منتدى محامي سوريا

العودة   منتدى محامي سوريا > المنتدى الفقهي > أبحاث قانونية مختارة > أبحاث في القانون الجنائي

إضافة رد
المشاهدات 12187 التعليقات 2
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 17-04-2006, 01:28 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الدكتور عبد الوهاب حومد
إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي

نظرات معاصرة عـلـى قـاعـدة قانونية الجرائم والعقوبـات فـي التشريع الـمقارن[/align]
تعني قـاعـدة القانونية فـي الجرائم والعقوبـات، وجود نـص يتضمن تجريم فـعـل مـا، وتحديد اركانه وذكر العقوبة الـتـي يتعرض لهـا مـن يخالف احكامهـا. ويجب ان يكون هـذا النص منشورا للـمواطنين، فـي الجريدة الرسمية، أو مـا يماثلهـا مـن الوسائل القانونية الـمعترف بهـا دستوريا لتصل إلـى الناس. وقـد مرت هـذه القـاعـدة بتطورات عميقة.

فقد كانت فـي اول امرهـا عرفية، يتناقلهـا حكام الجماعات القديمة وحـكـمـاؤهـا وشيوخهـا كابرا عـن كابر، وينفذون احكامهـا لـمقابلة فـعـل الجاني بعقوبة تكافئ "جريمته" قدرا ونوعا، مـا دام ذلك ممكنا. وكـان الثأر اسبق تلك العقوبـات.

وبعد زمن يصعب تحديد بالسنين، اخذت تظهر إلـى جوار الاعراف، القواعد الـمكتوبة عـلـى الواح مـن الحجارة، وتذاع فـي الساحات العامة أو تبقى سرية محفوظة فـي الـمعابد لدى سدنة العقيدة. وحين بزغت شمس التوراة (السماوية)، كـان فيهـا تنظيم لعقوبات عـدد مـن الجرائم، الـتـي تحددت فيهـا عقوباتهـا. وادخلت الشريعة الاسلامية نـظـامـا للجرائم والعقوبـات فاق فـي وضوحه التشريعات القديمة.

وحين اخذ التشريع الوضعي فـي الانتشار فـي الـمجتمعات الـمعاصرة، تنفس الناس الصعداء، لانهم وجدوا انفسهم امـام نصوص مكتوبة ومـنشورة، تعرفهم مـا هـي الجرائم الـتـي عليـهـا اجتنابهـا، إذا ارادوا ان يجنبوا انفسهم العقوبـات، كـمـا وجدوا انفسهم امـام نصوص مرنة مشتقة مـن العاطفة الدينية والـمصلحة الاجتماعية.

غـيـر ان يد "الاصلاحات" اخذت تمتد إلـى القـاعـدة القانونـيـة، بادخالهـا "اصلاحا" تلو "اصلاح"، بعضهـا قضت بــه سنة التطور ومصلحة العدالة، فكان مقبولا مـن ضمائر الـمواطنين، وبعضهـا، وخصوصا مـا نشهده فـي العقود الاخيرة، يشكل بـكـل الـمقاييس القانونية، ثورة عـلـى الثورة، وكانما الـمشرع، فـي كثير مـن البلاد، اخذ يوجه بصره إلـى الوراء، رغبة مـنـه أو كرهـا ليعيد إلـى القـاضـي الـمعاصرن مـا كـان لاخيه القـاضـي القديم مـن سلطات مفرطة فـي اتساعهـا. ومـن اسف ان دوافع هـذه "الـمستجدات" الـتـي ترتدي عباءة القانون، ليست كلهـا مـن مقتضيات العدالة، وانما تتحرك دوافعهـا مـن منطلق الضرورة والحاجات العملية. وبذلك اخذنا نشهد اهتزاز القواعد القانونية وانتشار الهلع مـن جيش الجريمة الـمنظم والـمتوحش، هـذا الغول الـذي لا يشفق عـلـى طفل ولا يرحم عجوزا.... وقـد افردنا لهذا البحث تسعة فروع، هـي الاتية:

الـفـرع الاول
تشكل القـاعـدة
منذ فجر التجمعات البشرية الاولى، كـان الخطر عليـهـا يأتيهـا مـن الوحوش الـمفترسة، لذلك كـان عليـهـا ان تحمي نفسهـا مـن حدة مخالبهـا وقـدرة انيابهـا، بمكافحتهـا لابعادهـا والقضاء عليـهـا ان استطاعت إلـى ذلك سبيلا.

وكانت تقع فـي داخلهـا "جرائم" قليلة. وكـان والد الجماعة ثـم كبيرهـا وشيخهـا يفصل فيهـا بحـكـمته وتجربته، وفقا للقواعد الـتـي اخذت تترسخ فـي الـمفاهيم رويدا رويدا...

وكانت الجماعة الاقوى تتحالف مـع الجماعة الاضعف، أو تمتصهـا بفـعـل شريعة الغاب، الـمتمثلة فـي الغزو، وهـو فـي حقيقته جريمة سرقة مسلحة فـي اعتباراتنا الحالية، ولكنه في تلك الايام، كـان مدعاة للتفاخر والتعالي وبناء الامجاد وتكريم الشجاعة والرجولة.

وفي الحالات العادية، كـان الراعي الـذي يرعى قطيع الجماعة مجرما كبيرا فـي نظرهم، إذا فرط فـي القطيع، أو جبن عـن الدفاع عـنـه، لانه يعرض حياة الجماعة كلهـا إلـى الخطر... وربما كـان هـذا "الجرم" هـو الاصل الـذي تفرع عـنـه اجرامنا السياسي.

فلـما اخذت هـذه الجماعات الـمترحلة فـي جنبات الارض تستقر عـلـى شكل قرى حول مجاري الانهـار وشواطيء البحيرات، نشأت بينهما، عـلـى مر الزمن، صلات تجارية وانسانية، اتخذت شكل قوافل، كـمـا أنشات بينهـا حروب الاستيلا والجشع مسارا بطيئا نحو تشكل الدولة فيما بعد. ولـم يكن ممكنا لاي كيان ان يستقر وينعم بتنظيم شؤونه الداخلية مـا دامت "حدوده الدولية" بقيت مهددة بقطاع الطرق ايضا. لذلك تعين عـلـى " التجمعات" ان تنظم امور الدفاع عـن نفسهـا.

هـذا مـا فـعـلته "اثينا" مـع القراصنة. وهذا مـا فـعـلته الامبراطورية الاولى الرومانية. حتـى ان مثاليهـا ونحاتيهـا، صنعوا لاله الحرب جانوس Janus وجهين، الاول يتجه إلـى العدو الخارجي Perduellio والثاني يتجه إلـى العدو الداخلي Hosties. وكانوا يعتقدون أنـه مـا دام السوس ينخر فـي داخلهم، فانهم لن يستطيعوا الصمود امـام الاعتداءات الخارجية. وهذا مـا فـعـلته "كاثرين الثانية" امبراطورية روسيا، مـع القوزاق .

ويبدو لنا ان استفحال شرور هـذه العصابات الاجرامية القديمة، هـو الـذي اوحى إلـى الدكتور "سيزار لومبروزو" بنظريته الشهيرة فـي تعليل اسباب الاجرام، بالارتداد إلـى الحالة الـمتوحشة الـتـي كـان عليـهـا الانسان القديم l'atavisme. وخلاصة هـذه النظرية ان الانسان، فـي بداياته، كـان متوحشا كالوحوش، وكـان يرتكب مـن " الجرائم" مـا يستطيع ارتكابه، وخصوصا قتل الـمخلوقات الأخرى ليعيش وتعيش اسرته وجماعته. ولكنه مـع مرور الاف القرون، اخذ "يتمدن" ويتعلـم كيف يطيع اعراف الجماعة، الـتـي هـي قوانينا، غـيـر ان وحشيته الاولى قـد تتحرك فيـه بتحرك غريزة الوحوش، عندهـا يندفع إلـى ارتكاب الجريمة.

اذن فالجريمة ليست الا ارتدادا إلـى الوحشية الاولى الفطرية. وهذا مذهب لـم يعد موجودا مـن يقول بــه قولا جديا. كذلك اخذ ينشأ فـي داخل "الـمستعمرات" الـتـي راحت تتسع شيئا فشيئا، انماط جديدة مـن جرائم لـم تكن معروفة، بفـعـل دوافع ونوازع متعـددة، بدائية فـي البدء، ومتطورة مـع الزمن.

وحين كـان الناس يعيشون معا فـي اسرة كبيرة أو قبيلة، كـانت الـملكية مشاعة بينهم، بحيث ياخذ كـل واحد حاجته، ويقدم للـمجتمع مـا يقدر عـلـى تقديمه مـن خدمات، بينهـا الدفاع "الـمسلح". اذن فلـم تكن السرقة والاحتيال وسوء الائتمان والتزوير والشيك مـن دون رصيد، معروفة لديهم، لذلك لـم يكن لهـا عقوبات.

فلـما اصبحت الـملكية فردية، وصانتهـا الديانات السماوية، ثـم الدساتير والقوانين الوضعية، نشات فـي احضانهـا انماط مـن الاعتداءات، كـان لا بد مـن قمعهـا والوقوف فـي وجههـا، لتأمين استقرار السلامة العامة والحفاظ عـلـى الجماعة.

وكـان عـلـى "الانظمة السياسية" الـتـي اخذت بالتشكل، ان تحمي وجودهـا وتؤمن سلامة "رعيتهـا" وكانت تبتكر دوما عقوبات جديدة زاجرة، كقطع اليد والصلب والقتل والجلد وتقطيع الاوصال والرمي فـي البحر والالقاء مـن مكان شاهق، والترك للوحوش الـمفترسة.

وكانت هـذه الحماية للـمجتمع تعسفية مزاجية فـي بداياتهـا، بحيث تقرر لكل مجرم، مـا يناسب صلاته وتحمله الجسدي مـن عقوبات. ومعنى ذلك ان العقوبـات كانت تقدر، ليس بالنسبة إلـى خطورة الجريمة فحسب، وانما بالنسبة ايضا إلـى طاقة كـل فرد عـلـى حدة.

ولـم تكن فكرة اصلاح الـمجرم أو اعادة تاهيله تمر ببال احد. ولـم تعرف هـذه السلطة الـمطلقة للقـاضـي تحديدا لهـا الا مع تكون الـمجتمعات الكبرى وتشكل الدولة، حيث اخذت هـذه الدولة تصدر قوانين تنشرهـا بين الناس، كقانون "حمورابي" البابلي وقوانين "ليكورغ" اليوناني وقوانين الاثني عشر لوحا الروماني. وقـد وجدت شرائع مكتوبة ظلت سرية فـي الـمعابد، لا يطلع عليـهـا الا الكهنة القـضـاة، مثل تشريع الفراعنة.

ومع نزول الديانات السماوية، ظهر التقنين الجزائي فـي التوراة اولا، ثـم فـي الشريعة الاسلامية، امـا النصرانية فلـم يعرف لهـا تشريع جزائي خاص بهـا. ولـقـد قنن الاسلام عـددا مـن الجرائم الكبرى وحدد لهـا عقوباتهـا بدقة: فالقاتل يقتل، الا إذا عفا اولياء الدم، وتقطع يد السارق، ويجلد القاذف والزاني غـيـر الـمحصن، ويرجم الزاني الـمحصن (الحدود والقصاص).

ولكنه لـم يقنن الجرائم الأخرى الاكثر عـددا، وترك امر معاقبتهـا لولي الأمـر، يحدد اركانهـا ويضع لهـا عقوباتهـا، حسبما يراه فـي صالح الـمجتمع الاسلامي واحكام الدين. وقـد سميت هـذه الجرائم غـيـر الـمقننة بالتعازير.

ولكن تقنين "كـل شيء" لـم يبدأ الا منذ اواخر القرن الثامن عشر فـي اوروبا، حين تبنت الولايات الـمتحدة فـي دستورهـا عـام 1774 قـاعـدة قانونية الجرائم والعقوبـات، وتبعتهـا فرنسا اثناء ثورتهـا القومية عـام 1789.

وبمقتضى هـذه القـاعـدة، فـإن اي فـعـل ينص القانون عـلـى معاقبته يكون معاقبا، وكل فـعـل لـم تحدد اركانه بنص وتوضع لـه عقوبة مقررة، لا يمكن ان يعاقب فاعله. ذلك ان الاصل فـي الاشياء الاباحة، وكل مـا لـم يحرم صراحة بنص، لا يحق لاي سلطة ان تعاقبه. وهذه هـي دولة القانون.

امـا الدولة البوليسية، فهي الـتـي لا يوجد لديهـا قانون يحـكـم نـظـامهـا، أو هـي الـتـي تدرس القانون ولا تلزم نفسهـا بــه. وهـي ليست غائبة فـي ايامنا هـذه، ولكن الـمقدر ان يجرفهـا اتجاه عالـمي ديمقراطي إلـى فنائهـا.

ودولة القانون ثمرة مـن ثمرات الـمفكرين الكبار، الذين وجدوا قبل مرحلة التقنين، مثل "روسو" و"مونتسيكيو" و"فولتير" وتثقف عـلـى مبادئهم فـي الحقل الجزائي اتباع لهم، اسسوا العلوم الجنائية واقاموهـا عـلـى فكرة الحق والقانون، ويقف عـلـى راس هؤلاء الايطالي "بكاريا".

فقد اكد الفرنسي "روسو" عـلـى "أنـه لا يمكن ان توجد حـريـة، طالـما ان سلطة القضاء غـيـر مفصولة ومستقلة عـن السلطة التشريعية والتنفيذية"

وقال "بكاريا" الايطالي: "ان القوانين (الـمنشورة) هـي وحدهـا الـتـي تستطيع ان تضع العقوبـات، الـمطبقة عـلـى الجرائم" وتنسب صياغة القـاعـدة القانونـيـة، بصياغتهـا اللاتينية، وهـي:
Nullum crimen. Nulla poena sine lege
(وتترجم عادة بانه لا جريمة ولا عقوبة الا بقانون) إلـى القانون الالـماني "فيرباخ" الـذي عاش فـي القرن الثامن عشر، واخذهـا عـنـه واضعو "تصريح حقوق الانسان والـمواطن" الفرنسي عـام 1789 (الـمـادة 5). وقليلة هـي الدول الـتـي لا تأخذ اليوم بقـاعـدة القانونية. وأن وجدت فانهـا تكون دولة دكتاتورية ومـنبوذة عـلـى الـمستوى العالـمي.

وقيل فـي فضائل القانونية، انهـا فـي صالح الـمجتمع، كـمـا انهـا فـي صالح الفرد نفسه. فهي فـي صالح الـمجتمع، لانه ليس لـه مصلحة فـي وقوع الجرائم لكي يتصدى لـمعاقبتهـا، وخير لـه الا تقع جرائم، فيما إذا ادرك الـمقدمون عـلـى الجريمة مـاذا ينتظرهم مـن عقاب مؤكد. وهـي فـي صالح الفرد، لانهـا تعرفه سلفا، وقبل الـمغامرة، مـا الـذي ينتظره فيما إذا اقدم عـلـى انتهـاك حرمة القانون. فاذا اقدم وارتكب الجرم، رغم التحذير الـمنشور والـمعروف، او الـمفروض أنـه معروف، فانه يكون هـو الـذي جلب العقاب لنفسه بارادته ورضاه.

وتجدر الاشارة إلـى ان تجديدا مهما فـي موضوع القانونية، دخل التشريع الفرنسي عـام 1958، حين جعل الدستور الصادر فـي تلك السنة الجنايات والجنح مـن اختصاص السلطة التشريعية، واخرج مـن سلطة السلطة التشريعية، الـمخالفات وجعلهـا مـن اختصاص السلطة التنفيذية، الـتـي توجدهـا وتلغيهـا بقرارات أو مراسيم ادارية.

وقـد حمل هـذا التجديد الجريء، الاستاذ "لوفاسور" عـلـى ان يقول: "ان هـذا التجديد ثورة فـي مجال القانون الجنائي" . ويجب ان نلاحظ ان التشريعين الالـماني والايطالي الـمعاصرين يفسحان مكانا رحبا للعقوبات الادارية

وفي بحران هـذا التحرك القانوني، يشهد عالـمنا اليوم هجمة شرسة مـن الاجرام التقليدي مثل (القتل، والسرقة، والاغتصاب)، كـمـا يشهد ظهور انواع جديدة مـن الجرائم، لـم تكن معروفة مثل (جرائم الحرب، والجرائم ضد الانسانية، وخطف الطائرات، وجرائم الـمخدرات، وتجارة الرقيق الابيض).

واول مـا يتبادر إلـى الذهب فـعـله، لـمواجهة الهجمة الـمتوحشة للاجرام، هـو الاستعداد العلـمي والعملي، فـي اكثار عـدد القـضـاة وتنويع الـمحاكم والتوسع فـي عـدد السجون، وتدريب العاملين فيهـا، بدلا مـن الفاسدين الـمفسدين، وتحسين ثقافة الـمتخصصين فـي الوقاية مـن الجريمة، وملاحقة مرتكبيهـا واستباقهـا وقمعهـا، واستنباط وسائل قمع جديدة ومتجددة باستمرار.

ومـن الـمؤكد ان هـذه الاقوال الـمتفائلة، تثقل كاهل الدولة مـن الناحية الـمالية والبشرية، ولكن مـن دون الاستعداد الحاسم، تكون الهزيمة جسيمة. ولنأخذ مثلا توضيحيا عـن الخط البياني للاجرام، جمهورية مصر العربية، والتي تعد اكبر البلاد العربية عـددا واكثرهـا جامعات، وارسخهـا قدما فـي مفهوم الدولة.

فقد جاء فـي حديث لـمساعد وزير العدل (الـمصري)، منشور فـي مجلة معتبرة مـا يـلـي:
مجموع القضاء الجزائي، عـام 1996 و1997 بلغ 5,557,000 قضية. وبلغ عـدد القضايا الكلية امـام جميع الـمحاكم خلال السنوات الثلاثة الاخيرة: 9,228.900، وامـام الـمحاكم الجزئية 23,228,000 قضية.

وينظر فـي هـذه القضايا 4725 قـاضـيا، بينهم 1760 مستشارا فـي محاكم الاستئناف و2691 قـاضـيا ورئيسا بالـمحاكم الابتدائية و272 مستشارا ونائبا لرئيس محـكـمة النقض.

ويقول وزير العدل الـمصري :
"ان هـذا العـدد مـن القـضـاة لا يكفي للفصل فـي هـذا العـدد الضخم مـن القضايا". وقـد اقترح الوزير الـمذكور ان يحال قسم مـن هـذه القضايا إلـى جهـات أو مجالس تكون مهمتهـا انهـاء الخلافات بعيدا عـن الـمحاكم. وسوف تظهر اهمية هـذا الـمقطع مـن كلام الوزير فـي الـفـرع السابع مـن هـذا البحث.

ويؤخذ مـن الاحصاءات الـمصرية، ان القـاضـي "الـمصري" ينظر سنويا فـي 1620 قضية، اي أنـه لـو عمل 300 يوما فـي السنة، دون ان يمرض أو يصيبه طارئ غـيـر متوقع، لكان عليـه ان يفصل سنويا نحوا مـن 4860 قضية، اي بمعدل 16 قضية فـي اليوم الواحد.

ومعلوم انه لا يوجد تخصص فـي القضاء الـمصري، كـمـا هـو عليـه الحال فـي غالبية الدول، بمعنى ان القـاضـي يعين قـاضـيا للجزائيات والـمدنيات عـلـى السواء، وينتقل مـن محـكـمة مدنية إلـى محـكـمة جزائية، والعكس صحيح ايضا. بل ان بعض الدول لا يوجد لديهـا قضاء اداري (مجلس الدولة)، لذلك ينظر القـاضـي فـي الاداريات ايضا.

وفي سـوريـة الـتـي بلغ عـدد سكانهـا فـي 1/1/1999: 17,460,000 شخص، بلغ عـدد الـمدانين عـام 1997: 119738 شخصا، منهم 10503 احداث دون الثامنة عشرة، وبلغ عـدد القضايا الـتـي فصلت فيـهـا محاكم الجنايات 1801 جناية، وعـدد الجنح الـتـي فصلت فيهـا محاكم الاستئناف 6007 قضايا.

وبلغ عـدد الـمدانين فـي الجرائم الـتـي لـم تذكر فـي قانون العقوبـات 91395 شخصا. وكـمـا أنـه لا بد مـن نـص قانوني لاعتبار الفـعـل جريمة، فكذلك لا بد لفهم هـذا النص، اي تفسيره مـن اتباع قواعد معنية.

