منتدى محامي سوريا

العودة   منتدى محامي سوريا > المنتدى الفقهي > أبحاث قانونية مختارة > أبحاث في القانون الدستوري

إضافة رد
المشاهدات 8894 التعليقات 0
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 30-11-2011, 12:56 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الدكتور كمال الغالي
إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي أسس التنظيم السياسي في القانون الدستوري (للدكتور كمال الغالي)

هذ البحث للدكتور كمال الغالي الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة دمشق من كتابه مقرر القانون الدستوري والنظم السياسية وسعياً للفائدة وكمساهمة في نشر تراث أساتذتنا الكبار والقدامى بنشر تراثهم كنوع من العرفان لهم وعلينا أن ننتبه لحصول انحلال في الدول مثل الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا وتحول جنوبي افريقيا من التابعية للتاج البريطاني إلى دولة مستقلة إذ أن هذا الكتاب طبعة 1986-1987 وهذه التطورات حصلت بعد طباعته لذلك توليت نقل هذا البحث من حيز الكتاب المطبوع إلى الحيز الالكتروني والله من وراء القصد


الباب الثاني


أسس التنظيم السياسي


الفصل الأول


الدستور


المبحث الأول


مفهوم الدستور

- قلنا أن الدستور هو مجموعة القواعد التي تنظم تأسيس السلطة وانتقالها وممارستها ، أي تلك المتعلقة بالتنظيم السياسي0
وهذه القواعد يمكن أن توجد بأسلوبين ، فهي إما أن تكون وليدة السوابق والعرف والتقاليد ، بدون أن تجمع وتدون في وثيقة رسمية 0 وهذا ما يسمونه الدستور العرفي ، أو تكون مدونة صراحة في وثيقة رسمية مكتوبة0 وهذا ما يسمى الدستور المدون ( المكتوب أو الخطي )0
- الدستور العرفي : بقي التنظيم السياسي للدول المختلفة يخضع بكامله تقريباً للعرف حتى القرن الثامن عشر0 ففي كل بلد تكونت فكرة الدولة ببطء ، وتشكلت مجموعة من التقاليد والأعراف والمبادئ الأساسية تكون في مجموعها القانون الدستوري العرفي 0
وما يزال نموذج الدساتير العرفية وأشهرها حتى الآن الدستور الانجليزي ، بالرغم من وجود عناصر مكتوبة فيه 0 والجزء المدون من هذا الدستور ينمو باطراد ، إذ أن التعديلات التي تمس الحاجة إلى إجرائها خلال زمن قصير تفرض بالضرورة أن يتم التعديل بنص مدون (قانون يصدره البرلمان ) يحل محل القاعدة العرفية السائدة 0 وبالرغم من ذلك فإن معظم القواعد المتعلقة بالتنظيم السياسي الانكليزي ما تزال عرفية لا تتضمنها أية وثيقة مكتوبة 0 فوجود النظام الملكي نفسه ، وصلاحيات الملك ، وبشكل خاص حقه في تصديق القوانين ، وتقسيم البرلمان إلى مجلسين ، وشكل الحكم البرلماني القائم منذ بداية القرن التاسع عشر ، ومسؤولية الوزراء سياسياً أمام مجلس العموم دون مجلس اللوردات ، وكيان مجلس الوزراء ومنصب رئيسه ، فهذه كلها أمور أساسية ومع ذلك ومع ذلك ليس من نص مكتوب ينظمها ، بل تخضع للقواعد العرفية وحدها ، ويسلم بقوتها الإلزامية 0
- مبررات التدوين : آمن فقهاء القرن الثامن عشر بضرورة تدوين القواعد الدستورية وارتفع هذا الإيمان إلى مرتبة العقيدة لديهم ، وحجتهم في ذلك :
أ- أن القاعدة القانونية الخطية تتفوق على القاعدة العرفية من حيث أنها تتصف بالدقة والوضوح ، مما يلزم الحاكم بالتقيد بنصوصها ، بينما يبقى العرف غامضاً مضطرباً 0 وينطبق ذلك من باب أولى على الدستور باعتباره أخطر القواعد القانونية وأبعدها أثراً في حياة المجتمع والأفراد 0
ب- والدستور تجديد للعقد الاجتماعي الذي التزم الأفراد بمقتضاه بالرابطة الاجتماعية وانتظموا في المجتمع0 فالعقد يخلق المجتمع والدستور ينظمه 0 وينبغي بالتالي أن تكون أحكامه معروفة لجميع الأفراد ومعلنة بشكل رسمي ، ليتعرف الأفراد على الامتيازات التي يتخلون عنها لمصلحة الجماعة والحقوق التي احتفظوا بها ، تلك الحقوق التي لا شأن للدولة بها ولا يجوز لها مصادرتها لأنها حقوق طبيعية للأفراد ، وخير سبيل إلى ذلك جمعها وتدوينها في وثيقة رسمية 0
جـ - إن تدوين الدستور وصياغته بعبارات واضحة وسيلة لتعميم التربية السياسية ، فيعرف الأفراد حقوقهم ويزداد تعلقهم بالأمور العامة ، ويرتفعون بذلك إلى مستوى المواطن الذي يعرف ما له وما عليه ويشارك طوعاً في بناء مستقبله 0
ويتبين من هذه الاعتبارات أن مفهوم الدستور لدى مفكري القرن الثامن عشر كان يتجاوز النطاق القانوني البحث ليتعداه إلى المجال السياسي ، فالدستور يرتبط في أذهانهم بإقامة نوع معين من أشكال الحكم : الحكم الديموقراطي المستند إلى مبدأ سيادة الأمة 0
- انتشار الدستور المدون : ومفهوم الدستور المدون أقدم من القرن الثامن عشر 0 فقد جمع الفيلسوف أرسطو دساتير 158 مدينة يونانية وغير يونانية ، وكذلك المواثيق والعهود التي انتشرت في القرون الوسطى ، فقد كانت مدونة تهدف كلها إلى تقييد حدود السلطة 0 إلا أن الجديد في القرن الثامن عشر هو ارتباط فكرة الدستور بالنظريات السائدة آنذاك عن العقد الاجتماعي ، وما ينطوي عليه من قيود والتزامات وما يترتب على ذلك من ضرورة وجود مجموعة من القواعد التنظيمية تقيم ترتيباً عقلانياً ومتناسقاً تتضمنها وثيقة مدونة 0 وقد انتشر الأخذ بالدستور المدون في العالم على مراحل متوالية :
أ – فقد ظهرت الطائفة الأولى من الدساتير الحديثة المدونة في الولايات المتحدة الأمريكية (دساتير الولايات بين 1776و1780 ، والدستور الاتحادي 1787) ومع الثورة الفرنسية ظهر الدستور الفرنسي عام 1791 ، وتلته موجة من الدساتير في الدول الأوربية التي احتلتها جيوش الثورة 0 ويمكن أن نميز فيها ثلاث مراحل : الدساتير الثورية (1789-1799) ، دساتير العهد النابليوني (1799-1815) دساتير مرحلة الردة (1815-1830) 0
ب – وتلا تحرير المستعمرات الإسبانية والبرتغالية في العالم الجديد ، في بداية القرن التاسع عشر ، انتشار النظم السياسية المقتبسة من الولايات المتحدة الأمريكية ودستورها ، كما أدت الاضطرابات السياسية في أوربا ومقاومة الشعوب للاستبداد إلى ظهور موجة من الدساتير بين 1830و1848 ارتبطت بهذه الحركات التحررية 0
جـ - ثم جاءت الحرب العالمية التي انتهت بانهيار الإمبراطوريات النمساوية والألمانية والعثمانية والروسية فقامت على أنقاضها دول جديدة أخذت كلها بنظام الدستور المدون ، وظهر أول الدساتير الاشتراكية (الدستور السوفييتي )0
د – وأدت الحرب العالمية الثانية إلى انحسار المد الاستعماري عن معظم أجزاء العالم ، لا سيما في آسيا الجنوبية الشرقية وأفريقيا والشرق الأوسط ، وقيام دول وطنية وضعت كلها دساتير مدونة تنظم شؤون الحكم فيها ، بحيث نجد في مطلع 1978 حوالي 145 دستوراً في العالم منها 141 لدول أعضاء في الأمم المتحدة 0
ومن العوامل التي تدفع الدول الجديدة إلى التعجيل في وضع دستور لها أن هيئة الأمم المتحدة تجعل من قيام دستور في الدولة شرطاً لقبولها عضواً في الهيئة العالمية 0
- العرف الدستوري : إن الدساتير المدونة يصوغها مفكرون علماء 0 وينصرف هم هؤلاء إلى العناية بقوة السبك وتوازن المؤسسات الدستورية فيبتعدون بذلك عن الواقع 0 غير أن الحياة السياسية تظهر ما في الدستور الوضعي من مواطن ضعف وكثيراً ما يسكت الدستور عن بعض أمور الحكم ، وفي الحالتين يعالج الأمر على نحو ما قد يتكرر على نمط واحد رتيب ، فتنشأ بذلك سوابق وعادات 0 وبتأثير هذه السوابق والعادات تتولد القناعة لدى الحكام والمحكومين بأنها ملزمة واجبة الإتباع 0 وفي هذه الحالة نجد أنفسنا أمام عرف دستوري يكمل الدستور أحياناً ويناقضه أحياناً ويناقضه أحياناً أخرى 0
- ففي فرنسا مثلاً ، وفي ظل دستور 1875-1945 كان جزء كبير من الحياة السياسية يخضع للعرف 0 فالدستور لم ينص مثلاً على منصب رئيس مجلس الوزراء رغم أهميته العظيمة وأثره البعيد في الحياة السياسية 0 وقد ذهب الفقهاء إلى أن عدم استعمال رئيس الجمهورية لحقه الدستوري في حل مجلس النواب قد أسقط هذا الحق ,أصبح ملغى عرفياً0 وقاعدة سنوية الموازنة أي وجوب عرض الموازنة سنوياً على البرلمان ، كانت وليدة العرف في فرنسا 0
كذلك الأمر في الولايات المتحدة التي يعتبر دستورها نموذج للدستور المدون والجامد ، فقد عدل الدستور عن طريق العرف :
أ – كان واضعو الدستور من أنصار الحكم التمثيلي ويريدون أن يتم انتخاب الرئيس على درجتين ، ليتم الاصطفاء على مراحل ، وعلى هذا النحو صيغ الدستور0 غير أن العادة استقرت على أن ناخبي الدرجة الثانية مقيدون بتعليمات ناخبيهم 0
ب – إمكانية تجديد رئاسة الجمهورية لمرة واحدة فقط ، إذ سكت الدستور عن هذه الناحية 0 فاتبعت السابقة التي أوجدها الرئيس واشنطن ، بعدم قبوله ترشيح نفسه في المرة الثالثة 0
وبقيت القاعدة محترمة إلى أن استفاد الرئيس روزفلت من ظروف الحرب العالمية الثانية فجدد انتخابه ثلاث مرات متوالية 0 إلا أن القاعدة العرفية كانت من القوة بحيث عدل عام 1947 بما يفيد عدم جواز التجديد لأكثر من مرة 0
جـ - لم ينص الدستور صراحة على رقابة دستورية القوانين ولكنها ولدت مع التطبيق العملي ونتيجة اجتهاد قضائي 0
وقد أقر القانون الأساسي العراقي الصادر عام 1925 للعرف الدستوري بدور إكمال النصوص الدستورية المدونة ، فنص على أن (( التقاليد الدستورية التي لم يرد بشأنها نص في هذا القانون ولا يوجد نص يمنع الأخذ بها ، وكانت متبعة في الدول الدستورية يجوز الأخذ بها وتطبيقها كقاعدة دستورية بقرار من مجلس الأمة في جلسة مشتركة )) وتبعاً لذلك نشأت قواعد عرفية تقضي بوجوب استقالة الوزارة في حال انتقال العرش أو ممارسة الملك لسلطاته الدستورية بعد بلوغه سن الرشد 0
- ويجب التمييز بين العرف الدستوري والدساتير العرفية 0 فالدساتير العرفية وليدة أعراف لا يناقضها أي حكم مدون سابق 0 أما العرف الدستوري فعلى النقيض من ذلك ، إنما ينشأ في دولة يحكمها دستور مدون 0
- قيمة العرف الدستوري : ما هي القيمة القانونية للعرف الدستوري ؟ يسلم عدداً من الفقهاء بأن العرف الدستوري يعتبر مصدراً من مصادر القانون الوضعي ، وبالتالي يمكن أن يعدل أحكاماً يتضمن الدستور ويبطلها 0 وهم مدفوعون إلى ذلك بما يتمتع به العرف من مرونة تتيح المجال لتقويم النصوص المدونة وتطويرها بما يتلاءم مع الظروف بدون صدام أو هزات 0
وعلى نقيض ذلك فقد ذهب آخرون إلى إنكار أية قيمة قانونية للعرف الدستوري ، ما دام ثمة دستور مكتوب 0 فالعرف لا يعدو أن يكون وجهة نظر أو أسلوب عمل اتبع في وقت معين ، وليس ما يمنع من أن يهمل في وقت آخر 0
والرأي الراجح أنه لا يمكن للعرف أن يبطل أو يعدل قاعدة مكتوبة 0 ولكنه يستطيع أن يكمل نصاً قاصراً أو يفسر حكماً غامضاً أو ينظم ما سكت عنه الدستور0 ولذلك ذهبت أغلبية الفقهاء الفرنسيين في ظل دستور 1875 إلى أن باستطاعة رئيس الجمهورية مباشرة حقه الدستوري في الحل ، وإن كان العرف قد استقر على عدم استعماله 0

المبحث الثاني


موضوع الدستور ومحتواه


- أولاً - موضوع الدستور:

ينظم الدستور ممارسة السلطة 0 وهذا التنظيم يمكن إرجاعه إلى عدد من القواعد تحدد مركز الحاكمين ، وطبيعة نشاطهم السياسي ، وغاياته 0 فموضوع الدستور مزدوج إذن ، إذ يعين من جهة الأشخاص ، أو الهيئات ، التي تملك سلطة الأمر باسم الدولة ويحدد اختصاصاتهم وأشكال ممارسة هذا الاختصاص 0
كما أنه يحدد من جهة أخرى المذهب ( أو النظرية ) الذي يمثله الحكام في التنظيم الاجتماعي والسياسي ، ويعبر الدستور بذلك عن فكرة القانون التي توجه نشاط السلطة وتملي تصرفاتها 0
- أ – تعيين الحكام وتنظيم ممارستهم وظيفتهم :
ليس لأحد في الدولة أن يصدر أمراً إلا إذا كان مخولاً ذلك بشكل نظامي 0 فلا بد لمن يحكم من صفة تخوله مباشرة الحكم 0 والدستور هو الذي يحدد هذه الصفة
وتعيين الحكام إنما يعني من الناحية القانونية تحديد الإرادات الشخصية التي تعتبر إرادة الدولة (السلطة) 0 ولا شك أنه يمكن لهذا التحديد أن يتخذ من الناحية السياسية أشكالاً وصوراً مختلفة، ولكن أياً كان الفرد ، أو الهيئة ، الذي ينصب عليه التحديد فإنه يكتسب صفة عضو الدولة أو هيئة من هيئاتها 0
وعندما يقرر الدستور أن السلطة التشريعية يمارسها مجلس النواب ، فهو إنما يحدد من ينوب عن الدولة في الشؤون التشريعية ، بمعنى أن إرادة الأفراد المنتخبين وفق القواعد المقررة تملك أن تلزم الدولة 0 فالدستور إذن هو أساس امتيازات الحكام وناظم ممارساتها 0 وعلى ذلك :
1- يقيم الدستور مشروعية الحكام : بمعنى أن الفرد ، أو (الهيئة ) الذي يحكم إنما يقوم بمهمته بمقتضى الصفة التي يخولها له الدستور ، وتقترن قراراته بالإلزام ووجوب التنفيذ لأنها تعتبر قرارات صادرة عن السلطة العامة 0
2- ويترتب على ذلك أن أن الدستور يقيم سلطة الحكام ، فلا وجود لهم إلا بالدستور 0 ولا يمكن لسلطتهم أن تتجلى وتعبر عن نفسها إلا بالحدود التي رسمها الدستور ، وضمن القواعد المقررة لممارستها 0
3- والدستور فوق هذا وذاك يحدد اختصاص الحكام : فهو يبين الوظائف التي يترتب عليهم أن ينهضوا بها ، أو بعبارة أخرى ، يبين الحالات التي تنفصل فيها الإرادات الذاتية (الشخصية) عن أصحابها لتنسب إلى الدولة وتصبح إرادتها 0 وهذا التحديد يخضع لاعتبارات جد متنوعة ، هي جوهر الفن السياسي ، الذي يحكم توزي المسائل والشؤون ذات العلاقة بالحكم بين هيئات الدولة المختلفة 0
- وتختلف الدساتير في مدى تنظيم السلطات العامة ، فقد تلجأ إلى التفصيل أو تكتفي بالإيجاز 0 إلا أنها في الحالين ، ولمجرد كونها تنظم الدولة ، تعين اختصاص الهيئات التي تقيمها ، وبالتالي ترسم بالضرورة حدود وإمكانيات العمل الذي يضطلع به الحاكمون 0 وحتى إذا كان اختصاص هؤلاء واسعاً جداً ، فإن ممارسته تخضع للغاية التي منحوا الاختصاص من أجلها ، أي خدمة الصالح العام 0
- ب - التعبير عن فكرة القانون الموجهة لنشاط الدولة :
لا يكتفي الدستور بوصف المؤسسات والأجهزة الحكومية ، بل يحدد أيضاً الروح التي تعمل بها والمبادئ الأساسية التي تحكم التنظيم الحكومي 0
ويلاحظ بوردو أن هذه النقطة لا يفيها الفقهاء حقها ، فيؤكدون على الصفة التنظيمية ويهملون هذه المبادئ 0والدساتير نفسها تنحو هذا المنحى 0 فإذا تركنا جانباً إعلان حقوق الإنسان ، قلما تذكر بقية المبادئ صراحة0 فيبدو الدستور وكأنه يقتصر على إقامة أجهزة سياسية، ولكن هذه تستلهم بالضرورة أعمالها من فكرة يعبر الدستور عن مقتضياتها على الصعيد الدستوري (2) 0
(2) لعله من المفيد المقابلة بين النصوص الواردة في بعض الدساتير لكشف تباين فكرة القانون ، فالمادة الأولى من الدستور المصري لعام 1971 تنص على أن ((جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديموقراطي واشتراكي يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة0 والشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملةة )) 0 والمادة 3 من الدستور: (( السيادة للشعب وحده ، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها ويصون الوحدة الوطنية على الوجه المبين في الدستور))0 بينما يتضمن الدستور المغربي (1970) النصوص التالية : فالفصل الأول ينص ((أن نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية ديموقراطية اجتماعية ))، والفصل الثاني : (( السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة على يد المؤسسات الدستورية ))0 والفصل التاسع عشر: (( الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها ، وضامن الدولة استمرارها وهو حامي حمى الدين، والساهر على احترام الدستور وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حقوقها الحقة )) والفصل الثالث والعشرون: (( شخص الملك مقدس لا تنتهك حرمته )) أما الدستور الليبي ( الصادر سنة 1951 والمعدل عام 1963 ) فكان يقرر في المادة 40 أن : (( السيادة لله وهي بإرادته تعالى وديعة للأمة، والأمة مصدر السلطات ))، والمادة 44: (( مع مراعاة ما جاء بالمادة 40 فإن السيادة أمانة الله للملك محمد إدريس المهدي السنوسي ثم لأولاده الذكور من بعده الأكبر فالأكبر 00الخ ))0 وقد سقط هذا الدستور بانهيار الملكية عقب ثورة الفاتح من أيلول 1969 ))0
فعندما ينص الدستور أن السلطة التشريعية يمارسها الشعب مباشرة، فإنما يصدر عن مفهوم للنظام القانوني يختلف كل الاختلاف عن ذلك الذي يلهم دستوراً يركز السلطة التشريعية بين يدي ملك مطلق، كذلك أمر الدستور الذي ينص على حصانة القضاء ، فهو إنما يستند إلى مفهوم للقانون يختلف عن الدستور الذي يترك مصير القضاة لأهواء السلطة التنفيذية وتقديرها0 ومن الواضح إذن أن النظام السياسي تحكمه فكرة عن القانون تعتبر مبدأً محركاً للتنظيم الاجتماعي 0 وينطبق هذا على كافة الدساتير ، بما فيها الدساتير الشديدة الايجاز ، كالدستور الفرنسي لعام 1875 0 فهو ، وإن كان ينظر إليه على أنه نوع من (قانون الإجراءات السياسية)) ويخلو من أية نظرية عقائدية (1)،
(1) كذلك شأن الدستور السوري لعام 1930، ويلاحظ أن دستور 1950 خرج على هذا الأسلوب وتناول المذهب السياسي والاجتماعي الذي يدين به الحكام ، فتضمن مقدمة اعتبرت جزءاً لا يتجزأ من الدستور حددت الأسس الكبرى التي يقام عليها المجتمع ))0
فإن كل أحكامه تكشف الأساس الذي يقوم عليه ، أساساً من إيديولوجية ديموقراطية ليبرالية بورجوازية0
- ويلاحظ أن الدساتير الحديثة تبالغ في تفصيل الأسس الفلسفية والمذهبية التي تقوم عليها، بحيث نجد أن عدد المواد المخصصة لتنظيم الحكم قليل ومحدود بينما تستغرق الأحكام المتعلقة بفلسفة النظام عدداً أكبر من المواد ، حتى ليذهب بوردو إلى القول أنه كلما كان أعضاء المجالس التأسيسية أضعف ثقة بمتانة الأساس الذي يقوم عليه النظام كلما كثرت النصوص التي تعرفه وتحدده 0
ونجد أن الدستورين الفرنسيين لعام 1946 و1958 والدستور الإيطالي لعام 1949 وميثاق بون (ألمانية الغربية) تسلك جانب الاعتدال في هذا المجال 0 أما دساتير الدويلات الأعضاء في الاتحاد الألماني ،وبعض دساتير الشرق الأوسط وأفريقيا المستقلة حديثاً ، ودساتير الديموقراطيات الشعبية فهي أقرب إلى البرامج الانتخابية منها إلى الدساتير التقليدية (2)0
((2)سلك دستور جمهورية مصر العربية لعام 1971 نهجاً وسطاً، وقد أفرد الباب الثاني لبيان المقومات الأساسية للمجتمع0 كذلك شأن الدستور السوري فإنه، على إيجازه حدد الأسس الكبرى للنظام السياسي والاجتماعي))0
والدستور السوفييتي يقتصر على الجانب التنظيمي للحكم ، ولم يمنع هذا من أنه قام نظاماً اجتماعياً جديداً وفريداً(3) 0
((3) يتألف الدستور الصيني الجديد الصادر عام 1975 من ثلاثين مادة وحسب ، أما الدستور اليوغسلافي الجديد ، فيقع في أكثر من أربعماية مادة ))0
ثانياً – محتوى الدستور :
- أ – القواعد المتعلقة بالتنظيم الحكومي: محتوى الدستور يتوقف على موضوعه ، وبالتالي فإننا نجد فيه قواعد تبين الأشخاص والهيئات الذين يعود لهم ممارسة السلطة العامة ، والإجراءات التي بمقتضاها يعين الحكام ( مبدأ الوراثة ، الانتخاب 00)، وتحديد وظائف الحاكمين، وتوزيع الاختصاص بينهم والإجراءات التي يجب التقيد بها لممارسة هذه الوظائف 0
ويختلف جوهر هذه القواعد ومضمونها باختلاف الدساتير ، غير أن الفروق بينها أقل بكثير من تلك التي تفصل الأنظمة في مجل التطبيق 0 إذ يلاحظ فعلاً وجود اتجاه إلى الأخذ بنماذج متقاربة من الدساتير، بحيث نجد بالضرورة أن علاقاتها بالحياة السياسية الفعلية متراخية (1)
((1) فدساتير الدول العربية التي ظهرت بين الحربين العالميتين تأثرت في إعدادها وصياغتها بالاتجاهات الدستورية التي كانت سائدة في الدول التي كانت تستعمر هذه البلاد باسم الانتداب 0 فالدستور السوري لعام 1930 وكذلك الدستور اللبناني صيغا على غرار الدستور الفرنسي لعام 1875 والدستور العراقي لعام 1925 صيغ على نمط الدستور الاسترالي والنيوزلندي دون الالتفات لملاءمة هذه النظم للبيئة وللأوضاع الاقتصادية – الاجتماعية ( راجع لدكتور حسن الجلبي ، المرجع سالف الذكر، ص100) 0
بحيث نجد بالضرورة أن علاقاتها بالحياة السياسية ذات الأثر الفعال في سير الحياة السياسية بدون أي تنظيم ، فدستور الاتحاد السوفييتي لعام 1936 لا يفرد إلا مادة وحيدة للحزب الشيوعي ، والدستور الفرنسي لعام 1946 لا يشير إلى الأحزاب إلا بصورة ملتوية غير مباشرة 0
- ب – قواعد لا علاقة لها بتنظيم الحكم : وإلى جانب هذه القواعد التي تحدد المركز القاني للحاكمين ، نجد أحكاماً دستورية أخرى لا علاقة مباشرة لها بتنظيم الدولة، كقواعد الطعن في الانتخابات ، أو عقد القروض العامة ، وهي شؤون ليس لها في حد ذاتها أية صفة دستورية ، إلا أنه يقصد من تضمينها الدستور أن يسبغ عليها صفة الاستقرار الذي يقترن بالدستور في البلاد التي تأخذ بالدستور الجامد 0 وإبعادها بذلك عن متناول المشرع العادي0 ويتبع هذا الأسلوب على نطاق واسع في دساتير دويلات الولايات المتحدة الأمريكية 0 كما يلجأ إلى هذا الأسلوب في سويسرة، إذ تستخدمه هيئة الناخبين لفرض إرادتها ، لأن الاقتراح الشعبي مقبول في الشؤون الدستورية دون التشريعية بحيث نجد في صلب الدستور الاتحادي السويسري نصوصاً غريبة يتعلق بعضها بتنظيم ذبح وقتل الماشية والحيوانات (1)0
(1) المادة 25 مكرر ))0
ومن هذا القبيل أيضاً ما نص عليه الدستور الاتحادي الأمريكي (1919-1923) من تحريم إنتاج المشروبات الكحولية أو بيعه أو نقلها أو شرائها 0
أما الأحكام المتعلقة بالشؤون الاقتصادية ، وقد زادت أهميتها في الدساتير الحديثة ، فلا يصح اعتبارها غريبة عن مضمون الدستور ، لأن هذا كما رأينا مفروض فيه أن يحدد فكرة القانون في المجتمع ، وهذه الأحكام ترتبط بهذه الفكرة وتشكل جزءاً أساسياً منها 0
- جـ - إعلان حقوق الإنسان : قد لا يضمن الدستور نفسه المبادئ التي يجب أن توجه سلوك المشرع ، بل يفرد لها وثيقة خاصة تحمل اسم إعلان الحقوق 0 وأصل هذا الإعلان ما كان يعتقد به سابقاً من وجود مجال خاص للأفراد لا يصح للدولة المساس به 0 وصدر أول إعلان للحقوق في أمريكا (دستور ماساشوسيتس عام 1780 ) ، ولكن ((إعلان حقوق الإنسان والمواطن )) الذي توج الدستور الفرنسي لعام 1791 الذي أعلنت فيه الجمعية التأسيسية مبادئ الديموقراطية الفردية القائمة على المساواة والحرية ، كان له صد في العالم بأسره 0 واتبعت هذا الأسلوب الدساتير الفرنسية الثورية (دستور 1793ودستور العالم الثالث)0 أما بقية الدساتير الفرنسية فقد جرت عندما تهدف إلى تأكيد المبادئ العامة للفلسفة السياسية ، على أن تفرد لها محلاً في الدستور ، ودستور 1958 الأخير يحيل إلى هذه المقدمة مع تأكيد المبادئ ، التي أعلنت عام 1791 0
