الممتدة حروبا منذ الفرنجة إلى حروب الاستعمار مرورا بحروب النازية والفاشية، وصولا الى حروب استباقية تقوم على تدمير الاوطان واستئصال الافكار واجتثاث الجماعات المناوئة .

ماذا بقي من ايديولوجية العولمة الاستعمارية إذن؟ وماذا بقي للذين راهنوا على انتصار برنامجها السياسي والعسكري والاقتصادي فجاءهم فشل جيوشها وسياساتها المدوية في العراق؟ وهل ما زال في نظر البعض التمسك بالأوطان والثوابت القومية والروحية خطابا "خشبيا"، أم أن الخشبي غير المصقول هو ذاك الخطاب الذي يغالي في التحدث عن المتغيرات دون أن يكلف نفسه متابعة هذه المتغيرات التي تتغير فعلا وكل يوم؟

عولمة انسانية نعم.... عولمة استعمارية لا ....







آخر تعديل المحامي ناهل المصري يوم 22-07-2012 في 11:12 PM.
رد مع اقتباس
قديم 25-10-2006, 08:46 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
المحامي المصري عبد المجيد راشد
إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي آليـات "نظـام العـولمة" لعبد المجيد راشد المحامي

وصلنا عبر البريد المقالة التالية للمحامي المصري عبد المجيد راشد:

اقتباس:
[align=justify]لا شك أن العالم يعيش حالياً لحظة العولمة، ومازال يتعرف على مقدماتها، لكن العالم لا يعرف على الإطلاق إلى أين تتجه العولمة؟ وما هي نهاياتها؟ وتبدو العولمة حالياً وفى ظل المعطيات والحقائق القائمة والملحوظة، كمجرد فصل جديد في التاريخ الإنسانى، بيد أن هذا الفصل مازال غير مدون تدويناً كاملاً، كل ما يعرف عن هذا الفصل التاريخى الجديد هو عنوانه البارز كل البروز وهو \"العولمة\" فيما عدا ذلك، فإن كل الكلمات والفقرات الأولى لا تكفى بمفردها لتحديد ماهية هذا الفصل، أو الجزم بتفاصيله والتنبوء بمضمونه، أو تحديد من يقوم بتدوينه كل ذلك غير مدرك للعالم خلال المرحلة الراهنة من بروز وتطور العولمة بما في ذلك القوى الكبرى التي تعتقد أنها تقود هذه اللحظة التاريخية والحضارية الجديدة.

اقتباس:

ورغم ذلك فإن أكثر ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن \"العولمة\" هو \"العولمة الإقتصادية\" فالعولمة هي أساساً مفهوم إقتصادى قبل أن تكون مفهوماً علمياً أو سياسياً أو ثقافياً أو إجتماعياً، ويعود هذا الإرتباط العميق والعضوى بين العولمة من ناحية و \"العولمة الإقتصادية\" من ناحية أخرى إلى أن المظاهر والتجليات الإقتصادية للعولمة هي الأكثر وضوحاً في هذه المرحلة من مراحل بروز وتطور العولمة كمرحلة تاريخية جديدة، فكل المؤشرات الموضوعية تشير إلى أن العولمة الإقتصادية هي الأكثر إكتمالاً وهى الأكثر تحققاً على أرض الواقع من العولمة الثقافية أو السياسية، ويبدو العالم اليوم معولماً إقتصادياً أكثر مما هو معولم ثقافياً أو سياسياً، من هنا جاء التلازم بين العولمة والعولمة الإقتصادية، ومن هنا أيضاً هيمن الفهم الإقتصادى على ظاهرة العولمة التي هي حتماً ليست بالظاهرة الإقتصادية وليست مقتصرة على الإقتصاد، \"فالعولمة\" مرحلة تاريخية تتضمن كل الأبعاد الحياتية المختلفة بما في ذلك الإقتصاد والسياسة والثقافة والتي تتداخل مع بعضها البعض لتشكل عالماً بلا حدود إقتصادية أو ثقافية.

لقد كان النظام القديم للإقتصاد الدولي يقوم على الأسس الآتية :-
أ ـ درجة عليا من إستقلال ذاتى لمختلف المراكز وبالتالى إتخاذ المنافسة بينها شكل النزاع المستمر.
ب ـ قيام التضاد بين المراكز والأطراف على الطابع المصّنع للأولى وغيابه في الثانية0
أما النظام الجديد \"نظام العولمة\" والذي ترتسم سماته بالتدريج، فهو قائم على مبادئ نقيضة هي :-
أ ـ تداخل إقتصادات المراكز التي فقدت إستقلالها الذاتى فأصبحت جزءاً في بنية إقتصادية عالمية مندمجة (فلابد إذن من التمييز بين صفة العالمية الجديدة \"نظام العولمة\" وصفة الدولية القديمة).
ب ـ دخول الأطراف في مرحلة التصنيع، وبالتالى حدوث تطور هام على مستوى وسائل سيطرة المركز على الأطراف، وقد أصبحت وسائل غير مباشرة تعتمد على التحكم في الأسواق والثقافة وجمع الأموال .

وفى هذا السياق فإن المؤسسات الدولية تشكل العنصر الرئيسى والحاسم في نظام العولمة عبر آليات عملها والقواعد الملزمة التي تنشئها، ويمكن القول نتيجة لذلك أن النظام الإقتصادى العالمي قد بدأ بالتشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث لم يوجد قبل هذا التاريخ مؤسسات دولية فعلية، وتتضح أهمية هذه المؤسسات من خلال الوظائف والدور الموكول لكل منها والمفاهيم الأساسية التي تستند إليها في عملها، وفى حالة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية يتضح :-

1) أنها سلطة دولية للتشاور والتنسيق.
2) أنها سلطة تمتلك حق إنشاء القواعد وإتخاذ الإجراءات ضد الذي يخل أو لا يلتزم بها وإعتبار مبدأ \"المشروطية\" ركناً أساسياً من أركان سياستها.
3) أنها من خلال آلية عملها لا تتوقف عند الدور المعنوى أو الرقابى، بل يمكنها أن تفرض القواعد التي ينبغى على الدول الأعضاء إحترامها في سياستها المالية والإقتصادية.
لقد تنامى دور صندوق النقد الدولي وصلاحياته منذ إنشائه، وطور مبدأ \"المشروطية\" في مجال حقوق السحب ليفرض رقابة على إقتصاديات الدول الأعضاء في حال العجز الكبير في ميزان المدفوعات، كما طور هذا الإتجاه في مجال القروض والمساعدات، وحدث التطور الأهم في عمل هاتيين المؤسستين على أثر صدور قرارات مجلس الإدارة لعام 1979 والتي أكدت على مبدأ المشروطية وتطبيق مفهوم التصحيح الهيكلى وتوسيع التعاون فيما بين الصندوق والبنك في مجال الرقابة على السياسات الإقتصادية وإلتزام الدول المدينة بها والتدخل في إعدادها ضمن إطار برامج وسياسات \"التثبيت والتكيف الهيكلى\"، ومنحت أزمة المديونية في الثمانينات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الفرصة المواتية لتطبيق برامج التكيف الهيكلى، وجرى الربط بين إعادة جدولة الديون ومنح قروض جديدة ومساعدات وبين تطبيق برامج التكيف الهيكلى وبالتالى توسيع صلاحياتها، وإنتقل البنك والصندوق من مرحلة التنسيق إلى مرحلة رسم السياسات والتوجهات وفرض قواعد وإجراءات محد دة سواء بالنسبة للسياسة الإقتصادية الداخلية أو الخارجية. لقد كانت المهمة الرئيسية لصندوق النقد الدولي هي - بحسب ميثاق بريتون وودز 1945 - العمل على ضمان ثبات أسعار الصرف، ومساعدة الدول الأعضاء على مواجهة النقص المؤقت في العملات الأجنبية لعلاج العجز الطارئ في ميزان المدفوعات إلا أن مهمات الصندوق قد تطورت على نحو لم يكن وارداً في الخيال، فقد أصبح يحل - تقريباً - محل الحكومات في صياغة الأهداف الإقتصادية والإجتماعية لأنظمة الحكم، وإحداث تغيرات أساسية والتأثير في مستويات الأسعار والتكاليف وتوزيع الدخل القومى كشرط لتلقى \"مساعداته\" رغم أن كل تلك الأمور تدخل في صميم السيادة الوطنية للبلد، والغريب في الأمر أن الصندوق يفرض سياساته ذات الطابع الإنكماشى والمضادة للنمو Antigrowth على البلاد النامية دون أن يكون محل مساءلة لو فشلت تلك السياسات في تحقيق الأهداف التي يعلنها الصندوق. إلا أن واقع الأمر أن \"صندوق النقد الدولى\" قد فقد الكثير من فعاليته خلال التسعينيات وتآكلت العديد من أدواته في ظل عمليات العولمة المالية الكاسحة وتنامى دور الشركات المالية العملاقة التي تقوم بالسيطرة على حركة رؤوس الأموال قصيرة الأجل \"الأموال الساخنة\" وتقوم بأعمال الوساطة المالية لمصالح الدول والشركات الكبرى في العالم، سواء في مجال إصدار الأسهم والسندات \"العامة والخاصة\" أو تعويم القروض في السوق العالمية وغيرها من أنشطة الخدمات المالية، خاصة وأن بيانات \"رأس المال المالي\" تعود إلى أكثر من مائة عام، ففى بداية القرن العشرين، نشر الإقتصادى الألمانى \"رادولف هليفرد نج\" كتابه \"رأس المال المالي\" وتحديداً في عام 1910 متنبئاً فيه بصعود ما أسماه \"رأس المال المالي\" وسيطرته على كافة أجنحة رأس المال \"الزراعى والصناعى، التجارى والخدمى\" وأشار إلى أن سيطرة \"رأس المال المالي\" على كافة مجالات ومناشط الحياة الإقتصادية سوف تخلق نوعاً من \"الإمبريالية الإقتصادية الجديدة\" التي تقوم على التوسع والسيطرة على إقتصاديات العالم وأن عمليات التمركز المالي سوف تؤدى إلى تقويض \"مثاليات الليبرالية الإقتصادية\" التي تقوم على الأوهام المستندة إلى قوى السوق \"الحرة\" و \"التنافسية\"

والآن، وبعد مرور نحو ما يقرب من المائة عام، نشهد تحقق نبوءة \"هيلفرونج\" إذ أصبح \"رأس المال المالي\" هو القوة الرئيسية المسيطرة على مقاليد الأمور في العالم، ويشهد بذلك موجة الإندماجات الكبرى فيما بين المؤسسات المالية العملاقة (مصارف وشركات خدمات مالية) خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بهدف السيطرة على آليات العولمة، ويكفى لنا إلقاء نظرة على حجم الأصول الخاصة بأكبر ستة مصارف \"مندمجة\" على الصعيد العالمي على النحو التالى :

1ـ \"بنك اليابان الصناعى\" و \"فوجى بنك\" و \"بنك واى إيشى كانجيو\" 1259 مليار دولار
2ـ \"دوتيشيه بنك\"/ ألمانيا 865 مليار دولار
3ـ \"بى. إن. بى\" و \"باريبا\" / فرنسا 688 مليار دولار
4ـ \"يو. بى. إس\" / سويسرا 686 مليار دولار
5ـ \"سيتى جروب \"/ الولايات المتحدة 668 مليار دولار
6ـ \"بنك أوف طوكيو ميتسوبيشى ليمتد\" / اليابان 623 مليار دولار

ومعنى ذلك أن \"الثلاثة الكبار\" يتولون إدارة الإصدارات للإسهم في أسواق المال العالمية قد يصل حجمها إلى 50 مليار دولار سنوياً، اما إذا تحدثنا عن العشرة الكبار ، فقد تصل حجم إصداراتهم للأسهم في أسواق المال العالمية إلى نحو 87 مليار دولا سنوياً. وبهذا الصدد أشار \"جاويش بهجاواتى\" أستاذ الإقتصاد المرموق بجامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وأحد أهم منظرى \"التجارة الحرة\" في العالم، والمستشار لمنظمة (الجات) لسنوات طويلة إلى أن هناك مصالح إقتصادية ومالية عاتية لما أسماه التحالف الثلاثى بين \"الخزانة الأمريكية، وول ستريت - شارع أباطرة المال في نيويورك - وصندوق النقد الدولى\" وراء الدعوة إلى التحرير المالي المبكر، وفتح أسواق المال في الأسواق الناشئة أمام تحركات الإستثمارات المالية والأموال الساخنة وأن هذا \"الثلاثى\" هو على غرار ما أسماه الإقتصادى الأمريكى البارز \"جون جالبريث\" \" بالمركب الصناعى - العسكرى\" ، ولعل هذا التحليل يكتسب قدراً كبيراً من المصداقية، بمناسبة إستقالة \"جوزيف ستيجلتز\" نائب رئيس البنك الدولي والإقتصادى الرئيسى للبنك، فقد تواترت الشائعات أنه إستقال بضغوط من الخزانة الأمريكية، التي إشترطت خروج \"ستيجلتز\" مقابل التجديد لرئيس البنك الدولي لمدة خمس سنوات جديدة - ومن المعروف أن \"ستيجلتز\" كان شوكة في ظهر الخزانة الأمريكية وصندوق النقد الدولي على حد تعبير جريدة \"الفاينانشيال تايمز\" - عدد 26 نوفمبر 1999 - ولقد أصاب \"جوزيف ستيجلتز\" كبير إقتصادى البنك الدولي ، عندما شبه حالة البلدان النامية التي قامت بتحرير وتدويل أسواقها المالية وبورصاتها \"بالقارب\" الذي يلقى به في عرض البحار عالية الموج، وأن هذا القارب مهما كان تصميمه سليماً هندسياً ويتمتع بطاقم قيادة على درجة عالية من المهارة والكفاءة، فهو معرض للغرق نتيجة إرتفاع الأمواج العاتية في بحار المال العالمية، وإستخدام تعبير \"القارب\" هنا وليس \"السفينة\" إنما هو إشارة إلى الحجم الصغير لإقتصاديات الأسواق المالية البازغة للبلدان النامية نسبة إلى مجمل المعاملات المالية الدولية. وتمثل تحليلات وتصريحات \"ستيجلتز\" خروجاً صارخاً وصريحاً على ما يسمى \"بتوافق واشنطن\" وهو التوافق الذي شارك في صياغته الثالوث المتمثل في :-

- وول ستريت (شارع سوق المال في نيويورك).
- الخزانة الأمريكية.
- صندوق النقد الدولى.
وعناصر هذا التوافق وكما سبق شرحها تتمثل في :-
(1) تحرير المبادلات التجارية بلا قيود.
(2) الخصخصة لكل شيئ وبلا إستثناء.
(3) العولمة (الإندماج في الإقتصاد العالمي).

وما يتبع ذلك من فتح أسواق السلع والخدمات والبورصات في كافة أرجاء العالم أمام الشركات دولية النشاط والشركات المالية الكبرى وأمام تحركات رؤوس الأموال الساخنة، الأمر الذي يؤدى إلى تقليص سيادة الدولة في مجال إدارة شئونها الإقتصادية والمالية إلى أضيق الحدود، وقد تم الحديث بتفصيل أكبر عن \"توافق واشنطن\" في المبحث الثاني من الفصل الأول في الباب الأول من هذه الدراسة. ومن زاوية أخرى فإن تجسيد هذه الأهداف على أرض الواقع الإقتصادى العالمي وجد طريقة بعد تطبيق إتفاقية الجات لعام 1994 وإنشاء منظمة التجارة العالمية 1995، فقد دخل النظام الإقتصادى العالمي مرحلة جديدة في تطوره، حيث أكد الإعلان أن \"الوزراء يؤكدون على العمل من أجل تحقيق إنسجام شامل وأكبر للسياسات في مجال التبادل والنقد والتمويل بما في ذلك التعاون بين منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي من أجل هذا الهدف\" - الفقرة 3 من الإعلان - وفى مجال تحديد وظائف المنظمة تشير الفقرة الخامسة من البند الثالث إلى أنه \"بالنظر إلى تحقيق إنسجام أكبر في صنع السياسات الإقتصادية الشاملة فإن منظمة التجارة العالمية سوف تتعاون، كما ينبغى، مع صندوق النقد الدولي والبنك لإعادة الإعمار والتنمية و الوكالات المتفرغة عنه \"، وتشير المادة الرابعة من البند 16 إلى أن \"كل عضو سوف يحقق المطابقة لقوانينه وقواعده وإجراءاته الإدارية مع إلتزاماته كما تم التصديق عليها في الإتفاقيات الملحقة\" ، وهكذا تشكل المؤسسات الثلاث \" صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية\" ،على وجه الخصوص، القيادة المركزية للنظام الإقتصادى العالمي، وهى تنتمى لمدرسة فكرية واحدة هى\"الليبرالية الجديدة\" وتقع تحت سيطرة القوى الأكبر الفاعلة على الصعيد الدولى، وإلى جانب هذه المنظمات الثلاث الأكثر فاعلية، أصبح هنالك العديد من المنظمات دولية النشاط وذات التأثير والفاعلية، مثل منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية، ومنظمات غير حكومية مثل نادى روما ومنتدى دافوس والعشرات من المؤسسات والمعاهد البحثية والتي سميت بـ\"علب للأفكــار\" Thinking Tanks - والتي قامت وتقوم بنشر مفاهيم وأيديولوجيا موحدة تشكل تياراً فكرياً وسياسياً ضاغطاً على الباحثين وصانعى القرار. فعلى سبيل المثال يعتبر منتدى \"دافوس\" الاقتصادى العالمي بمثابة \"الدولية الجديدة للعولمة\" وسكرتير عام هذه الدولية هو مستر \"كلاوس شواب\" ويجمع اللقاء السنوى لتلك الدولية وزراء وأعضاء برلمانات ورؤوساء شركات دولية عابرة للقارات وشخصيات علمية وفكرية، بهدف تنسيق خطط وإستراتيجيات لدفع مسيرة العولمة في ضوء ما يستجد من متغيرات ومستجدات، وطوال الأعوام من 1991 - 2000 كانت مواضيع اللقاء السنوى تدور أساساً حول الترويج لمسيرة العولمة وآلياتها وكيف يمكن ضمان إستمرارها. وهكذا توحى العولمة الإقتصادية بأن العالم الذي تشكل في التسعينيات قد أصبح عالماً بلا حدود إقتصادية، فالنظم الإقتصادية المختلفة أصبحت متقاربة ومتداخلة ومؤثرة في بعضها البعض، ولم تعد هناك حدود وفواصل فيما بينها، وان النظام الإقتصادى العالمي هو اليوم نظام واحد تحكمه أسس عالمية مشتركة، وتديره مؤسسات وشركات عالمية ذات تأثير على كل الإقتصادات المحلية، أما الأسواق التجارية والمالية العالمية فإنها، وكما يقول ماكلولم واترز، لم تعد موحدة أكثر من أي وقت آخر فحسب، بل هي خارجة عن تحكم كل دول العالم بما في ذلك أكبرها وأكثرها غنى.