وتوجد ثلاث طرق لتفسير النصوص الجزائية، هـي:

طريقة التفسير الحرفي، وهـي التمسك الدقيق بمدلول النص اللغوي.ولهذه الطريقة عيوبـهـا ومتاعبهـا. ويقولون ان القضاء البريطاني يتمسك بهـا فـي احكامه.


وطريقة التفسير التوسعي إذا كـان النص فـي صالح الـمتهم (كـمـا فـي حالات الدفاع الشرعي والاعذار القانونية)، والتفسير الضيق إذا كان ضده. وطريقة التفسير الغائي، الـتـي تنتشر اليوم، وموضوعهـا الكشف عـن الغايـة التي يسعى اليهـا واضع النص مـن وضعه. وفي قناعتنا ان هـذا النوع الثالث مـن التفسير، هـو الاكثر عدلا، شريطة الا يبتعد الـمفسر عـن مدلول الفاظ النص، لا بالتوسع ولا بالتضييق. وتجدر الاشارة إلـى ان قانون العقوبـات الفرنسي الجديد (1 آذار 1994) خرج عـن مألوف التشريعات الجزائية، الـتـي تترك للقـضـاة مهمة التفسير، حتـى يتلاءم النص مـع التطور، ولا يفقد بريقه بفـعـل الزمن، فنص فـي الـمـادة 111 ف4 عـلـى ان" القانوني الجزائي يفسر تفسيرا ضيقا". وفيما يـلـي نصه الفرنسي:
(La loi pénale est d'interprétation stricte).
ومع ذلك فلا يجوز ان يفهم هـذا النص بانه يتضمن التشكيك فـي ذمة القـضـاة ونزاهتهم، بالزامهم باتباع طريقة معينة مـن التفسير، ولكنه ربما اراد توحيد الاجتهـاد، لتأمين الـمساواة بين الـمتقـاضـين، مـن متهمين واصحاب حقوق مدنية عـلـى السواء.

ولـم تستطع القـاعـدة القانونـيـة ان تصمد للزمن، وتحافظ عـلـى كيانهـا سليما معافى، كـمـا تخيله دعاتهـا الاول، لان يد الحاجات إلـى التعديل والتطوير مـا لبثت ان امتدت اليهـا، تحـت وطأة كثير مـن النظريات القانونية الـمتجددة.

وقـد اتسعت افاق التعديلات كثيرا، وفتحـت نوافذ فـي القـاعـدة لـم يكن يتخيلهـا رعيلهـا القديم، حتـى وجد اليوم مـن يقول: وماذا بقي للقـاعـدة القانونية؟ وبتعبير اصح، وماذا بقي مـن القـاعـدة القانونـيـة الجزائية؟ والحقيقة ان تطويرات كثيرة ادخلت عليـهـا قديما وحديثا.

وسوف نتابعهـا فـي الفروع التالية وبالتسلسل الزمني مـا امكننا ذلك ، مكتفين بالتذكير ببعض الـمؤسسات، حتـى يتاح لنا الوقوف بشكل اطول عـلـى الـمؤسسات الـمستجدة.

الـفـرع الثاني
تطويرات سابقة

كـان اكبر هموم ثوار فرنسا عـام 1789، تحقيق الـمساواة بين الناس امـام القانون، فـي الـمسؤولية الجزائية وفي الـمعاقبة، وهذه الـمساواة تتطلب القضاء عـلـى الفئات الـمستغلة الـتـي سخرت الحـكـم والدولة لـمصالحهـا، وهذا مـا فـعـلته حين قضت عـلـى النبلاء والاقطاعيين وقلـمت اظفار رجال الدين.

وفي مصر، كـان لبعض الناس ميزات قانونية خاصة بهم. ومـن ذلك مـا جاء فـي القانون الهمايوني الصادر عـام 1855، تفريقا "بين العلـماء الفخام والسادات الكرام وخيرة الناس مـن اصحاب الرتب، وبين اوساط الناس والسوقة ومـن يشابههم".

وقـد الغي هـذا القانون عـام 1883.

ولكن رسوخ القـاعـدة القانونـيـة لـم يستمر. فقد بدأ الـمشرع يمد يد الاصلاح اليهـا استجابة لحاجات التطور الاجتماعي.

وفيما يـلـي تطورات ادخلت عـلـى القـاعـدة بعد اعلانهـا:
1. ادخال حد ادنى وحد اعلى للعقوبة
فـي الشريعة الاسلامية عقوبات القصاص، والحدود عقوبات ثابتة، ليس فيهـا حد ادنى وحد اعلى. فعقوبة القاتل الـمتعمد، القتل بالسيف، وعقوبة الزنى، الرجم حتـى الـموت للـمحصن، والجلد لغير الـمحصن ثمانين جلدة، محددة العـدد، لا تزيد ولا تنقص.

وكـان القانون الوضعي فـي بداياته عـام 1791 يتضمن عقوبات ثابتة ايضا، غـيـر ان الحاجات العملية قضت بادخال حد ادنى وحد اعلى لكثير مـن العقوبـات، يختار القـاضـي، حين تثبت الجريمة، لكل واحد مـن الـمجرمين، حد العقوبة الادنى أو الاعلى أو مـا بينهما حسبما يراه، اعدل واقوم، اخذا بعين الاعتبار طريقة تنفيذ الجريمة وشراسة الفاعل، وعدوانيته أو ندمه ومبادرته إلـى تعويض الضحية. ولكن عقوبة الاعدام، وبعض الجرائم الـمحصورة، بقيت دون حد ادنى أو اعلى.

وسار قـانـون العقوبـات السوري، وقبله الـقـانـون العثماني، عـلـى هـذا النهج، فعقوبة الاعدام عقوبة ثابتة، ولكن القـاعـدة فـي العقوبـات الـمـانـعة للحـريـة ان تكون ذات حدين، والعبرة لنص الـقـانـون طبعا.

ولا يوجد اليوم مـن ينتقد نـظـام الحدين فـي العقوبة، لانه يعطي قـاضـي الـموضوع امكانية تفريد العقوبـات، وتمكينه مـن رحمة عاثر الحظ الـذي قادته ظروف أليمة إلـى الجريمة، والتشدد عـلـى الـمشاكس الشرس الـذي يقدم عـلـى الجريمة، وهـو راض بهـا، ساع اليهـا.

2. ادخال الظروف الـمخففة
نشير إلـى ان واضع الـقـانـون الفرنسي عـام 179، وضع عقوبات ثابتة، ولـم يشأ ان يقبل بظروف تخفف مسؤولية الفاعل، غـيـر ان بعض القوانين اللاحقة، مثل قانون 27 جيرمينال للسنة الرابعة وقانون 3 برومير قبلا الظروف الـمخففة قبولا متواضعا.

فما جاء "نابليون" ووضع قانون العقوبـات عـام 1810 ادخل فيـه الظروف الـمخففة فـي مادة الجنح فقط، ولكن الحاجات العلـمية قضت بادخالهـا فـي بعض الجنايات حصرا. وقـد تحققت هـذه الرغبة فـي قانون 1824. غـيـر ان التطور الاساسي قضى بتعميمهـا عـلـى جميع الجنح والجنايات، فصدر قانون 28 نيسان 1832 الـذي ادخل هـذا التعميم عـلـى جميع الجنح والجنايات.

وفي فرنسا، تمنح محاكم الجنح الظروف الـمخففة، امـا فـي الجنايات، فكان منحهـا مـن حق هيئة الـمحلفين. فما تم اصلاح 25 تشرين الثاني 1941، اصبح قـضـاة الـمحـكـمة يشتركون مـع الـمحلفين فـي تقرير العقوبة، ومـنهـا منح الاسباب الـمخففة.

ولـم يأخذ الشارع العثماني بمؤسسة الظروف الـمخففة (أو الاسباب الـمخففة) حين تبنى قانون العقوبـات لاول مرة عـام 1858، الـذي اخذه عـن القانون الفرنسي الصادر عـام 1810 م بصورة تكاد تكون حرفية، باستثناء القسم الـمتعلق بدستورية الحـكـم، بسبب الطبيعة الاستبدادية للسلطنة العثمانية. غـيـر ان هـذا الشارع اضطر إلـى ادخال الظروف الـمخففة بالتعديل الصادر بقانون 6 جمادى الاخرة 1329هـ. وقـد نظم الشارع السوري موضوع اسباب التخفيف بالقانون رقـم 42 بتاريخ 26 ايار 1938.

امـا فـي التشريع الـمصري "فـإن نـظـام الظروف القضائية الـمخففة، مقصور عـلـى الجنايات الـمعاقب عليـهـا باحدى ثلاث عقوبات اصلية هـي: الاعدام والاشغال الشاقة (الـمؤبدة والـمؤقتة) والسجن" ، اي ان الغرامة غـيـر داخلة فـي هـذا التعداد.

لذلك "لا يصح عـلـى اي صورة النزول عـن الحد الادنى للغرامة الـمقررة، استنادا إلـى الـمـادة 17، والا كـان ذلك خطأ فـي تطبيق القانون، مـمـا تملك محكمة النقض تصحيحه" .

وفي سـوريـة، كـمـا فـي مصر وفرنسا، يعود منح الظروف الـمخففة أو عـدم منحهـا، إلـى مطلق تقدير ضمير محـكـمة الـموضوع، اي أنـه لا اشراف لـمحـكـمة النقض عليـهـا. وما دام منحهـا متروكا لتقدير محـكـمة الـموضوع، فـإن حصرهـا عسير جدا.

ومع اهمية الدور الـذي تنهض بــه الظروف الـمخففة فـي فلسفة تفريد العقوبـات، فاننا نلاحظ فـي ايامنا ميلا واضحا إلـى منع منحهـا فـي بعض الجرائم.

ومـن ذلك التشريع السوري:
?أ- الـمـادة 46 مـن قانون الـمخدرات رقـم 182 لعام 1960.
غـيـر ان قانون الـمخدرات الجديد رقـم 2 الصادر بتاريخ 12/4/1993 اعاد إلـى محـكـمة الـموضوع الحق فـي منح اسباب التخفيف، ربما بسبب شدة العقوبـات الـتـي احدثهـا، ولكنه مـع ذلك، منعهـا فـي حالات ذكرهـا، مثل حالة العائد واستخدام قاصر والاشتراك فـي العصابات.
?ب- الـمـادة 17 مـن قانون الغش والتدليس رقـم 158 لعام 1960 الـمعدل.
?ج- الـمـادة 11 مـن الـقـانـون رقـم 10 لعام 1973، الخاص بتلويث الـمياه الاقليمية والدولية.
?د- الـمـادة 625 مكرر مـن قانون العقوبـات، الخاصة بسرقة السيارات.
?ه- الـمـادة 28 مـن قانون العقوبـات الاقتصادي رقـم 37 بتاريخ 16/5/1966.
غـيـر ان هـذا الـمنع الغي بتعديل الـمـادة الـمذكورة بالـمـادة 15 مـن الـمرسوم التشريعي رقـم 40 لعام 1977. ومثل هـذا التشديد بمنع منح الظروف الـمخففة، دخل ايضا فـي التشريع الـمصري، وعلة هـذا الـمنع خطورة بعض الجرائم عـلـى سلامة الـمجتع.
3. ادخال وقف التنفيذ Le sursis
فبعد ان يقضي القـاضـي عـلـى الـمجرم بعقوبة، بعد ثبوت الجريمة عليـه، يستطيع ان يقضي فـي الوقت نفسه، بوقف تنفيذ العقوبة.

وفي تشريعنا، والتشريع الفرنسي والـمصري، فـإن هـذا التدبير مقصور عـلـى الاحكام الصادر بعقوبات مـانـعة للحـريـة.

وقـد نشأ هـذا النـظـام، للـمرة الاولى، فـي ولاية "كوينسلاند" عـام 1886، ثـم قلدته الدول الاوروبية، فتبنته بلجيكا عـام 1888، كـمـا تبنته فرنسا عـام 1891. ودخل إلـى سـوريـة مـع دخول قانون العقوبـات عـام 1949. وقـد اوصت مؤتمرات قانون العقوبـات الدولية، بتبنيه والتوسع فيـه. وهـو خاص بعقوبات منع الحـريـة (الحبس) فـي الجنح والـمخالفات.

غـيـر ان محـكـمة النقض السـوريـة، قبلته فـي الجنايات الـتـي تترافق بعذر قانوني مخفف، فيما إذا صدر الحـكـم بالحبس "ذلك ان الاعذار القانونية تغير طبيعة الجناية، وتدخلهـا فـي زمرة الجنح" . وهـو رأي العلامة الاستاذ "دوفابر"، والاستاذين "بوزا" و"بنياتل" . وهذا الاتجاه جدير بالتأييد.

ولكن إذا عاد مـن منح وقف تنفيذ حـكـمه فـي مدة محددة إلـى ارتكاب جريمة أخرى، فانه يحاكم عـن الجريمة الجديدة، ويعاقب عليـهـا، وتضم إلـى عقوبتهـا العقوبة الـموقوفة.

ولكن النـظـام الانجليزي يسلك مسلكا اخر، لانه يلزم القـاضـي باجراء التحقيق والـمحاكمة، غـيـر أنـه يعطيه الحق فـي عـدم اصدار الحـكـم، وبذلك ينقذ الـمتهم مـن عار العقوبة.

ولا يمنح وقف التنفيذ الا بشروط حددهـا القانون، كأن لا يكون قـد حـكـم عليـه سابقا بعقوبة مـن نوع العقوبة الجديدة، وأن يكون لـه محل اقامة حقيقي وأن يوحي بالثقة.

وتجدر الاشارة إلـى ان وقف التنفيذ لا يعلق تنفيذ العقوبـات الاضافية أو الفرعية أو تدابير الاحتراز. وتوجد صورة مـنـه، تقضي بوضع الشخص تحـت نـظـام الرعاية، وهـو اشراف مندوب متخصص عـلـى سلوكه خلال فترة وقف التنفيذ.

4. ادخال وقف الحـكـم النافذ liberation conditionnelle
وهـو "الافراج الشرطي" أو الافراج الـمشروط فـي التشريع الـمصري والتشريع الفرنسي. وفي التشريع السوري، يجوز الافراج عـن الـمحكوم عليـه الـمحبوس، إذا امضى فـي السجن ثلاثة ارباع الـمدة الـمحكوم بهـا عليـه عـلـى الاقل، واذا ثبت بتقارير ادارة السجن( التابع لوزارة الداخلية) أو قـاضـي تنفيذ العقوبـات (فـي التشريع الفرنسي) ان سلوك الفاعل سلوك حسن. ويعد هـذا الاجراء القانوني تدخلا مـن السلطة التنفيذية (وزارة الداخلية) فـي تنفيذ العقوبة الـتـي حـكـم بهـا القضاء. ومـن الـمؤكد ان النـظـام الفرنسي، الـذي يكل امر البت فـي موضوع الافراج الشرطي، إلى قاض متخصص، وهـو قـاضـي تنفيذ العقوبـات، افضل مـن النـظـام السوري.

5. صفح الـمضرور
وينص التشريع السوري عـلـى ان الجرائم الـتـي ينص الـقـانـون عـلـى عـدم جواز اقامة الدعوى العامة فيهـا الا بناء عـلـى شكوى الـمضرور أو ادعائه الشخصي، تسقط، وتمتنع متابعتهـا، فيما اذ عفا الـمضرور، ضحية الجريمة، عـن الفاعل وسحب شكواه أو ادعاءه الشخصي (حسب الاحوال).

ففي جريمة الزنا مثلا، لا تقام الدعوى العامة الا إذا تقدم الزوج بادعاء شخصي ضد الزوجة وشريكهـا فـي الجريمة، ولكن قـد يعود الزوج لنفسه ويفكر فـي الأمـر، فربما يجد مـن مصلحة سمعته وسمعة اولاده الا يتابع الدعوى، ويجلب عـلـى زوجته، وعلى اولاده ونفسه الفضيحة، فيعمد إلـى سحب الادعاء الشخصي، وعندهـا تسقط الجريمة، ولو اصبح الحـكـم مبرما. غـيـر أنـه فـي حالة الحـكـم الـمبرم، لا يسقط الا تنفيذ العقوبة فقط، امـا الحـكـم فانه يظل يحسب في تطبيق القواعد الـمتعلقة بوقف التنفيذ واعادة الاعتبار والعود (الـمـادة 156 ف2 عقوبات سوري). وواضح ان ارادة الـمضرور مـن شانهـا احيانا ان توقف مجرى العدالة الجزائية.

6. العفو العام l'amnistie
وهـو مـن اختصاص السلطة التشريعية (مجلس الامة أو مجلس الشعب).
وفي الدستور السوري، تمنح الـمـادة 111 ف1، رئيس الجمهورية، الحق فـي تولي "سلطة التشريع خارج انعقاد دورات مجلس الشعب، عـلـى ان تعرض جميع التشريعات عـلـى الـمجلس فـي اول دورة انعقاد لـه"، كـمـا ان لرئيس الجمهورية "ان يتولى سلطة التشريع اثناء انعقاد دورات الـمجلس في حالة الضرورة القصوى" (الـمـادة 111 ف2 مـن الدستور).

والعفو العام واسع النتائج، لانه يلغي اثار الجريمة الجزائية، ولكنه لا يمس الحقوق الشخصية، كالرد والتعويضات عـن الاضرار الـمادية والـمعنوية. وقـد قدر واضع الدستور، ان العفو العام الـذي لا يمنح الا بقانون، ان هـذا العفو لا يمنح الا إذا اقرته اكثرية مجلس النواب، بعد مناقشات مستفيضة ومقنعة.

ومـن الانتقادات الـموجهة إلـيـه، أنـه تدخل مـن السلطة التشريعية فـي اختصاص السلطة القضائية الـتـي عليـهـا ان تحاكم كـل مرتكب جريمة. وكذلك فـإن مـن سيئات تفويض رئيس الجمهورية فـي هـذا الحق، تدخل السلطة الادارية (رئيس السلطة التنفيذية) فـي اختصاص السلطة القضائية. وقـد كثر فـي ايامنا منح العفو العام، حتـى اصبح عيبا مـن عيوب الحكم، وبخاصة إذا كـان الـمقصود بــه افراغ السجون الغاصة بنزلائهـا، أو بمناسبة الانقلابات العسكرية.

7. العفو الخاص la grace
وهـو موكول إلـى رئيس الدولة، ويصدره بمرسوم عادي.

ولكن لا يحق لـه اصداره، الا إذا اصبح الحكم الجزائي الصادر عـن الـمحاكم مبرما، وسدت فـي وجه الـمحكوم عليـه، جميع طرق الطعن والـمراجعة القضائية.

وقـد كـان هـذا الحق خاصا بالـملك فـي الانظمة الـملكية، باعتبار ان الـملك "مصدر العدالة". وحين يمنح الـملك شخصا عفوا خاصا "فانه يستعيد مـن الـمحاكم الحق الـذي كـان قـد منحهـا اياه" .

وبسبب الاساءات الـتـي ارتكبت فـي عهود الـملكية، وجهت إلـى العفو الخاص انتقادات لاذعة، قادهـا "بكاريا" و"بنتام" .
وقـد الغته الجمعية التأسيسية (الفرنسية) اثناء الثورة الكبرى، ذهـابا منهـا إلـى ان نـظـام الـمحلفين يمثل العدالة الشعبية، ولا يحق، مـن ثـم لاحد ان يمس احكام الشعب. غـيـر أنـه مـا لبث ان اعيد فـي السنة العاشرة مـن الثورة. وانتقل فيما بعد إلـى رئيس الجمهورية (الـمـادة 105 مـن دستور 1973 – سوري).

وقـد كرسه الدستور ليكون رئيس البلاد الاعلى، الـملاذ الاخير لـمن قـد يكون ظلـم اثناء الـمحاكـمـات القضائية، بسبب ضعف بشري يصيب القضاة غـيـر الـمعصومين مـن الخطأ.

وهـو مجرد منحة شخصية مـن رئيس االبلاد، وليس مـن شانه ان يسقط الحكم "لانه يعادل التنفيذ" فقط، اي ان تنفيذ العقوبة هـو وحده الـذي يتوقف، امـا جميع نتائجه القانونية فانهـا تستمر، كتطبيق العود والحكم النافذ واعادة الاعتبار (الـمـادة 154من قانون العقوبـات السوري).

ويعد حق العفو الخاص، تدخلا مـن السلطة التنفيذية فـي اختصاص السلطة القضائية، لانه يتضمن ابطال احكام قضائية بمرسوم اداري. غـيـر ان انصاره يقولون أنـه يقوم بدور اخر مرجع للعدالة، وخصوصا أنـه يمنح بصفة فردية، وبعد دراسات مستفيضة للحكم، مـن قبل لجنة العفو فـي وزارة العدل، والـمكتب القانوني لرئيس الجمهورية.





