منتدى محامي سوريا

العودة   منتدى محامي سوريا > المنتدى القانوني > منتدى تاريخ القانون والمحاكمات التاريخية الشهيرة

إضافة رد
المشاهدات 7415 التعليقات 0
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 30-10-2009, 02:23 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
أحمد الزرابيلي
عضو أساسي ركن
إحصائية العضو







آخر مواضيعي


أحمد الزرابيلي غير متواجد حالياً


افتراضي أشهر المحاكمات في التاريخ ( محاكمة الحلاج )

لم تثر شخصية في الفكر الإسلامي جدلاً كما أثارت قضية الحلاج ، وإذا ما ذكرت التصوفية في المجالس كان الحلاج محور الحديث فيها ..
رجلٌ فقير تسكع في طرقات الحياة ودخل سراديبها الموحشة ، اقتات من خبز الشمس ، شرب من ماء المطر وحجب لهيب الظهيرة عنه بكفه أما عيناه فكانت نوراً يشعله في ظلام الليل ، لهث وراء العلم حتى ذوَب عقله على صفحات إلا أن العلم لم يسعد روحه وقلبه بل زاده حيرة وخوفاً ..

ولكي يرفع عن نفسه الخوف وتطمئن روحه راح يسأل الناس حوله فقيل له : صل لتسعد ..
لكنه وهو ساجداً يتعبد الله أدرك أنه يعبد خوفه لا الله ويصلي طمعاً في جنة الله فـ تساءل في حيرة :
كيف أصلي له وحده ويخلو الفؤاد مما عداه ؟
وكان أن وجد الجواب لدى شيخ متصوف : هو الحب سرّ النجاة ، تعشق تفز ، وتفنى بذات حبيبك تصبح أنت المصلي وأنت الصلاة ..


ولد الحلاج ، ( الحسن بن المنصور بن محمي البيضاوي ) في عام 857 ميلادية / 244هـ في قرية تدعى الطور جنوب غرب إيران ، ويقال أنه كان حفيداً لر جل من عبدة النار يتبع فلسفة زرادشت ، كما يقال أنه من أصول يمنية هاجرت بحثاً عن الرزق واشتغلت في صناعة الحلج ومنها جاء لقبه وشهرته ..

رحلت عائلة الحلاج من موطنها في جنوب غرب إيران إلى إحدى المدن على ضفاف دجلة فعاش هناك ونسي لغته الفارسية ومذهبه الشيعي الذي ولد عليه واعتنق مذهب أحمد بن حنبل ، قرأ القرآن في طفولته وما إن بلغ الصبا حتى أصبح من حفظته .

استطابت له شهوات الدنيا ونزواتها فلم يعمل بما حفظه حتى أنه في وقت من الأوقات أنكره لكنه سرعان ما شعر بحاجة إلى استعادة ذاته التي فقدها فذهب إلى شيخه عبد الله التستري ليدله على طريق النجاة ، وحاول أن يتعلم منه مبادئ التصوف لكنه لم يستوعبها ، فلم يشف قلبه ، فلجأ إلى الشيخ عمرو بن عثمان المكي في البصرة فعلمه أن التصوف يستهدف القلب ليرفع عنه كل سواد فيعود نقياً وأن هذا لا يعني أن يقبل بالظلم والفساد فمن عرف طريق الله لا يمكن أن يخش أي سلطان جائر .

حينما سئل عن الفقر قال : ليس الفقر هو الجوع في المأكل ، وليس العري هو الرغبة في الكسوة ، إن الفقر هو القهر ، الفقر هو استخدام الفقر لإذلال الروح وزرع البغضاء .



ألف الحلاج عدداً كبيراً من الكتب وقد قيل أن عددها وصل إلى 147 كتاباً لكن لم يبق منها إلا ستة كتب هي " التفسير " و " بستان المعرفة " و " الطواسين " و " المرويات " و " الديوان " .

كما خاض غمار السياسة فكانت له مؤلفات سياسية منها كتاب " الساسة والخلفاء والأمراء " ويقال أن هذا الكتاب كان القشة التي قصمت ظهر البعير وتقررت في سطوره تحديد نهايته ، حيث أن هذا الكتاب وضعه في صفوف المعارضة للدولة العباسية في وقت كانت تعاني من خطر السقوط وكانت تغلي بالمجاعة والغلاء وبأحاديث الناس عن عجز السلطة عن معالجة الأمر في حين أن الأمراء غارقين بملذاتهم فما كان من الوزير حامد بن العباس من رأي لتلهية الناس عن السلطة إلا اعتقال الحلاج وقتله ، فكان أن أودع الحلاج السجن وعُذب بوحشية وصدر القرار بقتله .


المحاكمة :

كانت المحكمة مشكلة من قاضي القضاة المالكي أبي عمر الحمادي رئيساً وجعفر الهلول وأبي الحسن الأشناني القاضيين الحنفيين أعضاء ، ولم يحضر المحاكمة أحد من قضاة الشافعية ولا الحنابلة حيث كانوا خصوماً للدولة ومعارضين لنهجها السياسي ومتعاطفين مع نهج الحلاج السياسي .

تهمة الحلاج ، الفتنة والتحريض عليها ، وقد شعر الحلاج أن المحاكمة تتجه بقصد مسبق نحو الإدانة مهما يكن دفاعه فقال للجالسين على منصة العدل :
لستم بقضاتي ولذا لن أدافع عن نفسي .

لكنهم أصروا أن يدافع عن نفسه فقال لهم :
أوعدتم إن كان الحق فيما أقول أن تمضوا معي ؟

فقيل له : نمضي فيه معك ؟ إما أنك رجل ساذج أو أنك اذكى مما نتصور ولهذا أفسدت صعاليك العامة وعلى كل لا ضير ، قد نصبح من أتباعك ..