\"فالعولمة الاقتصادية\" تعنى بروز تقسيم جديد للعمل للإقتصاد العالمي الذي لم يعد يخضع اليوم للرقابة التقليدية، ولم يعد يؤمن بتدخل الدول في نشاطاته، وخاصة فيما يتعلق بإنتقال السلع والخدمات ورأس المال على الصعيد العالمي، ولقد بلغ النشاط الإقتصادى العالمي مرحلة الإستقلال التام عن الدولة القومية وعن الإقتصادات الوطنية التي كانت - وإلى وقت قريب - قاعدة الإقتصاد العالمي ووحدته الأساسية، والتي تتحكم في مجمل العمليات الإنتاجية والإستثمارية على الصعيدين الداخلى والخارجى، كل ذلك كان يتم برعاية الدول وعبر تحكمها الكامل لكن هذا التحكم التقليدى للدول في النشاط الإقتصادى بدأ يتراجع في ظل عولمة الإقتصاد وبروز الشركات المعولمة (الشركات الكوكبية).

إن إنتقال مركز الثقل الإقتصادى العالمي من الوطنى إلى العالمي ومن الدولة إلى الشركات والمؤسسات والتكتلات الإقتصادية هو جوهر العولمة الإقتصادية، فالإقتصاد العالمي ونموه وسلامته – و ليست الإقتصادات المحلية - هو محور الإهتمام العالمي، كما أن الأولوية الإقتصادية في ظل العولمة هي لحركة رأس المال والإستثمارات والموارد والسياسات والقرارات على الصعيد العالمي، وليس على الصعيد المحلى، والعولمة الإقتصادية تستجيب لقرارات المؤسسات العالمية ولإحتياجات التكتلات التجارية ومتطلبات الشركات العابرة للقارات أكثر من إستجابتها لمتطلبات الإقتصادات الوطنية التي أخذت تذوب في الإقتصاد العالمي، وكذلك تصبح كيفية إدارة الإقتصاد العالمي أكثر أهمية من كيفية إدارة الإقتصادات المحلية، لذلك تشكل العولمة الإقتصادية نقلة نوعية في التاريخ الإقتصادى العالمي، ليس على صعيد ربط الإقتصادات المختلفة، والتي هي الآن أكثر إرتباطاً، أو على صعيد حجم التجارة العالمية، الذي تجاوز كل الأرقام الإقتصادية، أو على نطاق الإستثمارات الخارجية التي بلغت مستويات غير معهودة، بل على صعيد إعادة تأسيس قواعد ومؤسسات وبنية هذا النظام. إن إحدى سمات العولمة هي إنتصار إقتصاد الليبرالية الجديدة داخل دائرة صنع القرار بالدولة ، وعلى الرغم من أنها صيغت من منظور حملات حكومتى تاتشر وريجان على دولة الرعاية الإجتماعية في المركز ، إلا أن تأثير هذه النقلة الأيديولوجية كان أكثر فداحة بالنسبة لدول الأطراف حيث إنطوت عمليات الخفض في إعتمادات الدعم المحدودة الموجودة على نتائج كارثية بالنسبة لملايين الناس وفى ظل الديون الضخمة، وجهاز الدولة الذي يستشرى فيه الفساد وإنتهاء مسيرة النمو الإقتصادى ذات المعدلات العالية في السبعينيات والثمانينيات ، وجدت أغلب دول الأطراف نفسها في مأزق صعب، وكان العقاب على هذا الإخفاق هو \"الإصلاح الهيكلى\" بوصفه شرطاً ضرورياً للحصول على مساعدات صندوق النقد الدولي ، فيأتى فريق من خبراء الصندوق ليزور البلد الطالب للقرض ويقوم بتقدير المطلوب عمله، ثم يجعل البلد ينفذ سياسته \"النيوليبرالية\" من حيث أن الإقتصاد المحلى يصبح مفتوحاً أمام السوق العالمية، وتباع الأصول المملوكة للدولة من أجل جذب رأس المال \"الخصخصة\" وتخفيض ميزانية الدولة بتخفيض الإعتمادات المخصصة للدعم والرعاية الإجتماعية وتفرض هذه الأخيرة سياسة للتقشف على القطاعات الأكثر تضرراً بخفض الدعم، وقد أدت إلى خروج العديد من التظاهرات الجماهيرية ولكن دون طائل، ذلك أن \"مراكز القوة\" تقبع خارج البلاد داخل دائرة صنع القرار بالصندوق ، ومتروك للحكومة المحلية أن تجد الوسائل المناسبة لإضفاء المشروعية على السياسة المطلوب تنفيذها أمام شعبها، وهذه التبعية الجديدة الأبعد مدى تضع دول الأطراف تحت سيطرة المركز في ظل نوع من \"الإمبريالية الرسمية\" الجديدة، المفرغة من صيغة الإحتلال العسكرى، والتجربة هي خير إثبات لما تقدم، فخلال الفترة ما بين 1983 و 1991 على سبيل المثال، تدفقت أموال قيمتها حوالى 200 بليون دولار من أمريكا اللاتينية إلى الخزانات المالية في دول المركز أي 534 دولار من كل فرد من شمال المكسيك إلى جنوب تشيلى، وتكشف مثل هذه الأرقام عن الفكرة القائلة أن الإمبريالية في ظل العولمة، لم يعد وجودها يستند في الأساس إلى بعدها الأيديولوجى.

وبعبارة أخرى فإن النظام الرأسمالي حينما تعرض في بداية السبعينات لهزات شديدة على صعيده المحلى وصعيده العالمي، إندلع آنذاك صراع فكرى كبير بين الإقتصاديين حول طبيعة السياسات الإقتصادية والإجتماعية التي يتعين على الدول الرأسمالية أن تسير على هداها لمواجهة هذه الهزات 0

ونظراً لعمق الأزمة الإقتصادية آنذاك (أزمة الكساد التضخمى وإنهيار قاعدة بريتون وودز للذهب) وفشل الجهاز النظرى للكينزية في تفسير ما حدث أو طرح حلول عاجلة بديلة، فقد إنتصر التيار النيوليبرالى ممثلاً في نجاح مارجريت تاتشر في بريطانيا عام 79، ونجاح رونالد ريجان في أمريكا أوائل الثمانينيات، وجاء الليبراليون الجدد بمنهاج جديد لإدارة الرأسمالية في صعيدها المحلى وصعيدها العالمي، فعلى الصعيد المحلى قال الليبراليون الجدد، أن الرأسمالية كنظام إقتصادى إجتماعى لا تنطوى على عيوب أساسية أو أنها معرضة لأزمات خطيرة، فهى قادرة على أن تصحح نفسها بنفسها وقادرة على التكيف مع أزماتها وتجاوزها إذا ما روعيت حرية السوق وإستطاع المجتمع حماية هذه الحرية وتحجيم دور الدولة وتدخلها في النشاط الإقتصادى، بل ذهب بهم التطرف إلى الإعتقاد من جديد بفكرة \"اليد الخفية\" التي تحدث عنها آدم سميث وتحقق الإنسجام والتوافق بين مصلحة الفرد والمصلحة العامة، وإعتقد الليبراليون الجدد أن أزمة النظام الرأسمالي تكمن في قصور العرض وليس في قصور الطلب ومن هنا يجب العمل على إنعاش قوى العرض وأنه لكى يتحقق ذلك يجب أن يتوافر للمستثمرين الأمان والحرية المطلقة لهم، وأن تتوافر لهم الأموال اللازمة لنشاطهم والعمل على زيادة بواعثهم للإنتاج والإستثمار من خلال تقليل ضرائب الدخل المفروضة على أرباحهم العالية وتخفيض الضرائب على الثروة ورأس المال، وأن يباع القطاع العام لهم، وأن تنتقل كثير من الأنشطة التي كانت تقوم بها الحكومة إلى القطاع الخاص (التعليم، الصحة،)، وأن ترفع الدولة يدها عن جهاز الأسعار، وأن تتخلى الحكومات عن أهداف التوظف الكامل ودولة الرفاه (الضمانات الإجتماعية وإعانات البطالة ودعم المواد الغذائية للفقراء) وكل ما هو مطلوب من الدولة أن تلعب دور الحارس لقواعد هذه اللعبة وأن تضع سياسة نقدية منضبطة. وعلى الصعيد العالمي رحب الليبراليون الجدد بتقويم أسعار الصرف وبإلغاء القيود على موازين المدفوعات والتحويلات الخارجية وبضرورة تشجيع حركات رؤوس الأموال والإستثمارات الأجنبية مع خلق مناخ موات لها في البلاد التي تذهب إليها ، ومنذ بداية السبعينات تسربت الليبرالية الجديدة إلى المنظمات الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولى) وراحت تتعامل مع البلاد النامية الفقيرة من منطق التكيف وضرورته مع السوق الرأسمالي العالمي وإبعاد الدولة و إضعافها وترك آليات السوق لكى تعمل بشكل طليق، ووضعت هذه المنظمات \"مشروعاً أممياً\" لإعادة الإنضباط الإقتصادى داخل هذه الدول وتجديد علاقاتها مع السوق الرأسمالي العالمي، وهو المشروع الذي يصاغ بشكل عام ودون أن يفرق بين دولة وأخرى تحت عناوين \"برامج التثبيت والتكيف الهيكلى\" خاصة بعد وقوع البلدان النامية في فخ المديونية الخارجية والتي نتجت عن محاولة الرأسمالية العالمية مواجهة أزمتها عن طريق تطبيق نوع من الكينزية العالمية خلال الفترة من 1973 - 1982 حينما راحت تضخ كميات هائلة من القروض إلى بلاد العالم الثالث عن طريق تدوير فوائض النفط الدولارية والسيولة المتراكمة في السوق الأوروبية للدولار لتمويل عجز موازين مدفوعات هذه البلاد و تمكينها من تمويل وارداتها من الدول الرأسمالية الصناعية 0

و قد خففت هذه الكينزية العالمية إلى حد ما من حدة الكساد التضخمى في المراكز الرأسمالية، لكن هذه الكينزية التي إستهدفت زيادة حجم الطلب الكلى الفعال العالمي من خلال الإئتمان الدولي المفرط سرعان ما أدت إلى إندلاع أزمة مديونية عالمية مزعجة، أصبحت تهدد بإنهيار نظام الإئتمان الدولي وحركات رؤوس الأموال القصيرة والطويلة الأجل وأدت، من ثم، إلى حدوث إضطراب كبير في علاقة الشمال والجنوب مما أدى إلى أن تعالج الرأسمالية العالمية الأزمة من خلال \"برامج التثبيت والتكيف الهيكلى\" وعلى النحو الذي يمكنها مــن إستمرار نقـل ونزح الفائض الإقتصادى من هذه البلاد\".

كذلك فإن تطبيق \"برنامج التثبيت والتكيف الهيكلى\" في عدد كبير من الدول المدينة يسهم في عولمة السياسات الإقتصادية الكلية الموضوعة تحت الرقابة المباشرة لصندوق النقد الدولي والبنك الدوليين ، اللذان يعملان بإسم مصالح كبرى، هي مصالح أعضاء نادى باريس (الدائنين الرسمين - الدول ومؤسساتها) ونادى لندن (الدائنين الخاصين - المصارف والشركات الخاصة) والدول الثمان الكبرى (g8) هذا الشكل الجديد من السيطرة بالإضافة إلى منظمة التجارة العالمية هو ما بات يعرف بـ \"نظام العولمة الإقتصادية\".

خلاصة القول أن \"نظام العولمة\" في بعده الإقتصادى والذي ترتسم سماته بالتدريج قائم على مبادئ نقيضة للنظام القديم للإقتصاد الدولي متمثلة في تداخل إقتصادات المركز الرأسمالية التي فقدت إستقلالها الذاتى وأصبحت جزءاً في بنية إقتصادية عالمية مندمجة تشكل المؤسسات الدولية بقيادة منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين العنصر الحاسم والرئيسى فيها عبر آليات عملها والقواعد الملزمة التي تنشئها والتي قامت بوضعها مجموعة البلاد الصناعية المتقدمة والتي تعنى بشكل واضح تصاعد البعد الدولي للرأسمالية على النحو الذي تتآكل عنده الحدود الجغرافية والسيادية للدول مع تزايد درجة الإرتباط والتشابك بين إقتصادات العالم المختلفة.


**** هذه الدراسة هى جزء من رسالة الماجستير للباحث عبد المجيد راشد المحامي ـ القطر المصرى التى ستصدر قريبا فى كتاب عن مكتبة مدبولى بالقاهرة بعنوان " الكارثة و الوهم .. سياسة الإصلاح الاقتصادي نظام العولمة " [/align]







آخر تعديل المحامي عارف الشعَّال يوم 03-11-2009 في 08:36 PM.
رد مع اقتباس
قديم 05-12-2006, 06:00 PM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
الاستاذ ابو هاني
عضو جديد مشارك
إحصائية العضو