الـفـرع الثالث
انتهـاكات معاصرة

شهدت العقود الستة الاخيرة مـن القرن الـماضي، اعتداءات صارحة عـلـى كيان القـاعـدة القانونـيـة، لبست ثوب تطريزات حديثة فـي الفلسفة الجزائية.
وفيما يـلـي اهمهـا:

1. التعابير الفضفاضة:
الاصل فـي النص القانوني الجزائين الـذي يحدد اركان الجريمة ويبين نوع العقوبة ومقدارهـا ان يصدر بصورة دقيقة، لا تحـتمل تضييقا ولا توسعا. لذلك فـإن الشارع يتفنن فـي حسن صياغة النص ويجتهد فـي ان يكون دقيقا، حتـى لا يخرج القاضي فـي تفسيره عـن مدلول الكلام، الـذي يعبر عـن هـدف الشارع.

ومـن هنا انطلق مفهوم التفسير الحرفي والضيق.

غـيـر ان الـذي اخذنا نشهده، هـو استخدام واضعي النصوص الجزائية (قوانين أو مراسيم تشريعية) تعابير لا تتسم بالدقة، ذات مضامين واسعة، تحـتمل تفسيرا واسعا ايضا.

ويحاول انصار هـذه التعابير الفضفاضة، ان يبرروهـا بالضرورات العملية، وخصوصا فـي مجال "حماية الوطن والنـظـام". وعندهم ان النص الشديد الوضوح، والدقيق الصياغة، يلزم القاضي بالحكم بالبراءة كلـما انس فـي قرارة ضميره، ان هـذا النص يقصر عـن ان يطال وقائع قريبة مـن مفهوم النص، لانه لا يطالهـا فـعـلا، أو أنـه يوجد شكا فـي نفس القاضي فـي وقوعهـا تحـت طائلته.

وحتـى لا يفلت مجرمون مـن عقاب يستحقونه بسبب ارتكابهم افعالا يشك القاضي فـي وقوعهـا تحـت النص، قالوا بضرورة تبني هـذه الالفاظ الواسعة، تحـت وطأة ضرورة احقاق العدالة.

ولسنا نخفي كراهيتنا لهذه التعابير الفضفاضة، خشية ان يترخص القاضي فـي فهمه للنص ويتوسع فـي ضميره فيـه، فيعاقب عـلـى افعال قـد تكون غـيـر معاقبة فـي الاصل.

وقـد انتشر هـذا البلاء فـي التشريعات الجزائية اللاتينية خاصة، وتشريعات البلاد الـتـي تتبنى اسس هـذه التشريعات، كتشريعاتنا العربية، فـي مصر وسـوريـة ولبنان والكويت ودول الـمغرب العربي. واؤكد عـلـى تعبير "البلاء" لان سلطة القاضي فـي التفسي اصبحت واسعة جدا، وهذا مـا لا يقره "الفن التشريعي". ولننظر فـي امثلة مـن هـذه التعابير الواسعة فـي مواضعهـا:

فالـمـادة 285 مـن قانون العقوبـات السوري تعاقب عـلـى " اضعاف الشعور القومي أو ايقاظ النعرات العنصرية أو الـمذهبية" بالاعتقال مـن 3 سنوات إلـى 15 سنة.

والـمـادة 286 تعاقب بالعقوبة نفسهـا "كـل سوري يذيع فـي الخارج انباء كاذبة مـن شأنهـا ان توهن نفسية الامة".

والـمـادة 156 مـن قانون العقوبـات العسكري السوري، تعاقب بالاعدام "مـن يستبب فـي ايقاع الذعر فـي احدى القوات السـوريـة، اثناء الحرب أو فـي ظل الاحكام العرفية بقصد معاونة العدو".

والـمـادة 21 مـن قانون العقوبـات الاقتصادية لعام 1996 تعاقب "كـل مـن يضعف الثقة الخارجية أو الداخلية باقتصاد البلاد..." بالاشغال الشاقة مـن ثلاث سنوات إلـى خمس عشرة سنة.

وفـعـل الشارع الـمغربي مثل ذلك، فعاقب عـلـى "الاضرار بالوضع العسكري أو الديبلوماسي للـمغرب"، كـمـا عاقب "زعزعة ولاء الـمواطنين". واستخدام قـانـون العقوبـات الليبي تعابير فضفاضة مطاطة لـمعاقبة "جرائم الفساد" و"افساد الحياة السياسية" و"قهر القوى الشعبية" و "محاولة تضليل الشعب".

وكـان تشريع الاتحاد السوفييتي (الـذي تفكك عـام 1989) يذهب مذهبا اكثر تطرفا ايضا، لانه كـان يأخذ بعين الاعتبار "حالة الـمجرم الخطرة" ولكن هـذا الاتحاد غـيـر موقفه مـنذ ان عاد إلـى القانونية فـي قانون عـام 1960 وتخلى عـمـا كـان يسميه "ديكتاتورية الطبقة العاملة" واحل محلهـا تعبيرا قانونيا جديدا هـو "دولة كـل الشعب".

وتسلك الدول الاشتراكية الـتـي كانت تسير فـي فلك الاتحاد السوفيتي، بعد ان انفصلت عـنـه، واتجهت إلـى الـمعسكر الغربي، مسلكا يماثل مسلك العودة إلـى القانونية.

ويستعمل الـقـانـون الفرنسي تعابير غامضة ايضا. فـهـو يعاقب عـلـى "الخيانة العظمى" الـتـي يرتكبهـا رئيس الجمهورية، وتكون محكمة العدل العليا، هـي الـمختصة بمحاكمته. (الـمـادة 68 مـن دستور 1958). وتعاقب الـمـادة 413 ف1 مـن قانون العقوبـات الجديد لعام 1994 "الاضرار بالدفاع الوطني" كـمـا تعاقب الفقرة 2 مـن هـذه الـمـادة "الاضرار بالدفاع الوطني بواسطة اعاقة entraver السير الـمألوف للعسكريين والعتاد الحربي". وتعاقب الـمـادة 413 ف4 "مشروع تهديم معنويات الجيش...".

2. الاتجاه نحو التشديد:
وهذه الصفة برزت فـي مجموعة القوانين الحديثة نسبيا، وهذه بعض الامثلة:
?أ- كـان قانون العقوبـات السوري يعاقب "الغش" فـي ثلاث مواد، هـي الـمـواد 593 و594، و595، وهذه كانت عقوبة غش الـمـواد الغذائية الـمعدة لغذاء الانسان أو الحيوان، وكذلك غش العقاقير والـمنتجات الصناعية والزراعية الـمعدة للبيع. ولكن صدر قانون خاص بقمع الغش رقـم 158 عـام 1960، مكون مـن 23 مادة لـمعاقبة الغش و3 مواد احكام عامة، اكثر شدة، فمع ان هـذا القانون ابقى مدة الحبس عـلـى حالهـا كـمـا وردت فـي الـمـادة 593 عقوبات، الا أنـه منع محاكم الـموضوع مـن الحكم بوقف التنفيذ (الـمـادة 17)، واوجب عليـهـا اغلاق الـمحل مدة تصل إلـى شهر، كـمـا اجاز لهـا ايقاف الفاعل ايقافا نهـائيا عـن ممارسة الـمهنة. واوجبت الـمـادة 23 عـلـى الـمحاكم الجزائية ان تفصل "عـلـى وجه الاستعجال" فـي هـذه الجرائم.
امـا فـي حالة الحرب والطوارئ، فتصبح محاكمة هـذه الجرائم مـن اختصاص القضاء العسكري، وتكون احكامهـا قطعية وتُنَفَذ فورا، اي ان الـمتهم حُرِمَ مـن حق الطعن استئنافا أو بطريق النقض. وقـد يكون هـذا التقنين مخالفا للدستور، لانه يحرم الـمواطن مـن حق صيانة الدستور.
?ب- الغى الـمرسوم التشريعي رقـم 15 بتاريخ 13/5/1979، الـمـادة 148، مـن قانون العقوبـات، وشدد (بالـمـادة 2) عقوبة سرقة الطاقة الكهربائية فجعلهـا "لا تقل عـن ستة اشهر مـع الشغل"، ومـنع فيهـا منح الاسباب الـمخففة أو الحكم بوقف التنفيذ.
?ج- اضاف القانون رقـم 18 بتاريخ 29/11/1975، إلـى قانون العقوبـات العام مـادة برقم 635 مكرر، خاصة بسرقة السيارات.
فقد نصت هـذه الـمـادة فـي فقرتهـا الاولى عـلـى الاشغال الشاقة الـمؤقتة مدة لا تقل عـن خمس سنوات وغرامة تتراوح بين 2000 – 5000 ليرة لكل مـن سرق احدى السيرات المعرَّفة فـي الفقرة 3 مـن الـمادة 1 مـن قانون السير (الـمرور).
ويمكن ان تصل الـمحكمة بالعقوبة إلـى خمس عشرة سنة، باعتبارهـا الحد الاعلى للاشغال الشاقة الـمؤقتة.
كذلك حَرَمت الفقرة (د) عـلـى الـمحكمة ان تمنح السبب الـمخفف أو وقف تنفيذ الحكم.
امـا إذا لـم يكن الفاعل قاصدا سرقة السيارة، بل اخذهـا للنزهة فقط، فعقوبته الاشغال الشاقة مدة تتراوح بين 3 سنوات و15 سنة، والغرامة ايضا.
?د- كـان تهريب البضائع الخاضعة للرسوم لعـدم دفع رسومهـا للدولة، مـن الحدود الدولية، مسالة جمركية تحل بدفع غرامـات قـد تصل إلـى ستة امثال قيمة البضاعة الـمهربة غـيـر الـممنوع دخولهـا قانونا، وبعد ذلك تتم الـمفاوضة عـلـى اجراء مصالحة يمكن ان تنخفض إلـى مثل واحد للقيمة. ولوزير الـمالية ان يعفي الفاعل مـن كـل غرامة إذا وجد فـي ظروف القضية مبررا يقدره هـو.
غـيـر ان قانون صدر لـمكافحة التهريب، هـو الـمرسوم التشريعي رقـم 13 بتاريخ 15/2/1974، يعاقب عـلـى التهريب أو الشروع فيـه بالاعتقال مدة ثلاث سنوات إلـى ست سنوات، وغرامة تترواح بين مثل قيمة الـمواد الـمهربة ولا تزيد عـلـى عشرة اضعافهـا، وتضاعف هـذه العقوبة، إذا كـان الفاعل مـن العاملين فـي الدولة وارتكب الفـعـل الجرمي مستغلا وظيفته (الـمـادة 1) وهذه العقوبة الجزائية الشديدة لا تسقط الـمخالفة الجمركية عـلـى مـا جاء فـي كتاب وزير العدل رقـم 10494 بتاريخ 16/9/1976، والذي جاء فيـه مـا يـلـي:

"ان قضايا التهريب اصبحت بصدور الـمرسوم التشريعي الخاص بقمع التهريب قـد تنطوي عـلـى مخالفة جمركية ايضا، وتكون لهـا صفة مختلفةmixte فتخضع لـملاحقتين جزائية وجمركية ". والـمصالحة مـع ادارة الجمارك لا تحول دون الـملاحقة الجزائية. واذا كانت الـمواد الـمهربة مـن الـمخدرات، خضعت لعقوبة قانون الـمخدرات رقـم 2 بتاريخ 12/4/1993. واذا ثبت ان مهرب هـذه الـمخدرت ينوي الاتجار بهـا، فـإنه يعاقب بالاعدام وفقا للـمادة 39 مـن هـذا القانون.
?ه- يعاقب الـمرسوم التشريعي رقـم 24 بتاريخ 31/8/1986 الخاص بقمع تهريب العملات الاجنبية والـمعادن الثمينة، بالاعتقال الـمؤقت مـن 15 إلـى 25 سنة كـل "مـن يهرب أو يخرج خارج القطر السوري باية وسيلة كانت، العملة السـوريـة والعملات الاجنبية". (الـمادة 2).
وتعاقب الـمادة 3 بالاعتقال الـمؤقت مـن 3 إلـى 10 سنوات كـل مـن يحاول أو يقوم ببيع أو شراء العملات الاجنبية أو الشيكات السياحية، وكذلك كـل مـن يتعامل بهـا أو يتداولهـا فـي القطر العربي السوري عـن غـيـر طريق الـمصارف الـمأذونة.
وفي هـذه الجرائم يعد الشروع كالجريمة التامة، كـمـا يعد الـمحرض والـمتدخل.والشريك فـي حكم الفاعل. واذا كـان الفاعل معاقبا فـي هـذا القانون بعقوبة اخف مـن عقوبة واردة للفعل نفسه فـي قانون اخر، طبقت العقوبة الاشد، واذا كـان الفاعل موظفا فـي الدولة، احيل مباشرة إلـى القضاء الجزائي.
?و- ويجدر بنا ان نشير اشارة خاصة إلـى قانون العقوبـات الاقتصادي الصادر بالـمرسوم التشريعي رقـم 37 بتاريخ 16/5/1966.
فقد وضع هـذا القانون لحماية اموال الدولة العامة، وهـي الاموال الـمنقولة وغير الـمنقولة العائدة للدولة والجمعيات التعاونية والـمنظمات الشعبية والنقابية والاموال الـمودعة فـي الـمرافيء والـمطارات والـمناطق الحرة والـمستودعات الجمركية. (الـمادة 1). وتعد مـن الاموال العامة، الاموال الـمنقولة وغير الـمنقولة العائدة لحزب البعث العربي الاشتراكي (م2).
ويشمل قانون العقوبـات الاقتصادية مجموعة النصوص الـتـي مـن شأنهـا الحاق الضرر بالاموال العامة وبعمليات انتاج السلع والخدمات وتوزيعهـا وتداولهـا واستهلاكهـا.
وتدخل في هـذا الاطار تشريعات التموين والتخطيط والتدريب والتصنيع ودعم الصناعة والائتمان والنقل والتجارة والشركات.
وتعاقب الـمادة 4 مـن هـذا القانون بالاشغال الشاقة مـن 5 إلـى 1 سنة:
1. مـن غش الدولة بمناسبة تعاقده معهـا أو تنفيذه هذا التعاقد.
2. مـن اقدم قصدا عـلـى تخريب راس الـمال الثابت أو الـمعدات.
وشدد كثيرا عقوبة استغلال النفوذ، فعاقب "مـن اخذ أو التمس إجراء غـيـر واجب أو قبل الوعد بــه سواء كـان لنفسه أو لغيره بقصد انالة الاخرين أو السعي لانالتهم وظيفة أو عملاً أو مقاولات".
كـمـا أنـه شدد كثيرا عقوبة الرشوة فنص فـي الـمادة 25 عـلـى معاقبة العامل فـي الدولة الـذي "يلتمس أو يقبل هدية أو منفعة أو وعدا باحدهـا لنفسه أو لغيره ليقوم بعمل مـن اعمال وظيفته أو عمل مناف لوظيفته..." بالاشغال الشاقة الـمؤقتة (مـن 3 سنوات إلـى 15 سنة).
وكانت هـذه الجريمة تعاقب فـي قانون العقوبـات بالحبس مـن ثلاثة اشهر إلـى ثلاث سنوات (الـمادة 341). وقـد تضمن قانون العقوبـات الاقتصادي نصوصا مشددة تعامل الشروع كالجريمة التامة، وتعد الـمحرض والـمتدخل والشريك فـي حكم الفاعل الاصلي. واذا كـان الفـعـل معاقبا بمقتضى نصين طبق عليـه النص الاشد. (الـمواد 31 و33 و34 و37 و38).
حتـى قانون اصول الـمحاكـمـات الجزائية، تعرض لهجمات قاسية، تتسم بالشدة الـمتناهية، مـن ذلك الـمرسوم التشريعي الصادر عـام 1965 (الـمادة 6)، والـمرسوم التشريعي رقـم 47 لعام 1968 اللذان نصا عـلـى مـا يـلـي:
"لا تتقيد محاكم امن الدولة بالاجراءات الاصولية الـمنصوص عنهـا فـي التشريعات النافذة". وهذه قمة الفوضى والظلـم مـن دون ريب!..
?ز- يعاقب الـقـانـون رقـم 49 بتاريخ 8/7/1980، الانتساب إلـى تنظيم جماعة الاخوان الـمسلـمين بالاعدام. فقد جاء فـي مادته الاولى مـا يـلـي:
1. "يعتبر مجرما ويعاقب بالاعدام كـل منتسب إلـى جماعة الاخوان الـمسلـمين".
2. يعفى مـن العقوبة كـل منتسب لهذه الجماعة، إذا اعلن انسحابه منهـا خلال شهر".
?ح- الـمرسوم التشريعي رقـم 5 بتاريخ 26/2/1952 يمنع قبول الـمحامي فـي دعاوى الخيانة والتجسس امـام قاضي التحقيق.
وحين تحال القضية إلـى الـمحكمة، فـإن قبول الـمحامي متوقف عـلـى موافقة الـمحكمة، وقرارهـا مبرم، وهذا قانون، فيما ارى، مخالف للدستور، لان حق الدفاع امـام القضاء حق لـه صفة دستورية، وبالـمناسبة، فقد وقع تحـت يدي، وأنا اتصفح مجموعات القوانين، قانون اخر، اراه مخالفا للدستور ايضا، وهـو قانون العقوبـات الاقتصادية، الصادر بالـمرسوم التشريعي رقـم 37 لعام 1966، والذي يعاقب فـي الـمادة 24 "بالاشغال الشاقة الـمؤقتة ومصادرة الاموال الـمنقولة وغير الـمنقولة، مـن قام باي عمل مـن اعمال الاحتكار سواء اكان ذلك باخفاء الـمواد أو بالامتناع عـن بيعهـا أم برفع اسعارهـا باي طريقة كانت". ومع ذلك فـإن الـمادة 15 ف2 مـن دستور 1973 تمنع "الـمصادرة العامة فـي الاموال".
?ط- فـي عـام 1963، فـي اعقاب القضاء عـلـى الانفصال بين مصر وسـوريـة، صدر الـمرسوم التشريعي رقـم 21 بتاريخ 24/4/1963، الـذي انشا محكمة للامن القومي، حاكمت الـمتهمين بالاعتداء عـلـى سلامة الدولة، دون وجود محامين، ونفذت فيهم احكام الاعدام فورا. وكنا بين الـمتهمين الذين سيقوا إلـى القضاء الاستثنائي، وافرج عنا بعد خمسة اشهر بمقتضى عفو عـام، دون ان يسألنا احد لـماذا اعتقلنا ولـما اعفي عناّ!. ولـم اسمع بمحاكـمـات لعب فيـهـا الانفعال والطيش، كتلك الـمحاكـمـات الظالـمة.

3. تضخم حجم التشريع الجزائي
نشهد منذ عدة عقود مـن الزمن اصدار كتلة ضخمة مـن التشريعات التي تتضمن عقوبات جزائية، فقد اصبح اصغر انحراف يعاقب بالحبس أو الغرامة، والسبب فـي ذلك ان الدولة اخذت تتدخل كثيرا فـي حياة الناس، وترسم لهم مسارهم وتحاسبهم بشدة باسم الحفاظ عـلـى امن الـمجتمع وراحته وعلى الصغيرة والكبيرة.
وكثير مـنهـا لا يحتاج إلـى عقوبات مـانـعة للحـريـة، اذ تكفي فيهـا غرامة مالية ليست بذات طبيعة جزائية.

وفيما يـلـي بعض الامثلة:
الـمادة 719 مـن قانون العقوبـات، تعاقب بالحبس مدة لا تفوق ستة أشهر مـن اتلف أو هدم أو خرب قصدا شيئا يخص الغير، إذا كانت قيمته تجاوز 100 ليرة سـوريـة "دولاران اثنان فقط).

الـمادة 721 مـن القانون الـمذكور، تعاقب بالحبس مـدة لا تتجاوز ستة أشهر مـن هدم سورا أو طم حفرة أو قطع سياجا أو نزعه، اخضر كـان أو يابسا، ومـن هدم أو نقل اي علامة تشير إلـى الحدود بين مختلف الاملاك.

الـمادة 725 مـنـه، تعاقب مـن رعى أو اطلق ماشية أو حيوانات جر أو ركوب فيما كـان لغيره مـن الاراضي الـمغروسة أو الـمحمية بالحبس مـن شهر إلـى ستة اشهر.

والـمادة 728 مـنـه، تعاقب مـن قتل حيوان جر أو ركوب أو مواشي مـن مختلف الانواع تخص غيره بالحبس مـن 15 يوما إلـى شهرين، إذا تم القتل عـلـى ارض غـيـر ارض صاحب الـمواشي.