- وقد جرت الدول الحديثة ، التي قامت بعد الحرب العالمية الأولى ، على تضمين مقدمة الدساتير عدداً من المواد تحدد الأسس السياسية والاجتماعية للنظام الجديد (1) 0
((1) جرى النص على (( الحقوق الاجتماعية كالحق في العمل والحق في التعلم )) للمرة الأولى في الدستور الفرنسي لعام 1793 الذي لم يطبق عملياً (دي روفيا، ص11)0
وهذه لدساتير تسجل ميلاد حقوق جديدة نتيجة تطور الحياة الاجتماعية 0 فهي تجعل من واجب الدولة ، لا حماية الاستقلال القانوني للأفراد وحسب ، بل وخلق الظروف اللازمة لـتأمين استقلاله الاجتماعي 0 فالنزعة الفردية التي كانت سائدة في الماضي ، صححت بالاعتراف بمشروعية تدخل الدولة في جميع المجالات التي لها علاقة بالتضامن الاجتماعي0 وقد تأكد هذا الاتجاه وازداد قوة في الدساتير التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية 0
- وتهدف إعلانات الحقوق إلى تعريف الشعب والحكام علناً ورسميا بالمذهب السياسي – الاجتماعي الذي يجب أن يلهم نشاط الدولة ويوجهه 0 وقصد منها في الماضي أن تكون قيداً على نشاط الدولة لحماية حرية الأفراد وحقوقهم ، أما في عالم اليوم فقد أصبحت التزاماً على الدولة بالعمل على ملء هذه الحقوق بمضمونها 0
فلا يكفي أن ينص الدستور على المساواة بين المواطنين ، كما كان الأمر في الماضي ، بل تفرض الدساتير الجديدة على الدولة أن تبلور هذه المساواة بأن تؤمن للجميع فرصاً متكافئة عن طريق التعليم والتأمين الاجتماعي00الخ 0 وحل محل النظرة الفردية نظرة اشتراكية تتفاوت قوة وضعفاً 0 ولم يعد إعلان الحق قيداً على السلطة ، بل أصبح مبرراً لتدخلها 0 ولم يعد الأمر يتعلق بحقوق الأفراد بقدر ما يتعلق بواجبات السلطة أي بحقوقها أيضاً0((2)0
((2) لم تعد إعلانات الحقوق تهم الشعوب على المستوى الداخلي وحده ، بل أصبح لها أهمية دولية بعد الحرب العالمية الثانية ، ففي 10/12/1948 أصدرت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة ((إعلان حقوق الإنسان العالمي ))(( كمثل أعلى مشترك يتوجب على جميع الشعوب والأمم تحقيقه كيما يسعى سائر الأفراد وجميع أعضاء المجتمع- واضعين نصب أعينهم هذا الإعلان – لتنمية احترام هذه الحقوق والحريات بطرق التعليم والتربية ولتأمين الاعتراف بها وتطبيقها العالمي والفعلي بتدابير متلاحقة على المستويين الوطني والدولي))0
- القيمة القانونية لإعلان الحقوق : يرى بعض الفقهاء أن إعلانات الحقوق لا تعدو أن تكون إثباتاً لحقائق فلسفية وايديولوجية لا يترتب عليها أي أثر قانوني 0 فهي يمكن أن تلهم المشرع، ولكنها لا تلزم القاضي(3) 0
((3) من هذا الرأي لا فرير وكاري دي مالبرج وايسمان)0
ويرى آخرون أن لها قيمة قانونية ، بل دستورية ، ويمكن بالتالي اللجوء إلى القضاء في حال مخالفتها (4)0
((4) ويتبنى هذا الرأي الفقيهان ديجي وجيز))0
ويهمنا من الناحية العملية معرفة ما إذا كان يملك الفرد أن يطالب بتعويض بسبب تجاهل حكم دستوري ، أو يطالب بتطبيق نص معين فيما يتعلق بإعلانات الحقوق 0
- ويرى بوردو(5)
((5) المطول، الجزء الثالث ، ص127-363)0
أنه يحسن التمييز بين طائفتين من الأحكام التي تتضمنها إعلانات حقوق الإنسان :
أ- فبعضها يعبر عن قاعدة من قواعد القانون الوضعي 0
وبوضعها إنما قصد واضع الدستور اعتبارها ملزمة قانوناً ، لأنها ممكنة الطبيق في النظام القانوني الراهن 0 مثال ذلك ما ينص عليه إعلان حقوق الإنسان الفرنسي لعام 1791 من تكريس حرية الرأي الشخصي وحمايتها 0
ب – أحكام أخرى لا تقترن بالقوة الإلزامية التي تميز القانون الوضعي 0 مثلها مثل الأحكام التي تحدد غايات الدولة ، فهي تحدد برنامج عمل المشرع 0 مثال ذلك إعلان حق الأفراد في العمل 0 فهذا الحق يفترض تنظيماً اجتماعياً خاصاً يتم بتشريعات لاحقة ، وهو بالتالي لا يصلح أن يحتج به مباشرة ضد الحاكمين ، أي أنه ليس حقاً قابلاً للاستيفاء مباشرة وليس له من مؤيد قانوني 0
المبحث الثالث
سمو الدستور(1)
((1) يطلق رجال الفقه في جمهورية مصر العربية على هذا المبدأ ((مبدأ سيادة الدستور )) (كالدكتور السيد صبري ، والدكتور عبد القادر الجمال ) ويجاريهم في ذلك الدكتور إسماعيل مرزة والقاضي عبده عويدات (النظم الدستورية في لبنان والبلاد العربية والعالم ) بيروت 1961 ويطلق عليه الدكتور عبد الحميد متولي (مبدأ علو الدستور) ويجاريه في ذلك الدكتور مصطفى البارودي فيسميه ((مبدأ تفوق الدستور))0 وقد آثرنا تعبير (( سمو الدستور)) ولاحظنا أن هذا التعبير سبق أن استخدمه الدكتور عثمان خليل والدكتور سليمان الطماوي في مؤلفهما (( موجز القانون الدستوري )) الطبعة الثالثة ، القاهرة 1952))0
- سواء أكان الدستور عرفياً أم مدوناً فهو على أية حال القانون الأسمى للدولة 0 وسمو الدستور هذا يمكن أن ننظر إليه من زاويتين ، فهو دائماً نتيجة لموضوع الدستور ، ((سمو موضوعي)، وأحياناً نتيجة الشكل الذي يصدر به (سمو شكلي )0
- السمو الموضوعي : مرده إلى أن النظام القانوني بكامله يقوم على الدستور 0 فالدستور أساس لأي نشاط تقوم به الدولة 0 فهو بحق القانون الأساسي ، وبالتالي هو بالضرورة أسمى وأعلى مرتبة من أي شكل آخر يتجلى فيه النشاط ، لأنه إنما يستمد مشروعيته من الدستور دون سواه 0
- ويمكن التعبير عن ذلك بصورة أدق ، فنقول أن السمو الموضوعي للدستور إنما هو نتيجة تترتب على ما يتضمنه الدستور من تنظيم اختصاصات الحاكمين 0 وفعلا فما دام الدستور هو المصدر القانوني لجميع والاختصاصات ، فهو بالضرورة أعلى من الهيئات بممارستها ، وبالتالي فلا تملك هذه أن تخالف أحكام الدستور بدون أن تهدم الأساس القانوني لاختصاصها 0
- ويترتب على سمو الدستور المستمد من موضوعه نتائج هامة :
أ- تدعيم المشروعية : la le'galite' في نظر الأفراد فإذا كان من المسلم به أن أي تصرف يتم مخالفاً للقانون يجب اعتباره مجرداً من أي أثر قانوني ، فمن باب أولى أن يطبق ذلك على التصرفات التي تخالف الدستور ، ولو صدرت عن الحكام 0 وينحصر الموضوع عملياً في كيفية تنظيم هذا التقابل بين النشاط الحكومي والقواعد الدستورية ، أي في كيفية مراقبة دستورية القوانين 0(1)0
((1) نلاحظ أن الرقابة غير ممكنة إلا إذا اقترن السمو الموضوعي بالسمو الشكلي 0
ب – وسمو الدستور يمنع قيام الهيئة الممنوحة اختصاصاً معيناً من تفويض ممارسته إلى آخرين 0 فالاختصاصات المفوضة لا تقبل التفويض عملاً بمبدأ ( delegate potestas non delegator )) لأن السلطات المؤسسة لا تملك الاختصاصات التي تمارسها ، إنما عهد بها إليها الدستور ، فهي وظيفة تقوم بها ، لاحقاً تتصرف به (2)0
((2) وعملاً بهذا المبدأ تنكر أغلبية الفقهاء دستورية المراسيم التشريعية ، وهي مراسيم تصدرها السلطة التنفيذية لها قوة تعديل القوانين العادية والحلول محلها بناء على تفويض من البرلمان وفي الحدود التي يقرها ، إلا إذا تضمن الدستور نصاً صريحاً يجيز هذا التفويض (راجع في ذلك بحثنا (( التشريع الحكومي )) ، دراسة عن الاتجاهات المعاصرة في القانون العام المقارن ، دمشق 1962 )0
- السمو الشكلي: إن التفوق الذي يدين به الدستور لمحتواه وموضوعه يقتضي منطقيا أن يكرس من حيث الشكل 0 وبهذا المعنى فإن تدوين الدستور يجسد قدسية الدستور والقيمة القانونية الخاصة التي ترتبط بأحكامه 0 ورؤى أن إخضاع إصدار الدستور وتعديله لبعض القيود الشكلية يجعل المساس به أمراً عسيراً ، ويكسبه بالتالي استقراراً خاصاً 0 وهذا يفضي إلى التمييز بين نوعين من الدساتير : الدساتير الجامدة والدساتير المرنة (1) 0
((1) والفقه الدستوري مدين بهذا التمييز إلى كتابات اللورد برايس (الدساتير المرنة والجامدة في ((دراسات في التاريخ والاجتهاد القضائي))، اكسفورد1901 )0
والفرق بينهما مرده إلى اشتراط أشكال خاصة وإجراءات معينة لوضع الدستور وتعديله ، ولا علاقة له البتة بموضوع الدستور و محتواه 0
- فالدستور الجامد ، هو الدستور الذي يتمتع بشيء من الثبات نتيجة الاجرءات الخاصة التي يجب التقيد بها عند الإقدام على تعديله 0 ويمكن القول من الناحية العملية أن الدستور يعتبر جامداً إذا كان تعديله يتم بإجراءات غير تلك المرسومة لسن القوانين العادية (2) 0
((2) كأن ينتخب مجلس تأسيسي لإجراء هذا التعديل ، أو يشترط إخضاع التعديل بعد إقراره للاستفتاء الشعبي ، أو من قبل الهيئة التشريعية مع تشديد الإجراءات (كاشتراط اجتماع المجلسين في جمعية وطنية أو أغلبية خاصة مشددة أو موافقة الهيئة التشريعية في دورات تشريعية متوالية00الخ)0
أما الدستور المرن فهو على النقيض من ذلك ، إذ يمكن تعديله بدون التقيد بإجراءات مشددة ، وضمن الإجراءات العادية لسن التشريعات 0
- وليس من تلازم بين الدستور العرفي ومرونة الدستور أو جموده 0 فالدستور العرفي يمكن أن يكون جامداً ، وهذا ما كان عليه الحال في القوانين الأساسية للملكية الفرنسية القديمة0 فبالرغم من أنها كانت قوانين عرفية ، فإن تعديلها عن طريق المشرع العادي (الملك الذي كان يملك وحده سلطة التشريع ) كان ممتنعاً ، ولا بد من أن يتم التعديل بالاتفاق بين الملك ومجلس الطبقات 0
وعلى النقيض من ذلك فإن الدستور المدون يمكن أن يكون مرناً، ما دام لا ينص على إجراءات خاصة لتعديل أحكامه ، فيعدل بالتالي بالطرق التشريعية العادية ، كالدستور الفرنسي لعام 1814 و1830 ، والقانون الأساسي الإيطالي لعام 1848 ، الذي استفادت الفاشية من مرونته لتحقيق تحويل النظام الدستوري الإيطالي بكامله عن طريق القانون العادي (1)
((1) لم ينظم الدستور الإيطالي الأسلوب الواجب إتباعه في تعديله، وجرى العرف على إتباع الإجراءات العادية لسن التشريع عند التعديل))0
، وكذلك الدستور السوفييتي لعام 1918 0
- التمييز بين القوانين الدستورية والقوانين العادية :
لا يمكن الحديث عن السمو الشكلي للدستور إلا فيما يتعلق بالدساتير الجامدة 0 ولهذا فإنه لا يترتب أي أثر قانوني على التمييز بين القوانين الدستورية والعادية في البلاد ذات الدستور المرن (2)،
((2) ولهذا يتعذر إقامة رقابة على دستورية القوانين في الدول ذات الدستور المرن ))0
والتمييز بين الطائفتين لا يقوم على الموضوع ومحتوى القانون ، بل على الشكل الذي يصدر به والإجراءات المطلوبة لذلك 0
ويستخدم الشكل الدستوري عادة لتنظيم المسائل ذات الطبيعة الدستورية ، ولكن ليس من تلازم بين الشكل والموضوع 0
والعبرة للشكل، بمعنى أن قاعدة قانونية ، وإن لم يكن لها علاقة مباشرة بالتنظيم السياسي ، تعتبر دستورية إذا صدرت وفق الإجراءات المطلوبة لوضع الدستور أو تعديله ، بكل ما يترتب على ذلك من نتائج 0
نتائج جمود الدستور : ويترتب على جمود الدستور النتائج التالية:
أ – ثبات القوانين الدستورية : إن اشتراط إجراءات خاصة لوضع الدستور وتعديله إنما يقصد منه تحقيق مزيد من الاستقرار والثبات للقواعد المنصوص عليها في الدستور ، ولا يقصد منه بحال من الأحوال تجميد النصوص ، لأن الحياة السياسية بطبيعتها متطورة لا تحتمل الجمود 0 كما أن مبدأ سيادة الأمة ينطوي على حقها في تغيير دستورها ما دامت صاحبة السلطان 0 والمهم ألا يجري التعديل نتيجة أهواء ونزوات عارضة ، وتعقيد الإجراءات يفترض فيه أن يكفل توفير الوقت والروية اللازمين 0
ومع ذلك فإن التجربة السياسية تثبت أنه ، أيا كانت الضمانات الموضوعة والأشكال المقررة ، فإن هذه الضمانات والأشكال قد لا تحترم 0 ففي فرنسا سقط معظم دساتيرها نتيجة الثورات ، وكذلك في سورية إذ سقط معظم دساتيرها (دستور1928، 1950، 1953،1958،1962،1964،1969)، بانقلابات0
ب- التفرقة بين السلطات المؤسسة والسلطات المؤسّسة 0 أما السلطة المؤسسة نفسها فوظيفتها سن القوانين المنظمة للسلطات بما فيها السلطة التشريعية 0
ويظل هذا الاختلاف قائماً عندما يخول الدستور أعضاء السلطة التشريعية حق تعديل القوانين الدستورية ، إذ يصبح هؤلاء الأعضاء مقيدين بشروط خاصة غير الشروط التي يسنون بمقتضاها القوانين العادية ، ونكون في هذه الحالة أمام ازدواج وظيفي))0