آخر مواضيعي


الاستاذ ابو هاني غير متواجد حالياً


افتراضي العولمة

بسم الله الرحمن الرحيم
العولمة من منظور إسلامي



يقول الدكتور محسن عبد الحميد: إن العولمة أداة لهيمنة دول الشمال على دول الجنوب، وبخاصة الدول الإسلامية، وإنها توجه كل اهتمامها لمحاربة الإسلام ليس كعقيدة فقط، بل كدول واقتصاديات وقيم.
وإذا كان هنتنجتون صاحب مشروع صدام الحضارات قد أكد على أن الحرب القادمة ستكون بين الغرب من ناحية والإسلام والكونفوشيوسية من ناحية ثانية، فإن د. محسن ينضم إلى المفكرين الذين يؤكدون على أن الطابع المادي للديانات الشرقية غير الإسلامية والمتمثل في تشخيص الدين (بوذا وكونفوشيوس وتماثيلهما) وتمثيل رموزه بالحياة الحيوانية.. سيؤدي إلى سرعة تحول هذه الحضارات نحو الرؤى المادية الغربية، على نحو ما حدث بالفعل في اليابان الذي سقط في الفلسفة الليبرالية متمردا على خلفيته الكونفوشيوسية، ليبقى الإسلام وحيداً في ساحة المواجهة.
كيف تحارب العولمة العالم الإسلامي اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً؟ وكيف يتسنى للإسلام مقاومة تسلطها من خلال الفكر الاقتصادي والاجتماعي والتربوي؟
العالمية والعولمة: تعريف وتمييز
هنالك فرق كبير بين المصطلحين العالمية والعولمة. فالمصطلح الأول يعني أن أبناء هذا العالم بمختلف قبائله وشعوبه ولغاته وملله ونحله، يعيشون على هذه الأرض، فلا بد أن يتفاهموا فيما بينهم، تمهيداً للتعاون الدائم على خير الجميع، ولا مانع من أن يأخذ بعضهم من بعض. ولا يجوز أن يفرض بعضهم على بعض لغته أو دينه أو مبادئه أو موازينه. فالاختلاف في هذا الإطار طبيعي جداً، والتعاون ضروري أبداً، لمنع الصدام والحروب والعدوان.
وهذه العملية العالمية قد تُسمى بالتثاقف الحضاري بين الشعوب والأمم، وهي واقع البشرية منذ أقدم العصور إلى اليوم، فاللغات تلاحقت والمجتمعات تعاونت والحضارات عبرت من مكان إلى مكان.
والحروب والمظالم التي قامت ويمكن أن تقوم بين أبناء البشرية، تستنكرها العقول السليمة، ومبادئ الأديان الحقة، والمصالح المشتركة. لأن سعادة البشرية مطلوبة لذاتها، والتعاون فيما بينها على الخير من أعظم الفضائل التي تقرها وتشجع عليها القيم الفاضلة، التي أجمع عليها البشر في هذه الحياة.
وأوضح مثال على ذلك الإسلام، فعندما جاء خاتمًا للأديان وهداية للعالمين، دعا الناس إلى عقيدته وشريعته وقيمه الأخلاقية، من خلال الدعوة الوادعة، والجدال الحسن، دون إكراه لأحد، ومعترفًا بواقع الخلاف الموجود في الأرض، منطلقًا من القرآن الذي يقول: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (1) وقوله تعالى: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ} (2). وقوله: { وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ} (3)، وقوله: { لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (4).
وقد بُنيت هذه التوجيهات الربانية على قوله تعالى: { الحمد لله رب العالمين} ولم يقل ربّ المسلمين فحسب. لماذا ؟ لأن هذه الدار دار عمل للجميع وليست دار جزاء، وإنما الجزاء يكون في الآخرة. قال تعالى: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} (5).
وهذا تاريخ البشرية عامة، وتاريخ الإسلام خاصة، لم يرد فيه دليل على أن المسلمين رسموا للبشرية طريقًا واحدًا ووجهة واحدة وحكمًا واحدًا ونظامًا واحدًا وعالمًا واحدًا بقيادة واحدة بالإجبار والإكراه.
بل اعترفوا كما ذكرنا بواقع الأديان واللغات والقوميات، عاملوها معاملة كريمة، بلا خداع ولا سفه ولا طعن من الخلف؛ ولذلك عاش في المجتمع الإسلامي اليهودي والنصراني والصابئي والمجوسي وسائر أهل الشرك بأمان واطمئنان(6).
وأما الأمم التي كانت تعيش خارج العالم الإسلامي، فقد عقدت الدولة الإسلامية معها مواثيق ومعاهدات في قضايا الحياة المتنوعة. ومن الممكن مراجعة ذلك في الكتب التي تتحدث عن العلاقات الدولية في التشريع الإسلامي(7).
والتوجيه الأساس في بناء العلاقات الدولية في الإسلام قوله تعالى { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (8).
أما العولمة التي هـي الترجمـة العربية للكلمة الإنجليزية Globalization فهي مصطلح يعني جعل العالم عالمًا واحدًا، موجهًا توجيهًا واحدًا في إطار حضارة واحدة، ولذلك قد تسمى الكونية أو الكوكبة(9).
يقول الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي عن العولـمة: "نظام يُمكّن الأقوياء من فرض الدكتاتوريات اللاإنسانية التي تسمح بافتراس المستضعفين بذريعة التبادل الحر وحرية السوق"(10).
ويثبت هانس بيترمارتن وهارالد شومان، صاحبا كتاب فخ العولـمة أن العولـمة هي عملية الوصول بالبشرية إلى نمط واحد في التغيير والأكل والملبس والعادات والتقاليد(11).
ويقول جيمس روزانو، أحد علماء السياسة الأمريكيين عن العولـمة: "إنها العلاقة بين مستويات متعددة لتحليل الاقتصاد والسياسة والثقافة والأيديولوجيا، وتشمل: إعادة الإنتاج، وتداخل الصناعات عبر الحدود، وانتشار أسواق التمويل، وتماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول نتيجة الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة"(12).
ويقول أحد الكتاب الفرنسيين عن النظام الرأسمالي الأمريكي: فكلما ازداد هذا النظام الرأسمالي الجشع إمعانًا وانتشارًا بالعو لمة، ازدادت الانتفاضات والحروب العرقية والقبلية والعنصرية والدينية للتفتيش عن الهوية القومية في المستقبل. وكلما تَفَشَّت المعلوماتية والأجهزة التلفزيونية والسلكية واللاسلكية، تكبلت الأيدي بقيود العبودية، وازدادت مظاهر الوحدة والانعزال والخوف والهلع دون عائلة ولا قبيلة ولا وطن. وكلما ازداد معدل الحياة سوف تزداد وسائل القتل، وكلما ازدادت وسائل الرفاهية سوف تزداد أكثر فأكثر جرائم البربرية والعبودية(13).
وإذا رجعنا فألقينا نظرة على دراسات المفكرين العرب عن العولـمة نجد أنهم جميعًا يعرفون العولـمة في إطار المقولات الآتية التي تلتقي على بيان حقيقة واحدة.
يقول الدكتور حسن حنفي: "العولـمة لصالح الآخر على حساب الأنا (أي الذات) وقوة الآخر في مقابل ضعف الأنا وتوحيد الآخر في مقابل تفتيت الأنا"(14). ويقول: "هي حضارة المركز (أي حضارة الدول الغربية التي لقوتها تقع في مركز العالم وبقية الدول هوامش تابعة) وتبعية الآخر (أي الدول غير الغربية غير الصناعية التي يصطلح على تسميتها دول الجنوب)، وهي مركزية دفينة في الوعي الأوربي تقدم على عنصرية عرقية، وعلى الرغبة في الهيمنة والسيطرة"(15).
ويقول الدكتور سيار الجميل: إنها عملية اختراق كبرى للإنسان وتفكيره، وللذهنيات وتراكيبها، وللمجتمعات وأنساقها، وللدول وكياناتها، وللجغرافيا ومجالاتها، وللاقتصاديات وحركاتها، وللثقافات وهوياتها، وللإعلاميات وتداعياتها(16).
ويشبه الدكتور نجيب غزاوي إمبراطورية العولـمة بالإمبراطوريات التي سادت في العصر الأخير فيقول: الإمبراطورية التي عمدت على فرض مبادئها ونظمها في الحكم وأنماط حياتها السياسية والاجتماعية والثقافية بالقوة وكذلك حال الإمبراطوريات الحديثة، مثل: بريطانيا في مستعمراتها ثم في الكومنولث، وفرنسا في مستعمراتها ثم الفرانكفونية. وفي نهاية الحرب العالمية الثانية برزت عولمة الشيوعية متمثلة بالاتحاد السوفيتي وعولمته(17).
وأما الدكتور مصطفى محمود فيقول: "العولـمة مصطلح بدأ لينتهي بتفريغ الوطن من وطنيته وقوميته وانتمائه الديني والاجتماعي والسياسي، بحيث لا يبقى منه إلاّ خادم للقوى الكبرى(18).
والعولمة عند الدكتور محمد عابد الجابري تستهدف ثلاثة كيانات، الدولة والأمة والوطن، ويسميها أيضاً بثقافة الاختراق، اختراق مقدسات الأمم والشعوب في لغاتها ودولها وأوطانها وأديانها(19).
وتنتهي الدكتورة نعيمة شومان إلى أنه في ظل العولـمة "تسلم البلاد الفقيرة لا إلى فقدان الاستقلال السياسي وإنما إلى العبودية، فكأن البلدان مدينة وكافة البلدان متوقفة عن تسديد الديون ولا تملك الخيار أو الرفض للمشاريع المعروضة عليها(20).
ويُجمع أطراف الندوة التي كانت بعنوان: طوفان العولـمة واقتصادياتنا المسلمة والتي نشرت في مجلة البيان على هذه المعاني التي مرت والخطورة الكبيرة للعولمة على اقتصاديات العالم الإسلامي خاصة(21).
وأخيرًا يعرف محمد فهيم يوسف العولـمة بأنها "الغرض الانفرادي لفهم يستند إلى مرجعية تخص حضارة معينة، باعتباره المفهوم الأسمى لحقوق الإنسان الذي ينبغي أن يسود العالم"(22).
لقد سقت آراء مفكرين، غربيين وعربًا درسوا العولـمة دراسة علمية شاملة، من أجل أن أقول للقارئ بأن قضية العولـمة ليست مسألة آراء فردية مناهضة، وإنما اتفاق الرأي العام العلمي المنصف على حقيقة العولـمة وآفاقها، لظهورها ووضوحها ونتائجها التي شملت الكرة الأرضية، من دون أن يكون هنالك أدنى شك في المقولات المقررة حول حقيقة العولـمة وطبيعتها المستغِلة المهيمنة. والدليل على ذلك النتائج الرهيبة التي بدأت تظهر في العالم أجمع والتي يجمع عليها الباحثون أيضًا. ومن هذه النتائج:
أولاً: لقد قضى حوار الشمال والجنوب نحبه، كما قضى نحبه صراع الشرق والغرب. فقد أسلمت فكرة التطور الاقتصادي الروح، فلم تعد هنالك لغة مشتركة، بل لم يعد هناك قاموس مشترك لتسمية المشكلات. فالمصطلحات من قبيل الجنوب والشمال والعالم الثالث والتحرر لم يبق لها معنى(23).
ثانياً: من وجهة مُنظري العولـمة: إن المجتمعات العاجزة عن إنتاج غذائها أو شرائها بعائد صادراتها الصناعية مثلاً، لا تستحق البقاء وهي عبء على البشرية أو على الاقتصاد العالمي يمكن أن يعرقل نموها الذي يحكمه قانون البقاء للأصلح. ولذلك يجب إسقاطها من الحساب. ولا ضرورة بالتالي لوقوف حروبها الأهلية أو مساعدتها أو نجدتها(24).
ثالثاً: عاد الاستعمار الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي من جديد في صورة العولـمة بالاقتصاد الحر واتفاقية الجات والمنافسة والربح، والعالم قرية واحدة، والتبعية السياسية، وتجاوز الدولة القومية، ونشر القيم الاستهلاكية، مع الجنس والعنف والجريمة المنظمة(25).
رابعاً: غدا العالم الذي خضع للعولمة، بدون دولة، بدون أمة، بدون وطن، لأنه حوّل هذا العالم إلى عالم المؤسسات والشبكات، وعالم الفاعلين والمسيرين، وعالم آخر، هم المستهلكون للمأكولات والمعلبات والمشروبات والصور والمعلومات والحركات والسكنات التي تفرض عليهم. أما وطنهم فهو السيبرسبيس: أي الواقع الافتراضي الذي نشأ في رحاب الإنترنت وسائر وسائل الاتصال، ويحتوي الاقتصاد والسياسة والثقافة(26).
ودراسة كتاب: فخ العولـمة تثبت النتائج الآتية:
1. زيادة البطالة.
2. انخفاض الأجور.
3. تدهور مستوى المعيشة.
4. تقلص الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة.
5. إطلاق آليات السوق.
6. ابتعاد الحكومات عن التدخل في النشاط الاقتصادي وقصر دورها في حراسة النظام.
7. تفاقم التفاوت في توزيع الثروة بين المواطنين.
يقول رئيس وزراء ماليزيا: مهاتير محمد الذي عانت بلاده من آثار العولـمة في السنوات الأخيرة: "إن العالم المعولم لن يكون أكثر عدلاً ومساواة، وإنما سيخضع للدول القوية المهيمنة. وكما أدى انهيار الحرب الباردة إلى موت وتدمير كثير من الناس، فإن العولـمة يمكن أن تفعل الشيء نفسه، ربما أكثر من ذلك، في عالم معولم سيصبح بإمكان الدول الغنية المهيمنة فرض إرادتها على الباقين الذين لن تكون حالهم أفضل مما كانت عليه عندما كانوا مستعمرين من قبل أولئك الأغنياء"(27).
وقد تسأل قارئي الكريم عن مدى علمية وموضوعية الذين كتبوا في العولـمة، سواء أكانوا أجانب أم عربًا؟
ويجيبنا على ذلك الدكتور نجيب غزاوي فيقول: "إن آراء دعاة العولمة فيها الكثير من التقريرية والتعميم والاستعجال والبعد عن الروح العلمية. أما آراء خصوم العولـمة فيغلب عليها الطابع العلمي الموضوعي، فهي تستقرئ ملامح العولمة في مختلف مجالات الحياة وترصدها وتحللها إلى ما فيها من خطر على الهوية والكيان والسلاح والأمن العالميين(28).
جـذور العولمة
يتساءل الباحثون: هل العولمة بنت هذا الزمان المتأخر أم لها جذور ضاربة في التاريخ الأوربي القديم؟ فيذهب البعض إلى أن العولمة ليست ظاهرة جديدة، بل بداياتها الأولى ترجع إلى القرن التاسع عشر، مع بدء الاستعمار الغربي لآسيا وأفريقيا والأمريكيتين، ثم اقترنت بتطور النظام التجاري الحديث في أوربا، الأمر الذي أدى إلى ولادة نظام عالمي متشابك ومعقد عرف بالعالمية ثم العولـمة(1).
وآخرون يذهبون في هذا الإطار إلى أن مصطلح النظام العالمي كان مستخدمًا منذ مؤتمر فيينا عام 1815م الذي قاده مترنيخ رئيس وزراء النمسا، وجدده بسمارك الألماني في سبعينيات القرن التاسع عشر، ثم تجدد ثانية على يد كلمنصو الفرنسي في مؤتمر فرساي عام 1919م، ثم تجدد في يالطا على يد الحلفاء في الحرب العالمية الثانية(2).
والحق أن الباحث الذي يدرس التاريخ منذ أقدم العصور التي ظهرت فيها الإمبراطوريات إلى اليوم، يلاحظ أن قوة عظمى تريد أن تنفرد دائمًا بحكم العالم، وإخضاعه إلى مبادئها، فاليونان والرومان والفرس والتتار والإمبراطوريات الحديثة، كلها كانت تتجه هذا الاتجاه في الهيمنة والسيطرة. وأوربا الحديثة ذات التاريخ الاستعماري هي النموذج الجلي. في محاولة السيطرة والهيمنة؛ لأن الحضارة الحديثة تعد نفسها حضارة عالمية مركزية؛ فهي عالمية في أفكارها ومنتجاتها، وهي مركزية لأنها تدور حول نفسها في قيمها المبعثرة. ولذلك فإنها حضارة لا تعترف بغيرها من الحضارات، ويصل الأمر بقادة هذه الحضارة إلى أن ينكروا أي حدث مهم وقع في العالم قبل عصر هذه الحضارة.
يقول الأستاذ مالك بن نبي: "هذه الأقوال هي التي خلقت ثقافة الإمبراطورية الغربية التي تقوم على أساس السيادة العنصرية والاستعمار"(3).
وأرى أن هيمنة العولـمة على العالم اليوم بمواصفاتها الشاملة نتيجة لتطور الأوضاع السياسية والاقتصادية والعلمية، تمشي مع طبيعة الأشياء في تاريخ الغرب الحديث، وتمثل المرحلة الأخيرة في محاولة الحضارة الغربية للسيطرة على العالم ومحو الآخر.
ويعارض باحث آخر هذه النظرة ويذهب إلى أن العولـمة ليست تطوراً عن الاستعمار الأوربي أو ظاهرة الثورة الصناعية، وإنما هي نظام كوني شامل جديد، مواصفاته لا تشبه مواصفات الإمبراطوريات السابقة(4).
وهناك باحثون يرجعون بدايات العولـمة الحالية إلى السياسات التي ارتأت أمريكا أن تسيطر بها على العالم، غير أن الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفيتي، أجلّت تلك الهيمنة إلى سنة 1989م؛ حيث ضعف الاتحاد السوفيتي وظهرت فيها نتائج سياسة البيريسترويكا التي حمل لواءها السكرتير العام الأخير للحزب الشيوعي السوفيتي ميخائيل جورباتشوف.
ويرجع صاحبا كتاب فخ العولـمة البداية الحقيقية للعولمة إلى عام 1995م؛ حيث وجّه الرئيس السوفيتي السابق جورباتشوف الدعوة إلى خمسمائة من قادة العالم في مجال السياسة والمال والاقتصاد في فندق فيرمونت المشهور في سان فرانسيسكو لكي يبنوا معالم الطريق إلى القرن الحادي والعشرين. وقد اشترك في هذا المؤتمر المغلق أقطاب العولـمة في عالم الحاسوب والمال وكذلك كهنة الاقتصاد الكبار، وأساتذة الاقتصاد في جامعات ستانفورد وهارفرد وأكسفورد. واشترك فيها من السياسيين، الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، ووزير خارجيته شولتز، ورئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر ورئيس وزراء مقاطعة سكسونيا وغيرهم(5).
والمشروع السياسي للنظام العالمي الجديد الذي انتهى إلى العولـمة هو تفتيت الوحدات والتكوينات السياسية إلى كانتونات ودويلات صغرى ضعيفة ومهزوزة، ومبتلاة بالكوارث والمجاعات والصراعات والأزمات(6)
تفاصيل فلسفة العولمة ونتائجها
1 - عولمة الاقتصاد:

يرى جمع من الباحثين أن عولمة الاقتصاد العالمي بدأت بقيادة أمريكا منذ عام 1944م، والتي انبثق منها الصندوق الدولي ليقوم حارساً على النظام النقدي الدولي والبنك الدولي ليعمل على تخطيط التدفقات المالية، طويلة المدى، وإنشاء منظمة التجارة العالمية التي أدت إلى اتفاقية الجات والتي حوّلت السياسة التجارية للدول المستقلة إلى شأن دولي وليس عملاً من أعمال السيادة الوطنية، من خلال النظام النقدي العالمي والتحكم في حركة رؤوس الأموال، ومن خلال الشركات المتعددة الجنسيات التي لأمريكا فيها نصيب الأسد.
ولقد أخذ البنك الدولي بتوجيه من الولايات المتحدة الأمريكية بإجبار كثير من الدول الإسلامية، باعتبارها إحدى مكونات مجموعة دول الجنوب، على إعادة هيكلة اقتصادياتها، وفقاً لهذه السياسة الإمبريالية، فاتجهت هذه الدول إلى الخارج لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتبني مفهوم القطاع الخاص، من خلال استخدام آليات السوق الحرة، وما يتطلبه ذلك من التقليص الواضح للملكية العامة وزيادة الفوارق الاجتماعية، ورهن أجيال المستقبل بالديون الخارجية(1).
ولقد تقررت هذه السياسة الاقتصادية الأخيرة نهائياً عندما اجتمع طائفة من الـمُنظرين الأمريكيين وقدموا قضايا لتثبيت السيطرة الأمريكية على العالم، هذه القضايا هي:
1) استعمال السوق العالمية كأداة للإخلال بالتوازن في الدول القومية.
2) السوق مجال للمنافسة، أي فتح المجال لسيطرة الشركات المتعددة الجنسيات العملاقة، لغرض فرض نمط اقتصادي معين على البلدان الأخرى، دون أي اعتبار لمصالح الكادحين.
وتلك الشركات العملاقة تكونت بالدرجة الأولى من الشركات الأمريكية، ثم الأوربية ثم اليابانية متكاتفة متعاونة(2).
ويمكن هنا أن نعرض إحصائية أولية لقوة تلك الشركات المتعددة الجنسيات. فهناك 350 شركة كبرى لتلك الدول تستأثر بما نسبته 40% من التجارة الدولية. وقد بلغت الحصة المئوية لأكبر عشر شركات في قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية 86% من السوق العالمي، وبلغت هذه النسبة 85% من قطاع المبيدات وما يقرب من 70% من قطاع الحاسبات و60% في قطاع الأدوية البيطرية و35% من قطاع الأدوية الصيدلانية و34% في قطاع البذور التجارية(3).
ولا شك أن هذه الاحتكارات ستؤدي إلى إقامة الحواجز بين الشعوب، وسيصبح وسيلة للسيطرة والهيمنة على مصادرها.
وهذه الشركات العملاقة هي في حدود (15) شركة، هم السادة الفعليون الذين يطبقون نظرية: إنتاج أكثر ما يمكن من السلع والمصنوعات بأقل ما يمكن من العمال، من أجل تركيز الثروة العالمية في أيدي الرأسماليين الجشعين من أصحاب تلك الشركات الأمريكية وحلفائها(4).
ونتيجة لهذه السياسة، تنتهي العولـمة الاقتصادية إلى فتح الأسواق العالمية أمام المنتجات الغربية بدون عائق أو ضوابط، وعليه فلن تستطيع المنتجات المحلية مواجهة المنتجات المستوردة ومنافستها، مما يعني تعثر العديد من الأنشطة الاقتصادية الوطنية. ويكون البديل المتاح هو إما الاقتصار على الاستيراد، وهذا البديل قصير الأمد؛ حيث ستنضب أرصدة السيولة المالية، ويزيد التضخم نتيجة للركود الاقتصادي، وبيع الأصول الاقتصادية إلى الشركات العالمية بحجة الإصلاح الاقتصادي. وهو المطلوب؛ لأنه سيؤدي إلى الاستسلام النهائي لسياسات الإمبريالية الأمريكية(5).
إن هذه الشركات تعد الأرض كلها سوقًا كبيرًا لها، بما فيها ومن فيها بحيث تتنافس في اقتسام هذه الأراضي دون أي اعتبار لقيم أو أخلاق(6).
وهي نادرًا ما تدخل في شكل استثمارات مباشرة طويلة الأمد، وإنما تدخل بما يعرف بالأموال الطائرة، في استثمارات قصيرة الأجل وسريعة الفوائد والتي تحقق لها عوائد هائلة، دون أن يكون لذلك مردود على التنمية المحلية. وإن حدث وقدمت استثمارات مباشرة، فإنها قبل ذلك تأخذ ما يكفيها من التسهيلات والضمانات السياسية والاقتصادية التي لا تحظى بها رؤوس الأموال المحلية، وهو ما يعرقل الاقتصاد المحلي، زيادة على ذلك، فإن معظم أنشطتها تقتصر على السلع الاستهلاكية ذات العائد الأسرع نتيجة للنمط الاستهلاكي السائد.
وخلاصة الأمر أن هذه الشركات تقوم بامتصاص الفوائض المالية لدى المستهلكين عن طريق الإغواء والإغراء الاستهلاكي(7).
ومن هنا فإن نسبة كبيرة من الفساد المنتشر في دول العالم الثالث هي من صنع الشركات المتعددة الجنسيات التي تتركز مقارها في الدول الصناعية، وتعمل على تقديم الرشاوى الكبيرة لمسؤولي الدول المختلفة من أجل الفوز بالصفات دائماً(8).
وبهذا يتحول العالم كله إلى سوق استهلاكية لمنتجات الدول الصناعية وعلى رأسها أمريكا، فهي تمثل عصا استعمارية بيد حكومة عالمية خفية لها مؤسساتها: كالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، واتفاقية التجارة الحرة(9).
وعلى ذلك، فإن النتيجة المباشرة لفخ العولـمة هي اللامساواة، وهذا يعني أن البؤس والشقاء وغياب الديمقراطية وضياع كل حلم بالرفاه ستكون بمثابة علامة فارقة لنظام العولـمة في البلاد التي وقعت في فخها(10).
والكارثة التي يمكن أن تحدث لأي بلد تغزوه العولـمة، انتشار الفقر وفقدان العمل البشري لقيمته، وتوجيه هدام يقضي على فرص العمل، فتنتشر البطالة، وينقسم المجتمع إلى مجتمع أغنياء طفيليين خدام للشركات الكبرى المتعددة الجنسيات، وأكثرية مسحوقة سرقت خيراتها كي تدخل في جيوب رأسمالي العولـمة المتوحشين الذين يملك (358) منهم في الغرب ما يملكه (2.5) مليار من سكان المعمورة؛ لأن النظام المعولم سيخفض نسبة الحاجة إلى العمال إلى 20% أي سيظل 80% منهم عاطلون. وهذا هو الذي يسميه دعاة العولمة بمجتمع الخمس(11).
والنتيجة التي يستخلصها المختصون هي: إذا كان النمو الاقتصادي في الماضي يخلق مناصب الشغل، فإن النمو الاقتصادي في إطار العولـمة يؤدي إلى تخفيض عدد مناصب الشغل، لأن بعض القطاعات في مجال الإلكترونيات والإعلاميات والاتصال وهي من القطاعات الأكثر رواجًا في العالم لا تحتاج إلاّ إلى عدد قليل من العمال. فالتقدم التكنولوجي يؤدي في إطار العولـمة إلى ارتفاع البطالة، وهو ما سيؤدي حتمًا إلى أزمات سياسية(12).
ومحصلة القول: إن العولـمة الموجهة توجيهًا مباشرًا من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من اليهود والأوربيين، تريد عن طريق المخلب الاقتصادي أن تتمكن من الشعوب عن طريق استغلال حاجياتها الاستهلاكية وقتل المبادرات الوطنية، وتوجيه ثرواتها وهيكلة اقتصادها بتدخل مباشر من المؤسسات المالية والتجارية الخاضعة لها، والتي تغرقها بالديون وفوائد الديون التي لا تتخلص منها ومن ويلاتها، يساعد في ذلك مخططان آخران يمشيان جنبًا إلى جنب بجانب المخطط الاقتصادي، وهما مخطط إخضاع الدولة الوطنية واستلاب الفكر والثقافة عن طريق الفضائيات الكونية التي تبثها مئات الأقمار الصناعية.
2 - العولمة والدولة الوطنية:
يقول الفيلسوف الفرنسي جارودي: "والتيار المهيمن في صفوف الاقتصاديين الرسميين والسياسيين هو الدفاع عن الليبرالية بدون حدود، والداعي إلى اختفاء الدولة أمام السلطة المطلقة للسوق، وحتى لا يبقى أي عائق أمام الاحتلال الاقتصادي"(13). لأن العولـمة تحتاج إلى السيطرة على الدولة الوطنية وإخضاع قوانينها لحركتها وحريتها في العمل. وبذلك تؤدي العولـمة المعاصرة إلى حرمان الدول من حق السيادة المطلقة وصولاً إلى مفهوم جديد للسيادة يركز على العالم أجمع بصفة الوحدة السياسية التي تحل محل الدولة التقليدية المعتادة(14). ومن هنا فإن سيادة الدولة بمعناها الأساسي يتم إعادة تعريفها الآن في الأقل بوساطة قوى العولـمة والتعاون الدولي.
والسيادة في هذا التعريف هي الإدارة الدولية التي ترسم خريطة جديدة للعالم تتوافق مع التصورات العالمية، وهذه الخريطة الجديدة، لن يكون فيها حدود خاصة بكل دولة، بل سيصبح العالم كتلة واحدة متعاونة متكافئة متراضية مسالمة آمنة! كما يقولون زورًا وبهتانًا تخالف الواقع الذي تسيطر عليه العولـمة ومخالبها(15).
وقد يسأل باحث فيقول: وهل تبقى الدولة الوطنية في ظل العولـمة؟ نقول: نعم تبقى الدولة في ظل العولـمة، كأنها إدارة عامة جديدة، أي أنها تتحول إلى حكومة أعمال. وهو ما يترتب عليه وهن الدولة وشرعيتها. ومبعث ذلك يتمثل في أن هذه الدولة تسعى لنيل ثقة الأسواق العالمية على حساب مهامها الأخرى(16).
ولكن ما مهامها الأخرى؟!.
يجيبنا صاحبا كتاب فخ العولـمة فيقولان: "إنهم يهددون بهروب رؤوس أموالهم: أي الشركات المتعددة الجنسيات، ما لم تستجب الحكومات لمطالبهم، وهي مطالب عديدة، مثل منحهم تنازلات ضريبية سخية، وتقديم مشروعات البنية التحتية لهم مجانًا، وإلغاء وتعديل التشريعات التي كانت تحقق بعض المكاسب للعمل والطبقة الوسطى، مثل: قوانين الحد الأدنى للأجور، ومشروعات الضمان الاجتماعي والصحي وإعانات البطالة، وبما يقلل مساهماتهم المالية في هذه الأمور وخصخصة المشروعات، وتحويل كثير من الخدمات العامة التي كانت تقوم بها الحكومات، لكي يضطلع بها القطاع الخاص، وإضفاء الطابع التجاري عليها(17).
ومجمل القول: إنه في ظل العولـمة، تتحول الشركات المتعددة الجنسيات إلى دول حقيقية تقوم بتفكيك الدول وإعادة بنائها من جديد، وجعلها تتنازل تحت ضربات الرأسمالية الاحتكارية عن حقوقها وحدودها الجغرافية وواجباتها تجاه مجتمعاتها، كي تقيم دولة عالمية، قادتها ورؤساؤها رؤوس الاحتكارات العالمية الجشعة من اليهود وغيرهم من الأمريكان وخلفائهم الخاضعين لتوجيهاتهم، كي تمتص دماء الكادحين في المجتمعات الإنسانية، وتقضي على شعورهم الوطني الذي هو شعور بدائي عند الاقتصادي المعولم الشهير ليندبيرج، ولكل هذا اختار عبارة "نهاية الدولة القومية" عنوانًا لكتابه الذي ألفه عام 1995م(18).
3 - عولمة الفضاء الكوني:
ويصح أن نسميها إمبراطورية الفضاء الكوني؛ لأن مجالها الكرة الأرضية كلها، وما حولها كما قيل إلى قرية واحدة عن طريق مئات الأقمار الصناعية التي تجوب الفضاء الأرضي، وترسل البرامج المنوعة في كل يوم إلى كل عائلة من عوائل بلدان العالم، لتستقبلها أجهزة التلفاز والإنترنت، لتشكل في النهاية سلطة تكنولوجية ذات منظومات معقدة لا تعترف بالحدود الوطنية أو الفضائية أو البحرية، تقودها شبكات اتصالية معلوماتية من خلال سياسة العولـمة واقتصادها وثقافتها وأفكارها وأنظمتها الاجتماعية، كي تقيم عالمًا جديدًا تتسلل دون استئذان إلى عقول وقلوب ونفوس البشر جميعًا دون استثناء من دون رقيب من دولة أو أمة أو دين أو وطن.
وهذه الشبكات يعود معظمها إلى قادة العولـمة من الرأسماليين الاحتكاريين الأمريكيين وغيرهم ممن يدورون حولهم، لكي يمحوا ذاكرة الشعوب ويفرغوها من انتماءاتهم وأصالتهم وثقافتهم وأنظمتهم الاجتماعية، كي يقعوا صرعى أمام مغريات الحياة الرأسمالية الأمريكية وأنماطها الاجتماعية والأخلاقية في التفكير واللبس والأكل والترفيه ودغدغة الأحلام والقيم والوعي، بحيث يسهل تكريس نوع معين من السلع والخدمات والأفكار، والذي يخضع إلى النظام المعولم الذي يُراد له أن يسود العالم أجمع(19).
ولأهمية هذا المجال الرهيب في عالم العولـمة تم عقد أربع مؤتمرات دولية لبحث قضايـاه (جنيف 1992، بوينس أيرس 1994، بروكسل 1995، جوهانسبرج 1996)، نجح خلالها الأمريكيون من تسويق فكرتهم حول مجتمع المعلومات العالمي والضغط لفتح حدود أكبر عدد ممكن من البلدان أمام تدفق المعلومات.
يقول العالم الأمريكي المعروف ناعوم تشومسكي: "إن العولـمة الثقافية ليست سوى نقلة نوعية في تاريخ الإعلام، تعزز سيطرة المركز الأمريكي على الأطراف، أي على العالم كله"(20). إن هيمنة أمريكا ناتجة من أن 65% من مجمل المواد والمنتجات الإعلامية والإعلانية والثقافية والترفيهية تحت سيطرتها، ومن إنتاجها. هذا الأمر الذي أدى إلى توجس بعض الدول الغربية وخوفها على أجيالها.
وختامًا، فإن المجال الإعلامي أكثر أوجه العولـمة سلبية؛ إذ يسيطر أصحاب المصالح التجارية والاقتصادية على الإعلام، عبر التوظيف المالي والسيطرة الإدارية والفنية، ويستخدمونه في تشويه معرفتنا بالعالم ووعينا بأنفسنا ومعرفة الآخرين ووعيهم بأنفسهم وقضاياهم(21).
وأخيرًا، فإن عولمة الفضاء الكوني بكل أبعاده، من أخطر القضايا التي تمس العالمين العربي والإسلامي معًا، بسبب سيطرة اليهود على أجهزة الإعلام والاتصالات، وما يرافق ذلك من تشويه الحقائق وطمس معالم الحضارة العربية الإسلامية، وصورة العربي المعاصر وتراثه لدى الرأي العام العالمي(22).
4 - العولمة الاجتماعية:
لما كان المبدأ الذي ينطلق منه عالم العولـمة من جعل العالم قرية كونية واحدة تخضع للتوجيهات الأمريكية اليهودية، إذن فالوصول إلى مجتمع واحد، ذي ملامح واحدة، وأنظمة اجتماعية واحدة وأخلاق وعوائد واحدة سيكون من أولويات العولـمة؛ لأن صياغة المجتمع صياغة واحدة، مما يسهل مهمة الأجنحة الهدامة الأخرى للعولمة في إفساد المجتمع وتفريغه من القيم الأصيلة، والأخلاق الحميدة النابعة من الأديان السماوية، والفطرة الإنسانية العقلية، حتى لا تقوم له قائمة من الرجولة والشهامة والكرامة أمام مخطط العولـمة الرأسمالية الأمريكية اليهودية الجشعة.
لقد دفعت العولـمة الأمم المتحدة التي تسيطر عليها وعلى مقرراتها، ولا سيما في عقد التسعينيات إلى عقد مؤتمرات بعناوين متعددة لتغيير النظام العام في المجتمعات، ولا سيما نظام الأسرة.
1 - في عام 1950 حاولت الأمم المتحدة عقد الدورة الأولى لمؤتمراتها حول الأسرة والمرأة بعنوان: تنظيم الأسرة في القاهرة، لكن الحكومة المصرية يومئذ لم توافق على ذلك.
2 - وفي عام 1975 عقدت الأمم المتحدة مؤتمر المكسيك دعت فيه إلى جريمة الإجهاض للمرأة والحرية الجنسية للمراهقين والمراهقات وتنظيم الأسرة لضبط السكان في العالم الثالث، وأخفق هذا المؤتمر أيضًا.
3 - عُقد في نيروبي عام 1985م مؤتمر بعنوان إستراتيجيات التطلع إلى الأمام من أجل تقديم المرأة.
4 - مؤتمر السكان والتنمية الذي عُقد في القاهرة عام 1994م، ودعا فيه إلى قضايا تغيير حياة المرأة والأسرة من الناحية الدينية.
5 - مؤتمر بكين عام 1995 تحت عنوان المساواة والتنمية والتنظيم.
6 - مؤتمر السكان والتنمية والتنظيم في إسطنبول عام 1996م.
وتتضمن القرارات المقترحة أمورًا، مثل: فرض حق الإنسان في تغيير هويته الجنسية وأدواره المترتبة عليها، ومن ثم الاعتراف رسميًا بالشواذ والمخنثين، والمطالبة بإدراج حقوقهم الانحرافية ضمن حقوق الإنسان، ومنها حقهم في الزواج وتكوين الأسر والحصول على أطفال بالتبني أو تأجير البطون، وتطالب وثيقة القرارات بحق الفتاة والمرأة في التمتع بحرية جنسية آمنة مع من تشاء. وتطالب بحق المراهقات الحوامل في مواصلة التعليم دون إدانة لهذا الحمل السفاح.
وقد أفصح جارودي عن نوايا مقررات مؤتمر القاهرة في الرسالة التي وجهها للمؤتمر ونشرتها صحيفة الشعب في القاهرة بعددها 16/9/1994م(23).
والغريب أن رئيسة جمعية الأمهات الصغيرات في أمريكا تحذر المسلمين في مؤتمر القاهرة فتقول: "لقد دمّروا المجتمع الأمريكي وجاؤوا الآن بأفكارهم للمجتمعات الإسلامية حتى يدمروها ويدمروا المرأة المسلمة ودورها فيها"(24).
وقد عُقد في نيويورك مؤتمر المرأة لعام 2000م، وقدمت فيه الدول المعولمة على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية المقررات السابقة وطلبت فرضها على العالم. والدول التي تُوقِّع على هذه المقررات ستكون ملزمة بتغيير قوانينها بما ينطبق على تلك القرارات الإباحية التي تؤدي إلى هدم الأسرة وإطلاق الحرية الجنسية وإقرار الشذوذ وشل سلطة الأبوين وحرية الإجهاض وإلغاء نظام الميراث(25).
وفي سبيل دفع تلك المقررات إلى الأمام دفعت حكومات العولـمة الدوائر المالية العالمية المؤيدة إلى الدعم المالي من أجل الإسراع بتنفيذ تلك القرارات الإباحية والمحطمة للنظام الديني في رعاية الأسرة وتنشئتها(26).
ولتنفيذ مخططاتهم في هدم كيان المجتمع الإسلامي من خلال المرأة لأهمية دورها في بناء كيان الأسرة والمجتمع ساروا في ثلاثة مسارات في آن واحد، وهي:
1 - التمويل الأجنبي الأمريكي للجمعيات الأهلية النسائية، غير الإسلامية، من أجل تنفيذ مخططات إخراج المرأة المسلمة من الأخلاق الإسلامية.
2 - الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية حقوق الإنسان وإزالة آثار كافة أشكال التمييز ضد المرأة (كذا بالنص)، وإلزام الدول الإسلامية بالتوقيع عليها مقابل إعفائها من بعض الديون التي عليها.
وإذا قرأنا البحوث التي تُلَقى في المؤتمرات التي تُعقَد في بعض البلاد الإسلامية، وجدناها جميعها تريد إخراج المرأة المسلمة من النظام الاجتماعي الإسلامي الذي ينظر إلى المرأة من خلال فطرتها واستعداداتها وكرامتها.
وهنالك محاولات لتضليل الرأي العام وإيهام المرأة المسلمة أن القهر كله واقع عليها، وأن هذه الاتفاقية سترفع عنها الجور والظلم، وأن الأمم المتحدة ستحررها من سطوة مجتمعها مع أنها تريد هلاكها وهلاك مجتمعها(27).
3 - مؤتمرات المرأة التي تحدثنا عنها قبل قليل والتي يقصد بها هدم المجتمعات البشرية، ولا سيما المجتمعات الإسلامية.
وملخص القول: إن العولـمة تعني نهاية التاريخ، وهو مفهوم يعني سيطرة النموذج الرأسمالي على العالم بعد انتهاء الشيوعية. كما تعني نهاية الجغرافية، وهي تعني اختراق الشركات المتعددة الجنسيات لحدود الدول. كما تعني نهاية الدول عن طريق التحرك تحت مظلة الشرعية الدولية للتدخل المباشر في شؤونها. وتعني أيضًا نهاية الهوية، أي القضاء على الخصوصية. كما أنها أخيرًا تعني نهاية الأيديولوجيا والتي تعني بدورها القضاء على الدين والأخلاق والقيم(28).
معارضة العولمة
لن تمر العولـمة في ترتيباتها الاقتصادية وسيطرتها الثقافية على أرض موطدة، وإنما ستصطدم بفطرة تكوين المجتمع الإنساني من لغات متعددة وأديان متباينة وثقافات متنوعة. وفي هذا الاختلاف قال الله تعالى في كتابه الكريم:{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (1) وقال في آية أخرى: { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} (2).
واستقراء التاريخ الإنساني يدل دلالة قاطعة على أن محاولة إخضاع البشرية لطريق واحد وحضارة واحدة أمر مستحيل في حدّ ذاته؛ لأن تلك المحاولة ستفجر المجتمعات الإنسانيـة من الداخل، ويبدأ الصراع ثم الحرب في ظل القانون الإلهي: { وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (3).
وعلى الرغم من أن العولـمة ظهرت منذ عهد قريب، فإن طلائع المعارضة لها بدأت تظهر في أنحاء العالم، وإن لم تكن اليوم قويةً كاسحةً؛ لأن القضية لا تزال في بدايتها.
إن طغيان الإعلام والثقافة الأمريكيتين في القنوات الفضائية دفع وزير العدل الفرنسي جاك كوبون أن يقول: "إن الإنترنت بالوضع الحالي شكل جديد من أشكال الاستعمار، وإذا لم نتحرك فأسلوب حياتنا في خطر، وهناك إجماع فرنسي على اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة لحماية اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية من التأثير الأمريكي"(4).
بل إن الرئيس الفرنسي جاك شيراك عارض قيام مطعم ماكدونالدز الذي يقدم الوجبات الأمريكية، مسوغًا ذلك أن يبقى برج أيفل منفردًا بنمط العيش الفرنسي(5).
كما شن وزير الثقافة الفرنسي هجومًا قويًا على أمريكا في اجتماع اليونسكو بالمكسيك، وقال: "إني أستغرب أن تكون الدول التي علّمت الشعوب قدرًا كبيرًا من الحرية، ودعت إلى الثورة على الطغيان، هي التي تحاول أن تفرض ثقافة شمولية وحيدة على العالم أجمع. ثم قال: إن هذا شكل من أشكال الإمبريالية المالية والفكرية، لا يحتل الأراضي، ولكن يصادر الضمائر ومناهج التفكير واختلاف أنماط العيش"(6). وتبعًا لهذه السياسة قررت فرنسا أن تكون نسبة الأفلام الفرنسية المعروضة باللغة الفرنسية من التلفزيون 60%(7).
وفي المقاطعات الكندية بلغت الهيمنة الأمريكية في مجال تدفق البرامج الإعلامية والتلفاز إلى حد دعا جمعًا من الخبراء إلى التنبيه إلى أن الأطفال الكنديين، أصبحوا لا يدركون أنهم كنديون لكثرة ما يشاهدون من برامج أمريكية(8).
كما أن النرويج عارضت اتفاقية ماستريخت؛ لأنها ترفض الاندماج بالهوية الأوربية، وتحفظت سنغافورة على شبكة الإنترنت خشية على القيم الكونفوشيوسية(9).
ويقول جون جراي في كتابه: الفجر الكاذب – أوهام الرأسمالية العالمية: "إن الظروف الحالية في العالم تنذر بكارثة محققة، لأن فرض السوق الحرة الأنجلوسكسونية على العالم يمكن أن يؤدي إلى انهيار شبيه بانهيار الشيوعية العالمية، وأن الاتجاه نحو فرض الأسواق الحرة سيفجر الحروب ويعمق الصراعات العرقية ويفقر الملايين. وقد تحول بالفعل الملايين من الفلاحين الصينيين إلى لاجئين. كما سيؤدي إلى استبعاد عشرات الملايين من العمل والمشاركة في المجتمع حتى في الدول المتقدمة. وقد تفاقمت الأوضاع في بعض الدول الشيوعية السابقة لتصل إلى الفوضى العامة وشيوع الجريمة المنظمة، كما أدت إلى تزايد تدمير البيئة"(10).
وكتاب فخ العولـمة السابق ذكره صرخة ألمانية ضد العولـمة.
وفي سياتل حيث عُقد المؤتمر الوزاري الثالث لمنظمة التجارة العالمية، ثار المؤتمرون ضد انفراد أمريكا بزعامة العالم، حيث أصرت الدول النامية ودول الاتحاد الأوربي واليابان وكوريا الجنوبية على رفض الخضوع لقاعدة الرضا الأمريكي باعتبارها القاعدة الحاكمة – من الناحية الفعلية - لصدور القرارات في نطاق منظمة التجارة العالمية(11). والمظاهرات التي جرت في أثناء المؤتمر والتي هزت العالم، كان بين شعاراتها:
1 - العالم لن يتحول إلى سلعة يتداولها الأقوياء.
2 - الناس والشعوب قبل الأرباح.
3 - لا نريد تجارة حرة بل نريد تجارة عادلة(12).
وجُل المفكرين المختصين في مجالات الاقتصاد والاجتماع يعارضون بشدة طغيان العولـمة، وقد لخصت الباحثة "ثناء عبد الله" وجوه هذه المعارضة بالنقاط الآتية:
1- اعتبار ما تملكه منظمة التجارة العالمية من سلطة تفوق سلطة الدولة متناقضًا مع متطلبات السيادة الوطنية. وهو ما يؤثر في قدرة الدول على سن التشريعات والقوانين والقواعد التي تلائم خططها وتوجيهاتها.
2- اتهام الشركات المتعددة الجنسيات باستغلال العمالة في الدول النامية عن طريق تشغيلهم بأجور زهيدة.
3- معارضة فتح الأسواق الأمريكية لما يمكن أن يترتب عليه من دخول سلع دون المواصفات البيئية والصحية السليمة.
4- معارضة تشغيل الأطفال.
5- اتهمت الجماعات الداعية للحفاظ على البيئة منظمة التجارة العالمية بأنها ستدمر البيئة(13).
وهنالك حقيقة لا بد من ذكرها وهي أن الرأسمالية التي تعتمد عليها العولـمة ليست منهجًا واحدًا في كل بلد، فالرأسمالية الأمريكية والبريطانية لا ترى أي دور للدولة، بينما الرأسمالية اليابانية والآسيوية تلعب السياسة الصناعية وتوجهات الدولة دوراً كبيراً فيها، أما الرأسمالية الفرنسية فتخطيط الدولة يضع مؤشرات للقطاع الخاص، بل تدخل بنفسها منتجاً. أما رأسمالية الدول الاشتراكية السابقة، فما زالت في طور التحول. وأما الاشتراكية الديمقراطية فقد تجمع قواها وتأتي بأفكار جديدة لمحاربة الرأسمالية أو لتقليل شرورها أو مساوئها(14). ولا شك في أن السبب في ذلك أن هذه الدكتاتورية الدولية تتناقض ومصالح الأغلبية العظمى من دول العالم، بما في ذلك الدول الكبيرة والمتوسطة، وهو ما يفرض صياغة الإجراءات المضادة للخروج من هذه الدكتاتورية(15).
ومجمل القول، فإن مقاومة العولـمة بالصيغة الأمريكية الرأسمالية الصهيونية، ستقاومها البشرية شيئاً فشيئاً في ضوء قانون السيرورة الكونية: قانون التحدي والاستجابة. فروسيا ولغتها ودينها وعنجهيتها القيصرية وذكرياتها السوفيتية وقدراتها التدميرية، والصين وأعماقها الكونفوشيوسية، والهند وخلفياتها البوذية، واليابان ومصالحها الاقتصادية الهائلة وذكرياتها مع هيروشيما وناجازاكي وألمانيا وفلسفتها العرقية التي ما زالت كامنة في اللاشعور، كل هذه المقدمات ستحول دون وصول العولـمة إلى أهدافها النهائية. وهكذا شعوب العالم التي تنتمي إلى تواريخ وحضارات لا يمكن أن تتحول إلى أموات بين يدي غاسل العولـمة الأمريكية الصهيونية. فإذا كان هذا وضع العالم وشعوبه، فيا ترى.. ما هو موقفنا نحن في العالم الإسلامي حيال العولـمة؟
هل نرفض العولـمة؟
العولـمة ليست فلسفة محدودة أو ثقافة ضيقة أو مذهباً اقتصادياً محصوراً، أو قناة تلفازية ذات اتجاه واحد. العولـمة – من خلال ما شرحنا – ظاهرة عالمية كونية شاملة، تغمر كرتنا الأرضية، وهي أكبر حقيقة واقعية في عصرنا الراهن في ظل ثورة أحالت الكرة الأرضية إلى كرة من المعلومات تدور في الاتجاهات كلها(16). إن العولـمة غزت الدنيا كلها، في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والتعليم والثقافة والإعلام والآلات العسكرية. وهنالك ما يزيد على خمسمائة قمر صناعي تدور حول الأرض مرسلة إشارات لاسلكية تكرس العولـمة، فبوساطة الصور المتحركة على شاشات أكثر من مليار جهاز تلفزيوني، تتشابه الصور وتتوحد الأفكار والأحلام والأماني والأفعال، بحيث قيل عن هذا الإعلام بأنه إعلام بلا وطن في فضاء بلا حدود(17).
إذن فلا يمكن أن يدَّعي عاقل أننا نستطيع أن نضع الأمة الإسلامية في علبة ونغلق عليها الباب(18). وحتى إذا استطعنا فإن هذا ليس في صالحنا، ولا صالح أجيالنا القادمة، ولا في صالح بناء حضارتنا الإسلامية الجديدة، ولا في صالح البشرية التائهة التي تنتظر منقذاً يقدم إليها القيم الفاضلة، والأخلاق النبيلة، والأخوة الإنسانية الحقيقية، التي تربط بين البشر جميعاً.
ولقد صدق أحد الباحثين من المسلمين عندما قال: "والخطر لا يكمن في العولـمة ذاتها بقدر ما يكمن في سلبية المتلقي، وفي التوظيف الأيديولوجي للعولمة، ونجاح العولـمة في الهيمنة والاختراق والتأثير لا يتعلق بإمكانيات وقدرات الدول المتقدمة الفاعلة المصدرة للعولمة بقدر ما يتعلق بقوة وضعف الدول الأخرى المتلقية"(19).
نعم.. فالأمم الضعيفة في مواجهة العولـمة، هي التي تخسر كل شيء. وأما الأمم القوية التي تواجه العولـمة وتندمج بها وتتفاعل معها، فهي التي تربح معركة المنافسة الحضارية مع العولـمة.
إن التعامل مع دنيا العولـمة لا يعني أن العولـمة قدر مفروض يكسب الرهان دائماً، ولا يعني أنه استسلام ذليل، وإنما التعامل القوي يعني التعايش معها، وتوظيف بُعدها التكنولوجي والحضاري والاستفادة منه لمواجهة الهيمنة باسم العولمة.
ولا بد لنا أن نقرر هنا أنه ليست هنالك حضارة أو ثقافة أو قيم أو دين على وجه الأرض ستتأثر بالعولـمة، كما سيتأثر بها الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية والعالم الإسلامي. وإن جاء باحث ودرس العولـمة بأبعادها كلها دراسة متفحصة وادَّعى بأن تدمير المسلمين جميعاً هو المقصود الأهم والشاغل الأكبر للعولـمة الأمريكية الرأسمالية الصهيونية، ما بالغ في رأي الكثيرين في ذلك(20).
ويتحـدث المفكر الفرنسي المسلم رجاء جارودي عن هـذه العولمة الأمريكية الصهيونية فيقول: "هــذه الوحدة التي أسسها الحكام الأمريكان، واللوبي الصهيوني "الآيباك" AIPAC، وساسة دولة إسرائيل، تقوم اليوم - أكثر من أي وقت مضى - على وحدة الهدف الذي هو محاربة الإسلام وآسيا اللذين يعدان أهم عقبتين في وجه الهيمنة العالمية الأمريكية والصهيونية"(21).
ويقول باحث آخر: "ومن المؤكد أن المستهدف بهذا الغزو الثقافي هم المسلمون. وذلك لعاملين:
أ – ما تملكه بلادهم من مواد أولية هائلة يأتي على رأسها النفط والغاز وثروات طبيعية أخرى.
ب – ما ثبت لهم عبر مراكزهم وبحوثهم وجامعاتهم ومستشرقيهم إن هذه الأمة مستعصية على الهزيمة، إذا حافظت على هويتها الإسلامية، ومن ثم فالطريق الوحيد لإخضاعها يتمثل في القضاء على تفرد شخصيتها وإلغاء دينها الذي يبعث فيها الثورة والرفض لكل أشكال الاحتلال والسيطرة(22).
وأزيد أنا على هذين العاملين مسألتين أخريين:
جـ – الحفاظ على أمن الكيان الصهيوني في قلب العالم الإسلامي، وهو من أهم أهداف العولـمة في بلاد العرب والمسلمين.
د – الحضارة الإسلامية بعقيدتها وشريعتها ونظام أخلاقها وإنجازاتها التاريخية هي النقيض الوحيد الشامل لفلسفة العولـمة ودينها وأنظمتها وقيمها الهابطة في هذه الدنيا التي نعيش فيها.
ماذا يمكن أن تفعل العولمة بالمسلمين؟
أولاً: العولـمة تستند استناداً مباشراً إلى الحضارة الغربية المعاصرة التي توجهها المبادئ اللادينية الوضعية التي لا تؤمن بوجود الله أو لا تسأل عنه أساساً؛ ولا تعترف بالعقائد الدينية الأخرى من الإيمان بالنبوات العامة وبنبوة النبي محمد ، ولا باليوم الآخر ولا بالغيبيات الثابتة في النصوص القاطعة من كتاب الله وسنة رسوله . ومن هنا تنشر الحياة المادية والإلحادية عبر شبكاتها الكونية بأساليب في غاية الإغراء والتأثير في النفس الإنسانية، فتؤثر في مئات الملايين من المسلمين مباشرة أو بصورة غير مباشرة، فتؤدي إلى الإنكار والتشكيك أو اللامبالاة بالعقيدة، أي أنها تفقد الإنسان المسلم كيانه عقلاً وقلباً وروحاً ونفساً وتفرغه من أصول الإيمان.
ثانياً: إن الأجهزة العولمية الكونية التي تلف حول العالم في كل لحظة، وتتسلل إلى البيوت على وجه الأرض كلها دون استئذان وتلعب بكيان الأفراد جميعاً، تثير في أنشطتها الشهوات الجنسية، وتزين عبادة الجسد وتشيع أنواع الشذوذ، وتحطم قيم الفطرة الإنسانية الرفيعة، فتتناقض بذلك مع النظام الإسلامي الاجتماعي والأخلاقي الذي أراد الإسلام في ظله أن يبني أُسراً مؤمنة عفيفة فاضلة ملتزمة.
ثالثاً: إن هذه الهجمة الإلحادية الإباحية الشرسة التي تلعب بالإنسانية الرفيعة وتحط بها من عليائها، وتقود أبناءها إلى الحياة البوهيمية اللامسؤولة، وتبذر في نفوسهم اليأس والحيرة، وتحدث فيها خواءً روحياً رهيباً لتلحق بالمسلمين أفدح الأضرار وتحولهم من أمة شاهدة مجاهدة حرة لا تيئس من رحمة الله إلى أمة خاوية، تكتفي بشهوات النفس في حيوانيتها الهابطة وتفتقد الأهداف النبيلة التي تسعى إليها.
رابعاً: إن نتيجة ذلك المخطط إلغاء شخصية المسلمين، وإلحاقهم بحضارة وثقافة غيرهم، وتفقدهم أصالتهم وتقعدهم عن طلب المعالي ومحاولة بناء حضارتهم الإسلامية الإنسانية المتوازنة، كي ينقذوا أنفسهم من السقوط ويرشدوا غيرهم لينتشلوهم مما هم فيه من الحياة الحيوانية.
خامساً: إن العولمة الأمريكية لا تكتفي بواقع التجزئة العربية والإسلامية الآن، بل تحاول إحداث تجزئة داخلية في كل بلد عربي أو إسلامي، حتى ينشغلوا بأنفسهم وينسوا تماماً أنهم أمة عربية واحدة، وينتمون إلى جامعة إسلامية واحدة.
سادساً: إنهم في هذه الحالة، لا يستيقظون من غفلتهم ولا يحققون مصالحهم المادية، ويتنازلون عن ثروات بلادهم لتمتصها تلك الشركات العولمية الرأسمالية الجشعة، فينتشر فيهم الفقر وتفتك بهم البطالة، لتظهر الأمراض الاجتماعية والجرائم المتنوعة التي تودي بحياتهم من حال البأس والقوة إلى حال الضعة والذلة والهوان. بينما أراد لهم الإسلام القوة والوحدة والعزة وعدم التفريط بأموال المسلمين وثرواتهم ومصالحهم.
سابعاً : إن العولـمة الأمريكية الصهيونية تخطط للتدخل العسكري وإعلان الحرب في أية بقعة من العالم، تفكر بالخروج على سيطرتها وتحكمها، لأن العالم يراد له أن يقع تحت براثن الاستبداد الأمريكي والقانون الأمريكي والقوة العسكرية الأمريكية. وهو أمر يكشفه تقريران خطيران كانا سريين للغاية، ثم نُشرا بعد ذلك، وهما تقريرا جريميا وولفوفتيز(23). ولا شك في أن نصيب العالم الإسلامي سيكون كبيراً في ضوء تلك السياسة الغاشمة.
ثامناً: في ظل العولـمة زاد التفرق بين الدول الإسلامية، وضرب العالم الإسلامي في السلع الاستراتيجية كالبترول وغيره(24)، بسبيل تكريس واقع الفقر في هذه الدول.
وأمام هذه الكارثة الكبرى، لا يمكن أن نتحرك لتقليل أضرارها أو الوقوف أمامها بأوضاعنا الحالية التي تعم العالم الإسلامي للأسباب الآتية:
- نمر بمرحلة ضعف الإيمان، ونفتقد إلى معرفة العقيدة الإسلامية الصحيحة، ونتمزق مذهبياً وطائفياً وعنصرياً، وتتمكن منا العقلية اللاسببية والنظرة التواكلية.