والـمادة 600 تعاقب بالحبس مـع التشغيل مـن شهر إلـى ستة اشهر "كـل صحيح لا مسكن لـه ولا وسيلة للعيش لا يمارس عملا منذ شهر، ولـم يسع السعي الكافي للحصول عـلـى شغل، ويمكن وضعهم فـي دار التشغيل". ويسميهم القانون الـمتشردين.

والـمادة 606 تعاقب كـل فرد مـن الرحل يتجول فـي الاراضي السـوريـة منذ شهر عـلـى الاقل ولا يكون حاملا تذكرة هوية، بالحبس مـن ثلاثة اشهر إلـى سنة..

والقوانين الخاصة، الـتـي تتضمن عقوبات حاجزة للحـريـة كثيرة جدا، نذكر منهـا عـلـى سبيل الـمثال:
1. مخالفة نـظـام البطاقة الشخصية، فقد عاقبت الـمادة 8 مـن الـمرسوم التشريعي الصادر فـي 14/5/1981 بالحبس مـن شهرين إلـى سنة (وغرامة) "مـن لا يحصل عـلـى بطاقة شخصية حديثة خلال فترة الاصدار العام للبطاقات".
2. الـمادة 2 مـن الـمرسوم التشريعي رقـم 90 بتاريخ 24/3/1970، تعاقب الـموظف المُسَرَح مـن الدولة بمقتضى الـمادة 85 مـن قـانـون الـموظفين الاساسي (ابدل بقانون العاملين بالدولة..) والـموظف الـذي يستقيل مـن وظيفته، إذا عمل لدى جهة اجنبية (وربما كـان هـذا مفهوما) أو لدى احدى الجهـات الخاصة باي صورة مـن الصور بالحبس مـن شهر إلـى سنتين (وهذ غـيـر مفهوم).

وهناك كثير مـن القوانين الجزائية وضعت لحماية الـمياه العامة والاثار ومـنع استخدام القاصرين فـي العمل والاحوال المدينة واللقطة والتعليم الالزامي والـمناجم والـمقالع والقاء القمامة وفضلات البيوت والغرف الـمفروشة وتنظيم الـمسابح الداخلية، وغير ذلك.

وقـد اصبحت هـذه القوانين مـن الكثرة بحيث اصبحت معرفتهـا تتطلب وجود اجهزة الحواسيب الالكترونية، وهذا لا يتيسر لكل الناس، الـمفروض فيهم انهم يعرفونهـا معرفة تامة، طبقا للقاعدة القانونية الـتـي تقول أنـه لا يجوز لاحد ان يحتج بجهل القوانين الجزائية.

والشريعة الاسلامية تنص كذلك عـلـى أنـه: "لا يجوز الاحتجاج بجهل الاحكام فـي دار الاسلام"، وقـد تسببت هـذه القوانين فـي تضخم اعداد الـمسجونين فـي السجون، وكانت سببا فـي فساد كثير ممن دفعهم خطأ بسيط ارتكبوه إلـى مـا وراء القضبان، حيث اتصل بهم السجناء الفاسدون الـمفسدون وافسدوهم. وكثير مـن الذين يدخلون السجن مرة يعودون إلـيـه. وقـد شبه استاذنا العلامة " دونديو دي فابر" السجون ببنات آوى، الـتـي تخرج الطعام مـن جوفهـا لتعود إلـى التهـامه واعادته ثانية اليهـا.

وبسبب قلة اعداد السجون الـتـي اخذت تضيق عـن استيعاب الاعداد الـمتزايدة مـن السجناء ومراقبتهـا، فقد تزايدت حالات الفساد فـي داخل السجون وكثر فيهـا تشكل العصابات الاجرامية الـتـي استعلـمت كـل وسائل الاغراء والاكراه لادخال الـممنوعات إلـى السجون، وخصوصا الـمخدرات والادوات الحادة.

وهذا الواقع الاليم موجود كثير مـن الدول الـمتقدمة ايضا، كالولايات الـمتحدة الامريكية وفرنسا والـمانيا ايطاليا ومصر. كـمـا هـو قائم بصورة افظع فـي البلاد الـمتخلفة، ومـن الـمؤكد ان للانفجار السكاني ا لعالـمي دورا كبيرا فـي هـذه الظاهرة الأليمة.

وقـد حمل هـذا الواقع الـمزري الـمفكرين عـلـى ان يعملوا فكرهم فـي البحث عـن حلول لـمعالجة هـذه الـمشكلات. وتتجه الدعوة الان إلـى اتخاذ التدابير التالية كعلاج مسكن:

اولا- ان تهمل النيابات العامة اقامة الدعاوى الجزائية فـي كثير مـن القضايا البسيطة، وهذا حق مـن حقوقهـا فـي التشريعات الـتـي تترك لهـا فيهـا حـريـة اقامة الدعوى العامة.
ولكن هـذا الحق قـد يتعطل بحق الادعاء الشخصي، الـذي يرغم النيابة العامة عـلـى تحريك الدعاوى، حتـى البسيطة منهـا، وانه مرفوض فـي بعض التشريعات مثل ايطاليا.

ثانيا – الغاء بعض النصوص الجزائية، وهذه مسالة تتعلق باخلاقية الـمجتمع ومفاهميه الاقتصادية والاجتماعية، واستعداد الـمجالس التشريعية للعمل بصورة مرضية وجدية.

ففي دول غربية، صدرت قوانين تلغي بعض الجرائم، ومـنهـا جرائم اخلاقية، لانهم يذهبون إلـى ان اخلاقيات مجتمعاتهم تطورت، وأن مفهوم حـريـة الانسان بالتزام حقوقه الخاصة، اخذت تتقبل هـذه الالغاءات.

وفيما يـلـي بعض هـذه الافعال الـتـي كانت جرائم:
?أ- الغى قانون 11 تموز 1975 الفرنسي عقوبة الزنا، وعقوبة معايشة خليلة فـي البيت الزوجي.
?ب- اباح قانون 17 كانون الثاني 1975 الفرنسي ايضا والـمعدل بقانون 31 كانون الاول 1979، الاجهـاض فـي الاسابيع العشرة الاولى مـن الحمل، عـلـى شرط مراعاة بعض الشكليات.
وجاءت الـمادة 223 ف10 مـن قانون العقوبـات الفرنسي الجديد (1994)، تعاقب اسقاط الحمل، إذا تم دون موافقة الحامل فقط
?ج- الغى قانون 4 اب 1982 الفرنسي جريمة اللواط بين البالغين، كـمـا خفف قانون 25 كانون الثاني 1980 عقوبة اللواط بالقاصرين.
?د- ساوى قانون 23 كانون الاول 1980 الفرنسي بين الرجل والـمرأة فـي جريمة الاغتصاب سواء اكانوا فاعلين أم ضحايا.
وهكذا اصبحت المرأة مسؤولة عـن ارتكاب جريمة الاغتصاب. وكانت هـذه الجريمة مقصورة عـلـى الرجل فقط.
وقـد كتب الاستاذ Mayer مـا يـلـي:
"ان اول حكم يدين امراة بارتكاب جريمة الاغتصاب، إنـمـا يسجل اول تطور نحو تحرير المرأة، وقـد اصبح مـن الـممكن قانونا ملاحقة المرأة بجريمة اغتصاب بصورة ايجابية، وبذلك نكون قـد انتهينا مـن ذلك الـمفهوم التقليدي وهـو ان الاغراء السلبي هـو الـمجال الطبعيي والوحيد للـمرأة" .
وقـد اعلنت الاستاذة Koering- Julin، الاستاذة فـي كلية حقوق جامعة "ستراسبورغ"، عـن تأييدهـا الـمطلق لهذه الـمساواة .
وفي انجلترا الغيت جريمة الانتحار، إذا كـان الشارع فـي الانتحار الفاشل يلاحق، كـمـا الغيت جريمة اللواط ايضا!!.
وربما بسبب قلة اهتمام الـمشرع الفرنسي بالـمفهوم الاخلاقي للتشريع الجزائي، قرر نقل الجرائم الاخلاقية إلـى باب الاعتداء عـلـى السلامة الجسدية.
?ه- الغيت جريمة اصدار شيك مـن دون رصيد.
وقـد عللوا هـذا الالغاء بـأن الشيك ورقة تتضمن الأمـر بدفع قيمته مـن رصيد الساحب إلـى الـمسحوب إلـيـه، لذلك فـهـو يتضمن علاقة مالية بين شخصين، وعلى الـمستفيد ان يكون يقظا حين يقبل سداد حقوقه الـمالية بشيك.

ثالثا – تغيير طبيعة العقوبة الجزائية إلـى عقوبة ادارية:
يوجد اتجاه واسع فـي الـمانيا وفرنسا وايطاليا وغيرهـا يدعو إلـى خلق عقوبات ادارية بدلا مـن العقوبـات الجزائية فـي بعض الـمجالات، لحل اسرع وللتخفيف عـن الـمحاكمم الجزائية.

وقـد انتشرت هـذه العقوبـات الادارية فـي مجالات الاتصالات البصرية والسمعية والـمزاحمات غـيـر الـمشروعة، ومعاملات البورصة. وتجري محاكمة الـمخالفين امـام مجالس متخصصة، ذات طابع اداري، لا جزائي.

ففي فرنسا انشئ "الـمجلس الاعلى للسمعيات والبصريات" بقانون 17 كانون الثاني 1989، الـذي اختص بفرض احدى العقوبـات التالية:
الوقف عـن العمل بعد توجيه انذار، أو منع جزء مـن البرنامج. كذلك صدر قانون 2 اب 1989، بشان البورصة، فقدى اعطى هـذا الـقـانـون الحق " للجنة عمليات البورصة" سلطة منع العمليات الـمخالفة لانظمتهـا، ولهـا كذلك الحق فـي فرض عقوبات مالية ضد الـمخالفين.

وفي مجال ادارة الامن العام، فانه مـن حق الادارة ان تفرض عقوبات ذات طابع اداري، مثل طرد الاجانب مـن البلاد، وسحب اجازة قيادة السيارة، وحجز الـمجانين فـي مستشفيات متخصصة.

وفي فرنسا، صدر ايضا قانون 30 حزيران 1945 الـذي اعطى وزارة الاقتصاد والـمحافظين والـمدير الاقليمي للرقابة الاقتصادية، الحق فـي فرض عقوبات ادارية أو مسلكية.

غـيـر ان قانون 28 تشرين الثاني 1955 الغى هـذا الحق. ومـن الـمفيد التوسع فـي العقوبـات الادارية، كـمـا هـو الحال فـي مجال مخالفات العمل والتشريعات الاقتصادية. وقـد وضعت الجمعية الدولية لقانون العقوبـات، عـلـى رأس جدول اعمالهـا فـي مؤتمرهـا الـذي عقد فـي فيينا عـام 1989 الـموضوع التالي:

"الـمسائل القانونية والعملية التي يثيرهـا الفرق بين الـقـانـون الجنائي والقانون الاداري".

واخذوا يتحدثون عـن "قانون عقوبات اداري". واول مـا يرد إلـى الذهن، هـو ان العقوبـات لا يجوز ان يحكم بهـا الا القضاء. فلو اردنا احالة بعض هـذه الجرائم إلـى جهـات ادارية لتحكم فيهـا، امـا لانهـا اكثر اختصاصا بشؤونهـا وامـا للتخفيف عـن الـمحاكم، فهل نحن فـي حاجة إلـى تعديل الدستور، وتضمينه نصا صريحا يجيز هـذا التفويض، بسبب استقلال سلطات الدولة الثلاث بعضهـا عـن بعض؟

هـذا هـو الرأي الـذي كـان سائدا، وهـو الرأي الـذي نؤيده، عـلـى الرغم مـن العقبات الـتـي تعترضه، لان لتعديل الدستور اجراءات خاصة معقدة. وعندما مثلا تجب مراعاة احكام الباب الثالث، الخاص بتعديل الدستور.

فلا بد اولا مـن تقديم اقتراح بالتعديل، امـا مـن رئيس الجمهورية وامـا مـن قبل ثلث مجلس الشعب (الـمادة 149 ف1 مـن دستور 1973). فاذا قدم هـذا الاقتراح، شَكَّل مجلس الشعب لجنة خاصة لـمناقشته ووضع تقرير عـنـه، ويطرح هـذا التقرير عـلـى الـمجلس، الـذي يناقش موضوع التعديل، وبعد الـمناقشة، يطرح التعديل عـلـى الـمجلس للتصويت، فاذا اقره باكثرية ثلاثة ارباع اعضائه، عد التعديل نهـائيا، ولكن تشترط موافقة رئيس الجمهورية عليـه (الـمادة 149 ف2 و3)، فاذا وافق رئيس الجمهورية عـلـى التعديل، ادخل فـي صلب الدستور.

غـيـر ان الـمجلس الدستوري الفرنسي اصدر قرارا بتاريخ 28 تموز 1989 سلك فيه مسلكا مغايرا. فقد رفعت إلـيـه بعض النصوص الـتـي اعطت بعض السلطات الادارية النظر فـي جرائم الـمزاحمة، وجرائم الاتصالات السمعية البصري، فافتى بـأن هـذه النصوص قانونية ولا تخالف الدستور . غـيـر أنـه حدد الضمانات الـتـي يجب عـلـى الادارة الحفاظ عليـهـا، وهـي:
1. احترام مبدأ القانونية.
2. احترام حقوق الدفاع.
3. وجود طرق للطعن فـي الاحكام الصادرة عـن الادارة.

4. الـمراسيم التشريعية
تعرف الـمراسيم التشريعية بانهـا قوانين تصدرهـا السلطة التنفيذية، امـا بمقتضى نـص دستوري (كدستور 1973 فـي سـوريـة) وامـا بمقتضى تفويض مـن السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية (فرنسا).

ومـن حيث الـمبدأ، يعد الـمرسوم التشريعي الصادر عـن السلطة الادارية افتئاتا عـلـى حقوق السلطة التشريعية، لانه يمثل انتهـاكا لـمبدا فصل السلطات الثلاث. ويقتضي الـمنطق الا يتم التفويض الا فـي حالات الضرورة القصوى، حتـى تظل السلطة التشريعية محافظة عـلـى حقوقهـا الدستورية وكرامتهـا. غـيـر ان العقود الاخيرة شهدت هجمة قوية عـلـى اختصاص السلطة التشريعية مـن قبل السلطة التنفيذية، وانتزعت منهـا اختصاصهـا، بنص دستوري أو بتفويض منهـا.

ففي الدستور السوري (1973) تصرح الـمادة 29 بانه "لا عقوبة ولا جريمة الا بنص قانوني". وتعني هـذه الـمادة، ان كـل نـص يتضمن عقوبة أو جريمة لا يجوز ان يصدر الا بقانون (نـص قانوني).

اذن فكل نـص اخر ينتزع مـن السلطة التشريعية هـذا الحق، أو يجعل لهـا فيـه شريكا، هـو خروج عـلـى القاعدة الـمذكورة، إنـمـا هـو خروج اثبته نـص دستوري اخر، مـن باب الاستثناء والشذوذ. وهذا الاستثناء موجود فـي الدستور السوري نفسه.

فالـمادة 111 ف1 مـنـه تقول:
"لرئيس الجمهورية ان يتولى سلطة التشريع خارج انعقاد دورات مجلس الشعب، عـلـى ان تعرض جميع التشريعات الـتـي يصدرهـا عـلـى الـمجلس فـي اول دورة انعقاد لـه".

كـمـا ان الـمادة نفسهـا اعطت رئيس الجمهورية (فـي فقرتهـا الثانية) الحق فـي ان "يتولى سلطة التشريع اثناء انعقاد دورات الـمجلس إذا استدعت ذلك الضرورة القصوى الـمتعلقة بمصالح البلاد القومية أو بمقتضيات الامن القومي".

كذلك "لرئيس الجمهورية أن تولى سلطة التشريع فـي الـمدة الفاصلة بين ولايتي مجلسين. ولا تعرض هـذه التشريعات عـلـى مجلس الشعب" (الـمادة 111 ف4).

وهـيمنة السلطة التنفيذية واضحة فـي هـذه النصوص عـلـى حقوق السلطة التشريعية الـمستقلة، والتي انشئت بحكم القانون الدستوري لوضع القوانين، ومـنهـا النصوص الجزائية القانونية.

وتجدر الاشارة إلـى ان الدستور السوري لعام 1950 حصر التشريع فـي مجلس النواب وحده، وقال فـي الـمادة 59 مـا يـلـي:
"لا يجوز لـمجلس النواب ان يتخلى عـن سلطته فـي التشريع".

ولقائل ان يقول: ان الـمراسيم التشريعية اسرع صدورا. ويحفظ تـاريـخ الـمجالس النيابية، ان مجلس النواب الفرنسي اقر قانونا عـام 1917، ولـم يقره مجلس الشيوخ الا عـام 1930، لكل تلك حالة شاذة ولا يقاس عليـهـا.

وفي سـوريـة، يجب ان نعترف بـأن جميع القوانين الكبرى، كالقانون الـمدني وقانون التجارة وقانون العقوبـات وقانون الـمرافعات، صدرت بمراسيم تشريعية فـي عهد الانقلاب الاول عـام 1949 خلال اقل مـن اربعة اشهر. وصدر قانون اصول الـمحاكـمـات الجزائية بمرسوم تشريعي ايضا عـام 1950.

وتقع مسؤولية البطء، لا عـلـى نصوص الدستور، وانما عـلـى اعضاء الـمجالس التشريعية وتضارب الـمصالح الحزبية الضيقة.

ونشير ايضا إلـى ان الدستور الفرنسي انتزع مـن السلطة التشريعية حق تقنين الـمخالفات، وجعله مـن اختصاص الحكومة. فقد جاء فـي الـمادة 111 ف2 مـن قانون العقوبـات لعامي 1994 مـا يـلـي:

"يحدد النـظـام Règlement الـمخالفات ويضع لهـا عقوباتهـا فـي حدود القانون".


الـفـرع الرابع
أهـداف العقوبة

تشعبت كثيرا نظريات علـماء الجزاء فـي أهـداف الـمعاقبة، حين تساءلوا: ولـماذا يعاقب الـمجتمع؟ وما الغايـة مـن العقوبة؟.

فمن قائل ان الـمجتمع يعاقب لتحقيق العدل، وذلك باذاقة الـمجرم مـا اذاقه لضحيته، فمن قطع يد اخر عدوانا عليـه، تقطع يده، مقابلة لـمـا فـعـل بغيره.

والشريعة الاسلامية تسير فـي هـذا الاتجاه: "العين بالعين والسن بالسن، والجروح قصاص"، اي نفـعـل بالـمجرم مـن الجراح مـا فـعـل بغيره، بشرط عـدم سراية الداء إلى غـيـر مكان الجرح، لان السراية تتجاوز العدل. والقاتل يقتل. والزاني الـمحصن يرجم.

ومـن قائل، ان الـمجتمع يعاقب ليخيف ويوقع الرهبة فـي الاخرين، اي ان هـدفه هـو ارهـاب الـمجرم حتـى لا يعود إلـى ارتكاب الجريمة مرة أخرى، ويرتدع وينزجر، كـمـا ان هـدف المجتمع الاهم هـو اخافة الاخرين، حتـى يعتبروا بما رأوا وسمعوا، وحتـى لا تسول لهم انفسهم الاقدام عـلـى الجريمة. وفي امتناعهم عـن مقارفة الاجرام خير للـمجتمع وبركة.

ولكي يقع الرعب فـي النفوس، يجب ان يكون العقاب قاسيا، واحيانا رهيبا. فيعاقب الـمجتمع الـمجرم بضربه أو جلده، أو قطع لسانه (حسب نوع الجريمة الـتـي ارتكبهـا) أو سمل عينيه، أو حتـى قطع رأسه (فـي جرائم القتل العمد خاصة). وفي تاريخنا القضائي وقائع أليمة، لا تقرهـا الشريعة الاسلامية ولا يرتضيهـا وجدان سليم.

فمن ابرز ذلك ان عضد الدولة، كما يذكر الاستاذ "ميتز Metz" ، قبض عـلـى وزير ابيه ابي الفتح بن العميد، فسمل عينيه اولا ثـم جدع انفه، ثـم طرحه إلـى الفيلة، بعد ان اضريت عليـه، فقتله شر قتلة، وصلب عـلـى شاطئ دجلة، ليكون عظة وعبرة للاخرين.

وقـد رثاه احد الشعراء بقول:

ولـما ضاق بطن الارض عـلـى ان يضم علاك مـن بعد الوفـاة
اصاروا الجو قبــرك واستعاضوا عـن الاكفان ثـوب السافيات

وكانت التهمة الـتـي وجهت إلـيـه، أنـه اتصل باعداء نـظـام الحكم.