جـ : لا يفسخ القانون الدستوري إلا بقانون دستوري 0 نظراً لأن القوانين الدستورية أسمى من القوانين العادية وأعلى مرتبة منها فلا يمكن إلغاؤها أو تعديلها إلا بقوانين دستورية جديدة ، حائزة على الشكل المقرر له 0
- وقد ينص الدستور أحياناً على أن تتم بعض الأمور كالانتخابات مثلاً ، وفقاً لأحكام قانون يوضع خلال مدة معينة 0 وتسمى هذه القوانين التي ينص الدستور على وضعها قوانين أساسية 0 وثمة إجماع بين الفقهاء على أن هذه القوانين تعدل كالقوانين العادية لأن الدستور لم يسبغ عليها ، بمجرد ذكره لها الصبغة الدستورية
- نظرية الضرورة : تعتبر نظرية الضرورة استثناء أو قيداً على سمو الدستور والنتائج المترتبة عليه 0 وخلاصة النظرية ( ويأخذ بها كثير من الدول وبشكل خاص ألمانيا وجمهورية مصر العربية، وطبقت في فرنسا والولايات المتحدة ) أن الدستور يقيم تنظيماً معيناً للسلطة العامة ، هذا التنظيم يقوم على مبادئ معينة تهدف بالدرجة الأولى إلى تقييد الأحكام ، وإيجاد نوع من الفصل والتوازن بين السلطات لتأمين سيادة القانون : فصل السلطتين التشريعية والتنفيذية ، فصل السلطتين المدنية والعسكرية ، الحريات الفردية وحقوق الإنسان 0
هذه المبادئ شرعت للظروف العادية 0 أما إذا طرأت ظروف استثنائية ، كوقوع أزمة حادة أو وجود حالة حرب بحيث تصبح السلامة العامة مهددة، فلا بد من مواجهتها بتدابير استثنائية ، لأن السلامة العامة للوطن ودرء الأخطار التي تحدق بالمجتمع هي القانون الأسمى 0 هذه الظروف الاستثنائية تبرر إذن تعليق الضمانات الدستورية وتجاهل التنظيم الذي أقامه الدستور بفصل السلطات ، وتركيز السلطة التنفيذية0 وبعبارة موجزة فإن هذه الظروف تبرر إيجاد حالة لا تتمشى مع الدستور أو القانون 0 هذه الحالة التي اقتضتها ظروف استثنائية ينبغي ألا تستمر إلا المدة اللازمة لمواجهة الظروف التي أدت إليها ، وبعبارة أخرى فإن ((الضرورة تقدر بقدرها ))، ويتعين فور زوال الظروف الاستثنائية العودة إلى الحالة العادية 0
ويقول jellink في تبرير نظرية الضرورة : ((من الأمور الطبيعية أ تواجه الدولة والحكم حالات تفرض اتخاذ تدابير فورية، يجب في الأحوال العادية أن تصدر عن طريق التشريع0 فإذا أنكر الدستور على الحكومة أن تحل محل السلطة التشريعية ، فإنه إنما يعمل بذلك على إيجاد حالة يجب تجنبها ، ذلك أن القوى الطبيعية للدولة تميل إلى ملء الفراغ في التنظيم القانوني 0 وتجد الحكومة نفسها مضطرة ، تحت ضغط الحوادث، إلى مواجهة الضرورة ، على مسؤوليتها ، بكل الوسائل المتاحة لها 0 وعلى المشرع فيما بعد أن يرتب الأمور بحيث يسبغ على التدابير المتخذة صفة الشرعية التي تزيل انتهاك القانون الشكلي 0
- ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً لم يتردد لنكولن ، أثناء حرب الانفصال، في التوسع إلى حد كبير في تفسير الأحكام الدستورية التي تحدد سلطات الرئيس خلال الحرب ولجأ إلى وقف تنفيذ الأحكام المتعلقة بحقوق الأفراد habeas corpusوهي أقوى ضمانة للحرية الفردية ، في غياب الكونغرس ، مع أن هذا التصرف لا يصح أن يصدر أصلاً إلا عن المجلس 0 وقد أسبغ المجلس فيما بعد على تصرف الرئيس صفة الشرعية وصدقه0 كما لجأت فرنسا على نطاق واسع إلى نظرية الضرورة في الحرب العالمية الأولى ، وأصدرت مراسيم تنفيذية تخالف القوانين النافذة ، حتى مع وجود المجلس منعقدا في بعض الأحيان 0 وصدرت أنظمة كثيرة في ألمانيا في أعوام 1924و1927 وما بعدها تستند كلها إلى حالة الضرورة 0 وفي بعض الحالات قد يتضمن الدستور نفسه نصاً صريحاً يخول الحكومة في الظروف الاستثنائية تعليق الضمانات الدستورية ووقف العمل بالمبادئ الأساسية (1)0
((1) تخول المادة 125 من الدستور الأردني بناء على قرار مجلس الوزراء أن يعلن بإرادة ملكية الأحكام العرفية في جميع أنحاء المملكة أو في أي جزء منها . وتقرر الفقرة الثانية منها ((عند إعلان الأحكام العرفية للملك أن يصدر بمقتضى إرادة ملكية أي تعليمات قد تقضي الضرورة بها لأغراض الدفاع عن المملكة بقطع النظر عن أحكام أي قانون معمول به ويظل جميع الأشخاص القائمين بتنفيذ تلك التعليمات عرضة للمسؤولية القانونية التي تترتب على أعمالهم إزاء أحكام القوانين الى أن يعفوا من تلك المسؤولية بقانون خاص يوضع لهذه الغاية .
ويأخذ الدستور الأردني صراحة بنظرية الضرورة ، ويمنح الملك في هذه الحالة سلطات غير محدودة : (( إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة أو إذا وقع من الأحداث ما من شأنه أن يمس سير المؤسسات الدستورية فيمكن للملك أن يعلن حالة الاستثناء بمرسوم ملكي بعد استشارة رئيسي المجلسين وتوجيه خطاب للأمة0 وبسبب ذلك فإنه له الصلاحية – رغم جميع النصوص المخالفة – في اتخاذ التدابير التي يفرضها الدفاع عن حوزة التراب ورجوع المؤسسات الدستورية إلى سيرها العادي0 تنتهي حالة الاستثناء باتخاذ نفس الإجراءات المتبعة لإعلانها )) (الفصل الخامس والثلاثون) – وكذلك شأن الدستور التونسي الذي يمنح الصلاحيات الاستثنائية لرئيس الجمهورية لرئيس الجمهورية في حال خطر مهدد لكيان الجمهورية وأمن البلاد واستقلالها بحيث يتعذر سير دواليب الدولة الطبيعي ، اتخاذ ما تحتمه الظروف من تدابير استثنائية تزول بزوال أسبابها0 ويرسل رئيس الجمهورية بياناً بذلك إلى مجلس الأمة))(الفصل الثاني والثلاثون )0
من ذلك ما ينص عليه الدستور السوري من تخويل رئيس الجمهورية اتخاذ (( الإجراءات السريعة التي تقتضيها الظروف إذا قام خطر جسيم وحال يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة واستقلال أرض الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن مباشرة مهامها))(1)0
((1) المادة 113)0
المبحث الرابع
وضع الدساتير
أولاً السلطة المؤسسة :
- نظراً لما تتمتع به الدساتير من أهمية بالغة في حياة الأمة ، يعتبر أنها يجب أن تكون ثمرة هيئات تملك سلطة سياسية خاصة : السلطة المؤسسة ، يعهد إليها بوضع دستور الدولة 0 ويمكن أن نميز بين نوعين من السلطات المؤسسة 0
أ – سلطة مؤسسة محدثة : إذا كانت السلطة منصوصاً عليها في الدستور السائد ، فلدينا سلطة مؤسسة محدثة تقوم بمهمتها وفق أحكام الدستور النافذ0 وتنظم هذه السلطة عادة تحت عنوان سلطة التعديل0 ولكن هذا لا يعني أن دورها يقتصر على تعديل أحكام معينة من الدستور النافذ ، ولي ما يمنعها من أن تصدر دستوراً جديداً كاملاً0
ب – سلطة مؤسسة أصلية : وتظهر عندما لا يوجد دستور أيضاً (قيام دولة جديدة)، أو لم يعد من وجود للدستور (نتيجة ثورة أو انقلاب)0
وعمل السلطة الأولى لا يثير أية صعوبات مبدئية لأنه منظم في الدستور النافذ 0 ويقتصر عملها على تطبيق الإجراءات المشروطة للتعديل 0
أما في الصورة الثانية فيجب تحديد من يملك هذه السلطة من جهة وتبرير قانونية عملها من جهة أخرى 0
- صاحب السلطة المؤسسة الأصلية :
السلطة المؤسسة سلطة أصلية ذات صلاحيات مطلقة ، وتملك ممارستها وفق الأشكال التي ترتئيها 0 ولكن حدود هذه الصلاحيات تتعين بفكرة القانون ، لأنها – شأنها شأن السلطات الأخرى – إنما تدين بمشروعيتها لفكرة القانون التي تعبر عنها 0 وكل فكرة للقانون تحمل إلى السلطة سلطة مؤسسة تستمد قوتها منها 0 وتفقد الفكرة فعاليتها ، إذا فقدت سيادتها في الجماعة والتأييد الشعبي 0 ويترتب على ذلك أن السلطة المؤسسة يمكن أن يمارسها فرد أو هيئة تتجسد فيه أو فيها في وقت معين فكرة القانون 0 والحائز على السلطة المؤسسة الأصلية يمكن أن يكون الشعب نفسه عندما يعبر بنفسه ، في غياب رئيس معترف به بزعامته وقيادته ، ع فكرة القانون ، كما يمكن أن يكون فرداً ، هو الزعيم الذي تتجسد فيه فكرة القانون 0 فهو الذي يملك آنئذ سلطة التنظيم لذاتي باعتباره حائزاً على السلطة السياسية والمعبر عن فكرة القانون التي ترتضيها الجماعة0
وتحل المشكلة عملياً بما يمنحه الحكام الفعليون أنفسهم من اختصاص لوضع دستور للدولة ، يسبغ عليهم صفة المشروعية لأنهم ينبثقون عن فكرة القانون التي انتصرت0 فهم الذين يكونون النظام السياسي الجديد الذي يتفق مع المفهوم الجديد للنظام الاجتماعي الذي يهدف انتصارهم بالذات إلى إقامته0
- قانونية عمل السلطة المؤسسة الأصلية:
معرفة ما إذا كان في وسع سلطة مؤسسة تشرع بدون أي شكل موضوع سابقاً أن تضع قواعد قانونية ترتبط بقانونية الثورات ومشروعيتها0 وفي الواقع فإن نشاط السلطة المؤسسة الأصلية ثوري بالضرورة لأنه يهدف إلى إقامة تنظيم جديد يحل محل النظام السياسي والاجتماعي السابق0
فالثورة تفترض إقامة نظام جديد 0 ومشروعية هذا النظام لا تستمد من نجاح الحركة الثورية – إذ ما من تفسير مرض حتى الآن لتحول الواقع إلى قانون – بل تستند إلى تغير فكرة القانون السائدة في الجماعة 0 وكما أن النظام القانوني في فترة الاستقرار والهدوء يستند إلى فكرة القانون تعبر عنها الحكومة النظامية (الشرعية) ، كذلك الانتفاضة الثورية فإنها تستند إلى فكرة قانون تنافس فكرة قانون القانون التي كانت تأخذ بها الدولة رسمياً 0 وإذا كان انتصار الفكرة الثورية يؤدي إلى انهيار أسس مشروعية النظام القانوني السابق، فليس ذلك بتأثير فوز الثوار في ميدان الصراع المسلح، بل لأن فكرة تغيير القانون إنما يعني انهيار التنظيم السياسي والاجتماعي القائم وإحلال نظام قانوني جديد محله0 وهذا التحول قد يتخذ في الظاهر شكل العنف والفوضى بدون أن يغير ذلك من قانونيته ، مادام القانون ليس قيداً تفرضه الجماعة على نفسها إلى الأبد ، بل أداة تحقق عن طريقه مفهومها في النظام الاجتماعي المنشود0 في هذه الأحوال لا يمكن المنازعة في المشروعية القانونية لعمل الثورة ، وبالتالي في نشاط السلطة المؤسسة الأصلية : فالثورة ليس هدماً للقانون بل تغيراً وتحولاً في بنيانه 0
ثانياً – أساليب وضع الدستور :
- ليس من قواعد مسلم بها لوضع الدساتير 0 وتختلف الطرق المتبعة باختلاف الدول ودرجة النضج السياسي لدى الرأي العام فيها 0 ففي عام 1931 و1955 منح النجاشي ، إمبراطور الحبشة ، بلاده دستوراً، على نفس الصورة التي حصلت في فرنسا قبل ذلك بمئة عام عندما منح لويس الثامن عشر الذي اعتلى العرش بعد هزيمة الثورة الفرنسية وسقوط إمبراطورية نابليون دستوراً للشعب الفرنسي0 ويلاحظ أن الأسلوب الذي يتبع في وضع الدستور إنما يكشف المذهب السياسي الذي ينطوي عليه 0 ويمكن أن نميز بين طائفتين رئيسيتين من الأساليب الملكية والأساليب الديموقراطية 0
أ- الأساليب الملكية وما في حكمها :
- أ – المنحة : يمكن أن يصدر الدستور بطريق المنحة من الملك إلى شعبه (1)0
((1) يعتبر من قبيل المنحة الدستور السوري المؤقت الذي تصدره حكومة فعلية كالدستور السوري المؤقت لعام 1964 والدستور المؤقت لعام 1969 ، وكذلك الأمر ولو كانت حكومة قانونية ، وينطبق ذلك على الدستور السوري المؤقت لعام 1971 وعلى الإعلان الدستوري الذي صدر في جمهورية مصر العربية ليطبق اعتباراً من 25/3/1964 إلى أن يتم مجلس الأمة مهمته بوضع الدستور الدائم ويعرض على الشعب لاستفتائه فيه 0 ويكمن الفرق الأساسي بين هذه الحالة وأسلوب المنحة التقليدي ، إن الأسلوب الأول لا ينكر مبدأ السيادة الشعبية ، ويعتبر مرحلة انتقالية 0 ويتضح هذا الفارق من الرجوع إلى الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس جمال عبد الناصر بوضع الدستور المؤقت موضع التطبيق ، إذ جاء فيه ((يبدأ العمل00 بهذا الدستور 00حتى00 حتى يتم مجلس الأمة 00 مهمته بوضع الدستور الدائم لجمهورية مصر العربية ، وطرح مشروع هذا الدستور على الشعب ، للاستفتاء ، لكي يمنحه من إرادته الحرة ، القوة التي تجعله مصدراً لكل السلطات ))0