- غفلنا عن تسخير سنن الله في الكون والحياة، بل جهلناها، لعدم فهمنا كتاب الله وسنة رسوله(صلى الله عليه وسلم) ، الأمر الذي أدى إلى تأخرنا الحضاري الذي أخرجنا من دائرة الصراع الحضاري والحوار الحضاري في الوقت نفسه، فتقدم علينا واستعمر بلادنا وحرف أجيالنا عبر المنهج الدنلوبي (25) المعروف، ونشر فينا المبادئ اللادينية، لتحدث أزمة كبيرة بين مثقفينا تجاه الإسلام(26).
- نسينا بأن الله تعالى ربّ العالمين وليس ربّ المسلمين فحسب، فظننا أن مجرد كوننا مسلمين جغرافيين يكفى لإنجاز وعد الله لنا بالنصر، في حين أن الله سبحانه وتعالى يقول: } إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ{ (27)، فهل نحن نصرنا الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه؟
- لم نتمسك بأعظم شريعة ارتضاها الله تعالى لنا، تنظم حياتنا، وتربي أجيالنا، وتبصرنا بحقائق الحياة، وتدخل السلام والأمن في دواخل نفوسنا وأعماق أسرنا، وجنبات مجتمعنا، وتنشئ أمة موحدة مؤمنة مجاهدة، تتحرك في اتجاهات الحياة كلها، تريد البناء والتغيير والتجديد دائماً.
- ولما ضعف إيماننا وانحسر التزامنا، انهارت أخلاقنا الفاضلة وقيمنا الرفيعة، فتخلخل سلوكنا وانتشرت بيننا السلبية والانهزامية والنفاق والأنانية.
- افتقدنا القدوات الصالحة، ونسينا أن نربي أجيالاً تقتدي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأهل بيته الطاهرين وصحابته الأكرمين والعلماء العاملين والدعاة الصادقين. فانحرفت أجيالنا إلى الاقتداء بصعاليك الشرق والغرب من التافهين والتافهات والساقطين والساقطات، فتخرج عليهم أجيالٌ تافهة تعبد الشهوات وتركن إلى حياة الدعة والمجالس الفارغة الخالية من الرجولة والشهامة والفضيلة والصدق.
- لم نستفد من إمكانات العالم الإسلامي المادية والمعنوية وثرواته المتنوعة الهائلة، كي نحدث تنمية حضارية واجتماعية شاملة، نستطيع أن نقاوم التآمر العالمي علينا ونحفظ شخصيتنا المعنوية وكياننا المادي.
- اعتمدنا في ضروريات حياتنا على أعدائنا، سواء في السلاح أم في التقنيات أم الغذاء، التي لا تتمشى مع خصائص عناصرنا الإنتاجية حتى نظل تابعين للغرب، وبذلك نبقى مهمشين في صناعات ناقصة غير ذات جدوى.
- لدينا فائض يتجاوز 800 مليار دولار في بنوك الغرب، ومع ذلك نقترض منهم قروضاً مجحفة تعيق التنمية؛ لأن الفوائد التي ندفعها تبلغ أضعاف أصل الدين بمرور الزمان.
- معظم حكوماتنا لمناهجها العلمانية ارتبطت بالاقتصادات الغربية، بلا ضوابط أو فهم دقيق لاتجاهاتها أو مضامينها، وبغير مطابقتها لمتطلبات التنمية الحقيقية التي تحتاج إليها مجتمعاتنا، ولما لم تصح المنطلقات كانت النتائج سيئة جداً.
- لم نستطع أن نبني المؤسسات الشورية، حتى تنتهي من حياتنا مظاهر الاستبداد، التي زرعت في أمتنا بعد معركة صفين الطغيان خلافاً لما أراده الإسلام لنا، من بناء الحُكم على أساس المشاورة، كي تبني الأمة حياتها، وتقرر القضايا الخطيرة التي تتصل بمستقبلها. ومن هنا فقد انفرد الحكام في تاريخنا دائماً ببناء حياتنا كما كانت تفرضه عليهم أهواؤهم ومصالحهم. لا سيما حكام المسلمين في العصر الحديث الذين بتفرقهم وخلافاتهم واستبدادهم بالرأي كله ضيعوا على الأمة فرصاً تاريخية كبيرة، ومكنوا الأعداء من حياة الأمة الواحدة، وأرضها وكرامتها، ولا سيما الصهاينة الطغاة الذين سلبوا أرض فلسطين مستغلين هذا الواقع الأليم.
ولذلك صدق من قال: "السياسة هي مركز العصب في الحياة الاجتماعية العربية العامة. وهي في الوقت نفسه مركز العطب في عموم الحركة الاجتماعية"(28).
- لقد سحق أمتنا الجهل والجوع والمرض، نتيجة للمخططات الظالمة التي طبقت في مجتمعاتنا الإسلامية. إن هم الإسلام الكبير كان تمكين أبناء الطبقات المسحوقة بالعيش الكريم الذي يحفظ إنسانيتهم وكرامتهم. وهذا معلوم بالضرورة لكل من يدرس تشريعات الإسلام للقضاء على الفقر والأمية والمرض.
- لم نستطع أن نقضي على البيروقراطية والروتين والاستهانة بالزمن في حياتنا. ومن هنا ارتفعت معدلات البطالة، ولم نستطع أن نطور نمو ثرواتنا فاحتجنا إلى الوقوع تحت المديونيات الثقيلة للمؤسسات المالية العولمية.
لقد كانت نتيجة العولـمة خطيرة في حياتنا الاقتصادية، فضلاً عن الجوانب الأخرى حصرها بعض الاقتصاديين العرب بالنقاط الآتية:
1- إنهاء دور القطاع العام وإبعاد الدولة عن إدارة الاقتصاد الوطني.
2- عولـمة الوحدات الاقتصادية وإلحاقها بالسوق الدولية لإدارتها مركزياً من الخارج.
3- العمل على اختراق السوق العربية من قبل السوق الأجنبي.
4- إدارة الاقتصادات الوطنية وفق اعتبارات السوق العالمية بعيداً عن متطلبات التنمية الوطنية.
5- العمل على إعادة هيكلة المنطقة العربية في ضوء التكتلات الدولية(29).
إن العولـمة ليست ظاهرة مؤقتة، ولا هي قضية محدودة، وإنما هي مؤامرة عالمية كبرى على البشرية، تقف وراءها دول قوية، وأموال جبارة وخبرة علمية تقنية عالية ومخططات ذكية للسيطرة رهيبة. فلا يمكن والحالة هذه أن نحمي أنفسنا منها ونتعامل معها بقوة واستقلالية وذكاء إلاّ إذا غيرنا حياتنا منطلقين من قوله تعالى: } إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ{ (30).
وتغيير حياتنا لا يتم إلاّ باتباع الحقائق الآتية:
أولاً: نزل الإسلام دينا خاتماً كاملاً شاملاً على قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فواجه الجاهليات العالمية، ونقل العباد من عبادة الأنداد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، وأنشأ لهم مجتمعاً إنسانياً عابداً عالماً عادلاً عاقلاً، قضى على الشرك والخرافة واللاسببية واللاعقلانية في المجتمع الإسلامي. وكان نظام المجتمع هو الشريعة الإسلامية التي أمرت بالمعروف والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهت عن الفحشاء والمنكر والبغي. وسببت قيام أعظم تنمية حضارية في المجتمع الوسيط(31)، قامت على التجربة والعلم، فأنشأت المدارس والجامعات والمستشفيات. وحكم القضاء الإسلامي بالقسطاس المستقيم بين الناس، وعرف الإنسان المسلم أن له نصيباً من كل اسم من أسماء الله الحسنى، فتمسك به، وأدب نوازع نفسه الأمارة بالسوء، فكانت حياته موازنة دقيقة بين تلك الأنصبة التي أدت إلى نشر القيم الإسلامية الرفيعة التي كانت تتحرك في دائرة الإسلام ودائرة الأديان ودائرة الإنسانية جميعاً.
ثانيًا: لقد غير الإسلام حياة الإنسان تغييراً شاملاً، فكانت سلسلة حركة وجهاد في مناحي الدنيا كلها. وانتشر الإسلام من الصين حتى الأندلس، ومن أواسط آسيا إلى مشارف جنوب أفريقيا، وهدى الله به أعيناً عميا وآذاناً صما وقلوباً غلفا. وقامت عليه مجتمعات ودول حققت انتصارات ساحقة على البغاة والطغاة والمعتدين، وتربت أجيال كانت تحب الموت في سبيل الله، كما كان المشركون يحبون الحياة في سبيل الشيطان.
وأوجد الإسلام أمة موحدة راحمة، تتكافأ دماء أبنائها ويقوم بذمتهم أدناهم وكانوا يداً على من سواهم، جنسيتهم الأولى كانت هي الإسلام. ذابت فيها فوارق القوميات واللغات والأوطان. ثم أصاب المسلمين ما أصابهم من الضعف الإيماني في القرون الأخيرة كما ذكرنا قبل صفحات
الفكر الإسلامي في مواجهة العولمة
منذ أكثر من قرن ونحن نبتعد عن هذا الدين بقصد وتخطيط، سواء أكان التأثير في ذلك داخليًا أم خارجيًا، داخليًا في قابليتنا للسقوط وخارجيًا في هجمة التبشير والاستشراق والتغريب والاستعمار علينا.
عودتنا هذه المرة إلى إسلامنا، والانطلاق منه إلى عصرنا يقتضي منا إعادة النظر في الأمور الآتية:
الفكر الإسلامي:
- لا بد لنا أن نؤكد على أصول العقيدة الثابتة القاطعة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وفصلها من فروعها، والتأكيد على الأصول، وترك الفروع التي اختلف حولها العلماء حتى لا نتمزق من جديد.
- عد تيارات الفكر الإسلامي القديم تيارات اجتهادية جابهت الفلسفات والتيارات الفكرية في زمانها فأصابت وأخطأت، وليس من المصلحة إحياؤها اليوم وإدارة صراعات جديدة عليها.
- مواجهة الأفكار الجديدة بأسلوب جديد ومادة معرفية جديدة، منطلقين من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- .
- تبني المنهج الشمولي في فهم الإسلام الذي يجمع بين العقيدة والشريعة والسلوك والحركة والبناء الحضاري، من خلال منهج عقلي أصولي سليم.
- الإيمان بأن الفقه الإسلامي، فقه متجدد لا يقف عند زمن معين ولا مذهب معين ومواجهة مشكلات العصر من خلال مقاصد الشريعة وقاعدة الأيسر وليس الأحوط.
- دراسة الأنظمة العامة والمبادئ الكلية في الشريعة الإسلامية بمواجهة ما عند الغرب من مبادئ ونظريات قانونية كلية.
- دراسة السنن الكونية دراسة علمية موضوعية والاستفادة منها في الدخول إلى العصر الحضاري الإسلامي الجديد.
- محاربة مظاهر البدع والخرافة والتواكلية التي أخرت تقدم الأمة وقيامها عبر العصور الأخيرة.
- الرد على الغزو الثقافي العولمي الأمريكي الصهيوني من خلال المنهج السابق في الفكر الإسلامي، بجميع الوسائل التي يعتمد عليها، سواء من خلال الأنماط الفكرية أم الفنية أم الأدبية التي يعرضونها من خلال أفكارهم المناقضة للإسلام.
الفكـر السياسـي:
لا بد من القيام بنقد تاريخي شامل لنظام الحكم في المجتمعات الإسلامية من بعد معركة صفين وإلى اليوم، وإثبات أن الاستفراد بالحكم والاستبداد فيه الذي كان سائدًا في تاريخنا، سواء أكان في الدولة الأموية أم العباسية أم العثمانية أم في دول الأندلس، وغيرها من الدول والدويلات التي حكمت العالم الإسلامي عبر القرون، وكذلك في الدول الحديثة والمعاصرة على تنوع أنظمتها العلمانية أو ادعائها تبني الإسلام والتطبيق المزيف أو المنقطع المجزأ بالكتاب والسنة منهج استبدادي مخالف لنظام الحكم الشوري في الإسلام مخالفة أكيدة، وإنه جلب على الأمة الإسلامية عبر العصور مآس جمّة وخرابًا شاملاً، وإنه من أعظم أسباب سقوط المجتمع الإسلامي وأزماته قديمًا وحديثًا.
إن نظام الشورى في الإسلام كما طبّقه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه الراشدون y ، وكما يمكن أن يلجأ اليوم إلى الآليات والأساليب المعاصرة المنسجمة مع روح الإسلام لتحقيق مقاصد الشورى، هو الذي يحقق كرامة الإنسان المسلم، ويعيد إليه حقه في المعارضة والتعبير عن آرائه بحرية أخلاقية منضبطة.
إن بقاء النظام السياسي في المجتمع الإسلامي إلى لحظة كتابة هذه الكلمات نظامًا تسلطياً فرديًا استبداديًا، لن يكون إلاّ في مصلحة قادة العولـمة، وأعداء هذه الأمة. إن الصدام بين الشعوب وحكامها لن يكون إلاّ في صالحهم. ولذلك نجد أن العولـمة تشجع بقاء الأنظمة الظالمة في بلاد الإسلام، مع أنها تدعي أنها تريد الديمقراطية والحرية في العالم.
إن العقلاء جميعًا متفقون على أنه ما من مصيبة من مصائب هذا القرن، قد حلت بالإسلام والمسلمين إلاّ كانت نتيجة مباشرة لصراعات الحكام فيما بينهم واستبدادهم بالرأي، ومحاربتهم لأهل الرأي السديد وعدم سماعهم قول الحق وعدم رجوعهم إلى موازين الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا. فضلاً عن ارتباط كثيرين منهم بأعداء الأمة والدين.
إن معظم حكام المسلمين في القرن الأخير قد أحدثوا فرقة كبيرة بين المسلمين، أو لم يهيئوا صفوف الأمة للجهاد والحركة والتغيير والبناء، وضيعوا ثروات الأمة على مباذلهم وقصورهم، وعلى حياة البذخ والفخفخة الفارغة، أو على حروب خاسرة لم يخططوا لها ولم تكن لهم فيها إرادة للقتال أصلاً.
إن نتيجة تلك السياسات هي التي أدت إلى طغيان الصهيونية واستيلائها على أرض فلسطين، وهي التي تؤدي اليوم إلى خطر طغيان العولـمة الشرسة علينا.
إنني أكاد أجزم مع الجازمين أن أي إصلاح لا يمكن أن يجري على أصوله الصحيحة في بلاد الإسلام، ما لم تتغير طبيعة النظام السياسي في بلاد الإسلام، من الاستبداد إلى الشورى، ومن مصادرة الرأي إلى الحرية في الرأي والمعارضة، ومن مصالح الأفراد والأسر إلى مصالح الأمة من حيث هي كل لا يتجزأ ومن حكم الحكام إلى حكم المؤسسات الدستورية.
وهذا هو سر حرص أمريكا واليهودية العالمية ومن شاكلهما من دول الطغيان على إبقاء الوضع السياسي في العالم الإسلامي على ما هو عليه؛ لأنه يجلب لهم الأمن والأمان والسكوت على جرائمهم بحق الإسلام والمسلمين.
الفكـر الاقتصــادي:
لقد استنبط الاقتصاديون الإسلاميون النظام الاقتصادي الإسلامي المعاصر من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومن معالجات الخلفاء الراشدين واجتهادات الفقهاء المجتهدين عبر العصور. وزادوا على ذلك ما استجد من قضايا الاقتصاديات المعاصرة والتي تتلاءم مع روح الإسلام. وأستطيع أن أزعم أن التوجه الإسلامي في بناء الاقتصاد هو الذي ينقذ الأمة من التخلخل الاقتصادي، ويقضي على التفاوت الظالم في الثروات، ويعيد التوازن إلى المجتمع الإسلامي، ويحدد وظيفة الدولة الاقتصادية من خلال ذلك التوازن.
لماذا؟!!.
- لأن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد مرن لا يعين معالجة واحدة في كل حالة زمانية أو مكانية، وإنما يقرر الأصول ويفتح حرية الحركة أمام الاقتصاديين، لحل المشكلات الاقتصادية حسب الظروف المختلفة.
- منع الاستغلال والاستلاب للقضاء على سوء توزيع الثروات والحيلولة دون قيام المجتمع الظالم.
- التملك مشروع ولكنه محاط بسياج من القيود حتى لا يؤدي إلى التعسف في استعمال حق الملكية، ويشرع الإسلام مع الملكية الفردية الملكية العامة وملكية الدولة.
- لا بد من وجود التكافل الاجتماعي في المجتمع الإسلامي؛ لأنه هو الذي ينتهي إلى التوازن.
- تكافؤ الفرص أمام الجميع وعدم تعطيل الطاقات الإنسانية.
- تغليب الاتجاه الجماعي في الاقتصاد الإسلامي لتغليب مصالح الأكثرية الكادحة.
- حرمة الكنز وحبس الثروات، وتوظيفها لأداء وظيفتها الاجتماعية.
- الدولة لها الحق في التدخل في الحياة الاقتصادية، كلما رأت الضرورة في تحقيق مصالح العباد.
- العمل هو المعيار الأساسي، وهو نابع من فكرة الاستخلاف، ويلتزم المجتمع بإيجاد عمل لكل قادر.
- المحافظة على رأس المال وإنماؤه وعدم إضاعته، ولذلك شرع الإسلام مبدأ الحجر على أموال السفهاء.
- في ظل الاقتصاد الإسلامي تكفي الموارد؛ لأنه ليس اقتصاد ترف. كل تنظيم اقتصادي معاصر، يزيد في الثروة ويحقق مقاصد الإسلام في إسعاد الناس، هو من الاقتصاد الإسلامي، من منطلق القاعدة الشرعية، حيثما كانت مصالح العباد، فثمة شرع الله.
- من الواجب أن يتعاون الجهد الإنساني في أجنحته كافة في تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة.
هذه هي بعض الملامح العامة لمذهبية الاقتصاد الإسلامي المتميز عن باقي الأنظمة الاقتصادية المعروفة اليوم تمام التميز، لا بد أن يؤدي عند تطبيقه إلى طريق جديد للتنمية في المجتمع الإنساني، طريق ليس آلياً يبغي الربح وحده أو الكفاية الاقتصادية وحدها، إنما هو طريق إنتاج اقتصادي أخلاقي إنساني، يفي حاجة الإنسان وضروراته وشيئًا من كمالياته، إن أمكن ذلك(1).
يقول الاقتصادي الفرنسي جاك أوستروي: "إن طريق الإنماء الاقتصادي ليس مقصورًا على المذهبين المعروفين، الرأسمالي والاشتراكي، بل هنالك مذهب اقتصادي ثالث راجح، هو المذهب الاقتصادي الإسلامي، ويقول: "إن هذا المذهب سيسود عالم المستقبل؛ لأنه أسلوب كامل للحياة"(2).
فإذا انطلق المسلمون من مذهبية الاقتصاد الإسلامي التي تتفرع من مذهبية الإسلام العامة في الكون وخالقه والمجتمع والإنسان، فاستفادوا من إمكانية المسلمين الاقتصادية الضخمة المتنوعة، وكانوا أقوياء الأداء في جانب التشييد والمعادن والزراعة(3) وقابلوا العولـمة المركزية الأمريكية الصهيونية، بعالمية عربية وإسلامية وشرقية(4)، وتعاملوا مع الاقتصاد العالمي من خلال تبادل المنافع، وخططوا للتنمية تخطيطاً ذاتيًا جيدًا، مستفيدين من خبرات وتنظيمات الحضارة الغربية وأقاموا سوقًا إسلامية مشتركة، ونقلوا أرصدتهم الضخمة إلى العالم بعد إعادة الثقة إلى وحدة الأمة وأخوة أبنائها، فإنهم يستطيعون في هذه الحالة أن يقللوا كثيرًا من أخطار العولـمة عليهم؛ لأن العولـمة كالذئب لا يأكل إلاَّ من الغنم القاصية.