وذكر هـذا الـمؤلف، ان ابا بكر النابلسي الزاهد، ذكر الخليفة الـمعز بسوء، فاستتابه فرفض، فشهره وضربه بالسياط، فلـم "يعد إلـى الصواب"، فامر الخليفة بسلخه حيا، وتولى القيام بهذا العمل الشائن رجل يهودي. وكـان أبـو بكر يقرأ القرآن ولا يتأوه.

ومـن قائل ان هـدف العقوبة التكفير عـن الاثم الـذي يتمثل فـي مقارفة الجريمة، وذلك بإيلام الـمجرم بالقدر الـذي الـم بــه غيره. وعليه ان يراجع نفسه ويحاسبهـا عـلـى مـا جنت يداه، ويقبل راضيا بتوقيع العقاب عليـه، ندامة عـلـى الاذى.

ومـن هـذا الـمفهوم انطلقت فـي اوروبا وامريكا منظمات كنسية بانشاء سجون ذات زنزانات انفرادية، ليخلو الـمجرم إلـى نفسه، ويحاسبهـا عـلـى مـا سولت لـه مـن عمل سيئ ارتكبه، ويحس بالندم عـلـى فـعـلته، ويتخذ قرارا ضمنياً بعـدم الـمعاودة إلـى الشر (جمعية الكويكرز).

وقامت فـي الشريعة الاسلامية نظرية تقول: إن الحدود، وهـي العقوبـات الـمقدرة شرعا فـي القرآن والسنة النبوية، هـي جوابر وليست مجرد زواجر، وفي حديث عـن النبي صلى الله عليـه وسلـم. رواه البخاري أن: "مـن وفى منكم فاجره عـلـى الله ومـن اصاب مـن ذلك شيئا (اي ارتكب جريمة تعد حدا) فعوقب فـهـو كفارته"

ومـن فقهـاء العلوم الجزائية، مـن جعل هـدف العقوبة الحفاظ عـلـى الـمصلحة العامة، اي مصلحة الـمجتمع، فالـمجتمع ينتفع مـن توقيع العقوبة، وتتحقق مصلحته باستبباب الامن والهدوء فيـه، ولذلك دعوا بالنفعيين. ويعد الفيلسوف الانجليزي "بنتام" راس هـذه الـمدرسة.

غـيـر ان تعبير "مصلحة الـمجتمع" أو تعبير "الـمصلحة العامة" غامض ويحتمل التفسير الواسع، لانه لا يكشف عـن مضمونه بصورة دقيقة، ويمكن ان نعده تعبيرا فضفاضا يتسم بالغموض الشديد.

وبسبب هـذا الغموض، وبخاصة حين يطبق فـي مجال الاجرام السياسي، ارتكبت الانظمة السياسية (وخصوصا الـمتسلطة الـمستبدة) فظاعات تجرح الضمائر، تلبية لنزوات الحكام الشريرين واحقادهم، تحـت ستار "حفظ النـظـام في الـمجتمع".

فما دام الـمطلوب هـو "حماية النـظـام العام"، فانه لامكان فـي هـذه النظرية لـمفهومي الخير والشر، لان الغايـة تبرر الوسيلة , وأن العبرة تكون بالخطر الـذي يمكن ان يلحقه "الـمجرم" بالنـظـام العام (الـذي هـو نـظـام الحكم السياسي). وعندهـا يكون العقاب اشد، كلـما كـان الخطر اكبر.

وفي نظر الاستاذ Franck (عضو الكوليج دوفرانس) فـإن مجازاة الشر بشر مثله، تتضمن تكفيرا عـن الاثم الـذي يرتكبه الـمجرم، باعتباره "مخلوقا اخلاقيا، عليـه واجبات يجب ان يقوم بهـا، ولديه خصال يفترضهـا فيـه مفهوم الواجب، ولديه خصلتا الحـريـة والادراك. اذن فـهـو مسؤول عـن اعماله، ومـن حقه ان يتشرف بهـا إذا كـانت حسنة، وأن يشعر بالعار إذا كانت سيئة. ثـم ان الانسان ليس مخلوقا اخلاقيا فحسب. وانما هـو ايضا كائن اجتماعي، لانه يعيش فـي الـمجتمع وهـو حر مدرك وحساس. وبالتأكيد فـإن كـل حديث عـن عيش خارج الـمجتمع والحياة الاجتماعية، كالحديث عـن سمك يعيش خارج الـماء" (ص 75).

ولذلك كـان لا بد مـن تربية الفرد تربية حسنة، حتـى اذا كبا وسقط، نال جزاءه، ولكن هـذا لا يكفي، لانه يكون مجرد تشف وارواء للغليل، بل لا بد مـن اعادة تأهيله ليعود عضوا صالحا إلـى الـمجتمع. وهذه هـي نظرية تأهيل الـمجرم، وهـي فـي نظرنا افضل النظريات، ولكنهـا ليست الوحيدة.

ويبدأ التأهيل بالـمعاقبة العادلة الـتـي تحقق مرامي القانون الجزائي فـي ارضاء الـمضرور ونزع الحقد مـن نفسه عـلـى الـمجرم وعلى الـمجتمع ان لـم يتقص مـنـه، وإيلام الـمجرم، ليعرف أنـه مراقب وسوف يعاقب ان خرج عـلـى نـظـام المجتمع .

ومـن هـذا الـمنطلق نصت الـمادة 11 مـن الدستور السوري لعام 1950 عـلـى ان: "السجن دار عقوبة. وهـو وسيلة لاصلاح الـمجرم وتربيته تربية صالحة".

وتعني هـذه الـمادة ان للعقوبة هـدفين اساسيين هما: اولا إيلام الـمجرم مـن جراء فـعـلته، ومـن دون هـذا الإيلام الرادع يختل النـظـام فـي الـمجتمع، والهـدف الثاني هـو اصلاح الفاعل لتأهيله واعادة تربيته اجتماعيا واخلاقيا، ليعود مرة أخرى إلـى الـمجتمع معافى مـن ادران الجريمة، ويسهل اندماجه فـي وسطه، عنصرا صالحا وسويا، لا يخشى الناس غوائل غـدره.
وتحقيقا لهذا التأهيل، ادخلت التشريعات الجزائية الـمعاصرة تدابير الاحتراز للكبار، وتدابير الاصلاح للاحداث الجانحينن الذين وضعت انظمة خاصة بمعاملتهم ومحاكمتهم.

وقوانين الاحداث تكاد تكون منتشرة فـي البلاد العربية. وفي سـوريـة يوجد قانون لهؤلاء الـمنحرفين الصغار منذ عـام 1953، وقـد استبدل بــه قانون اخر للاحداث عـام 1974. غـيـر ان نظرية التأهيل لا يمكن ان تنجح الا إذا تحققت لهـا ظروف جوهرية.

واهم هـذه الظروف، الـمخصصات الـمالية الكافية فـي ميزانية الدولة، للقيام بدراسات متخصصة، يقوم بهـا اصحاب اختصاص مرموقون.

ويؤخذ مـن النظر إلـى الـمبالغ الـتـي تخصصهـا الدول للعدالة الجنائية، هـذا التفاوت الكبير فيما بينهـا، مـمـا يعكس تباينهـا فـي فلسفتهـا الجزائية.

فمثلا تخصص بعض الدول 1% مـن الـميزانية العامة لهذه العدالة، مثل (النمسا وبولونيا) وبعضهـا تصل فيهـا هـذه الـمخصصات إلـى ثلاثة اضعاف هـذه النسبة (3% فـي هولندا). وقـد تطلب الوضع الـمضطرب فـي تركيا إلـى رفع النسبة إلـى 6%، غـيـر انهـا عادت بعد عـام 1981 إلـى 4%.

والـملاحظ ان العدالة الجزائية، فـي مجمل البلاد العربية، تشكو مـن العيوب التالية:
1. نقص واضح فـي عـدد القضاة، وربما طريقة انتقائهم ايضا.
2. بطء شديد فـي الفصل فـي الدعاوى، الأمـر الـذي يفقد العقوبة كثيرا مـن قوتهـا الردعية.
3. نقص فـي كفاءات العاملين فـي مجال العدالة الجزائية.
4. ضعف مستوى الـمرتبات، يتسبب فـي عزوف الجيدين عـن الانخراط فـي السلك القضائي، ويثير الشكوك والريب فـي النزاهة والحياد. ومـن الـمؤكد أنـه اندست إلـى هـذا الجهـاز الشريف، عناصر مؤذية، فسدت وافسدت، وافقدت الـمجتمع كثيراً مـن احترامه لـمهنة القضاء.
5. واخيرا مـا يشاع ويذاع عـن فساد مستشر فـي مهنة الـمحامـاة، وهـي فـي الاصل إنـمـا وجدت لتكون عونا للقضاة ومساعدتهم فـي احقاق الحق.
ومـن اسف أنـه دخل هـذه الـمهنة الـمحترمة اعداد مـن غـيـر الـمؤهلين، ظلوا دون الـمستوى الـمهني الـمنشود
6. ولست ادري إذا كنت عـلـى حق، حين اضيف سببا اخر مـن شانه ان يرفع معدلات الجريمة فـي مختلف الـمجتمعات، هـو الانفجار السكاني وتهتك نـظـام العائلة.
فقد ارتفع عـدد سكان سـوريـة مثلا مـا بين 1947 (حيث كـان فـي حدود ثلاثة ملايين) وعام 1999 (اذ اصبح عـدد السكان 17 مليونا) بنسبة تصل إلـى اكثر مـن خمسة اضعاف ونصف الضعف فـي نحو نصف قرن. وقل مثل ذلك فـي مصر.
وتدل الاحصاءات عـلـى ان معدل الولادات خارج اطار الزوجية وصل إلـى 67% فـي ايسلاندا، وإلـى 50% فـي الدانمارك والنرويج وإلـى 40% فـي فرنسا.


الـفـرع الخامس
ثورة فـي نطاق العقوبـات

وهذه الثورة واسعة الجوانب متعـددة الاتجاهـات. واول أهـداف هـذه الثورة عـلـى مـا يبدو، الاقلال مـن عـدد السجناء، بعد ان ضاقت بهم السجون الحالية.

ولكن حملة عالـمية تتجه ايضا إلـى تحقيق "هـدف انساني" هـو الدعوة إلـى الغاء عقوبة الاعدام، الـتـي عايشت الانسانية منذ الاف السنين. وسوف نستعرض اوجه هـذه الثورة الجزائية فيما يـلـي:

1. الدعوة العالـمية إلـى الغاء عقوبة الاعدام
وتتبنى هـذه الدعوة هيئات عالـمية ذات نفوذ، وعلى راسهـا منظمة الامم الـمتحدة. وقـد جاء فـي الـمادة 6 ف6 مـن العهد الخاص بالحقوق الـمدنية والسياسية الـذي اقرته الجمعية العامة للأمم الـمتحدة فـي 16 ديسمبر 1966 ودخل فـي مرحلة النفاذ فـي 23 آذار 1976 مـا يـلـي:

"ليس فـي هـذه الـمادة (الـتـي تحمي حق الحياة لكل انسان) اي حكم يجوز التذرع بــه لتأخير أو منع الغاء عقوبة الاعدام مـن قبل اي دولة طرف فـي هـذا العهد".

وقـد الغت الدول الاوروبية هـذه العقوبة. وتعارض دول شمال حلف الاطلسي دخول تركيا الى عضويته الكاملة، لان تركيا تحتفظ بعقوبة الاعدام وتطبقهـا. وتوجد ولايات فـي الولايات الـمتحدة الامريكية، عقوبة الاعدام ملغاة فيهـا، كـمـا توجد ولايات لا تزال تنفذهـا. ويبلغ عدد هـذه الولايات الاخيرة 36 ولاية مـن اصل 52 ولاية.

واتخذ الـمؤتمر السابع الدولي للقانون الجنائي الذي نظمته الامم الـمتحدة فـي شهر ايلول 1985 فـي ميلانو (ايطاليا) قرارا يدعو الدول الـتـي لـم تلغ عقوبة الاعدام إلـى الغائهـا، وقـد تبنت الجمعية العامة للامم الـمتحدة هـذا القرار بجلسة 29 تشرين الثاني 1985 .
وفي جريمة القتل العمد فـي الشريعة الاسلامية يقتص اولياء الدم مـن القاتل، وهم وحدهم اصحاب الحق فـي العفو عـنـه.
2. استغنت كثير مـن الدول عـن عقوبة "الاشغال الشاقة" الـمؤبدة والـمؤقتة.
وقـد احلت فرنسا محل هـذه التسمية، تسمية أخرى هـي الاعتقال Reclusion. وتطبق هـذه العقوبة علـميا كالحبس العادي.

وفي سـوريـة لا يزال قانون العقوبـات يحتفظ بعقوبة الاعدام وبعقوبة الاشغال الشاقة الـمؤبدة والـمؤقتة. ولكن هـذه العقوبة الاخيرة تنفذ، عمليا، كعقوبة الحبس العادي. ويقول الاستاذ Stefanie عنهـا انهـا "اصبحت عقوبة بالية" . والتشريع الكويتي الجزائي لا يعرف مـن العقوبـات الا الحبس والغرامة (الـمادتان 3 و5 مـن قـانـون الجزاء).

3. والعقوبة السائدة اليوم هـي عقوبة الحبس، أو الحرمان مـن الحـريـة.
وهي ايضا تتعرض اليوم إلـى تطويرات وانتقادات لاذعة، الا انهـا شر لا بد مـنـه فـي الحاضر والـمستقبل الـمنظور. والاتجاه الواضح اليوم يسير نحو الاقلال مـن هـذه العقوبة مـا امكن، وتنفيذهـا فـي اقل الظروف ضررا واضرارا.

وقـد اوجب تطوير النظرة الـمعاصرة امران:
الاول: ان السجون الحالية ضاقت كثيرا بنزلائهـا الـمساجين، ولـم تستطع الـموازنات العامة اللحاق بمقتضيات الحاجة إلـى بناء سجون جديدة، وفق الـمقاييس العلـمية.

والثاني: الاقلال مـن اختلاط السجناء، بعضهم ببعض، حتى لا يتعلـم الجدد مـن القدماء اساليب الفساد مـن جراء الاختلاط بهم، وخصوصا ان عزل السجناء فـي زنزانات انفرادية مكلف ماديا، وضار بنفسيات السجناء الـمعزولين، الذين قـد يصابون بالهستيريا والجنون، كـمـا ثبت مـن تطبيق هـذا النظام الانفرادي.

ومـن الوسائل الـتـي لجأت اليهـا كثر مـن الدول، لـمعالجة وضع السجناء الصعب، ومحاولة اصلاحهم وتأهيلهم للحياة الحرة، مـا يـلـي:
1. الانظمة ذات نصف الحـريـة Semi – liberté
ففي التشريع الفرنسي مثلا (الـمادة 132 ف25 مـن قانون العقوبـات) يستطيع قاضي الـموضوع إذا قضى بعقوبة الحبس سنة أو اقل عـلـى مجرم، وقـدم هـذا الشخص مبررات جوهرية، ان يسمح لـه بممارسة نشاطه الـمهني أو الدوام عـلـى الـمدرسة لـمتابعة دراسته، أو تعلـم مهنة أو القيام بعمل مؤقت, وذلك لتسهيل تأهيله ودمجه مجددا فـي الـمجتمع. ويكون فـي مقدور الـمحكوم عليـه ان يسهم فـي حياة اسرته اسهـامـا اساسيا، وأن يعالج طبيا، ولكن عليـه ان يعود مساء إلـى السجن. وهكذا تنفذ العقوبة الـمانحة للحـريـة، فـي حالة مـن نصف حـريـة.



2. السجون الـمفتوحة:
وهي سجون بلا قضبان، ولا اقفال، وقـد نبعت فكرتهـا مـن هدف يرمي إلـى ترسيخ ثقة السجين بنفسه وابقائه مندمجا فـي الحياة الاجتماعية، لانه يستطيع الخروج مـن السجن إلـى حيث يمارس بعض الاعمال، ثـم يعود فـي الـمساء إلـى السجن، دون حاجة إلـى قرارات ادارية شخصية.

وقـد اتيح لي ان زرت مثل هـذه السجون، فـي باريس، وجنيف، وعلـمت مـن القائمين عليـهـا ان الفشل فيهـا لا يزيد عـلـى 10%. ولنقل كلـمة فـي عقوبة الحبس، مـا دام الاتجاه العالـمي يعدهـا مـع الغرامة عقوبتي الـمستقبل.

ومـن قديم، كتب "يوسف عليـه السلام"، عـلـى باب السجن:
" هـذه منازل البلوى وقبور الاحياء وشماتة الاعداء وتجربة الاصدقاء".

وجاء فـي كتاب "سراج الـملوك" لـمؤلفه الامـام الطرطوشي هـذا النص بذاته (ص 558).

وكتب الجاحظ فـي " الـمحاسن والاضداد" فصلا عـن محاسن الصبر عـلـى الحبس.

وعامل الخلفاء الـمسلـمون السجناء معاملة انسانية، اجمالا.

فقد اطعم علي بن ابي طالب سجناء العراق، واطعم معاوية بن ابي سفيان سجناء الشام، وامر عمر بن عبد العزيز "برزق السجناء وكسوتهم فـي الشتاء والصيف، ومـنع سجن الرجال مـع النساء" .

ونصح قاضي قضاة الرشيد أبـو يوسف، الخليفة هـارون فـي كتابه الخراج بما يـلـي:
"ولـم تزل الخلفاء يا امير الـمؤمنين تجري عـلـى اهل السجون مـا يفوتهم فـي طعامهم وادمهم وكسوتهم الشتاء والصيف. فمر بالتقدير لـهم مـا يقوتهم فـي طعامهم وشرابهم... وصير ذلك دراهم تجري عليهم فـي كـل شهر. فانك ان اجريت عليهم الخبز، ذهب بــه ولاة السجن والجلاوزة، ويكون عشرة دراهم كـل شهر، وقميص وكساء فـي الشتاء وقميص فـي الصيف. ويجري مثل ذلك عـلـى النساء".

وكانت هـذه الـمعاملة الطيبة تغدق السجناء فـي دار الاسلام، فـي الوقت الـذي كانت فيـه العقوبـات الـتـي تنفذ فـي سجناء السجون الاوروبية خلال القرون الوسطى، مـن اقسى العقوبـات وافظعهـا، كالقتل وجر السفن والصلب عـلـى الة والتشهير بفاعل فـي الطرقات العامة، وهو عـلـى ظهر حمار، وقطع يد القتلة الذين يقتلون احد ابويهم، قبل اعدامه، وجلد الصغار بالسوط، والارغام عـلـى مشاهدة عمليات الشنق، والطرد خارج البلاد.

ولـم يعرف السجن فـي اوروبا كعقوبة فـي التشريع القديم. كذلك فـإن الشريعة الاسلامية لا تعرفه كعقوبة، وانما كتدبير احترازي. وقـد ادخلته الكنسية عقوبة فـي سجونهـا، وعدته وسيلة للندم والاصلاح لكي يفكر الـمجرم فـي سجنه بما فـعـل ويندم عـلـى فـعـله ويعلن توبته النصوح.

واول السجون الحديثة سجن "سان ميشيل" الـذي بنى فـي روما عـام 1703 للجانحين الاحداث، وتلته سجون "تورينو" عـام 1757 و"ميلانو" عـام 1759 و"البندقية" عـام 1760.

وبني سجن "غاند" فـي بلجيكا عـام 1775. وفي فرنسا، اصبح الحبس عقوبة قانوينة لاول مرة بقرار مـن رجال الثورة الفرنسية عـام 1789.

امـا قبل ذلك فقد كانت السجون دورا للتوقيف فـي انتظار الـمحاكمة.

والدول الـمعاصر تقدم طعامـا بسيطا للسجناء، وفي حدود مقبولة.

ففي سورية، مثلا، نظمت اوضاع السجون بالقانون رقـم 1222 الصادر عـام 1929 والـمعدل بقانون 1957.

وبمقتضى الـمادة 76: "يقسم للـموقوفين طعام مـع اللحم مرة فـي الاسبوع، يوم الجمعة،وكذلك فـي ايام الاعياد.

ولكن يحق لهم ان يشتروا مـن الحانوت الخاص مـن مالهم الشخصي مـا يسمح بــه نظام السجن".

وما دام لـم يصدر عليهم حكم نهـائي، فانه يكون مـن حقهم ان يحضروا طعامهم كـل يوم مـن خارج السجن.

امـا الـمحكومون فلا يجوز لهم ان يشتروا مـن الحانوت الخاص، الا مـن الـمال الـذي يربحونه مـن اجور عملهم داخل السجن، ويجوز لـمدير السجن ان يسمح لبعضهم بشراء بعض الاطعمة، كنوع مـن الـمكافأة عـلـى سلوكهم.