وهذا الأسلوب يدل على الانتقال من الملكية المطلقة إلى الملكية المقيدة (2)0
((2) ينعكس أسلوب وضع الدستور في ديباجته ، فقد جاء في مقدمة الدستور الفرنسي لعام 1814 الذي أصدره الملك لويس الثامن عشر عند اعتلائه العرش ( بعد هزيمة الإمبراطور نابليون بونابرت): (( لقد عملنا باختيارنا وممارساتنا لسلطاتنا الملكية ، ومنحنا ونمنع ونعطي تنازلاً وهبة لرعايانا، باسمنا وبالنيابة عمن يخلفنا، وإلى الأبد ، العهد الدستوري الآتي 00))0
ويعتبر الدستور وليد إرادة الملك صاحب السلطان أو السيادة0 ولكن إذا كان هذا صحيحاً من الناحية القانونية البحتة فيجب أن لا يغرب عن بالنا أن الملوك إنما يمنحون الشعب دستوراً تحت ضغط الظروف السياسية ولتفادي الاضطرابات الشعبية والثورات فينزلون عند إرادة الشعب مكرهين 0
- ويصح التساؤل عما إذا كان الملك أو مانح الدستور يملك إلغاء الدستور أو تعديله بغير الأسلوب الذي نص عليه فيه 0
وقد اختلف الفقهاء في ذلك 0 فذهب البعض إلى أنه يحتفظ بهذا الحق ما لم يتنزل عنه صراحة 0 غير أن الأغلبية تذهب إلى أن هذا الالتزام الوحيد الطرف بعد أن قبلته الأمة لا يسع الملك أن يتحرر منه إلا برضا الأمة ممثلة بمندوبيها0 وهو الرأي السائد في فرنسا، بالرغم مما ذهب إليه شارل العاشر ملك فرنسا عام 1830 من أنه يملك الرجوع عن الدستور الممنوح أو تفسيره طبقاً لما تمليه عليه أهواؤه 0 وكمثال على الدساتير النافذة حالياً والصادرة بطريق المنحة دستور موناكو الذي أصدره أميرها عام 1962 بدلاً من الدستور الصادر عام 1911 (1)
((1) وقد سقط دستور الحبشة الصادر عام 1955 بالانقلاب العسكري الذي وقع عام 1974 )0
والدستور المؤقت للجمهورية العراقية ودستور المملكة المغربية ودستور جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية ودستور الجمهورية العربية اليمنية ودستور دولة قطر 0
- ب – التعاقد : ويسجل هذا الأسلوب خطوة إلى الأمام في الطريق نحو الديموقراطية 0 فلسنا هنا أمام قرار وحيد الطرف يصدره الملك ، بل يصدر الدستور بمقتضى اتفاق أو عقد بين الشعب والملك 0 ولا يملك إلغاء الدستور أو تعديله إلا باتفاق الطرفين0 وتدل الحوادث التاريخية على أن العقد يفرض على الملك في أعقاب ثورة كما حدث في فرنسا عام 1789 وفي انجلترا عند صدور الميثاق العظيم لعام 1215 0 ووثيقة الحقوق لعام 1688 وقانون ولاية العرش عام 701 0 أو يلزم به المرشح للعرش، فيملي عليه الشعب ممثلاً بمجلس شروطه ويقبلها للاعتراف بها ملكاً ، كما حدث في فرنسا عام 1830 ، وفي الدول التي انسلخت عن الإمبراطورية العثمانية (اليونان 1844، رومانيا1864، بلغاريا1879) إذ عرضت المجالس الشعبية التاج على أمراء أجانب بشرط أن يقبلوا دستوراً تضعه هي ويقسم له المرشح يمين الإخلاص0 ويعتبر من قبيل الدساتير التعاقدية القانون الأساسي العراقي لعام 1925 ، والدستور الكويتي الحال الصادر عام 1962(1)
((1) قضى القانون رقم1 لعام 1962 المتضمن النظام الأساسي للحكم في فترة الانتقال( بعد أن استملت الكويت استقلالها) بأن ((يقوم المجلس التأسيسي بإعداد دستور يبين نظام الحكم 00 ويعرض الدستور الذي يوافق عليه المجلس على الأمير للتصديق عليه وإصداره))، بمعنى أن الدستور وليد التقاء إرادتين : إرادة الشعب الشعب الممثل بالمجلس التأسيسي وإرادة الأمير (راجع يحيى الجمل، النظام الدستوري في الكويت، مطبوعات الكويت ، 1970-1971، ص142)0
ودستور البحرين الصادر عام 1973 0
- 2 – الأساليب الديموقراطية:
نجد فيما يتعلق بالأساليب الديموقراطية لوضع الدساتير نظريات عديدة صيغت كلها في القرن الثامن عشر، وتنطلق من مبدأ السيادة الشعبية ، وبالتالي يعود للشعب أن يحدد الشروط التي يفوض بها ممارسة سلطته 0 ومن الناحية العملية يمكن أن يتجلى تدخل الشعب في أشكال جد مختلفة0
- أ – الجمعية التأسيسية : وهي أن يصدر الدستور مجلس ينتخب خصيصاً لوضع دستور جديد 0 والفن السياسي مدين بهذا الأسلوب إلى دساتير الولايات المتحدة التي وضعت كلها، بما فيها الدستور الاتحادي ، عن طريق جمعية وطنية تأسيسية تسمى ((convention )) واتبع نفس الأسلوب في فرنسا في فرنسا أعوام 1791و1848 و1875 تحت اسم جمعية تأسيسية ((assemble'e constituante)) وقد وضعت معظم الدساتير التي صدرت بعد الحرب العالمية الأولى بهذا الأسلوب ، وكذلك الدستور السوري لعام 1950(1)
((1)إن دستور 1950 هو الدستور السوري الوحيد الذي وضع في سورية عن طريق جمعية تأسيسية 0 فدستور عام 1930 لم يكن من صنع الشعب ، إذ انتخبت فعلاً جمعية تأسيسية عام 1928 لوضع دستور البلاد ، غير أنها اصطدمت برغبة المفوض السامي الفرنسي في تقييد عملها ، والحصول على اعتراف بنظام الانتداب ، وهو ما رفضته سورية على وجه الدوام 0 وانتهى الخلاف بحل الجمعية قبل صدور الدستور، وقد نشر المفوض السامي دستوراً وضعته مكاتبه في عام 1930، وضمنه في المادة 116 ما يريد من قيود على استقلال البلاد وسيادتها ( وبصورة خاصة عدم المساس بتعهدات فرنسا الدولية فيما يختص بسورية إلا ضمن الشروط التي تحدد في اتفاق يعقد بين الحكومتين الفرنسية والسورية، وعدم جواز تعديل القرارات ذات الصفة التشريعية أو التنظيمية التي أصدرها ممثلو الحكومة الفرنسية إلا بعد اتفاق بين الحكومتين )0 وعندما اجتمع المجلس النيابي السوري في 27تشرين الأول 1943 أعلن تبني دستور 1930 بعد طي المادة 116 المنوه عنها ))0
ودستور المملكة الليبية المتحدة لعام 1951 0
- ب – الاستفتاء الدستوري أو التأسيسي : يرى بعض الفلاسفة ، وعلى رأسهم جان جاك روسو ، إن النظام التمثيلي ليس إلا أهون الشرين ، يبرره سهولة تطبيقه 0 أما الفكرة الديموقراطية الحقيقية تقتضي أن يمارس الشعب سيادته بنفسه 0 وإذا طبقنا هذه النظرية على وضع الدساتير نصل إلى الحل التالي : تعد الدستور جمعية تأسيسية ، ولكنه لا يستكمل وجوده قانوناً ويصبح نافذا إلا إذا عرض على الشعب واقترن بتصديقه 0
وقد اتبع هذا الإجراء لإعداد الدستور الفرنسي لعام 1793 ودستور العام الثالث ، ودستور عام 1946و1958 وكذلك الدستور الإيطالي لعام 1948 0
وقد أصبحت هذه الطريقة بمنزلة القاعدة الدستورية في سويسرة بما يتعلق بالدستور الاتحادي ودساتير المقاطعات ، وكذلك في دساتير الدويلات في الولايات المتحدة الأمريكية، من أي دستور أو تعديل للدستور لا يكون شرعياً ونافذا إلا بعد قبول الشعب بنصه ، بطريق الاستفتاء الحر 0
وهو الأسلوب الذي كان مقرراً الأخذ به لوضع الدستور الدائم للجمهورية العربية المتحدة ، إذ تولى مجلس الأمة وضع مشروع دستور تمهيداً لعرضه على الشعب واستفتائه فيه 0 وقد وقع الانفصال عام 1961 قبل أن ينجز مهمته0 كما أنه الأسلوب الذي اتبع في وضع الدستور النافذ بعد أن أعد مشروعه مجلس الشعب0
- جـ - التصديق الشعبي : (ple'biscite)والإجراءات التي يفترضها هذا الأسلوب التي يفترضها هذا الأسلوب عكي الإجراءات السابقة : فالسيادة الشعبية هنا لا تلعب دوراً ايجابياً ، بل سلبياً0 وهي لا تقرر شيئاً، بل تقبل ما يعرض عليها في ظروف كثيراً ما يتعذر عليها فيها أن تتصرف على نحو آخر(1)
((1) أخذ بهذا الأسلوب في عهد أديب الشيشكلي( 2/12/1951 00 25/2/1954 فقد وضع مشروع دستور عرض على الشعب لاستفتائه فيه بتاريخ 9/10/1953 واعتبر موافقاً عليه ، وفي 25/2/1954 وقع انقلاب عسكري اضطر الشيشكلي إلى الاستقالة ، وأعيد العمل بدستور 1950 واعتبرت الفترة السابقة غير شرعية 0
والتصديق الشعبي هو الأسلوب العادي لوضع الدساتير في الأنظمة الدكتاتورية وفي البلاد المتخلفة بشكل عام 0 ويتدخل الشعب إما عندما يطلب إليه أن يقر انقلاباً وقع ، أو تفويضاً بوضع دستور في المستقبل 0 ففي العام الثامن من الثورة الفرنسية أعد مجلس الدولة مشروع دستور وعرض على الشعب فإما أن يقبله ككل أو يرفضه ، وفي عام 1851 ، وقبل ذلك في عامي العاشر والثاني عشر ، طلب إليه أن يوافق على مبدأ الإصلاح الدستوري ، وكذلك الدستور الفرنسي لعام 1958 أخذ بنفس الإجراء 0
- 3 – إلى جانب هذين الطائفتين من الأساليب المألوفة يمكن أن يكون الدستور ثمرة معاهدة أو اتفاق دولي ، كدستور المملكة البولونية عام 1815 ودستور الإمبراطورية الألمانية لعام 1871 0 إذ لا فرق في الطبيعة القانونية بين الاتفاق الدولي والدستور من حيث وحدة النظام القانوني (2) 0
((2)راجع ((كنز)) ، نظرية جديدة في الدولة الاتحادية ، مجلة القانون الدولي والتشريع المقارن ، عام 1930 ، الجزء الثاني ، ص839 0 وانظر الدكتور عبد الحميد متولي ، ص71 0
وينكر الدكتور إسماعيل مرزة (ص89) إمكانية وضع الدستور بنتيجة اتفاق دولي إذ يقول ونحن لا يسعنا الأخذ بهذا الرأي إذ أنه يتنافى مع أساس وجوده وشرعية هذا الوجود 0 لأن الدستور- وفي هذا لا ننسى معنى الفكرة القانونية لأن وصف لها – هو عبارة عن نتيجة تفاعل عوامل عديدة متأتية من بطون تاريخ ذلك المجتمع السياسي وعمق عاداته وصلب اختلافه ومزاجه ومرآة نضجه السياسي 0 فكيف يتسنى لأجنبي أن يعبر عن كل ذلك وهو بعيد عن تفهمه ؟)) ويبدو لنا أن الأخذ برأي الزميل قد يترتب عليه إنكار الصفة الدستورية على معظم دساتير الدول الناشئة ، إذ تضعها فئة من المثقفين تسيطر عليها عقلية البلاد المستعمرة التي تخرجت من جامعاتها ، وتكون المبادىء التي يقوم عليها الدستور بالتالي مستوردة ، كما أن ليس ما يمنع من أن تكون فكرة القانون واحد في دولتين أو أكثر كما هو الشأن فيما يتعلق بالأمة العربية الطامحة إلى تحقيق دولتها القومية رغم خضوعها إلى العديد من الدول ، وبالتالي يمكن لدولتين أو أكثر أن تتفقا بمعاهدة دولية على الاتحاد في دولة واحدة ، وتنظم المعاهدة شؤون الحكم في الدولة العتيدة ، فتنقلب المعاهدة الدولية بذلك إلى دستور داخلي فور قيام الدولة ، ولو قدر لميثاق 17 نيسان أن ينفذ بين الجمهورية العربية المتحدة وسورية والعراق لكان هذا شأنه ، سواء أخذنا بمذهب وحدة القانون العام ، الداخلي والخارجي ، أو ازدواجهما 0 وينطبق هذا الحكم على ميثاق اتحاد الجمهوريات العربية الذي انقلب بعد الاستفتاء الشعبي إلى دستور الاتحاد ))0
وكثير ما يوضع دستور الدولة الاتحادية بطريق الاتفاق الدولي، كدستور الاتحاد الألماني لعام 1866 0 وليس ما يمنع من إتباع الأسلوب نفسه في دولة بسيطة عند تكوينها0 ومن هذا القبيل دستور الجمهورية العربية المتحدة المؤقت لعام 1958 فهو ، وإن أعده وأعلنه رئيس الجمهورية ، (أي أنه اتخذ شكل المنحة) إلا أنه تضمن الأسس التي اتفق عليها بين حكومتي مصر وسورية في إعلان الوحدة الموقع بتاريخ 1/2/1958 وأقره مجلسا الأمة في البلدين 0 وقد نص في الدستور على أن يعمل به إلى حين موافقة الشعب على الدستور النهائي 0
المبحث الخامس
تعديل الدستور
- ذهب بعض الفقهاء إلى ان القوانين الدستورية تلزم السلطات التي أوجدتها هذه القوانين ، ولكنها لا تلزم الأمة على الإطلاق0 فلها أن تعدلها متى أرادت بدون التقيد بأي شكل معين 0
وعلى ذلك فمن حق الأمة أن تنيب عنها في كل وقت ممثلين تكل إليهم القيام بهذا التعديل0
ويذهب الرأي السائد ، والذي أخذت به أغلب الدساتير ، إلى انه لا يمكن تعدل الدستور إلا بالطريقة التي ينص عليها الدستور نفسه ، ومن قبل السلطة التي يعنيها لذلك 0 وقد أخذ الدستور الفرنسي لعام 1791 بهذا الرأي، وسرى بعد ذلك في معظم الدساتير ، وتخضع إجراءات التعديل لأشكال شديدة التنوع تبعاً لدرجة الجمود التي يراد منحها للدستور 0 ونبين فيمايلي أهمها:
- 1 – استبعاد بعض المسائل أصلاً من إمكانية التعديل: كالقانون الدستوري الفرنسي الصادر عام 1884 والمتضمن أن الشكل الجمهوري للدولة لا يمكن أن يكون موضع اقتراح بالتعديل ، وكذلك الدستور الفرنسي النافذ (1958) الذي يتضمن نصاً مماثلاً ، والدستور الإيطالي لعام 1948 ، والدستور البرازيلي لعام 1934 الذي كان يحرم تعديل الشكل الجمهوري الاتحادي للدولة ، والدستور المصري لعام 1923 الذي كان يمنع اقتراح تعديل الأحكام المتعلقة بالشكل التمثيلي للدولة ، وقواعد توارث العرش ، ومبادئ المساواة والحرية التي كفلها الدستور، والدستور المغربي الذي يحرم تعديل النظام الملكي والنصوص المتعلقة بالدين الإسلامي 0
- ومن الواضح أن واضعي الدساتير يندفعون إلى مثل هذه الحلول رغبة في تحقيق الاستقرار لنظام يعتبرونه محققاً للمثل السياسي الأعلى (فكرة القانون ) 0 ولكن من الثابت أن ليس لمثل هذه النصوص قيمة قانونية ، وأنها لا تعدو أن تكون أمان سياسية مجردة من أية قوة إلزامية للسلطة المؤسسة في المستقبل ، لأن تلك التي تمارس عملها في وقت معين ليست أسمى ولا أعلى مرتبة من السلطة المقبلة ، ولا تملك بالتالي أن تقيدها ولو جزئياً 0 والحقيقة أن العبرة في هذه الشؤون بقوة الرأي العام ونضجه 0
ويختلف الأمر فيما يتعلق بأحكام تتعلق بظروف استثنائية 0 فقد نص الدستور الفرنسي لعام 1946 ، ومثله دستور عام 1958 ، على عدم جواز تعديل الدستور في حالة احتلال قوات أجنبية لأرض الوطن أو جزء منه ، تفادياً من تكرار ما حدث في عام 1940 في عهد المارشال بيتان 0 ويذهب بوردو إلى أن مثل هذا النص لا شائبة فيه لأن الاحتلال الأجنبي يحول دون ممارسة الأمة سيادتها ، وبالتالي فأي تعديل دستوري يتم في ظله لا قيمة قانونية له 0
- 2 – وقد تلجأ الدساتير إلى تحريم التعديل خلال مدة معينة :
أ – إما بالنص على أن الدستور لا يعدل إلا بعد مضي مدة محددة على نفاذه 0 ويقصد من ذلك توفير حد أدنى من الوقت لتستقر قواعد الدستور ، فالدستور الفرنسي لعام 1791 منع إدخال أي تعديل عليه قبل مضي أربع سنوات ، والدستور السوري لعام 1950 منع التعديل قبل مرور سنتين على نشره 0 أما الدستور الكويتي لعام 1962 فلا يجيز النظر في تعديل أحكامه قبل مضي خمس سنوات على العمل به 0
ب – أو بتنظيم إجراءات التعديل بحيث يستوجب إتمامها انقضاء مدوة طويلة 0 فدستور 1791 الفرنسي استوجب أن يتكرر اقتراح التعديل بصيغة واحدة من قبل ثلاث دورات تشريعية متتالية ، وفي الدورة الرابعة فقط يمكن البت به ، ومعنى ذلك أن يمر بين صدور الاقتراح وقبوله أكثر من ست سنوات 0
والنص على مدد طويلة لا يستقيم من الناحية الميدانية ، لأنه يعني منع الأمة طوال هذه المدة من ممارسة سلطتها التأسيسية 0 والأصل أن يتم التعديل متى شعر الرأي العام بضرورته وخلال مدة معقولة تكفل إعمال الرأي والتفكير 0 وقد نص الدستور السوري النافذ على عدم جواز التعديل قبل انقضاء ثمانية عشر شهراً على تاريخ نفاذه(1)0
(1) المادة 151 )0
- اقتراح التعديل : إن الرغبة في تحقيق أكبر قدر من الثبات والاستقرار للقواعد الدستورية يفترض تقييد حق الاقتراح ، وعدم إطلاقه كما هو شأن القوانين العادية 0 وفي هذه الحالة فإن السلطة التي تخول حق اقتراح التعديل تمنح بذلك مركزاً خاصاً بالنسبة للسلطات الأخرى ، وبالتالي فإن هذا الحق يخول للسلطة التي يراد أن تكون في مركز متفوق 0
أ – وتذهب بعض الدساتير ، الراغبة في دعم مركز السلطة التنفيذية ، إلى النص على أن تختص هذه السلطة حصراً بحق الاقتراح ، من ذلك دستور فرنسا للسنة العاشرة ، والدستور الروماني لعام 1938 ، والدستور الفرنسي لعام 1875 (اتبع لمدة معينة )0ومنالدساتير النادرة التي ما تزال تأخذ بهذا الأسلوب الدستور الياباني الصادر عام 1946 0
ب – وعلى النقيض من ذلك إذا رغبت الدساتير في تأكيد صفتها الديموقراطية ، فإنها تخص المجالس بهذا الحق ، كدستور 1791 الفرنسي ، وكذلك دستور السنة الثالثة ، ودستور 1848 و1946 والدستور السوفييتي والدستور الصيني 0
ج ـ أما الدساتير القائمة على التوازن بين السلطة التنفيذية والتمثيل الشعبي فتمنح هذا الحق للحكومة والبرلمان على حد سواء ، وهو الحل الشائع 0 ومثل ذلك الدستور الفرنسي لعام 1958 إذ منح هذا الحق لكل من رئيس الجمهورية بناء على اقتراح رئيس الوزراء وأعضاء البرلمان ، وكذلك الأمر في الدستور السوري لعام 1950 والدستور المصري لعام 1971 والدستور السوري النافذ 0
د – وتذهب بعض الدساتير كالدستور الإيطالي ومعظم دساتير الولايات في الاتحادين الأمريكي والسويسري إلى منح هذا الحق للحكومة والبرلمان والناخبين 0
- من يملك لإقرار مبدأ التعديل : هنا أيضاً تتفاوت الحلول وتتعد باختلاف الأنظمة السياسية 0 ففي الدستور الفرنسي لعام 1791 كان من حق عشر هيئة الناخبين اقتراح التعديل لمعرفة ما إذا كان يجب دعوة جمعية تأسيسية إلى الانعقاد والنظر في التعديل 0
أما في سويسرة فإن حق البت في وجوب السير في إجراءات التعديل من عدمه يعود إلى المجلسين (المجلس الوطني ومجلس الولايات ) 0 وغذا لم يتفقا ، أو تقدم خمسون ألف مواطن بطلب التعديل ، فإن الشعب كله، عن طريق الاستفتاء ، هو الذي يبت في الأخذ بالتعديل الدستوري من عدمه 0
أما في فرنسا فلحل التقليدي المتبع – إلا في حالات استثنائية - أن يعهد إلى البرلمان بحق البت فيما إذا كان يجب متابعة النظر في التعديل 0 وكذلك الأمر في الدساتير ذات النزعة الاشتراكية ، وفي الدستور النافذ 0
- إجراءات التعديل : إن الدستور الجامد يفترض بحكم تعريفه لإجراءات خاصة لتعديله غير تلك المتبعة في سن القوانين العادية 0 وثمة سبيلان للتعديل :
أ – فإما أن ننطلق من المبدأ القائل إن تصرفاً قانونياً معيناً لا يمكن تعديله إلا ن نفس السلطة (المؤسسة ) وضمن ذات الشكال التي روعيت عند وضعه 0 وقد أخذت بهذا الحل الدساتير الفرنسية لعام 1791 ، والعام الثالث ، وعام 1848 0
ب – أو أ ن يقصد مجرد إضفاء الثبات والاستقرار على القواعد الدستورية وحمايتها من الشطط والنزوات العارضة ، فيكتفى بجعل إجراءات التعديل أصعب من تلك المقررة لتعديل التشريعات العادية 0 وهذا هو الحل الأسلم 0 إذ كلما زادت الحواجز أمام إرادة الإصلاح كلما اندفعت إلى العنف والثورة ما دامت الطرق القانونية مسدودة في وجهها 0
- والحلول التي يمكن أن تتبع لتغيير الإجراءات المقررة للتشريع العادي كثيرة متنوعة 0 فأما أن يحل المجلس العسكري ويدعى مجلس نيابي جديد يعرض عليه التعديل ، كما هو الحال في بلجيكا 0 أو أن يجتمع المجلسان ( حيث يوجد مجلسان ) في جمعية وطنية لها سلطة تأسيسية ، كدستور عام 1875 الفرنسي 0 أو يقر التعديل بأغلبية الثلثين من أعضاء كل من المجلسين على أن يصدق رئيس الدولة على مشروع التعديل، كما هو الحال في الدستور الأردني 0 أو يكتفى من المجلس التشريعي باتباع أشكال معينة ( أغلبية خاصة ) ، واتبع هذا الحل في الدستور الفرنسي لعام 1946 ، والدستور السوري لعام 1950 والدستور اللبناني الحالي 0 ويشترط الدستور السوري النافذ أن يقترن التعديل بعد لإقراره بأغلبية خاصة بموافقة رئيس الجمهورية 0 وقد تشترط بعض الدساتير عرض التعديل بعد إقراره من المجالس على الشعب واستفتائه فيه كالدستور الفرنسي للجمهورية الرابعة ودستور جمهورية مصر العربية الراهن (1) ودستور المملكة المغربية 0
((1) المادة 189 : ((لكل من رئيس الجمهورية ومجلس الشعب طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور 0 ويجب أن يذكر في طلب التعديل المواد المطلوب تعديلها والأسباب الداعية إلى هذا التعديل 0 فإذا كان الطلب صادراً عن مجلس الشعب وجب أن يكون موقعاً من ثلث أعضاء المجلس على الأقل 0
وفي جميع الأحول يناقش المجلس مبدأ التعديل ويصدر قراره في شأنه بأغلبية أعضائه فإذا رفض الطلب لا يجوز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل مضي سنة على هذا الرفض 0
وإذا وافق مجلس الشعب على مبدأ التعديل يناقش ، بعد شهرين من تاريخ الموافقة ، المواد المطلوب تعديلها 0 فإذا وافق على التعديل ثلثا أعضاء المجلس عرض على الشعب لاستفتائه في شأنه 0
فإذا وافق على التعديل اعتبر نافذا من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء ))0
ويمكن للشكل الاتحادي للدولة أن يمدنا بصور فيها مزيد من التعقيد 0 فتعديل دستور الدولة السويسرية لا يكون نافذاً إلا بعد أن يقترن بموافقة أغلبية المواطنين وأغلبية الولايات ، كما يشترط دستور الولايات المتحدة الأمريكية أن توافق على قرار الكونغرس الصادر بأغلبية الثلثين المجالس التشريعية لثلاثة أرباع الدويلات الأعضاء 0
المبحث السادس
رقابة دستورية القوانين(1)
- إن سمو الدستور، وهو أعلى مرتبة من سائر القوانين والأنظمة كما أنه الناظم لنشاط سائر السلطات ، يستوجب أن تتقيد بأحكامه السلطات ، وأن تكون جميع القواعد القانونية غير متعارضة مع القوانين الدستورية 0 كيف السبيل إلى ضمان احترام سمو الدستور ؟ إذ من الواضح أن هذا التفوق وقدسية الدستور يفقدان معناهما إذا أمكن للسلطات المؤسسة ، وبصورة خاصة التشريعية ، أن تخالف أحكامه بدون رادع (2)
((2) ويفترض ذلك بطبيعة الحال اقتران سمو الدستور الموضوعي بالسمو الشكلي ، غذ في حالة الدستور الجامد فقط يمكن التساؤل عن مدى انطباق القواعد التشريعية على الأحكام الدستورية 0))
لا بد إذن من قيام سلطة تتولى لحكم على مدى انطباق القوانين العادية على أحكام الدستور أو مخالفتها لها ، حتى يتم بذلك انتظام سير الدستور المقيد لسلطة القوانين العادية 0
وهذه الرقابة لا تتناول سوى أعمال السلطة التشريعية ، لأن إعمال السلطة التنفيذية على اختلاف أنواعها تخضع للرقابة والإبطال عند الاقتضاء من جانب القضاء ، سواء أكان هذا القضاء قضاءاً إدارياً كمجلس الدولة وسائر المحاكم الإدارية على النمط الفرنسي ، أم قضاء عادياً يملك النظر في جميع المنازعات ، بما فيها ما يقع منها مع الإدارة ، كما هو الحال في البلاد الانجلوسكسونية كانجلترة والولايات المتحدة الأمريكية 0
وتختلف طرق رقابة دستورية القوانين باختلاف الدساتير :
- أ – الرقابة السياسية:
قد يبدو منطقياً أن يعهد إلى هيئة سياسية بحماية الدستور ومراقبة دستورية القوانين 0 فرقابة القوانين ، وإن كانت قانونية في موضوعها ، إلا أنها سياسية في نتائجها ، ولا شك أن الهيئة التي تملك الحكم على القوانين بالإلغاء أو النفاذ تحتل مركز الصدارة في الدولة 0 ومثل هذه الهيئة لا بد أن تكون سياسية هذه هي الحجة التي تذرع بها واضعو دستور السنة الثامنة في فرنسا ، إذ طبق المبدأ جزئياً بأن عهد إلى مجلس الشيوخ بالحفاظ على أحكام الدستور 0 ولكن النتيجة التي أسفر عنها كانت فشلاً ذريعاً ، لأن مجلس الشيوخ لم يلغ في عهد الإمبراطور نابليون أي قانون لمخالفته الدستور ، على كثرة هذه القوانين ، وكان أداة طيعة بيد الإمبراطور بسبب طريقة تعيين أعضائه (إذ يعينون من قبل الإمبراطور نفسه ) 0
- وتأخذ حالياً بالرقابة عن طريق هيئة سياسية بعض الدول كفرنسا (دستور1958) إذ يتولى المجلس الدستوري هذه الرقابة 0 وابتكرت فرنسا في دستور عام 1946 طريقة مؤداها إنشاء لجنة خاصة اسمها اللجنة الدستورية ، تتألف برئاسة الجمهورية وعضوين طبيعيين هما رئيس الجمعية الوطنية (النواب) ورئيس مجلس الجمهورية (الشيوخ) ومن عشرة أعضاء ينتخبهم المجلسان 0 فإن وجدت هذه اللجنة أن القانون يعارض الدستور أعادته إلى الجمعية الوطنية 0 ويتوجب عند ذاك إقرار التعديل من كل من المجلسين بالأكثرية ، وإلا عرض النص على الشعب واستفتي في قبوله أو رفضه 0
- 2- الرقابة القضائية :
يقوم الأسلوب الثاني على أن يعهد إلى القضاء برقابة دستورية القوانين 0 فموضوع الرقابة قانوني في جوهره ، يتلخص في بيان ما إذا كان المشرع يعمل ضمن حدود اختصاصه الدستوري ، ومن ثم يكون هذا الأمر من اختصاص القضاء ، لأن تكوين القاضي يدفعه إلى عدم التحيز كما أن الإجراءات القضائية ، بما يتوافر لها من علانية ، وما تحتمه من تبادل اللوائح وتعليل الأحكام ، توفر ضمانات كافية للوصول إلى حل عادل 0 هذه أهم الحجج التي يتذرع بها أنصار الحل القضائي في رقابة دستورية القوانين 0