الفكر الاجتماعي الإسلامي:
لا بد من التأكيد على النظام الاجتماعي الإسلامي في الأمور الآتية:
1- يقوم المجتمع الإسلامي على جهود الرجال والنساء، يكمل بعضهم بعضًا.
2- ليست هنالك مفاضلة في أصول الخلقة ولا مفاضلة لجنس على آخر في أصل الخلقة، بل كل جانب يفضل الآخر فيما كلف به من واجبات شرعية.
3- أقر الإسلام في تشريعاته بإنسانية المرأة واستقلال شخصيتها وعدها أهلاً للتدين والعبادة، وأقر حق المبايعة لها كالرجل ودعوتها إلى المشاركة في النشاط الاجتماعي المنضبط بضوابط الأخلاق، وقد سمح لها بالأعمال التي تتفق مع طبيعتها، وشرع لها نصيبها في الميراث وإشراكها في إدارة شؤون الأسرة وتربية الأولاد، وأوجب معاملتها بالمعروف واحترام آدميتها كما أنه ساوى بينها وبين الرجال في الولاية على المال والعقود، وأقر لها شخصيتها القضائية المستقلة(5).
ومن هنا فإنه لا بد أن نجتاز بالمرأة المسلمة عصور التخلف والجهالة وسوء التأويل لتشريعات الإسلام لحياة المرأة، والاعتراف الكامل بكونها نصف المجتمع، ولا بد من إعادة النظر في مشكلاتها الاجتماعية في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية العامة ومقاصدها الحكيمة وغاياتها في الحياة لتحديد مسؤوليتها الأسرية والاجتماعية والدعوة إلى ترك الاجتهادات الماضية التي تمثل عصورها وأعرافها، والتي قيدت المرأة في التربية والتعليم، والاشتراك في مضامير الحياة المتنوعة التي تتفق مع فطرتها وتكوينها ومصلحتها ومصلحة مجتمعها، دون الانجراف وراء مغريات الحياة الإباحية التي انتهت إليها الحضارة الغربية.
4- يقوم المجتمع الإسلامي على القاعدة الإيمانية التي تجمع بين المسلمين جميعًا دون الالتفات إلى اختلافات اللغة أو اللون أو العرق.
5- أهل الأديان جميعًا لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين إلاّ فيما يخص القضايا التشريعية الخاصة بكل طرف.
6- البشر جميعهم كرامتهم مصانة في إطار المجتمع الإنساني.
7- المجتمع الإسلامي يقوم على أساس نابع من قيم الإسلام والقيم العامة التي اجتمع عليها الإسلام.
8- لا بد أن تحقق العدالة المطلقة في المجتمع الإسلامي للجميع، ولا فرق في ذلك بين المسلمين وغير المسلمين.
9- الأسرة في المجتمع الإسلامي تقوم على القواعد الإسلامية في المحافظة على العفاف والفطرة والابتعاد عن الفوضى الجنسية، وخرق نظم الأخلاق التي يقرها الإسلام.
10- تكافؤ الفرص أمام الجميع لإظهار القدرة والاستعداد لبناء المجتمع والحضارة.
الفكر التربوي الإسلامي:
أمام هجمة الفضائيات العولمية وتخطيطها العلمي والفني الذكي في عرض أفكارها بطرق متنوعة مؤثرة، عبر الأنماط الفنية من المسلسلات والأفلام والتعليقات والتقارير التي تدخل يوميًا مئات الملايين من أجهزة التلفزيون والإذاعة والإنترنت على وجه الأرض، لا يمكن الحفاظ على الذات والأصالة والخصوصية الدينية والفكرية، إلاّ بتربية أبناء الأمة تربية مخططة تشعرهم بأنهم أبناء أمة التوحيد والإيمان وتنشئتهم نشأة إسلامية، وتحصنهم فكريًا وأخلاقيًا وسياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، بحيث يعلمون بيقين كامل أنهم متميزون عما يشاهدون. وبذلك يستطيعون أن يكتشفوا الباطل من الأقوال والأفعال والسلوك. وإن لم نفعل ذلك ونتعاون عليه في العالم الإسلامي كله، فسنجابه فتنة كبيرة وفسادًا عظيمًا وذوبانًا تدريجيًا مؤكدًا في طغيان إعلام العولـمة الرهيب.
ويكون ذلك بما يأتي:
1- الاهتمام بتربية الأسرة المسلمة وتثقيف أفرادها وتوجيههم من خلال أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، ومن خلال المساجد وخطب الجمعة والدورات التربوية القرآنية المستمرة أو المؤقتة والمواعظ والمحاضرات العلمية والتوجيهية.
2- ومن خلال المناهج الرصينة في التربية الدينية، وكتب اللغة العربية، وكتب التاريخ والجغرافية والثقافة العربية والوطنية العامة، وحتى الكتب العلمية الصرفة.
3- ومن خلال الكتب والمجلات والجرائد والدوريات الخاصة والعامة.
4- ومن خلال المخيمات الشبابية الصيفية في القطر الواحد أو الأقطار العربية أو الإسلامية.
5- ومن خلال المهرجانات العامة والمؤتمرات التي يجب أن تقام بين حين وآخر في القطر الواحد أو الأقطار المتنوعة.
6- ومن خلال العروض المسرحية والأفلام في المسارح ودور العرض السينمائية.
وغلى غير ذلك من الوسائل التي تشترك جميعًا في تكوين أجيال تشعر بانتمائها الإسلامي وانتسابها الحضاري للأمة العربية والإسلامية(6).
7- ومن خلال وحدة المعرفة التي قامت عليها التربية الإسلامية التي تبغي صياغة الفرد صياغة إسلامية حضارية، وإعداد شخصيته إعدادًا كاملاً من حيث العقيدة والذوق والفكر والمادة، حتى تتكون الأمة الواحدة المتحضرة التي لا تبقى فيها ثغرة تتسلل منها الإغراءات العولمية اللادينية الجنسية الإباحية.
إننا نحتاج في بلاد الإسلام كلها إلى أن نقوم بحملة إسلامية شاملة عبر مخطط حضاري معاصر، تشترك فيها الدول والمؤسسات الرسمية والشعبية والجمعيات والأحزاب جميعاً. لأن مواجهة العولـمة من الخطورة بحيث يجب أن نتعامل معها من مواقع قوية تشهد على وحدة الأمة، وغاياتها النبيلة في هذه الحالة لخيرها ولخير البشرية جميعًا.
نحو وحـدة الأمة
إن أوضاع البلاد الإسلامية المتأخرة في القرن الأخير شجعت المستعمرين على التقدم نحو احتلال بلاد الإسلام، ولم تفد المقاومة غير الموحدة وغير الحضارية في منع وقوع ذلك الاحتلال. فبذل هؤلاء الأعداء المحتلون جهودًا ثقافية إعلامية تربوية كبيرة في سبيل نشر مبادئهم في الوسط الإسلامي. فآمن البعض بالمبادئ الرأسمالية الفردية، وآخرون آمنوا بالشيوعية، وجماعة ثالثة آمنت بالقومية ورابعة بالوطنية الديمقراطية وأخرى بالاشتراكية الثورية، وهكذا دون رجوع إلى محور إلهي ثابت يتحاكم إليه الجميع.
وتقبل الأفكار المفرقة للأمة في أسسها لم يأت فقط عن طريق الفرض الاستعماري فحسب، وإنما ظهر أيضًا نتيجة للاحتكاك الحضاري، بين أمة متأخرة جامدة غير منتجة للفكر والعلم والمدنية، وبين أمم استعمارية غربية قوية دخلت في العصر الحضاري الجديد، فأبدعت في التنظيم وبناء الحياة المادية أيما إبداع. فحصلت من هنا الكارثة الكبرى في بلاد الإسلام، حيث قانون تقليد المغلوب للغالب قد عمل عمله، وسقطت أجيالنا المتلاحقة أمام الأفكار المغرية التي أتتهم من الغرب، دون أن تكون لهم بها قوة في الوعي والتمييز والتمحيص والاختيار.
وقد ظهر ردّ الفعل الإسلامي المسالم أو العنيف على هذه الأوضاع المزرية في التشرذم والفرقة والصراع والصدام. فدعا الإسلاميون إلى الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- . ومن هنا حدث صدام فكري ودموي بينهم وبين أصحاب تلك المبادئ اللادينية المناقضة لأسس الإسلام، والذين مكنتهم القوى الاستعمارية من حكم البلاد الإسلامية. واستمر الحال قرابة قرن كامل من الزمان، بحيث ألحق ذلك الصراع أضرارًا فادحة بمجمل حركة التطور الإسلامي إلى الأمام، لأن القوميين العلمانيين والوطنيين اللادينيين، والوجوديين الملاحدة، والشيوعيين الماديين، لم يكونوا على استعداد أن يلتفتوا إلى الإسلام أي التفات، بل عدّوا الإسلام ومن يؤمنون به وينادون بالاحتكام إليه أعداء حقيقيين لهم وللبلاد؛ فالصقوا بهم التهم الباطلة، واتهموهم بإعاقة تقدم الأمة وأدخلوهم في محن طويلة من السجون والتشريد والقتل، وانفردوا هم بحكم البلاد وتدبير أمور السياسة قرابة قرن كامل من أخصب زمان الأمة.
وبدا العقلاء شيئًا فشيئًا يتساءلون: يا تُرى ماذا فعل الحكام اللادينيون الذين كانوا يحكمون بلاد الإسلام، والذين كانوا ينتمون إلى القومية والوطنية والماركسية؟
هل قدّموا المجتمع إلى الأمام؟ هل وحّدوه؟ هل بنوا مجتمعًا متماسكًا؟ هل قادوا تنمية ناجحة؟ هل أسسوا فيها قضاءً عادلاً؟ هل بنوا فيها تعليمًا منسجمًا وتربية محصنة؟ هل حافظوا على كرامة الإنسان المسلم؟ هل كانوا يحكمون بشورى حقيقية؟ هل سخّروا المنافقين من الكتاب والأدباء والشعراء وأهل الصحافة لمصالح الجماهير المخدوعة أم لمصالحهم الطاغوتية؟ هل قضوا على الفقر؟ هل أوجدوا اقتصادًا قنوعًا في العالم الإسلامي؟ أم ضيّعوا ثروات الأمة في رغبات النفس الأمارة بالسوء، وبناء القصور وتزيينها، والمحافظة على استمرارهم في الحكم والسلطان والطغيان؟!.
ألم يأن لهؤلاء أن يعترفوا أنهم مسخوا الأمة بالتقليد، وصنعوا لها الكوارث تلو الكوارث، وأوقعوها راكعة ذليلة أمام الطغيان الأمريكي والصهيونية العالمية.
ألم يأن لهم أن يلتفتوا إلى إسلامهم، فيحاسبوا أنفسهم ماذا جنوا بحقه؟ ويتساءلوا بينهم: هل فهموا حقائقه؟ ألا يجب عليهم أن يجربوه تجربة أصولية عصرية ليعلموا كيف تكون النتيجة؟
- لو ربوا الأجيال على الإيمان والإخلاص والابتعاد عن الذنوب عامة وخاصة، ماذا سيحصدون؟
- لو عادوا إلى استشارة الأمة استشارة ملزمة، ماذا ستكون العاقبة؟
- لو طبّقوا الأنظمة العامة في الشريعة الإسلامية الثابتة بالوحي الإلهي من أجل إحداث تنمية شاملة، ماذا ستنتهي إليه الأمة؟
- لو رجعوا إلى نظام التربية والتعليم نصيب كل إنسان في أسماء الله الحسنى، كيف ستنمو القيم، ويتوحد الشعور ويبدع العقل المنتج وتنطلق الحركة المغيرة؟
ثم ألم يأن للإسلاميين أيضًا أن يقوموا بمساءلة أنفسهم ماذا يجب أن يفعلوا مع أنفسهم؟ هل أفادهم خلط الوحي الإلهي بآراء رجال استنبطوا لعصرهم وفكروا من خلال واقعهم؟
ألا يجب عليهم أن يفصلوا الوحي الإلهي عن التاريخ الذي هو صنع آبائهم وأجدادهم بكل ما فيه من حلو ومر.
- ألا يجب عليهم جميعًا أن يدخلوا في العصر الحديث ليبنوا مستقبل الأمة، فيقللوا الحديث عن الماضي المفرق أحيانًا.
- هل من الإخلاص لله ولرسوله أن نرجع إلى واقعنا الجديد صراعات السلفية والصوفية والأشعرية والمعتزلة والحنبلية والجهمية، والسنة والشيعة، تلك الأفكار التي ذهبت مع صراعات عصرها، ولنا اليوم عشرات المعضلات الحضارية الحديثة التي تنتظر الجواب السديد.
هل يفيدنا في مواجهتنا الحضارية الحديثة لبناء أمتنا الحلول الجزئية المرحلية الماضية التي أكل عليها الدهر وشرب؟.
ألا يجب على الإسلاميين حتى يقنعوا أهل الأفكار الغربية الممزقة بأحقية الحل الإسلامي، أن يعودوا إلى المنهج الشمولي في فهم الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكًا بأسلوب جديد ومنهج واع، يعتمد العلم والعقل لا غيرهما.
إن أمتنا تواجه اليوم العولـمة الطاغية الباغية، وهي ساقطة متأخرة بينها وبين أهل الحضارة المسيطرة شأو بعيد.
فهل من المعقول أن نسمح بأن يستمر الانحدار، ويتمكن التأخر، وتزداد الهوة بيننا وبين العصر الحديث.
ألا نحتاج في هذه المواجهة التاريخية الكبرى لتوحيد أمتنا وتقويتها، وبنائها على أصالتها وخصائصها الذاتية والإنسانية إلى محور ثابت أصيل متوازن، يعود الجميع إلى الاحتكام إليه وينسون صراعاتهم وخصوماتهم من أجل الانطلاق إلى بناء أمتنا المجيدة من جديد؟
وهل سنجد هذا المحور الثابت الأصيل المتوازن في غير ديننا الخالد، الإسلام الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟.
وهذا الإسلام يشكل المعادلة الأساسية الجوهرية في حياة الأمة، وأعداء الإسلام اليوم بوسائلهم الخبيثة كلها يريدون أن يضربوا هذا الأساس المتين، كي تضيع وحدة الأمة، فتستسلم إلى التبعية الذليلة وتتخلى عن العزة والوحدة والحقوق الأساسية(7).
إن تجربة قرن كامل في قيادة المجتمعات الإسلامية بمعزل عن النظام الإسلامي أثبتت للعلمانيين أنفسهم أنهم كانوا مخطئين في عزل الإسلام عن الحياة، فبدءوا يلتفتون شيئًا فشيئًا إلى دينهم الإسلامي بدرجات متفاوتة، ويدعون إلى عقد ندوات حوارية بينهم وبين الإسلاميين، وهذا في حدّ ذاته حالة صحية مطلوبة؛ لأن الأخطار التي تهدد الأمة من العولـمة الصهيونية في بلاد الإسلام كلها لا سيما في فلسطين تستدعي اللقاء والحوار والتقارب، حتى يصل الجميع إلى صيغة تجمع الكل على القضايا الجوهرية الواحدة في مواجهة تلك الأخطار، وإلا فالعدو بالمرصاد، ويمكن أن يسد علينا نوافذ الضياء جميعًا.
إن تعاون الجميع في إطار حكم شورى والاتفاق على قضايا مصيرية عليا سيعيد التوازن إلى كيان الأمة والأمل إلى الأجيال الجديدة، فيشعرون بلذة التعاون والوحدة، ويتحركون بمنتهى المسؤولية، وحينئذ يمكن أن يقود هذا إلى بداية قوية في أحداث تنمية حقيقية شاملة، تخرج الأمة من ظلمات القرون الأخيرة إلى نور الخطوط المخلصة من أجل القيام والنهوض والتقدم إلى الأمام.
وقد يسأل باحث: ما القضايا الجوهرية التي يمكن أن يتفق عليها الإسلاميون والقوميون والوطنيون في هذه الفترة الانتقالية التي تهدد بلادهم فيها أمريكا ومن ورائها اليهودية العالمية.
نحو ميثاق إسلامي لمواجهة العولمة
يمكن أن يتفق الجميع على ميثاق عام لمواجهة العولمة، وتفصيله على الوجه الآتي:
- المحافظة التامة على استقلال الأمة السياسي، وعدم السماح بتدخل القوى الأجنبية الغاشمة لإضعافه بشكل مباشر أو غير مباشر.
- المحافظة على ثروات الأمة من الضياع والهدر والسرقة، ووضع الخطوات الكفيلة بمنع ذلك.
- الوقوف الموحد أمام الحكام، ومحاولة منعهم من الانفراد والظلم والتجاوز، ونصحهم الدائم عبر الوسائل الإعلامية من دون عنف وثورة وسفك دماء؛ لأن ذلك لا يأتي بخير، ولا سيما في ظروف أمتنا الحاضرة.
إن الضغط الجماعي المستمر على الحكام من شأنه أن يعيدهم إلى صوابهم، وأن يقوي مواقفهم التفاوضية في قضايا العلاقات الخارجية.
- الوقوف مع الحكام مهما كانوا ظالمين، عندما يُداهم البلد غزو أجنبي، ونسيان كل خلاف معهم. فمصالح الأمة العليا والحفاظ على استقلالها وأرضها وشرفها مقدّم على كل اختلاف داخلي حتى لو وصل إلى درجة الصراع.
- الاتفاق على كل ما يعيد الروح في أي مظهر من مظاهر الوحدة العربية أو التضامن العربي أو التضامن الإسلامي، وعدّ ذلك من أهم الثوابت التي لا يجوز النقاش فيها.
- عدم الخروج على الثوابت القاطعة، التي ثبتت بالوحي الإلهي، والتي لا يكون المسلم مسلماً موحداً إلاّ بها، وعدم السماح بمخالفتها في الثقافة والتربية والإعلام.
- رفض مخططات الصهيونية، وعدم الاعتراف بأية تسوية معها على حساب أرض فلسطين المقدسة، واللجوء إلى إعداد الأمة للجهاد ضدها، والإيمان الكامل بأن ما أُخذ بالقوة في فلسطين بالذات، لا يمكن أن يسترد إلاّ بالقوة، ولو طال الأمر عشرات أخرى من السنين، باعتبارها قضية العرب والمسلمين الأولى.
- رفض كل جماعة أو هيئة أو حزب لا تنبع أفكارها من مقدسات الدين والوطن وأرضه وتاريخه وحضارته، وعدّ ذلك عمالة لقوى أجنبية سرية أو علنية.
- تداول السلطات سلميًّا بين التيارات السياسية المذكورة، لابد أن يكون قانوناً عاماً في المجتمع؛ حتى لا تهدم أركانه الصراعات السياسية، التي أضرت بمصالح الأمة في القرن الأخير ضرراً بالغاً، ولا سيما في النصف الأخير من القرن العشرين.
- الاتفاق على أسس عامة في إعمار البلاد عبر خطط متنوعة، يتفق عليها أهل الخبرة العلمية من الأطراف جميعاً، وهي خطط علمية محايدة.
- عدم فرض الرأي الواحد أو الاتجاه الواحد في القضايا الخطيرة التي تتعلق بها مصلحة البلاد والعباد، والإيمان بأن تنازل كل طرف عن شيء من رأيه أو خططه سيؤدي إلى وضع مشترك يريح الجميع.
- اتفاق الجميع على أن يبقى الجيش سوراً قوياً للوطن، ولا يستعمل أبداً في اللعبة السياسية، وإنما يتوجه به إلى حياة الجندية والتدريب والتسلح؛ استعداداً فورياً لقطع دابر المعتدين الباغين من الصهاينة ومَنْ وراءهم من المجرمين الاستعماريين.
- الاتفاق على قيم أخلاقية عُليا، نابعة من دين الأمة وأصالتها وحضارتها الشامخة؛ حتى تتربى الأجيال على الحد المشترك الذي يُرضي الجميع في هذه المرحلة الحرجة، التي نحتاج فيها إلى الأخلاق النبيلة لبذر بذور المحبة والتراحم والتواد بين أبناء الأمة الواحدة.