وكـان الـمألوف ان يحبس السجين مـع غيره، وعلى ان تعزل النساء فـي اجنحة خاصة، بعد ان كن يحبس مـع الرجال.

وقـد ثبت فساد هـذه الحياة الـمشتركة، فادخل الـمشرعون الـمصلحون نظام السجن الانفرادي الـمطلق. ويعرف هـذا النظام بنظام "بنسلفانيا" واستحدث عـام 1790.

وثبت ان ديمومة الانفراد تتسبب فـي حالات مـن جنون السجناء، فتم العدول عـنـه إلـى نظام وسط، حيث يبدأون بعزل السجين عـن الاخرين، ليلا ونهـارا مدة محدودة، ثـم يعدل وضعه، فينتقل إلـى حيث يعيش مـع الاخرين نهـارا، عـلـى ان يلتزم الصمت، ويعيش فـي حالة انفراد ليلا، ثـم يعودون للتخفيف عـنـه. ويعرف هـذا النظام الوسط بالنظام الايرلندي.

وفي سورية، توجب الـمادة 53 مـن قانون السجون عـلـى الـمحكوم عليهم بعقوبة مـانـعة للحـريـة، ان يلتزموا بقاعدة الصمت، مـا عدا الاستثناءات الـتـي يتطلبهـا سير العمل.

واذا استخدمت الادارة الحكومية السجين فـي احدى الادارات، فانهـا تدفع لـه عـن كـل يوم اجرة قدرهـا عشرة قروش سورية. (ونظن ان هـذا الرقم قـد صحح).

ويسلـم منهـا للسجين الـمحكوم عليـه بالاشغال الشاقة 10/3 مـن الـمبلغ،ويحفظ نصفه امـانة لـه يستعيدهـا حين الافراج عـنـه (الـمادة 100 الـمعدلة عـام 1933).

وقـد اهتم الـمجتمع الدولي بموضوع تحسين احوال السجناء وحمايتهم، وتم عقد عدة اتفاقيات دولية لهذه الغاية؛ واهم هـذه الاتفاقيات:
?أ- الاتفاقية الـتـي عقدت فـي جنيف عـام 1955 فـي الـمؤتمر الاول لـمكافحة الجريمة.
وقـد تضمنت هـذه الاتفاقية وضع حد ادنى مـن معاملة السجناء لا يجوز النزول عـنـه. وقـد اقر الـمجلس الاقتصادي للامم الـمتحدة هـذه الاتفاقية، الـتـي اصبحت اتفاقية ملزمة، بالقرار الصادر فـي 31 تموز 1957.
?ب- الاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق السياسية والـمدنية للافراد، الـتـي اقرتهـا الجمعية العامة للامم الـمتحدة عـام 1966. وقـد تضمنت مادتهـا العاشرة مـا يـلـي:
"يعامل السجناء معاملة انسانية تحترم فيهـا الكرامة الاصيلة فـي الشخص الانساني. ومـن الواجب ان يراعي نظام السجن معاملة يكون هدفهـا الاساسي اصلاحهم واعادة تأهيلهم الاجتماعي".
?ج- الاتفاقية التي اقرتهـا الجمعية العامة للام الـمتحدة بتاريخ 18/12/1982. وهي تحرم عـلـى الاطباء "استخدام معلوماتهم الطبية فـي استجواب السجناء والـموقوفين عـلـى نحو قـد يضر بالصحة أو الحالة الجسدية أو العقلية أو ممارسة التعذيب".
?د- الاتفاقية الدولية الـتـي اقرتهـا الجمعية العامة للامم الـمتحدة فـي 10/12/1984، والتي اصبحت نافذة بتاريخ 26 حزيران 1987، وهي خاصة بمنع تعذيب السجناء والـمعتقلين.
وقـد اقرتهـا غالبية الدول العربية واعتمدتهـا فـي تشريعهـا الداخلي.

وجاء فـي مادتهـا الـ 12: " أنـه تضمن كـل دولة عضو قيام سلطاتهـا باجراء تحقيق نزيه وسريع". ومـن اقرب النصوص زمنا، عـلـى الـمستوى العربي، توصية الـمؤتمر السابع عشر لاتحاد الـمحامين العرب، الـذي عقد بدمشق فـي حزيران 1989. ومما جاء فـي توصياته:

"كفالة التعبير عـن الرأي.. وضمان حق الدفاع عـن الـمتهمين امـام الـمحاكم، والغاء الـمحاكم الاستثنائية (محاكم امن الدولة والـمجالس العدلية السيئة السمعة).

ومـنع التعذيب وانهاء حالة الطوارئ واطلاق سراح الـمعتقلين بسبب ارائهم". واعتبار هـذه الحقوق الفردية حقوقا اساسية.

ويطالب الـمؤتمر الـمذكور الدول العربية التي لـم تصادق عـلـى الوثائق الدولية لحقوق الانسان ان تبادر إلـى التصديق عليـهـا.

وكل الدلائل تدل عـلـى ان حالة السجون فـي البلاد العربية بعيدة كـل البعد عـن هـذه التوصيات، وهي تشكو مـن كثرة السجناء وضعف الاشراف العلـمي عليهم، وضعف مستوى العاملين فيها مـن الـمشرفين الحكوميين.

وهذا مـا قرأته لقاض سوري عـن حالة السجون السورية :
"ان الفصل بين الـمحكومين والاظناء الـمتهمين، والفصل بين السجناء بحسب مدة عقوباتهم... غـيـر مطبق... وتقديم الطعام مـن قبل الادارة غـيـر مطبق بدقة. وكل مـن يملك الـمال يستطيع ان يأتي بما يريد، دون النظر إلـى وضعه محكوما كـان أو غـيـر محكوم، وهذا امر لـم يرده الشارع ولـم يأت بــه القانون. والاصل ان القائمين عـلـى السجون مـن موظفين واداريين يجب ان يكونوا مـن نوعية معينة، اي متعلـمين ومؤهلين تتوافر لديهم القدرة الـمهنية والصلاحية الـملائمة للعمل. الا ان الواقع يقول، أنـه باستنثاء فئة الضباط، فـإن القائمين بهذه الاعمال يفتقرون إلـى التعليم والتأهيل الـملائمين للقيام بهذه الـمهمة".

وهذه العيوب ليست خافية، لا عـن الـمسؤولين ولا عـن الـمواطنين. واذكر انني حين كنت وزير للعدل، اصدرت قرارا بمنع دخول الطعام مـن خارج السجن إلـى السجناء فـي داخله. وكـان دافعي إلـى ذلك، ان السجن ليس دار ترفيه وتفاخر. كـمـا ان الـذي يملك الـمال، لا يجوز ان يتنعم، وهو مجرم. وعلى الجميع ان يكتفوا بما تقدمه الدولة لهم، تحت رقابة صارمة.

وبذلك نحقق الستر لذوي السجناء، الذين يحرمون انفسهم واطفالهم مـن ضروريات الحياة، ليقدموا "مناسف الطعام" إلـى سجنائهم ، كي يفاخروا بها زملاؤهم.

والتشريعات الاجنبية اخذت تمنح بعض السجناء الذين يستحقون الوثوق بهم، اجازة يقضونها خارج السجن، للعمل فـي الـمعامل أو فـي اي خدمة، تأهيلا لهم لـمواجهة الحياة حين يتم الافراج عنهم.
وقد اكدت الاحصاءات، ان السجون الفرنسية منحت اجازات لاربعة الاف سجين، للعمل خارج السجن، ثـم يعودون ليلا إلـيـه، وتبين ان نسبة الفشل 10% فقط. وهي مغامرة تستحق ان تجرب إذا احسن انتقاء الـمستفيدين مـن الاجازات.

وقد كتبت باحثة فرنسية تقريرا عـن حالة السجون، جاء فيـه: "ان التضخم الكبير لاعداد السجناء فـي اوروبا تجاوز حدود الـمعقول، وساعد عـلـى ادخال الـمخدرات إلـى السجون وسهل انتشار السيدا (الايدز – نقص الـمناعة) بشكل خطر بين السجناء.

وفي الولايات الـمتحدة نفذ حكم الاعدام عـام 1966 فـي 45 مجرما، وارتفع هـذا الرقم إلـى 74 عـام 1997. ومما يسترعي الانتباه – تقول الباحثة – ان عدد السجناء فـي السجون الامريكية يزيد فـي العام 1997 عـن 700000 سجين.

وفي السجون ذات الـمراقبة العالية الشدة، يظل السجناء محتجزين فـي زنزاناتهم مدة 22 ساعة فـي اليوم، فـي حين أنـه يزج فـي كـل عنبر اكثر مـن 34 شخصا" . ولـم تنس الباحثة الـمذكورة ان تتحدث عـن سجون العالـم العربي، وتقول: "ان التعذيب فيها عملية رائجة".

ولا يسر ضحية الجريمة، ان يسجن الفاعل فقط. أنـه يريد ايضا ان يحصل عـلـى تعويض مـا لحق بــه مـن ضرر. وكثيرا مـا يكون الـمجرمون فقراء. مـن هنا وجد "علـم الضحية" Victimologie، وموضوعه البحث عـن وسائل فعالة وايجابية لتعويض الضحايا.

وقد اهتم الفقهاء الـمسلـمون، القدماء والـمتحدثون، بتطبيق العقوبـات الشرعية وعدوها زواجر فـي الدنيا وجوابر فـي الاخرة، ولـم ألحظ انهم اهتموا بموضوع الاثر التأهيلي الاجتماعي للعقوبة، وخصوصا تأهيل الـمجرم.

وقد كتب الاستاذ "محمد أبـو زهرة" مـا يـلـي:
"والـمصالح الـتـي حماها الاسلام بتقرير العقاب عند الاعتداء عليـهـا، قـد اثبت الاستقراء انها ترجع إلـى اصول خمسة هـي: حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل وحفظ الـمال... ذلك لان الدنيا الـتـي يعيش فيها الانسان تقوم عـلـى هـذه الـمصالح" .

ويرى الدكتور "الصادق الـمهدي" (رئيس وزراء السودان السابق) ان للعقوبة هدفين: اقامة العدل وحفظ مصالح الناس . ويذهب الدكتور "محمد حسين الذهبي" (الـذي مات مغتالا) إلـى ان العقوبـات الشرعية (الحدود) شرعت فـي الـمدينة، اي بعد هجرة النبي مـن مكة، وانها لـم تشرع الا تدريجيا.
وعنده اننا نحن نعيش فـي مجمتع غـيـر مسلـم، لذلك لا بد مـن التدرج في اعادة هـذه العقوبـات الشرعية . وهذا رأي لا يقره عليـه منصف.

ومـن اواخر التجديدات فـي موضوع الحبس، ان الشارع الفرنسي الغاه فـي مادة الـمخالفات، وهي الجرائم الـتـي كانت معاقبة بالحبس مدة لا تزيد عـلـى عشرة ايام، امـا فـي قانون العقوبـات الجديد (الـمادة 131 ف12)، فـإن الـمخالفات هـي الجرائم الـمعاقبة بغرامة لا تزيد عـلـى 2000 فرنك والتي يبدأ حدها الادنى بـ 250 فرنك .

الـفـرع السادس
عودة إلـى توسيع الثقة فـي القاضي

حدثت فـي العقود الاخيرة ايضا تجديدات واسعة فـي موضوع عقوبة الحبس، اذ وسع الشارع كثيرا مـن صلاحيات قاضي الـموضوع فـي تقريره أو عـدم تقريره. وفيما يـلـي ايجاز لهذه التجديدات:

?أ- الغاء الحد الادنى فـي الجنح
الغى الشارع الفرنسي الحد الادنى فـي الجنح. وكـان فـي الـقـانـون السابق، الحبس مـن عشرة ايام إلـى ثلاث سنوات. اما الان فاصبحت العقوبـات الجنحية تتضمن الحد الادنى، وهو يوم واحد، والحد الاعلى وهو عشر سنوات. اما الغرامات فحدها الادنى عشرون فرنك فرنسيولا يوجد لها حد اعلى، الا حين تحديد اركان كـل جريمة عـلـى حدة.

وهكذا اصبحت تأتي النصوص الجزائية:
"يعاقب مرتكب اساءة الائتمان بالحبس مدة ثلاث سنوات، وبغرامة 2,50 مليون فرنك" (الـمـادة 314 ف1 مـن قانون العقوبـات الجديد).

ويجب ان يفهم مـن هـذا النص، ان القاضي يستطيع ان يدرج العقوبة بين الحد الادنى للجنح وهو يوم واحد، والحد الاعلى للجريمة المسماة، وهو ثلاث سنوات، والغرامة بين 2000 فرنك (الحد الادنى للجنح) و2,50 مليون فرنك (الحد الاعلى لجريمة اساءة الائتمان)، اي ان الشارع الغى الحد الادنى لعقوبة الحبس الجنحية، مكتفيا بالحد الادنى لعقوبة الجنح. ولكنه ذكر لكل جريمة حدها الاعلى، الـذي لا يحق للقاضي ان يتجاوزه، الا فـي الحالات الـمنصوص عليـهـا فـي القانون كالعود.

والاصل فـي الاحكام الجنحية ان القاضي يحكم مـع وقف التنفيذ، ولكن لـه ان يحكم بالنفاذ الـمعجل وحرمان الفاعل مـن وقف التنفيذ، عـلـى شرط ان يعلل اسباب حكم النفاذ تعليلا خاصا (الـمادة 132 ف19 مـن قـانـون العقوبـات الجديد).

?ب- بدائل العقوبة الجنحية
اوجد الشارع الفرنسي (الـمـادة 131 ف3 مـن قـانـون العقوبـات الجديد) عدة انواع مـن العقوبـات سماها؛ كالحبس، والعقوبـات الجنحية، وترك للقاضي حرية اختيار واحدة منها بدلا مـن الحكم عليـه بالحبس.

وهذه العقوبـات هـي:
1. الغرامة، كـمـا حددها الـقـانـون.
2. اليوم– الغرامة، وهو يعني ان يدفع الـمحكوم عليـه مبلغا محددا مـن الـمال، بدلا عـن كـل يوم حبس (Jour – amenole).
3. العمل للصالح العام اياما معينة فـي قرار الحكم (Intérêt general).
4. العقوبـات الـمانعة أو الـمقيدة للحقوق الـمذكورة فـي الـمادة 131 ف6.

وهذه الحقوق 11 حقا، منها سحب اجازة قيادة السيارة، وبعض الـمصادرات، مثل مصادرة السيارة أو مصادرة الاسلحة، أو حرمان الفاعل مـن اصدار شيك خلال خمس سنوات مثلا.

وكـان قـد صدر بلاغ وزاري بتاريخ 7/1/1985 بناء عـلـى تقرير مـن مجلس الدولة يقول:

"أنـه لا يصح ان تعتبر الـمعاقبة الجزائية امرا لا بد مـنـه، لان حلولا أخرى تستطيع ان تكون جوابا صالحا. ويجب ان يحتفظ بالعقاب الجزائي للجرائم الخطيرة الـتـي تهدد تنظيم الـمجتمع فقط...".

?ج- تجزئة مدة الحبس
إذا كـان الحكم صادرا بالحبس عـلـى الفاعل مدة سنة أو اقل (فـي مواد الجنحة) ووجدت اسباب مهمة عائلية أو صحية أو مهنية، فانه يجوز لقاضي الـموضوع ان يجزيء الـمدة الـمحكوم بها عـلـى اجزاء، تنفذ خلال ثلاث سنوات، عـلـى الا تكون مدة كـل جزء اقل مـن يومين. هـذا بالاضافة إلـى حقها فـي الحكم مـع وقف تنفيذ، ايهما تراه اعدل.

وفي السويد دشنت الحكومة نظاما جديدا يسمح بـأن يقضي الـمحكوم عليهم بالحبس مدة شهرين، مدة حبسهم فـي بيوتهم. وتدرس دول كبيرة مثل امريكا وبريطانيا وكندا نظام الـمراقبة الالكترونية.

?د- تأجيل اصدار الحكم

اي ان القاضي يقرر عـدم النطق بالحكم فـي نهاية الـمحاكمة وثبوت الجريمة، ويؤجل اصداره، ويترك الفاعل حرا طليقا، متى وجده جديرا بالثقة، خلال سنة واحدة (الـمادة 132 ف60). ويبقى عـلـى الفاعل ان يثبت حسن سلوكه، حتى يستطيع القاضي ان يحفظ القضية.

?ه- الاعفاء مـن كـل عقوبة
وهو يعني ان للقاضي، الـذي ثبتت لديه جرمية الفاعل، ان يقرر مـع ذلك اعفاءه مـن كـل عقوبة ينص عليـها الـقـانـون، "باستثناء مصاريف الـمحاكمة (الـمـادة 132 ف58 و59)"، مـا عدا الجنايات.

ولكن الـقـانـون يشترط:
1. صلاح الفاعل.
2. والتعويض عـن الضرر.
3. وتوقف الاضطراب الاجتماعي.
ولا يحق للـمحكمة ان تحكم باي عقوبة فرعية أو اضافية.

وهذا التوسع فـي صلاحيات قاضي الحكم، يتطلب قضاة عـلـى مستوى رفيع مـن الكفاءة الـمسلكية والاخلاق العالية والنزاهة الـتـي لا تشوبـها شائبة. وهي متطلبات لا تتحقق الا فـي قضاة يتصفون بالحياد الـمطلق، ويأكلون حتى تشبع بطونهم مـن مرتباتهم الشرعية.

الـفـرع السابع
سرعة الفصل فـي الدعاوى

فـي السجون اعداد كبيرة مـن الـموقوفين، سواء الـموقوفون عـلـى ذمة التحقيق، أو الذين بدأت محاكـمـاتهم، وطال الامد عليـهـا، شهورا طويلة وربما سنين كثيرة!.

وفي هـذا الواقع الـمعاش الاليم، تضخم هـذه الفئة مـن الـمحبوسين اعداد السجناء، وتزيد كثيرا فـي اكتظاظ السجون، وفي ذلك مـا فيـه مـن اضرار مادية (للدولة وللافراد واسرهم) واضرار اخلاقية واجتماعية، ناشئة عـن الفساد الـمنتشر فـي السجون.

ولا يوجد دواء شاف لهؤلاء، الا سرعة الفصل فـي قضاياهم. ومـن الـمؤكد ان بينهم اعدادا كبيرة سوف تظفر بالبراءة أو منع الـمحاكمة، أو تمنحها الـمحكمة وقف التنفيذ. وليس فـي تشريعنا نـص عـام فـي موضوع السرعة. ولكن وردت بعض نصوص متفرقة، تتحدث عنها.

فالـمادة 29 مـن قـانـون اصول الـمحاكـمـات الجزائية السوري تقول:
"إذا وقع جرم مشهود يستوجب عقوبة جنائية، وجب عـلـى النائب العام (أو الـمحامي العام أو احد اعضاء النيابة العامة) ان ينتقل فـي الحال إلـى موقع الجريمة).

وتقول الـمادة 49 مـن الـقـانـون الـمذكور: "عـلـى مساعدي الضابطة العدلية... ان يودعوا بلا ابطاء الاضبارات ومحاضر الضبط".

وتقول الـمـادة 53: "إذا وقع جرم مشهود... واحال النائب العام تلك الـمعاملات إلـى قاضي التحقيق، فيلزمه ان يدققها فـي الحال".

وتقول الـمـادة 69: "عـلـى الـمدعى عليـه ان يحضر محاميه امام قاضي التحقيق خلال 24 ساعة والا جرى التحقيق معـه بمعزل عـنـه".
وتنص الـمادة 104 عـلـى أنـه: "يستجوب قاضي التحقيق فـي الحال الـمدعى عليـه الـمطلوب بمذكرة دعوة، امام الـمدعى عليـه الـذي جلب بمذكرة احضار فيستجوبـه خلال 24 ساعة مـن وضعه فـي النظارة (مكان التوقيف الـمؤقت).

وتعاقب الـمادة 105 مـن يتسبب فـي تأخيرة هـذا الاستجواب بعقوبة حجز الحرية الـمنصوص عليـهـا فـي الـمادة 358 مـن قـانـون العقوبـات.

واوجبت الـمادة 117 اخلاء سبيل الـموقوف بتهمة جنحة لا يتجاوز الحد الاقصى لعقوبتها الحبس مدة سنة واحدة "بعد استجوابه بخمسة ايام" (الا إذا سبق الحكم عليـه قبلا فـي جناية أو فـي جنحة مدة ثلاثة اشهر بدون وقف التنفيذ).