- وقد يكون من المفيد إيراد تعليل القاضي الأمريكي مارشال لحق القضاء في رقابة دستورية القوانين ، فهو يقول : (( إن الحق ناشئ من تمازج فكرتين ، سلطان القضاء ومبدأ سيادة الدستور 0 إن مهمة القضاء هي تطبيق القضايا المعروضة عليه 0 فإذا وجد ، في قضية معروضة عليه ، جملة قواعد قانونية لا يمكن التوفيق فيما بينها ، فهو أمام الحالة التي نسميها (تنازع القوانين )0
وفي حالة التنازع بين نص دستوري ونص قانوني يجب على القاضي أن يطبق أحد النصين 0 وبما أن النص الدستوري هو الأعلى فيجب عليه أن يطبقه ))0
وتطبق المحاكم رقابتها على دستورية القوانين بإحدى طريقتين : طريقة الدفع وطريقة الدعوى 0
- أ – طريقة الدعوى : وبمقتضى هذا الأسلوب يجوز الطعن في القانون أمام محكمة خاصة يطلب إليها فحص دستورية هذا القانون وإلغاؤه عند الاقتضاء 0
ففي سويسرة مثلاً يمكن رفع دعوى عدم دستورية القانون أمام المحاكم الاتحادية 0 ولكن رقابتها محدودة لأنها تتناول قوانين الولايات (دون القوانين الاتحادية )0 ويجوز الطعن فيها إما لمخالفتها أحكام الدستور الاتحادي أو دستور الولاية (الدولة العضو ) 0 ولكل فرد ذي مصلحة أن يرفع الدعوى ويطالب بإلغاء القانون واعتباره كأن لم يكن 0
وقد أخذ بهذا الأسلوب في دستور النمسا (1920) وتشيكوسلوفاكيا (قانون 1920) حيث كان يحق للمحكمة إلغاء أي قانون يخالف الدستور 0 أما الدستور الاسباني الجمهوري (1931) فقد أقام محكمة شعبية تنظر في هذه الطعون ، ويحق لمحكمة الضمانات الدستورية هذه النظر في الدعوى التي يرفعها أي فرد ، ولو لم يكن ذا مصلحة في إلغاء القانون 0
- هذا الأسلوب فعال جداً بدون شك 0 إلا أن الصعوبة الكبرى التي يصطدم بها هي التوفيق بين اعتبارين أساسيين : توفير الاستقلال اللازم للمحكمة من ناحية ، وتفادي انقلابها إلى هيئة تعارض السلطة التشريعية وتعرقل أعملها من ناحية أخرى 0 ولذلك يذهب معظم الفقهاء إلى أن أسلوب الدعوى لم يسفر ع نتائج مشجعة 0
وبالرغم من ذلك فقد أخذت به دساتير حديثة 0 فالقانون الأساسي للجمهورية الاتحادية الألمانية النافذ يحدث محكمة دستورية اتحادية تختص بفحص دستورية القوانين ، سواء أكانت قوانين اتحادية ، أم تشريعات محلية ، بناء على طلب من الحكومة الاتحادية أو حكومات الولايات 0 وبالإضافة إلى ذلك عهد إلى المحكمة بمراقبة شرعية الأحزاب ، وهذه سلطة خطيرة تتجاوز الاختصاص القانوني للقضاة ، وقد حكمت المحكمة على التوالي بعدم دستورية الحزب الاشتراكي الألماني (1952) والحزب الشيوعي (1956)0
- ونص الدستور الإيطالي النافذ على مراقبة دستورية القوانين 0 ولكن تنظيم هذه الرقابة أثار صعوبات سياسية كبيرة بحيث لم تصدر قوانين تنظيم المحكمة إلا في عام 1953 ، ولم يتم تعيين أعضائها إلا في عام 1955 0 وقد أخذ الدستور السوري لعام 1950 بهذا الأسلوب على نحو خاص (شبه قضائي) فجعل الرقابة من اختصاص المحكمة العليا ، وحصر حق الطعن في رئيس الجمهورية وربع أعضاء مجلس النواب 0 وفي حالة الطعن يوقف نشر القانون إلى أن تصدر المحكمة قرارها خلال مدة محدودة 0 فإذا أصدرت حكمها بعدم دستورية القانون أعيد إلى مجلس النواب لتصحيح المخالفة الدستورية 0
- ب – الرقابة بطريق الدفع : في هذه الصورة لا يمكن إقامة الدعوى أمام المحاكم بطريق الدعوى الأصلية للطعن في عدم دستورية القانون بمحض إرادتها ، وإنما هي مقيدة بأوجه الدفاع التي يبديها الخصوم في النزاع المطروح 0 وبعبارة أخرى فإن المحاكم لا تنظر في دستورية القوانين إلا في نزاع يطرح أمامها ، ويطلب أحد الخصمين تطبيق قانون ما ، فيطعن الآخر بعدم دستوريته وتسمى هذه الطريقة بطريقة الدفع الفرعي 0
وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية النموذج التقليدي لهذا الأسلوب 0 وتمارس هذا الحق جميع المحاكم أياً كانت درجتها ، وسواء أكانت اتحادية 0 ويمكن للفرد أن يحتج أمام المحاكم الاتحادية بالتناقض بين القانون الاتحادي والدستور الاتحادي ، وأمام المحاكم المحلية بالتناقض بين قانون محلي والدستور المحلي أو الدستور الاتحادي 0 وإذ تحكم المحاكم الأمريكية – في دعوى أمامها – بعدم دستورية قانون ما فإنها لا تلغي القانون ( وإلا اعتبر ذلك خرقاً لمبدأ فصل السلطات الذي يأخذ به الدستور الأمريكي )وإنما تمتنع عن تطبيقه ، ويظل القانون قائماً رغم ذلك ، ويصح لمحكمة أخرى تطبيقه على اعتبار أن دستوري 0
وتشتت الاجتهاد هذا يستوجب قيام سلطة توحده 0 وهذا هو دور المحكمة الاتحادية العليا 0 وقد استقر العمل على أن يقوم المشرع بسحب القانون الذي تحكم هذه المحكمة بعدم دستوريته 0 وتتبنى النروج أيضاً هذا الأسلوب 0
- والنقد الأساسي الذي يوجه إلى إسناد رقابة دستورية القوانين للسلطة القضائية ، أنه يؤدي إلى تطاولها على السلطة التشريعية ، ويجعل منها سلطة سياسية 0 ويدلل الفقهاء على ذلك بالدور الذي لعبته المحكمة الاتحادية الأمريكية العليا في معارضة تدخل الدولة في كثير من المجالات الاجتماعية والاقتصادية ، مستندة إلى أن الدستور الأمريكي مطبوع بطابع الفردية ، ويجب احترام هذا الطابع ، بالمحافظة على مفهوم الاقتصاد الحر ضد اتجاهات التدخل0
فأدت بذلك إلى شل التشريعات الاجتماعية والاقتصادية التي سنها الرئيس روزفلت بعد الأزمة العالمية الكبرى (1929 -1933)0 وبعبارة أخرى أصبحت مراقبة دستورية القوانين سلاحاً طبقياً تستخدمه الطبقة الرأسمالية لتقيم العقبات في وجه التطور الاجتماعي 0
وقد اتبع هذا الأسلوب بشكل خاص في دول أمريكا الجنوبية ، وفي كندا واتحاد جنوبي أفريقيا والبرتغال ورومانيا (دستور 1923) وايرلندة (دستور 1937 )0 ويلاحظ أن بعض الدساتير تحصر حق النظر في عدم دستورية القوانين عن طريق الدفع بالمحكمة العليا (بوليفيا وتشيلي ) ، أو بمحكمة التمييز (النقض والإبرام )0
- 3- انتفاء الرقابة :
لا تأخذ بعض الدول بمبدأ مراقبة دستورية القوانين 0 والمبدأ فيها أن ليس للمحاكم حق تقدير دستورية القوانين من عدم دستوريتها ، وأن وظيفتها هي تطبيق القوانين لا الحكم عليها 0 أو بعبارة أخرى أن للمحاكم تفسير القوانين العادية وتطبيقها ، وليس لها تفسير الدستور وتطبيقه 0 أما القواعد التي رسمها الدستور للسلطة التشريعية فلا رقيب عليها سوى ضمير هذه السلطة ومسؤوليتهم الأدبية أمام الأمة ووعي الرأي العام 0
ويرجع إعلان هذا المبدأ إلى المجلس التأسيسي الفرنسي في سنة 1791 ، واعتبر التطبيق الدقيق لمبدأ فصل السلطات التام 0 ولذلك لا نجد في فرنسا قبل 1946 أية رقابة تضمن احترام دستورية القوانين (1)
((1) ولهذا نجد في مثل هذا النظام أن المجالس تؤلف لجنة دائمة تسمى اللجنة الدستورية يعهد إليها بدراسة مدى اتفاق مشروعات القوانين المقترحة مع الدستور 0 ويشكل هذا الأسلوب رقابة سابقة ، إذ ينصب على القانون قبل إقراره واكتسابه صفة النفاذ 0
وتابعتها في ذلك بلجيكا وهولندة والسويد والدانمرك وفنلندة وسويسرة والدول الاشتراكية باستثناء يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وكوبا 0
ويؤخذ على هذا الأسلوب أنه يجعل من المجلس رقيباً على نفسه ، أي يصبح خصماً وحكماً بآن واحد 0
وقد ظل الفقه مدة طويلة محافظاً على مبدأ عدم جواز قيام المحاكم بالنظر في دستورية القوانين 0 وفي الثلث الأول من القرن العشرين تحول كثير من الفقهاء عن هذا الرأي ، وأخذ باختصاص المحاكم في فحص دستورية القوانين ، بدون حاجة إلى نص دستوري صريح ، ومن أبرزهم ديجي وبارتلمي وهوريو (2)0
((2)تخلو دساتير تونس (1959) والأردن (1952) ولبنان (1926) والجمهورية العربية المتحدة المؤقت لعام (1964) والدستور العراقي المؤقت (1964) والدستور السوري المؤقت (1969المعدل عام 1971 ) من نصوص تنظم رقابة تنظيم القوانين 0 وقد تبنى الفقه المصري اتجاه الفقهاء الفرنسيين ، وأخذ القضاء الإداري منذ عام 1948 بحق رقابة دستورية القوانين ، بالامتناع عن تطبيق التشريع المخالف للدستور ، باعتباره أدنى مرتبة 0 وقد أخذ الدستور الدائم لجمهورية مصر العربية الصادر عام 1971 بأسلوب الرقابة القضائية ، فنص على إحداث محكمة دستورية عليا (المادة 174) تتولى دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين في القانون وقد تبنى الدستور بذلك 00 المحكمة العليا التي سبق إحداثها بالقرار بقانون 81 لعام 1969 وعهد إليها برقابة دستورية القوانين بطريقة الدفع الفرعي 0
كما أن دستور اتحاد الجمهوريات العربية ينص على إحداث ((محكمة دستورية)) (المادة46) تختص بالفصل في الطعون التي تقدم في دستورية القوانين الاتحادية ، وفي مدى مطابقة قوانين الجمهوريات لدستور الاتحاد وقوانينه (48) وقد ذكرنا في الطبعة السابقة عام 1972 أن الحاجة أصبحت ماسة في سورية إلى الأخذ بالأسلوب القضائي لرقابة دستورية القوانين 0انسجاماً مع مع التنظيم الذي أقامه دستور الاتحاد 0 وهذا ما تحقق في التنظيم الدستوري الذي أقره دستور 1973 إذ أحدث محكمة دستورية عليا خولها البحث في دستورية القوانين وإلغاء ما كان منها مخالفاً لنصوص الدستور بمفعول رجعي) المواد 139 -148 ))0
إلا أن القضاء لم يشأ سلوك هذا السبيل ، إلى أن وضع دستور عام 1946 ، فرؤي ضرورة الأخذ بأسلوب للرقابة 0 واستبعد الأسلوب القضائي كما استبعد الحل السياسي 0 وكانت النتيجة أن يعهد بهذه المهمة إلى لجنة دستورية 0 وفي دستور 1958 حل محلها المجلس الدستوري 0 وفي الحالين حرم على الأفراد حق الطعن ، وقصر على سلطات الدولة نفسها 0
المبحث السابع
تنتهي الدساتير عادة بأحد أسلوبين :
أ- أسلوب قانوني : ينتهي الدستور القائم بصدور دستور جديد يحل محله تضعه السلطة المؤسسة وفق الاجراءات المقررة للتعديل في الدستور القائم 0 والمبدأ العام أن الأمة صاحبة السيادة تملك على وجه الدوام تغيير دستورها ، وحقها هذا مظهر من مظاهر سيادتها 0
ب – أسلوب فعلي : هو الثورة أو الانقلاب (1)
((1) راجع في تأثير الثورة على الدستور ، الدكتور منذر الشاوي ،ص275-3070))0
وهو الأسلوب الأوسع انتشاراً 0 والانقلاب حركة تهدف إلى تغيير رجال الحكم ، أي أنها في جوهرها صراع على السلطة ، ومحاولة للاستئثار بالحكم ، يكون الجيش أداتها الرئيسية 0 والانقلاب قد يكون تقدمياً أو رجعياً (ثورة مضادة)) ، فهو رجعي إذا كان يهدف على البنى والنظم الاجتماعية والتقليدية ويعمل على عرقلة التطور ، أما الانقلاب الثوري فهو الذي يعمل على التعجيل بظهور البنى والنظم الجديدة (2)0
((2) كل الأنظمة تدعي تثبيتاً لحكمها أنها ثورية ، أو على الأقل ، مجددة بناءة 0 وليس من نظام سياسي يجرؤ على الاعتراف بأنه محافظ رجعي 0 وليس عجيباً بعد ذلك أن نرى القوى التي تعاقبت على الحكم في سوريا بعد الانفصال عام 1961 ، وهي التي فصمت عرى الوحدة حفاظاً على مصالح الطبقة الرأسمالية والإقطاعية وكرد فعل ضد قرارات التأميم التي صدرت في تموز 1961 ، تنادي بالاشتراكية البناءة المؤمنة الخيرة الخ وتعلن في الوقت ذاته تمسكها بالوحدة العربية الشاملة لتغطي جريمتها بهدم أول دولة عربية قامت في العصور الحديثة من فوق أسوار التجزئة ))0
- أما الثورة ((فحركة اجتماعية مفاجئة تحقق بقوة الشعب من غير مراعاة الأشكال القانونية تستهدف إقامة نظام قانوني محل نظام قانوني آخر))(1) 0
((1)ليفي بروهل في مقال ((المفهوم القانوني للثورة )) منشور في ((مقدمة لدراسة القانون المقارن ) باريس 1938 ، القسم الثالث ص252-253 وقد عربناه ونشر في جريدة البعث عام 1949 0 وهي مجموعة دراسات وضعت تخليداً لذكرى أدوار لامبير ))0