رد مع اقتباس
قديم 06-12-2006, 03:44 PM رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
الاستاذ ابو هاني
عضو جديد مشارك
إحصائية العضو








آخر مواضيعي


الاستاذ ابو هاني غير متواجد حالياً


افتراضي

- إن هذا يستدعي الاتفاق على رفض النظام الاجتماعي الذي يبيح الشذوذ الجنسي والحرية الجنسية للرجال والنساء، وكذلك رفض الإلحاد والردة عن الدين.
- الاتفاق على وضع الخطط للقضاء على الجهل والجوع والمرض بين أبناء الأمة الواحدة، وهي خطط دنيوية عامة.
- الاتفاق على عدم اتباع اللاأخلاقيات التي يتبعها الديمقراطيون الغربيون في صراعات الأحزاب والانتخابات، وفضح بعضهم بعضا بالحق والباطل في سبيل المنافسة والتقدم في الانتخابات أو إسقاط الحكومات.
- الحوار الدائم بين الأطراف المذكورة من شأنه أن يقارب بين العقول والقلوب؛ تمهيداً لإذابة الجميع في مفهوم الأمة الواحدة، أخوة في الدين والقوم والوطن، وتأليف لجان دائمة مشتركة من الخبراء، تبحث القضايا الكبرى، وتعد الخطط والبيانات في أنشطة الحياة المتنوعة.
- زرع هذه المعاني العليا- كل من جهته- بين جماهير الأمة العربية والإسلامية؛ كي تتحول إلى اقتناع عميق لا يتزحزح، مهما تغيرت الظروف والأحوال، حتى تقوم بواجبها في الوقوف الجماعي الكاسح أمام هذه العولـمة الأمريكية اليهودية. فعزل الجماهير في العقود الماضية وعدم السماح لها بصنع حاضرها ومستقبلها من لدن الحكام المستبدين، قد ألحق بحركة الأمة ووحدتها نكسات كبيرة.
ففرض الطريق الواحد على العلماء والمثقفين والسياسيين والأدباء والإعلاميين والفنانين وغيرهم عن سبيل الإرهاب والتعذيب والسجن والاغتيال والإعدام، كان طامة كبرى في حياة هذه الأمة المظلومة، بِيَد أولياء أمورها قبل أعدائها، فقد أدى إلى هدر طاقات الأمة وحسها الفطري في الوحدة؛ لأن الشعوب إذا أخذت المبادرة فلن تختلف، بينما الحكام الذين يقوم حكمهم على غير القواعد الشعبية يختلفون، واختلافهم دائماً في صالح الأعداء- لا سيما الصهيونية- وتدمير الأمة في مجالات الحياة كافة().
إن الطريق الوحيد أمام العولـمة الأمريكية الصهيونية، مواجهتها في إضعاف الإيمان بالانطلاق من عقيدة الأمة والتضامن بين العرب والمسلمين في مجالات الحياة كافة، والوقوف وقفة موحدة أمام السياسات العولمية الغاشمة.
أما التفرق والخضوع فلن يخدم أحداً، وسيؤدي إلى مزيد من النكسات والسقوط أمام الغطرسة الأمريكية والطغيان الصهيوني.
إن العولـمة الأمريكية لن تركع إلاّ أمام إرادة أربع وخمسين دولة عربية وإسلامية، حين يتبعون سياسة واحدة في المواجهة السلمية وحتى الحربية.
إن أمريكا لها مصالحها الضخمة في العالم الإسلامي، وستضطر إلى التفاهم حين تجد نفسها أمام إرادة عربية واحدة أو إسلامية واحدة.
إن العرب والمسلمين، لابد أن يصبوا جهدهم في تحقيق الوحدة في العالم العربي والإسلامي. لا أقول وحدة الدولة، فهذا عسير جداً في عالمنا المعاصر، وإنما وحدة العقول والقلوب والمصالح والتضامن الكامل في إطار جامعة إسلامية واحدة أو في إطار المؤتمر الإسلامي الحالي، والذي تتولد منه سياسة واحدة، على أساس وحدة الأمة الواحدة.
والوحدة العاطفية لا تكفي أيضاً، إلاّ إذا عرفت هذه الوحدة: كيف تدخل في العصر الجديد، وكيف تستفيد من الفرص المتاحة، ومن خلال حسن الاختيار؛ كي تصل إلى أفضل النتائج.
إن الغرب الصليبي بدوافع الأحقاد التاريخية المتأصلة ضد الإسلام وأهله، لن يسمح بقيام المسلمين ونهضتهم ووحدتهم ودخولهم في عصر التقنيات العالية.
وإن اليهودية العالمية ستبذل المستحيل للحيلولة دون قوة ووحدة الأمة العربية خاصة والإسلامية عامة.
لكـن إذا أخلصت الأمة مع ربها، وانطلقت إلى بناء الحياة من ذاتها، فإنها- بإذن الله- ستصل إلى ما تريد، دون مساعدة الأقوياء. وأمامنا اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فقد رفضتا المساعدة الخارجية المقيدة المشروطة، وواجهتا قدريهما بنفسيهما، ووصلتا اليوم إلى ما وصلتا إليه من القوة والحصانة.
يقول الاقتصادي المصري "رفعت العوضي": "مسألة التكامل الإسلامي، وكيف يمكن للدول الإسلامية اليوم أن تكمل في إطار هذا التكامل في ظل الظروف الراهنة، ليس بمقدور أي دولة إسلامية أن تخرج عن الإجماع العولمي الذي تمليه الدول السبع الكبار عبر المؤسسات والمنظمات الدولية، ومن ثم فإن المتنفس أمام الدول الإسلامية يبدأ عبر الساحة الإسلامية ذات الامتداد الجغرافي والإستراتيجي والسكاني والمادي، بدءاً بالتكامل، وانتهاءً بالتوحد عبر سياسات منضبطة.
العالم الإسلامي يمتلك مخزوناً جباراً من رؤوس الأموال ومن الثروات الحيوية والمعدنية، بالإضافة إلى التلاحم الجغرافيين، والتكامل في الموارد؛ ولهذا لو قامت تجارة فعلية بين العالم الإسلامي لأمكننا الاستغناء عن العالم الخارجي- على الأقل- في الاحتياجات الإستراتيجية.
وهنا يبرز دور مؤسسات التكامل؛ سواء على مستوى الإطار الإسلامي العام كمنظمة المؤتمر الإسلامي، أو حتى على المستوى الإقليمي كالاتحاد المغربي ومجلس التعاون الخليجي، أو اتحاد جمهوريات وسط آسيا الإسلامية، أو على المستوى الوظيفي كمجموعة الدول الثمانية الإسلامية. لكن المثير للعجب أن دور هذه المؤسسات لم يزل مقصوراً على الدور الاستشاري، ولا يحمل أي صورة من الإلزام"().
إننا بحاجة إلى بناء الإنسان المسلم بناء إيمانياً قوياً راشداً، معتزاً بذاته، مغيراً لظروف حياته، عارفاً بظروف الأمم الأخرى، قادراً على نهوض حقيقي في مواجهة أخطار العولمة.
والشرط الأساس أن نعيد إليه الاعتبار، ونخلصه من الاستلاب السياسي الذي تعرض له خلال القرون الأخيرة؛ كي يخطط لمشروعه الحضاري المتكامل، ليخدم نفسه ويخدم غيره.
إن الغرب الآن ليس بحاجة إلينا في التقنيات المتقدمة، بل نحن الأحوج إلى ذلك كثيراً، ولكن الغرب يحتاج إلى قيمنا كما نحتاج إليه. ولو أخذنا بوسائل العولـمة الحديثة التي يستعملها للتدمير، ووجهناها من خلال قيمنا وأخلاقنا إلى التعمير، لخدمناه وخدمنا البشرية جميعاً، وخدمنا- قبل ذلك- أجيالنا، وحصنّاهم؛ كي لا يقعوا فريسة سهلة أمام مغريات العولـمة الأمريكية الصهيونية اللادينية الإباحية.
يقول الدكتور "عبد الحميد الغزالي": "بعد سقوط الاشتراكية وتبني جورباتشوف البيريسترويكا، التي أراد من خلالها أن يبحث عن طريق غير الرأسمالية؛ لأنه أعلم بمشاكلها- أرسل وفداً ليدرس النظام الإسلامي للاستفادة منه، وشكلت لجان في مركز الاقتصاد الإسلامي التابع لجامعة الأزهر من المتخصصين، وعكفت هذه اللجان على صياغة برنامج متكامل للنظام الإسلامي في شكل بنود وفقرات، قدمنا فيه نظاماً اقتصادياً تشغيلياً، يبدأ بفلسفة النظام والعمل والأجور، ونظام الملكية المتعددة، والاستهلاك، والاستثمار، والادخار، والشركات، وصيغ الاستثمار، والسياسة النقدية، والسياسة المالية.... إلى آخر مكونات النظام الاقتصادي الفاعل.
وعندما قدّمنا هذا النظام للوفد، تساءل رئيسه الوزير "بافلوف": "لديكم مثل هذا النظام، وأنتم على هذه المسألة من التخلف؟". وأسندت أمانة المؤتمر الردّ إليّ، فكان ردّي: "لأننا بعيدون تماماً عن هذا النظام".
ولكن توالت أحداث تفكك الاتحاد السوفيتي، ولم تُعِد القيادة الروسية الفرصة للاستفادة من هذا المشروع، الذي أصرَّ الوفد الروسي على مناقشته تفصيلاً في جولة ثانية في موسكو.. إلاّ أن الجولة المقترحة لم تتم بسبب هذه الأحداث







رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قانون السير المحامي محمد صخر بعث موسوعة التشريع السوري 0 03-12-2006 08:46 PM
قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري المحامي محمد فواز درويش قوانين جمهورية مصر العربية 0 10-07-2006 07:25 PM
قانون العمل السوري رقم 91 لعام 1959 المحامي محمد فواز درويش موسوعة التشريع السوري 0 14-12-2004 10:31 AM
قانون المعاملات التجارية الاماراتي المحامي محمد فواز درويش قوانين دولة الإمارات العربية المتحدة 0 03-12-2004 02:22 PM
قانون التجارة الاردني لسنة 1966 المحامي محمد فواز درويش قوانين المملكة الأردنية الهاشمية 0 03-12-2004 05:11 AM


الساعة الآن 12:51 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Nahel
يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر>>>جميع المواضيع والردود والتعليقات تعبر عن رأي كاتيبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى أو الموقع