كذلك ورد تعبير " عـلـى وجه الاستعجال" فـي الـمادة 23 مـن قـانـون قمع الغش رقـم 158 لعام 1960. ونشير إلـى ان قانون اصول الـمحاكـمـات الجزائية حدد للـمتهم مددا قاطعة عليـه ان يلتزم بها فـي حالة تقديم الطعن بالاعتراض (الـمعارضة) أو الاستئناف أو النقض. غـيـر أنـه لـم يرد نـص عـام يلزم القاضي بالفصل فـي الدعوى فـي مدة محددة.

واذا ورد فـي القانون نـص كهذا يلزم القضاء بالتقيد بالـمدد الـمذكورة فيـه، فـإن محكمة النقض السورية اعتبرت مثل هـذا النص "مـن قبيل الدلالة فقط" ولا يلحق بالدعوى اي بطلان.

واذا تمادى القاضي فـي اهماله الفصل فـي الدعاوى، فانه يجوز ان يلاحق مسكليا فقط. وتوجد بلاد تسلك مسلكا اكثر عدلا، لانها تحدد للقضاة مددا عليهم ان يلتزموا بها، حتى لا يتضرر الـموقوفون الابرياء مـن مكوثهم فـي السجون مددا طويلة.

فمثلا، تعد الولايات المتحدة حق الفصل فـي الدعوى الجزائية بسرعة حقا دستوريا. ويلزم التعديل السادس للدستور الامريكي VI c amendment الـمحاكم الفيدرالية (واستطرادا الـمحاكم الاقليمية) بسرعة الفصل فـي القضايا الجزائية.

وهذا هـو نـص التعديل السادس الـمذكور
"فـي كـل دعوى جزائيةن يكون للـمتهم الحق فـي محاكمة سريعة". ذلك ان السرعة (اضافة إلـى ظلـم توقيف الابرياء) تفيد الـمتهمين الذين يعجزون عـن دفع الكفالة، أو الذين يتعرضون إلـى فقدان عملهم الـذي هـو باب رزق عيالهم. ثـم ان الحبس الاحتياطي مدعاة لحيلة قلقة للـمتهم، وانه يحد مـن تهيئة اسباب دفاعه.

وحتى لـو ظفر بقرار افراج مؤقت عـنـه، فانه يظل عرضة للشكوك ونظرات الاستهجان. طول امد الـمحاكمة يتسبب فـي فقدان الادلة، كموت شاهد أو فقدانه للذاكرة. وقد جاء فـي قرار للـمحكمة الامريكية العليا صدر فـي قضية Burker V. Wingo عـام 1972 مـا يـلـي:

"ان الحق فـي السرعة هـو حق دستوري للـمتهمين. وهو ايضا فـي صالح الـمجتمع.

ومـن شأن الابطاء فـي الـمحاكمة، ان يقدم الـمتهم عـلـى ارتكاب جرائم أخرى، أو يكون فـي وضع يستطيع فيـه الـمساومة bargaining بصورة افضل لـمصلحته أو يتمكن مـن الهرب. وفي جميع الاحوال، قـد تصعب اعادة تأهيله ودمجه فـي الـمجتمع.

وترى الـمحكمة العليا ان خمسة اشهر تبرر للـمتهم طلب النظر فـي حقه الدستوري مـن اجل الفصل فـي قضيته بسرعة. ولكن حين يتجاوز نظر القضية ثمانية اشهر، فـإن احتمال اصابته بضرر يكون قائما ومفترضا". ومع ذلك استمرت قضية شهيرة، هـي قضية Doggett امام القضاء مدة ثماني سنوات ونصف السنة.

ولكن إذا اعترف الـمتهم، فـي اول جلسة بانه مذنب واقر بارتكابه الجريمة الـمنسوبة إلـيـه، فـإن الدعوى تنتهي فـي دقائق، اذ تنعقد جلسة أخرى لتحديد العقوبة.

واليوم يفضل 90% مـن الـمتهمين ان يعترفوا بانهم مذنبون، ليحصلوا عـلـى عقوبات مخففة، ويجب عـلـى القاضي ان يتأكد مـن سلامة الاعتراف. واذا ترافع بانه غـيـر مذنب، فـإن الـمحاكمة تجري وفق الاجراءات الـقـانـونية.

ويسال القاضي الـذي يتسبب فـي اطالة امد الـمحاكمة دون وجه حق، عـن جريمة انتهاكه التعديل الدستوري السادس. وللـمتهم ان يطعن امام الـمحكمة العليا، فـي الحكم الصادر عليـه، بسبب اطالة الـمحاكمة . كذلك لـم تضع فرنسا قاعدة عامة توجب تسريع الـمحاكمة الجزائية.

ولكنها أدخلت بعض الاجراءات الـمبسطة فـي قـانـون اصول الـمحاكـمـات الجزائية كـمـا هـي الحال فـي الجرم الـمشهود، والتحول عـن الطريق الجزائي إلـى الغرامة الـمالية فـي جرائم الـمرور والتي تدفع فورا. (وهذا الاسلوب متبع فـي سورية ايضا).

وقد ادخلت هـذه الدولة فـي تشريعها القاضي الفرد للنظر فـي جرائم الـمخالفات وفي بعض الجنح الـمحصورة. كذلك ادخلت بالقانون الصادر فـي 10 حزيران 1983 مـا يدعى "بالـموعد القضائي" Le rendez – vous judiciaire. وينص هـذا الـقـانـون عـلـى أنـه يجوز لوكيل النيابة العامة ان يدعو إلـى مكتبه كـل شخص مشتبه فيـه أنـه مرتكب جريمة جنحية مهما كـان نوعها، ليحضر حرا طليقا مـن تلقاء نفسه، خلال مدة لا تقل عـن عشرة ايام، الا إذا تنازل برضاه عـن هـذه الـمدة، وحضر فـي الحال هـو أو محاميه (الـمادة 389 اصول محاكـمـات جزائية). ويجب عـلـى وكيل النيابة ان يبلغه موضوع التهمة الـموجهة إلـيـه وتاريخ انعقاد الجلسة واسم الـمحكمة ومكان انعقادها وساعة الجلسة بدقة.

واذا لـم يختر الـمدعى عليـه محاميا لـه، اتصل وكيل النيابة ولو بالهاتف بنقيب الـمحامين فـي حالة لزوم محام مسخر (منتدب) لينتدب لـه محاميا. ويسجل هـذا الاجراء فـي الـمحضر. ويسلـم وكيل النيابة نسخة مـن الـمذكرة إلـى الـمدعى عليـه. بعد ذلك تجري محاكمته فـي الوقت الـمحدد، حتى ولو غاب، وتعد الـمحاكمة وجاهية فـي حقه، اي أنـه لا يحق لـه ان يطعن بالحكم الصادر فـي غيابه بالاعتراض (الـمعارضة).

ويجوز اختصار هـذا "الـموعد القضائي" إذا يحق لوكيل النيابة ان يوجه إلـى الـمشتبه فيـه بارتكاب جنحة، انذارا يتضمن توجيه التهمة إلـيـه ونوع الجريمة واسم الـمحكمة التي يجب ان يحضر امامها، وساعة الجلسة وتاريخ يومها.

فاذا حضر الـمدعى عليـه مكتفيا بهذا الانذار، اعتبر وكانه تبلغ التهمة بمذكرة قضائية رسمية، وعندها تجري محاكمته بصورة وجاهية. حتى ان القانون يذهب إلـى ابعد مـن ذلك، لانه يكتفي مـن الـمدعى عليـه ان يحضر مـن تلقاء نفسه امام الـمحكمة، إذا سمع بالانذار ولـم يتبلغه.

واذا اكتشفت جنح جديدة اثناء الـمحاكمة، سئل الـمدعى عليـه إذا مـا كـان يوافق عـلـى ان يحاكم عنها، فاذا وافق قدمت النيابة العامة ادعاء فـي الحال وجرت محاكمته عـن جميع الجنح الـمنسوبة إلـيـه. وهكذا فـإن الـمشرعين يتوسلون مـا امكنهم ذلك، بـكـل الوسائل التبسيطية لتقصير امد الـمحاكمة. وعلينا ان نتذكر ان السرعة يجب ان تضمن حقوق الدفاع، وانها لا تعني التسارع الضار.

الـفـرع الثامن
الـمصالحة

مصالحة الخصوم تعني تحقيق وفاق بينهم، حتى يعودوا إلـى وضع مـا قبل وقوع الجريمة، بالعفو دون اي منفعة مادية، أو بالصلح عـلـى تعويض مادي. والـمصالحة قديمة فـي البشرية.

وقد تبنتها الشريعة الاسلامية فـي زمرتين مؤكدتين مـن الجرائم، هما القصاص، ويشمل القتل العمد، وما دون النفس، اي الاطراف والراس وباقي اجزاء الجسم. بل ان الشريعة الاسلامية شجعت كثيرا اولياء الدم عـلـى العفو.

وقد الغيت الـمصالحة بصدور قانون العقوبـات العثماني عـام 1858 الـمستقى مـن قانون "نابليون" الفرنسي، الصادر عـام 1810. والزمرة الثانية تتضمن التعازير، وهي عقوبات غـيـر مقدرة ومتروكة لرأي الامام. واليوم تتجه اراء الـمصحلين إلـى الـماضي، فتعمل عـلـى احياء الـمصالحة الـمندثرة.

ويتضمن قانون العقوبـات السوري (واللبناني) نصا صريحا، جاء فـي الـمادتين 156 و157، يتحدث عـن "الصفح" كـمـا ورد التعبير فـي الـمادتين الـمذكورتين.

ولكن هـذا النص ليس عاما، لانه مقصور عـلـى قبول الصفح فـي الجرائم الـتـي تحتاج ملاحقتها إلـى شكوى عادية أو ادعاء شخصي مـن الـمضرور. وهذه حالات محصورة ومذكورة فـي القانون، ولكنها غـيـر قليلة.

ومـن هـذه الحالات جريمة الزنا (الـمادة 475) والسرقات وما يماثلها بين الاصول والفروع (الـمادة 660 والـمادة 661) وجريمة الايذاء البسيط (الـمادة 540).

ولبعض الادارات العامة، كادارة الجمارك وادارة حصر الدخان وادارة الـمرور، وحق الـمصالحة عـلـى مبلغ مـن الـمال، ودفع هـذا الـمال ينهي الخصومة ويسقط الجريمة. فالـمادة 18 مـن قانون السير (الـمرور) تقول:

"ان دفع الغرامة يمنع مـن اقامة دعوى الحق العام، الا أنـه لا يحول دون حق الـمتضرر مـن مراجعة الـمحكمة الـمدنية". وتقول الـمادة 9 مـن الـمرسوم التشريعي رقـم 24 بتاريخ 31/8/1986 إن: "التسوية فـي انظمة القطع تمنع مـن تطبيق العقوبـات".

والصلح (الصفح) "يسقط دعوى الحق العام ويوقف تنفيذ العقوبـات الا إذا نـص القانون عـلـى غـيـر ذلك". ويمكن استنتاج الصفح " مـن كـل عمل يدل عـلـى عفو الـمجني عليـه أو عـلـى تصالح الفريقين". وهذا الاستنتاج مـن حقوق محكمة الـموضوع فقط (الـمادة 157 عقوبات". "والصلح لا ينقض ولا يعلق عـلـى شرط" (م157 ف2).

و"ان تكييف التصالح بانه ليس عقوبة جنائية، وانما هـو بمثابة تعويض اتفاقي يتم بين الـمضرور وبين الفاعل مقبول" . اذن فنطاق الصلح ضيق فـي التشريعات العربية.

غـيـر ان بعض البلاد الاجنبية افسحت للـمصالحة مكانا واسعا، رغبة منها فـي الاقلال مـن عدد الدعاوى الجزائية ومـن عدد السجناء بصورة خاصة، وحسم الخلافات عـن غـيـر طريق الـمحاكمة الجزائية. وهذا التحول عـن الطريق الجزائي إلـى طريق التفاوض والوساطة يزيل عبئا كبيرا عـن كاهل القضاء. الـمرهق اصلا.

وبسبب البوادر الـمشجعة لازدهار الـمصالحة، رأينا ان نبحثها فـي ثلاثة نماذج قانونية، هـي النموذج الفرنسي والنموذج الامريكي والنموذج الكندي.



1. النموذج الفرنسي
دخلت الـمصالحة إلـى التشريع الفرنسي باضافة فقرة اخيرة إلـى الـمادة 41 مـن قانون اصول الـمحاكـمـات الجزائية بالقانون الصادر فـي 4 كانون الثاني 1993 وهذا نصها:

"يحق للنائب العام – قبل ان يتخذ قراره فـي موضوع اقامة الدعوى الجزائية وبموافقة الاطراف، ان يقرر اللجوء إلـى الوساطة، إذا تبين لـه ان مـن شأن ذلك ان يؤمن التعويض عـن الضرر الحاصل للضحية وينهي الاضطراب الناشيء عـن الجريمة ويساهم فـي اصلاح الفاعل" .

وبذلك اصبح مـن حق النائب العام، والاصح مـن واجبه، ان يسعى إلـى مصالحة الخصوم قبل ان يقرر اقامة الدعوى العامة. فاذا تمكن مـن اقناعهم بالـمصالحة، اصبح مـن حقه ان يقرر حفظ القضية الـذي يعني الامتناع عـن الـملاحقة.

صحيح ان النص لـم يقل ان الـمصالحة تسقط الدعوى العامة، ولكن حكمة وكيل النيابة توحي إلـيـه بعدم التحرك مـن جانبه وزج الاطراف (دون رضاهم) فـي متاعب الـمحاكمة الجزائية واثارها السيئة. ويعود إلـيـه تقدير "انهاء الاضطراب الاجتماعي" الناشيء عـن الجريمة.ولا تزال الـمصالحة فـي بداياتها الاولى فـي التعامل الفرنسي.

2. النموذج الامريكي
دخلت الـمصالحة فـي القضاء الامريكي فـي السنوات الاخيرة مـن بابه الواسع. وهي الان تحقق نجاحا ملحوظا. ويعلل فقهاء العقوبة هـذا النجاح بالاسباب التالية:
?أ- التخفيف عـن الـمحاكم الجزائية، الـمرهقة بكثرة الدعاوى الجزائية الـتـي تنهال عليـهـا. ويقولون ان الـمواطن الامريكي سريع الحركة نحو اقامة الدعاوى مـن اجل اصغر الوقائع، وليس عـلـى شفته اليوم الا هـذا التعبير: ”I well sue you" (سوف اقاضيك).
?ب- اعادة الروح إلـى حياة الجماعة، بمعنى ان يعود الـمجتمع إلـى حل بعض الخلافات بين الافراد، حتى تنطفئ نيران الخلافات، وهي لا تزال فـي مهدها، وبذلك يعم السلام في الـمجتمع.
?ج- زيادة مشاركة الـمواطنين فـي تسيير دفة الـمؤسسات العامة، وذلك بالتوسل لحل خلافات، منها الصغير ومـنها الـمتوسط الحجم. وهذه الخلافات داخلة اصلا فـي اختصاص القاضي.
?د- رعاية مصالح ضحايا الاجرام، بتأمين التعويض عليهم بسرعة، حتى لا يضطروا إلـى الذهاب إلـى الـمحاكم والانتظار طويلا، فـي اجواء الكيد والاحقاد، وخصوصا ان امكانية النجاح امام القاضي تظل دوما نسبية.
?ه- الـمصالحة تزيل الأحقاد وتعيد الصفاء إلـى الـمتنازعين، وفي هـذا اجتثاث لفكرة الانتقام والاخذ بالثأر.
وللـمصالحة فـي امريكا برامج كثيرة، وتعد اليوم بالـمئات، وهي فـي تزايد. فبعض هـذه البرامج مستوحى مـن العقيدة الدينية. وبعضها برامج علـمانية مضحكة، تعمل فـي منأى عـن التأثير العقائدي، وبعضها يهتم بالـمواجهة (الـمقابلة) بين الخصوم، اي الضحايا والـمجرمين، حتى يحدث بينهم اتصالات مباشرة، غـيـر احتكاك العدوان، وفي اطار مـن التهدئة. وبعضها يقصر عمله عـلـى حل خلافات الجيران دون سواها. وبعضها يريد ان يعمل فـي استقلال تام عـن السلطة الجزائية. وبعضها يريد ان يتحرك فـي داخل هـذه السلطة، ويعمل تحت اشرافها. كذلك فـإن هـذه البرامج تختلف فيما بينها بالنسبة إلـى وقت تدخلها. فبعضها يتدخل قبل وصول الجريمة إلـى العدالة، وبعضها يتدخل بعد تقديم شكوى الـمضرور اليها، وبعضها لا يتدخل الا بعد ان يصدر حكم مـن الـمحكمة مـع وقف تنفيذه مقرون بالاختبار Probation.

ثـم انها تختلف مـن حيث مدة عملها:
فبعضها يعمل فترات محدودة، وبعضها وجد ليستمر، مـا دام يحقق النجاح الـمطرد.ولكن هـذه البرامج لا تتمتع، حتى اليوم، بتأثير كبير فـي سير العدالة. غـيـر ان الامال الـمعلقة عليـهـا واسعة، وتأمل فـي اني يتزايد دورها يوما بعد يوم. ومـن اجل اعطاء فكرة واضحة عـن واقع الـمصالحة فـي امريكا، نرى ان نختار مدن "كيشنر" و"نيويورك" و"سان فرانسيسكو" عـلـى التوالي:


1. مدينة Kithner (اوهايو) (كيشنر)
يوجد فـي هـذه الـمدينة برنامج يعمل تحت رعاية الكنيسة الـمنونية Mennonite وتشجعيها. ويؤدي هـذا البرنامج خدمتين اثنتين:

الاولى: وتعمل منذ عـام 1975 عـلـى مصالحة الجاني والضحية فـي اطار الاختبار، Probation، اي بعد صدور حكم مـن القضاء مـع وقف تنفيذه ومع شرط الاختبار.

والثانية، وهدفها اصلاح ذات البين بين الاهل والجيران، والـمالكين والـمستأجرين وغيرهم مـن اصحاب العلاقات اليومية.

وفي الغالب يكون القاضي الـذي اصدر الحكم مـع وقف التنفيذ هـو الـذي يوصي هيئة الـمصالحة بـأن تقوم بالوساطة، كتدبير مـن تدابير الاختبار.

واذا لـم تنجح الـمصالحة وبقي الخلاف ناشبا، فـإن موضوع الـمصالحة يعاد إلـى الـمحكمة لتنظر فقط فـي تعويض الضحية، ثـم يأخذ العدل مجراه.

ويرى الاستاذ Jacque Vérin ان فلسفة الوساطة تعني أنـه يوجد مكان اخر، قائم بين فرض العقوبة وتحقيق اصلاح الفاعل، وهذا الـمكان مخصص لتبصر الفاعل بنتائج افعاله ومواجهتها. واذا ادرك هـذه الحقيقة، سهل التوصل إلـى مصالحة مـع خصمه مصالحة ودية، شريطة ان يقبل بتعويضه تعويضا معقولا، ان لـم يكن كاملا كـمـا يشتهي. وفي ذلك اعتراف مـنـه بمسؤوليته وقبول بنتائجها. وتلك نقطة مهمة فـي سير العمل القضائي.

واثناء الـمصالحة يقف الفاعل والضحية، احدهما فـي مواجهة الاخر، يتناقشان ويبحثان موضوع الضرر وسبب وقوعه ومـن الـمسؤول عـنـه، ومقداره وكيفية تفاديه. وفي الوقت نفسه يتحقق الفاعل مـن طبيعة الضرر الـذي الحقه بضحيته، ويوافق عـلـى الكيفية الـتـي سيعوض بها عليـه، سواء بدفع مبلغ مـن الـمال، أو القيام بعمل لـمصحلته.

ونتيجة لذلك، ينال الـمضرور حقه، وفي الوقت نفسه يراجع الفاعل نفسه فـي اعمال ضميره. واذا سلك مسلكا ايجابيا، فـإن القاضي قـد يخفف عـنـه نتيجة الاختبار ويشجعه عـلـى الالتزام بالسلوك القديم، ليقتنع بــان الجريمة لا تجدي نفعا. والـملاحظ ان الـمصالحة سهلة فـي جرائم الاموال.

اما الـمصالحات فـي الاصابات الجسدية، فلا تزال قليلة، وهي اصعب تحقيقا. غـيـر أنـه وبسبب ان الـمتوسطين فـي الـمصالحة هم مـن الـمعروفين بحيادهم ونزاهتهم، وانهم يبحثون عـن تحقيق الحق، بعيدا عـن الـمحاكـمـات الـمرهقة، فانه مـن التوقع ان يتاح لهم استخدامهم طاقاتهم الاقناعية فـي هـذه الاصابات الجسدية ايضا، وتحقيق تقدم افضل واجدى.