فالثورة انقلاب سريع يقيم تنظيماً جديداً مقام ما كان موجوداً قبلها 0
والحقيقة أن الأسلوبان ما يختلطان من الناحية العملية 0فما من ثورة تكون حركة شعبية بحتة ، وغالباً ما تستخدم بعض عناصر الحكم السابق في حركتها 0 وما من انقلاب ، ولو كان عسكرياً بحتاً يمكن ان يستمر لأجل طويل إذا لم يستند إلى تأييد شعبي يدعمه0 فالجماعة تحيا على بعض المبادئ التي تكون أساساً تقوم عليه مؤسساتها ونظمها 0 وهذه المبادئ تتعدل وتتطور من غير أن تخضع النظم لتغيير مماثل ، لأن السلطة السياسية ، وبصورة خاصة السلطة التشريعية ، تبقى في يد طبقة تعتنق المبادئ القديمة 0 وفي خلال فترة من الزمن ، قد تسبقها أو لا تسبقها اضطرابات اجتماعية ، تتكيف النظم حتماً لتنسجم وتتمشى مع المبادئ الجديدة ، وبعبارة أخرى تتكيف لتلاءم الحاجات الاجتماعية 0 فإذا حدث هذا التكيف بصورة مفاجئة وعنيفة أطلقنا عليه اسم الثورة 0
فالثورة في جوهرها ضغط تقوم به طبقة اجتماعية على تنظيم سياسي لا يعمل على إشباع حاجاتها التي أصبحت مشروعة بسبب تزايد أهميتها ونمو خطرها 0
فالثورة وإن كان أساسها اجتماعياً فإنها سياسية في أشكالها ونتائجها لأنها ترمي دائماً إلى إجراء إصلاح أساسي في الدولة 0 وهذا الإصلاح أمر لا بد منه لتحقيق أهدافها 0 وبعبارة أخرى فإن الثورة لا تتحقق إلا بالاستيلاء على زمام السلطة في الدولة 0
فالثورة تفترض نمواً لا يمكن أن يكون تدريجياً لنفوذ طبقة محرومة من حقها المشروع في الحكم 0 ولكن استيلاء هذه الطبقة الاجتماعية على السلطان السياسي يتم فجأة ، وبدون عنف أو مع سفك الدم ، تبعاً للمقاومة التي تلقاها من خصومها 0 ويتم دائماً في مدة وجيزة من الزمن 0 إذ لو تم هذا الاستيلاء تدريجياً وبصورة سلمية فإننا نكون إزاء إصلاح وتطور لا ثورة 0
- وهذا الاستيلاء على السلطان ليس غاية في ذاته 0 فإن ما يرمي إليه الثوريون ، أو أعداؤهم ، ليس الحصول على السلطان لمجرد اللذة التي يستمدها المرء من مباشرة السلطة والتمتع بها 0 فالحكم أداة لسن القوانين والتشريعات 0 والطبقة التي تملك زمام الحكم تملي قواعد قانونية تشبع رغباتها وتحقق مصالحها 0والقانون ليس إلا التعبير عن العلاقة القانونية كما يمثلها الشعور الجماعي في زمن معين في مجتمع معين 0 ولهذا فإن النظام التشريعي الذي تقيمه الطبقة التي وصلت إلى الحكم عن طريق الثورة سيرتدي طابع هذه الروح الجديدة ويعبر عن العلاقات الاجتماعية الجديدة 0
ويبدو أن الثورة وسيلة عادية لإلغاء الدساتير 0 فجميع الدساتير الفرنسية (أكثر من 15دستوراً منذ بداية الثورة الفرنسية )سقطت بالثورة أو الانقلاب (1)
((1) باستثناء دستور 1793 الذي لم يطبق بتاتاً ودستور سنة 1875 الذي ألغي بعد احتلال الألمان للعاصمة الفرنسية (1940)0
وجميع الدساتير السورية سقطت بانقلاب (دستور 1928 سقط بانقلاب 1949 ،ودستور 1950 سقط بانقلاب 1951 وأعيد العمل به في عام 1954 ، وسقط مجدداً بقيام الجمهورية العربية المتحدة ،دستور الجمهورية العربية المتحدة المؤقت سقط بانقلاب 1961 الانفصالي ، ودستور 1962 سقط بانقلاب 8 آذار 1963 ودستور 1964 سقط بانقلاب 23شباط1966 ، دستور 1969 سقط بانقلاب 16تشرين ثاني 1970 ) باستثناء دستور 1950 الذي سقط عام 1958 بقيام الوحدة بعد استفتاء شعبي والدستور المؤقت لعام 1971 الذي انتهى بنفاذ الدستور الدائم عام 1973 0 وكذلك شأن دساتير أمريكا الجنوبية ، وأغلب الدساتير الأوربية عقب الحرب العالمية الثانية 0
الحكومة الفعلية (الثورية) : ما أن ينجح الانقلاب أو الثورة حتى تظهر حكومة تسمى حكومة فعلية لأنها تولت السلطات خلافاً للقواعد المقررة في الدستور القائم 0 ويمارس الحكام الجدد السلطة الحكومية بدون أي أساس شرعي ، وتعتبر هذه الحكومة قائمة عندما تنجح في إعادة النظام ، وتأمين نفاذ قراراتها وتأمين سير المصالح العامة 0
النتائج القانونية للثورة :
أ- سقوط الدستور :من المبادئ المقررة لدى الفقهاء ، لاسيما الفرنسيين منهم ، أن الدستور يسقط فوراً من تلقاء نفسه بمجرد انتصار الثورة أو نجاح الانقلاب ، أي دون حاجة إلى تشريع يقرر ذلك السقوط0 ويشترط البعض (2)
((2) الدكتور عبد الحميد متولي ، ص83-84 0 ويرى الأستاذ الدكتور متولي أن انقلاب 23يوليو 1952 لم يؤدي إلى سقوط الدستور المصري لعام 1923 حكماً لأنه إنما كان موجهاً ضد فساد أداة الحكم وليس ضد نظام الحكم 0 ويستشهد على ذلك بأنه عندما تحقق تطور الانقلاب إلى ثورة ضد نظام الحكم أعلن سقوط الدستور (في ديسمبر من ذلك العام ) ويبدو لنا أن هذه التفرقة لا محل لها ، وإذا كان الدستور المصري قد استمر هذه الأشهر الخمسة فإنه غنما استمد بقاءه واستمراره من رضا حكومة الثورة بتطبيقه ليس غير ))0
لسقوط الدستور أن يكون هدف الثورة إحلال فكرة جديدة محل الفكرة السائدة قبلاً 0 ويبدو لنا أن لا مجال لهذا الشرط ، لأن فكرة القانون الجديدة هي التي تمد الثورة بوجودها وكيانها 0 و لا أدل على ذلك من أن الانقلاب وحده يكفي لإسقاط الدستور ، مع انه لا يهدف عادة إلى أكثر من تغيير الحكام 0
ب – أما القوانين العادية فتبقى نافذة ، ولا يؤثر على وجودها واستمرارها انهيار النظام السياسي الذي صدرت في ظله إلا إذا ألغتها الحكومة الفعلية صراحة أو كانت بطبيعتها لا تتفق مع الشكل الجديد للحكم 0 وهذه النتيجة يرتبها الفقهاء على استمرار شخصية الدولة رغم تعدد الأشكال المختلفة للتنظيم السياسي التي تتعاقب عليها 0
جـ - ومن المسلم به أن الثورة تلغي الحكام الدستورية من حيث الموضوع ن أي تلك المتعلقة بالتنظيم السياسي 0 أما الأحكام الدستورية من حيث الشكل فقط (أي غير الدستورية من حيث موضوعها ) فغنها تظل نافذة رغم إلغاء الدستور فتلغى صفتها وتعتبر في مرتبة القوانين العادية 0 من ذلك ما كان ينص عليه الدستور الفرنسي لعام 1848 من تحريم الحكم بالإعدام في الجرائم السياسية ، فقد اعتبر هذا الحكم نافذاً بعد سقوط الدستور ، وكذلك ما قد تتضمنه الدساتير من أحكام تتعلق بالتنظيم الإداري أو الشؤون المالية 0
الفصل الثاني
وظائف الحكام ومجالات السلطة
المبحث الأول
وظائف الحكام
وظائف الحكام(1)
((1) ديفرجيه ، ص165 -178)0
- تمهيد :رأينا أن الدستور يعبر عن ( فكرة القانون )) أي النظام الاجتماعي الأمثل الذي ترتضيه الجماعة وتطمح إلى بلوغه ، وتعتبره هدفاً يتعين على الحاكمين العمل على تحقيقه 0
هذا الهدف إنما يتحقق عن طريق تنظيم العلاقات الاجتماعية ، الذي يتم عن طريق إصدار القواعد القانونية 0 ومع أن سلطة الدولة واحدة لا تتجزأ ، فإن الأشكال القانونية التي تمارس بها تختلف وتتباين 0 وإذا تتبعنا الأشكال المختلفة التي تمارس بها السلطة العامة يمكن أن نميز بين وظائف عديدة 0 وثمة نظريات مختلفة في هذا المجال، سنستعرض منها النظرية التقليدية ، ونشير إلى بعض النظريات الحديثة0
- النظريات التقليدية : تذهب النظرية التقليدية إلى تقسيم وظائف الدولة من الناحية القانونية إلى تشريع وتنفيذ وقضاء 0
أ – فالوظيفة التشريعية تنطوي على إصدار القواعد القانونية العامة غير الشخصية ، أي قواعد مجردة تطبق على فئة بمجموعها من المواطنين تتحدد بشكل مجرد وفق ضوابط عامة ، وهذه الوظيفة التشريعية أهم وظائف الدولة على الإطلاق ، لأنها هي التي من شأنها وضع المبادئ الأساسية التي يقتصر دورها على تطبيقها 0
ب – وظيفة تنفيذية : وهي كما يدل عليها اسمها يقتصر دورها على تنفيذ القوانين 0
وتتناول الوظيفة التنفيذية تأمين سير المصالح العامة في الدولة ضمن القواعد المقررة في القوانين 0 ويتحقق ذلك عن طريق القيام بأعمال قانونية فردية تنطبق على فرد معين أو أفراد معينين بالذات ، مكملة بذلك ومفصلة الحكام العامة وموضحة لها ، كتعيين الموظفين ومنح الرخص والإجازات وعقد العقود 00الخ0
ولا تقتصر الوظيفة التنفيذية في الواقع على مجرد تنفيذ القوانين فمجال نشاطها أوسع من ذلك بكثير ، إذ يدل في نطاقها جميع التصرفات القانونية التي لا تتسم بطابع عام وغير شخصي ،فتشمل قرارات متنوعة في السياسة الداخلية ، وكذلك التصرفات والأعمال الدبلوماسية 0
جـ - أما الوظيفة القضائية فتتناول بشكل عام قمع المخالفات التي يرتكبها الأفراد ضد القوانين (القضاء الجنائي) والفصل في المنازعات التي يمكن أن تنشأ حول وجود قاعدة قانونية أو تطبيقها (القضاء المدني والإداري)0
- ويقابل هذه الوظائف المختلفة هيئات منفصلة ، فهناك السلطة التشريعية ، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، وتعتبر الهيئة التي يعهد إليها بالوظيفة التشريعية أسمى مرتبة وأعلى شأنا من سائر الهيئات 0 ويعتبر هذا التقسيم أساس القانون العام في الدول الغربية التي تأخذ بأنظمتها 0
مبدأ فصل السلطات : وقد اشتهرت هذه النظرية باسم نظرية أو مبدأ فصل السلطات ، وتقترن باسم مونتسكيو ، مع أن أرسطو قال بها على نحو ما (1)
((1) راجع الدكتور طعيمة الجرف ، ص446-456 ))0
كما أن مونتسكيو ، نفسه تأثر كثيراً فيما كتبه لوك من قبله ، الذي استلهم بدوره هذا التقسيم من النظام الانكليزي القائم في عهده ، وأكمل النظرية فيما بعد جان جاك روسو (2)0
((2) أ –يميز لوك في مؤلفه (الحكومة المدنية) السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة الاتحادية ، أو حق إعلان الحرب وعقد المعاهدات وإقامة العلاقات الدبلوماسية 0 ويختلف تقسيمه عن النظرية التقليدية من ناحيتين :
1- فهو لا يتحدث عن الوظيفة القضائية 0 ولعله ينظر إليها على أنها خارج نطاق العمل الحكومي 0
2- يميز بين الوظيفتين التنفيذية والدبلوماسية (اللتين أدمجتا فيما بعد تحت اسم السلطة التنفيذية مع أن الوظيفة الدبلوماسية تتميز بطبيعتها عن الوظيفة التنفيذية ، ولا تمارس عملياً بنفس الأشكال ، وكان لوك يهدف من وراء نظريته إلى توسيع اختصاص البرلمان على حساب اختصاصات الملك (الذي كان يختص آنذاك بالسلطتين التنفيذية والدبلوماسية ويشارك في وظيفة التشريع )0
ب – وتعريف مونتسكيو لوظائف الدولة يبدو وكأنه صورة أخرى عن تعريف لوك إذ يقول )) في كل دولة ثلاثة أنواع من أنواع السلطات : السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية للشؤون المتعلقة بالقانون الدولي العام ، وتلك المتعلقة بالقانون المدني ))0 وتبدو السلطة الثانية وكأنها السلطة التي يطلق عليها لوك اسم الاتحادية ، إذ يعرفها مونتسكيو بأنها ((المتعلقة بالسلم أو الحرب وإرسال الممثلين واستقبالهم وحفظ الأمن والوقاية من الغزوات ))0 وبذلك يحقق مونتسكيو عملياً ، عن طريق حفظ الأمن والوقاية من الغزوات والترابط


نقله من حيز الكتاب المطبوع إلى الحيز الالكتروني ونشره بالمنتدى أغيد شرف الدين






آخر تعديل المحامي ناهل المصري يوم 03-01-2012 في 03:44 PM.
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اجتهادات هامة جزائية ردين حسن جنود أهم الاجتهادات القضائية السورية 1 17-12-2013 07:51 PM
مسودة قانون التأمينات الجتماعية السوري الجديد عمار حمودي مشاريع القوانين 1 13-09-2011 02:25 PM
التحكيم في عقود B.0.T -Build-Operate-Transfer سامر تركاوي أبحاث في القانون الإداري 1 12-04-2011 06:40 PM
اجتهادات قضائية في الاختصاص المحامي مهند اسماعيل أهم الاجتهادات القضائية السورية 0 17-02-2011 03:13 PM
القانون المدني السوري - الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 84 لعام المحامي محمد صخر بعث موسوعة التشريع السوري 10 03-12-2006 08:25 PM


الساعة الآن 02:19 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Nahel
يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر>>>جميع المواضيع والردود والتعليقات تعبر عن رأي كاتيبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى أو الموقع