سألوه : هل تحض على عصيان الحكام ؟
قال : بل كنت أحض على طاعة رب الحكام برأ الله الدنيا إحكاماً ونظاماً فلماذا اضطربت واختلت الأحكام ، خلق الإنسان على صورته في أحسن تقويم فلماذا رد إلى درك الإنعام ؟

سألوه : هل أرسلت رسائل إلى المعارضين للخليفة تدعو فيها أن ينقضوا ويهبوا ضد الدولة ؟
قال : الدولة .. لا أشغل نفسي بالدولة .. بل أشغلها بقلوب أحبائي . واستطرد : أما الرسائل فهي قطع من قلبي أهديها لقلوب أحبائي .

سألوه : ما فيها ؟
فقال : تذكير لهم أن الإنسان شقي في مملكة الله .. لم يبرأنا الباري ليعذبنا ويصغرنا في عينيه ، بل ليرانا ننمو وتلامس جبهتنا وجه الشمس أو نمرح تحت عباءتها كالحملان المرحة ، لقد عاينت الفقر يعربد في الطرقات ويهدم روح الإنسان فسألت النفس ماذا أصنع ؟ هل أدعو جمع الفقراء أن يلقوا سيف النقمة في أفئدة الظلمة ؟ ما أتعس أن نلقي بعض الشر ببعض الشر ونداوي إثما بجريمة ماذا أصنع ؟ أدعوا الظلمة أن يضعوا الظلم على الناس .. لكن ، هل تفتح كلمة ، قلباً مقفولاً بتاج ذهبي ؟ ماذا أصنع ؟ لا أملك إلا أن أتحدث ولتنقل كلماتي الريح السواحة ولأثبتها في الأوراق شهادة إنسان من أهل الرؤية . فعلّ فؤاد ظمآن من أفئدة وجوه الأمة يستعذب هذي الكلمات فيخوض بها في الطرقات يرعاها إن ولّي الأمر ، ويوفق بين القدرة والفكرة ويزاوج بين الفعل والحكمة .

وسألوه : هل تبغي أن يرتفع الفقر عن الناس ؟
قال : ما الفقر ؟ ليس الفقر الجوع إلى المأكل والعري إلى الكسوة ، الفقر هو القهر ، الفقر هو استخدام الفقر لإذلال الروح ، الفقر هو استخدام الفقر لقتل الحب وزرع البغضاء ، الفقر يقول لأهل الثروة ـ أكره جميع الفقراء ـ فهم يتمنون زوال النعمة عنك ويقول لأهل الفقر إن جعت فكل لحم أخيك ، الله يقول لنا : كونوا أحباباً محبوبين والفقر يقول لنا كونوا بغضاء بغاضين ، أكره ، أكره ، أكره ، هذا قول الفقر .


وتشعر المحكمة بالورطة أنها لا تقدر أن تمسك عليه ما يدينه وما يجعلهم يصدرون حكماً بقتله ، فيتدخل الخليفة في الوقت لامناسب لإنقاذ المحكمة ، ويرسل رسولا إليها يقول : إن الدولة سامحت الحلاج فيما نسب إليه وعفت عنه عفوا كليا لا رجعة فيه ، ولكن هنا إن أغفلنا حق السلطان ماذا نصنع بحق الله ؟ فلقد أنبئنا أن الحلاج يروي أن الله يحل به أو ما شاء له الشيطان من أوهام وضلالات ، إن الوالي قد يعفو عمن يجرم في حقه لكن لا يعفو عمن يجرم في حق الله .

و ببراعة سياسية قلبت السلطة العباسية محاكمة الحلاج من محكمة سياسية إلى محكمة دينية تحرم الحلاج من عواطف الناس والالتفاف حوله وقد يتطوعون برجمه بحثاً عن الثواب .
وهكذا جرى اتهامه بالكفر والتعرض للذات الإلهية وحكموا عليه بالقتل وحتى يمحو عنه صفة المتهم السياسي وصفوا كلامه عن الفقر بأنه كان قناعاً يخفي وراءه كفره .


اقتيد الحلاج بعد المحاكمة إلى الساحة العامة في بغداد وصلب وضرب ألف جلدة وتقدم أحد الجلادين بسيفه وبتر أطرافه ثم ضرب عنقه وترك على الصليب أياماً تنهش الطيور لحمه ثم أحرقت بقايا جثته ونثر الرماد في نهر دجلة وحمل رأسه على أصحابه في مسقط رأسه ، وجمعت كتبه وأحرقت كلها وظلت الدولة تطارد أنصاره في الأقاليم حتى قتلت منهم من قتلت وسجنت من سجنت .

الأديبة ماسة الموصلي






رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اجتهادات في التبيلغ المحامية علياء النجار أهم الاجتهادات القضائية السورية 6 20-02-2011 11:58 AM
سلطة قاضي الإحالة و قناعته في تقديره للوقائع و الأدلة و ما هي رقابة محكمة النقض عليها من خلال الاجتهادات القضائية : المحامي منير صافي تعليق على اجتهاد 2 18-11-2010 01:50 PM
قانون الأحداث الجانحين رقم 18 لعام 1974 المحامي محمد صخر بعث موسوعة التشريع السوري 0 03-12-2006 03:36 PM
*************** زنا *************** المحامي حيدر سلامة أهم الاجتهادات القضائية السورية 0 30-11-2006 10:30 AM
مواعيد الإجراءات في المحاكم المدنية و التنفيذ سلطان مقالات قانونية منوعة 0 10-07-2006 07:24 PM


الساعة الآن 03:42 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Nahel
يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر>>>جميع المواضيع والردود والتعليقات تعبر عن رأي كاتيبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى أو الموقع