وفي الاحصاءات الرسمية، أنـه تم الصلح بين الخصوم الـمتشاحنين بنسبة 37 مـن 45 جلسة مصالحة. وهي نسبة تبشر بنجاح واضح للـمصالحات.

2. مدينة نيويورك
صدر فـي هـذه الـمدينة الكبيرة قانون بتاريخ 27 تموز 1981 كرس التعاون بين الـمؤسسات العامة وبين الجهود الفردية، للوصول إلـى الـمصالحة.

ويوجد فـي مدينة نيويوك والـمناطق التابعة لها (Contes) 24 مركزا مـن الـمراكز الـمتكاملة للقيام بمهمة الـمصالحات، تمولها الـمدينة مـن خزانتها العامة.

ويشرف عـلـى كـل واحد مـن هـذه الـمراكز تنظيم خاص، فيـه العنصر الديني والعنصر الخيري والعنصر التربوي.

وتنظر هـذه الـمراكز فـي الخلافات العائلية، وخلافات الـمؤجرين والـمستأجرين كقضايا الضوضاء الـمزعجة والتهديد والـمضايقات الشخصية الـتـي تقع يوميا وانتهاك حرمة الـملكية الفردية والضرب الـذي لـم ينشأ عـنـه جراح أو تعطيل عضو. وتفصل فـي التعويضات الـتـي لا يزيد احدها عـن الف دولار.

والقاعدة الـمتبعة، أنـه لا يحق للافرد الـمتضررين مراجعة هـذه الـمراكز مباشرة، بل يجب عليهم مراجعة الـمحكمة الـمدنية اولا Summons Court.

ولدى هـذه الـمحكمة ممثل لـمركز الـمصالحة، يقوم باستجواب اصحاب الشكاوى، ولكنه لا يستجوب الـمدعى عليهم، اي أنـه يتعرف عـلـى موضوع الشكوى مـن جانب واحد، غـيـر أنـه يحصل عـلـى فكرة جيدة عـن الموضوع. فاذا وجد ان الـمصالحة ممكنة، فانه يحيل الشكوى إلـى مركز الـمصالحة.

وعليه ان يشرح للـمشتكي بالتفصيل مضمون الـمصالحة وما قـد تجره عليـه مـن فوائد، وأن يوضح لـه أنـه يجب الا يتوقع ربحا تاما عـن الضرر، لذلك عليـه ان يهيئ نفسه لـمصالحة دائمة تجتث جذور الخلاف.

بعد ذلك يتحدد موعد فـي الـمركز للخصوم، وذلك بمذكرة يسملها ممثل الـمركز إلـى الـمشتكي شخصيا، ويفهمه بـأن عليـه ان يسلـم الـمذكرة بنفسه إلـى الـمدعى عليـه، ويتم تسليم الـمذكرة إلـى الـمشتكي فـي حضور كاتب الـمحكمة أو احد رجال الشرطة أو مواطن بالغ.

ويرسل الـمركز رسالة إلـى الـمدعى عليـه يشجعه فيها عـلـى الحضور فـي الـموعد الـمحدد، ويبين لـه ان مصلحته ان يحضر بصورة طوعية. وتنعقد جلسات الـمصالحة مساء.

والشخص الـذي يتولى مناقشات الـمصالحة، هـو مواطن صالح يختاره الـمركز لكل خلاف يعرض عليـه، و دوماً متطوع ولا يتقاضى أجراً عـن عمله. ولكن لا يجوز ان توكل مهمة الـمصالحة إلـى احد القضاة.

والقاعدة الـمتبعة هـي ان تدوم كـل جلسة ساعة، وفيها يشرح الـمصالح – الـذي يقوم بالـمصالحة – الفوائد الـتـي سوف يحققها كـل طرف، وعليه ان يؤكد للخصوم أنـه ليس قاضيا، ولا يتمتع بسلطة قضائية لفرض الصحل.

فاذا تحققت الـمصالحة، سجلت بنودها وقرئت عـلـى الطرفين اللذين يوقعان عليـهـا بالقبول، وعندها يصبح لهذه الوثيقة قيمة قانونية. ومـن حق كـل طرف ان يحضر معـه محاميا، ولكن لا يكون لهذا الـمحامي الا دور الـمشاور Conseil فقط، لان الافضل ان يشرح الخصمان بنفسيهما وجهتي نظرهما.

ويحق للوسيط الـمصالح ان يستمع إلـى الشهود ويدقق فـي الوثائق الـمعروضة عليـه، ولكنه غـيـر ملزم باتباع الاجراءات القانوينة وقواعد الاثبات. وبعد ان ينتهي كـل طرف مـن عرض وجهة نظره وتقديم شهوده ودفوعه، يعمل الوسيط عـلـى الحصول عـلـى تنازلات مـن كـل مـن الخصمين، لتسهيل الاتفاق. فـإن حقق الـمصالحة انتهت القضية، والا فانه يحيلها مـع تقرير مـنـه إلـى الـمحكمة للفصل فيها.

وتدل الاحصاءات عـلـى ان نسبة النجاح في الـمصالحات تصل إلـى 85% وهي نسبة ممتازة.

3. مدينة سان فرانسيسكو
تمتاز مراكز الـمصالحة فـي هـذه الـمدينة بانها تحرص عـلـى ان تكون بعيدة جدا عـن السلطة القضائية. وهي مراكز متعددة ومؤلفة مـن متطوعين لا يتقاضون مرتبات.

والسمة البارزة لهذه الـمراكز انها مشكلة مـن اهل الخير الذين يتوسطون بين الـمتنازعين دون اي اعتماد عـلـى السلطة القضائية. وتجري الـمناقشات بمعرفة الـمصالح الوسيط. وتدل الاحصاءات عـلـى ان نسبة النجاح مرتفعة.

3. النموذج الكندي
اصبح لكندا قانون عقوبات فيدرالي منذ نيسان عـام 1955. والجرائم فيـه زمرتان:
?أ- الجنايات
?ب- والجرائم الـتـي تعاقب بمقتضى تصريح موجز

وقرينة البراءة حق لكل انسان، إلـى ان تثبت عليـه الجريمة، وفقا لنص الـقـانـون.
والنائب العام مخير بين اقامة الدعوى الجزائية أو عـدم اقامتها. ولكن يحق لكل شخص ان يقيمها.

وتتم اقامتها بالتقدم بطلب إلـى النائب العام. فاذا رفض اقامتها، كـان مـن حق هـذا الشخص ان يتابعها بوساطة محام يختاره إذا شاء (الـمادة 2 عقوبات).

ويحق لكل شخص ان يتقدم باخبار مكتوب وتحت القسم، واذا وجد "لاسباب محتملة ومعقولة" ان شخصا مـن الأشخاص ارتكب جرما تترتب عليـه عقوبة جزائية. فاذا ظهر مـن هـذا الاخبار قرينة ترجح ارتكاب الجرم، أصدر النائب العام قرار اتهام، ضد مـن تتجه إلـيـه هـذه القرينة.

ويحق للشرطة ان تمتنع عـن اقامة الدعوى الجزائية فـي حالات معينة، كالسكر وجرائم الاحداث وتعاطي الـمخدرات والسلوك الشاذ، وهذه حالات اجرامية تنشا مـن اعراض سيكولوجية (نفسية) أو عقلية، وعندها تكتفي بتوجيه توبيخ للشخص أو نصح، أو ان ترسله إلـى مؤسسة صحية أو دار خيرية اجتماعية.

ويعود إلـى الشرطة ان تبعد الوجه الجزائي للفعل، وتتمسك بالوجه الاداري أو الـمدني فـي حالات محددة، هـي:
1. الـمشاحنات العائلية.
2. حالات الافراط فـي تناول الكحول والـمخدرات.
3. وجود حالات مرضية نفسية فـي الفاعلين.
4. حالات الجنح الـتـي ليس فيها استعمال العنف.
5. حالات الـمجرمين الذين يرتكبون الجريمة لاول مرة.
6. التاكد مـن ان الشخص لن يعود مرة أخرى إلـى الجريمة
7. حالات إذا مـا قدرت النيابة العامة ان مجرد اقامة الدعوى الجزائية عـلـى الفاعل أو توقيفه توقيفا احتياطيا، ستكون لـه اثار سيئة عليـه أو عـلـى عائلته.
8. وجود مرجع اخر غـيـر قضائي، يمكن ان يحال إلـيـه الخلاف، كمجلس الجامعة ولجان العمل، وعندها يحال إلـيـه هـذا الخلاف.

ومع ذلك فاذا اقيمت الدعوى الجزائية بصورة قانونية فـإن تنحية الصفة الجزائية Dépénalisation تظل ممكنة، فيما لـو عـاد لطرفان ووافقا عـلـى الـمصالحة، فاذا حصلت هـذه الـموافقة، فـإن النيابة العامة تقرر احالة القضية إلـى احدى جماعات التصالح، وتنتظر ان يصلها رد مكتوب (خلال مدة تتراوح بين شهرين وستة اشهر) يتضمن انهاء الخلاف وحصول الصلح، وأن التعويض عـن الضرر قـد تم. وبورود نـص الـمصالحة وثبوت قيام الفاعل بالتزاماته التي تعهد بها، فـإن النائب العام يكون مجبرا عـلـى سحب القضية.

ويعد الصلح ابراء لذمة الفاعل وترضيته للضحية وسدادا لديون الـمجتمع. ولكن يجوز الزام الفاعل باتباع برامج تثقيفية، تشرف عليـهـا النيابة العامة. ويختار العاملون فـي هـذه البرامج (محترفين أو غـيـر محترفين) بصورة دقيقة. بسبب حساسية الـموضوع. وعليهم ان يؤديا يمينا بوجوب كتمان اسرار الخصوم. ونلاحظ هنا أنـه لا يحق لهم استعمال اساليب اكراهية وحتى ولو كانت معنوية.

مـمـا تقدم يتضح ظهور ميل واضح إلـى تنفيذ العقوبـات بعيدا عـن السجن، كالاكثار مـن الـمصالحة ووقف التنفيذ، مـع فرض شروط عـلـى الفاعل، عليـه ان يلتزم بها اثناء مدة الاختبار. ويقدمون بين يدي هـذا الـميل، ثلاث حجج:

?أ- اقتصاد فـي الـمال
فالسجون الامريكية كانت تضم يوميا فـي عـام 1994، مـا متوسطه مليونا ونصف الـمليون سجين، ثلثهم محكومون باقل مـن 12 شهرا، والثلثان باكثر مـن هـذه الـمدة، اي ان نسبة السجناء فـي امريكا 577 سجينا مـن كـل 100000 مـن السكان (عدد سكان امريكا نحو 262مليون). وهي نسبة عالية.

ويقابل هـذه النسبة فـي كندا 114 سجينا و84 فـي فرنسا و97 فـي الـمسكيك و588 فـي روسيا الاتحادية (وريثة الاتحاد السوفيتي بعد انفصال عدد كبير مـن الدول عـنـه).

?ب- تهيئة وسط اجتماعي خارج السجن للسجناء
مـن شأنه ان يساعدوهم عـلـى التأقلـم مـع الجماعة واعادة تاهيل انفسهم. وذلك خير مـن بقائهم فـي السجون فـي حالة انفراد.

?ج- تأمين رقابة افضل عليهم لان انظار الـمكلف بمراقبة السجين الطليق، كثيفة، ولا تفارق انظاره تحركات السجين وسكناته. فبينما يراقب مراقب الاختبار Probation مئتي شخص فـي الـمتوسط، تقتصر "الرقابة الـمكثفة" عـلـى 20 شخصا فقط، وتستمر هـذه الرقابة ليلا ونهارا. وتتم الرقابة الـمكثفة بالزام الشخص الـمفرج عـنـه بعدم مغادرة منزله خلال ساعات تحدد لـه فـي الليل والنهار. واليوم تطبق خمسون ولاية هـذا الاسلوب فـي تنفيذ العقوبـات. كذلك فـإن الحكومة الاتحادية قـد تبنتها.

وفي مقابلة هـذا التطور نحو التأهيل فـي امريكا، يبرز اتجاه يعاود الـمطالبة بالعودة إلـى تشديد العقوبـات بصورة عامة، ومـنها العودة إلـى العقوبـات الجسدية!.

وكانت الـمحكمة العليا قـد اقرت الغاء عقوبة الاعدام عـام 1965 واستمر هـذا الالغاء حتى عـام 1976، حيث رجعت هـذه الـمحكمة إلـى عقوبة الاعدام، متخلية بقرارها الصادر فـي قضية Greeg C. Georgia فـي هـذا العام عـن الالغاء، وعادت ولاية نيويوك إلـى هـذه العقوبة عـام 1995. ومـنذ هـذا الـتـاريـخ (1976) تم اعدام 300 مجرم. وتطبق عقوبة الاعدام الآن فـي 38 ولاية مـن 50.

وفي عـام 1994 صدر قانون جديد وسع مفهوم الجريمة الفيدرالي (Crime Bill) لتشمل عقوبة الاعدام ستين جريمة، منها الارهاب وقتل شرطي والـمتاجرة فـي الـمخدرات. وبدأت العقوبـات الجسدية الأخرى تتسلل إلـى ساحة العقوبـات الـمطبق. ففي عـام 1952 حكمت محكمة Delaware بالجلد عـلـى مجرم.

وفي عـام 1995 وافق مجلس نواب الـمسيسبي عـلـى اعطاء القاضي الحق فـي فرض عقوبات جسدية. وفي عـام 1994 تقدم عضو فـي مجلس شيوخ ولاية نيويورك بمشروع قانون يعطي القاضي الحق فـي جلد الـمجرمين الاحداث، عشر جلدات عـلـى مؤخرتهم وهي مستورة.

واذا تقرر الجنوح إلـى نزع الصفة الجزائية عـن الجرائم، وحلها اما بالتحول بها إلـى الطريق الاداري، أو مـا ماثله (مجلس الجامعة مثلا)، واما بانهاء الخصومات بالـمصالحة، وخصوصا فـي الجرائم الصغيرة وجرائم الاحداث، فانه لا بد مـن حسن اختيار الوسطاء، وعدم دفع مرتبات لهم، حتى لا تصبح الوساطة عملا مجزيا يسعى إلـيـه الطامعون فـي الكسب. وفي جميع الاحوال يجب العمل حثيثا عـلـى منع حدوث شكوك فـي العدالة.

وتجدر الاشارة إلـى ان اللجنة الاوروبية (الوزارية) نظرت فـي هـذا الـموضوع واتخذت توصيات بشان الـمصالحة وتضخم عدد السجناء عـام 1999، هـذا مـا جاء فيها:
عقدت "اللجنة الاوروبية" (التابعة لـمجلس وزراء اوروبا فـي الـمسائل الجنائية) دورتها الثامنة والاربعين، الـمنعقدة، فيما بين 7 و11 حزيران 1999، وقررت ان توصي "مجلس وزراء اوروبا" بالتوصيتين التاليتين:




?أ- فيما يتعلق بالـمصالحة
وتقول هـذه التوصية الاولى مـا يـلـي:
"ان الوساطة بين الـمتنازعين لحل الخلافات، سواء اكانت متممة Complement للدعوى الجزائية التقليدية ام كانت بديلا عـنـه Alternative، تنمو وتتوسع اكثر فاكثر فـي الدول الاعضاء بمجلس اوروبا.

ومـن مآثرها انها تسمح بعقد اتفاق مرن، ينهي الدعوى الجزائية، بمشاركة مرتكب الجريمة وضحيتها، تحت رقابة جماعة مؤهلة لهذا الغرض.

وقد نجحت الـمصالحة فـي جرائم الاحداث، لذلك انتشر تبنيها فـي كثير مـن الدول الاعضاء، وافسحت لها مكانا فـي تشريعاتها.

وقد حددت هـذه التوصية الـمبادئ العامة للـمصالحة واساسها القانوني وشكليات عمل العدالة الجزائية، وشكليات عمل لجان الـمصالحة وعلاقتها بالعدالة الجزائية.

ولا يزال مشروع هـذه التوصية الاولى معروضا عـلـى لجنة الوزراء الاوروبية.

?ب- فيما يخص تضخم اعداد السجناء
تقول التوصية الثانية أنـه: "عـلـى الرغم مـن تنامي التدابير البديلة للعقوبات الـمانعة للحرية (الحبس) ومساندة هـذا التنامي بتوصيات عدة صادرة عـن مجلس اوروبا، فـإن اكتظاظ السجون بالسجناء ظاهرة مقلقة جدا، وهي موجودة فـي جميع الدول الاعضاء". وتنصح التوصية بالا يكون السجن الا تدبيرا استثنائيا، والا يكون حلا دائما.

وتقترح التوصية خيارات أخرى تحل محل العقوبة التقليدية، وبخاصة السجن، مـنـها "نزع الصفة الجزائية عـن بعض الجنح" Olepenalisation، أو اعادة تكييف وصفها، لاستبعاد العقوبـات الـمانعة للحرية، والاقلال مـن اللجوء إلـى التوقيف الاحتياطي مـا امكن ذلك، وتقصير مدة العقوبـات الطويلة، والتوسع فـي التدابير البديلة الـتـي توكل إلـى "الجماعات Communautes"، والتوسع فـي استعمال التدابير القانونية الـتـي تتيح تقصير مدة البقاء فـي السجن، كالافراج الشرطي. وهذه التوصية هـي ايضا موضع نظر مجلس وزراء اوروبا ومـن كـل مـا تقدم، نرى ان هناك مساعي جدية تبذل مـن اجل اقامة عدالة جزائية متخلصة مـن مثالب العقوبـات التقليدية. ولكن غليان التطور لا يزال فـي ذروته، ولا يمكن الجزم حتما بصلاحية هـذه التوجهات أو عـدم صلاحيتها، لذلك لا بد مـن التريث فـي اصدار احكام عليـهـا. ولكن العلـم تجارب، ومراجعة مستمرة لهذه التجارب.
ويقينا فـإن الجمود عـلـى الـموروث، ليس مـن شانه ان يحقق اي تقدم.


الـفـرع التاسع
موقف الشريعة الاسلامية مـن الـمصالحة

لكي نتحدث عـن الـمصالحة فـي الشريعية الاسلامية، يجب ان نقول كلـمة فـي الجرائم فـي نظر هـذه الشريعة الغراء.

والجرائم (الشرعية) ثلاث زمر:

الزمرة الاولى: القصاص، ويعني معاقبة الـمجرم بمثل الجريمة الـتـي ارتكبها ضدد الاخرين.

وتعبير القصاص يعني الـمساواة .

وهو عقوبة مقدرة بالنصوص القرآنية. قال تعالى: "يا ايها الذين امنوا كتب عليكم القصاص فـي القتلى، الحر بالحر، والعبد بالعبد، والانثى بالانثى، فمن عفي لـه مـن اخيه شيء، فاتباع بالـمعروف، واداء إلـيـه باحسان...".

وقال تعالى فـي بيان شريعة التوراة: "وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن، والجروح قصاص، فمن تصدق بــه فـهـو كفارة لـه...".

وفي الحديث النبوي: "مـن قتل لـه قتيل فـهـو بخير النظرين، اما ان يفتدي واما ان يقتل". وفيه ايضا" مـن اصيب بدم أو خبل (الجراح وقطع الاعضاء) فـهـو بالخيار بين احدى ثلاث: اما ان يقتص واما ان يأخذ العقل (الدية) واما ان يعفو، فـإن اراد رابعة فخذوا عـلـى يديه".

وفي الحديث ايضا: مـن قتل عمدا، دفع إلـى اولياء الدم، فـإن شاءوا قتلوا وأن شاؤا اخذوا الدية، وما صالحوا عليـه فـهـو لهم".

وهذ هـو القتل العمد الـذي يقدم عليـه القاتل عـن قصد.

والى جانب القتل العمد، يوجد نوعان اخران مـن القتل.
?أ- القتل شبه العمد، وهو قتل انسان بالة ليس فـي العادة ان تقتل، كاللكم والضرب والعض والرفس والحجر الصغير.
وفي هـذا النوع مـن القتل دية فقط، عند ابي حنيفة.
ومبناه الشرعي، حديث شريف يقول: الا ان فـي قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا والحجز مئة مـن الابل". والدية مقدرة بمئة مـن الابل.
?ب- القتل الخطأ، الـذي لا عمد فيـه. وهو معروف لدى الفقهاء. وليس فـي القتل الخطأ قصاص، وانما فيـه دية فقط، وهي مئة مـن الابل.
واذا وقع عدوان عـلـى جسد انسان، كقطع يده، أو فقء عينه أو كسر انفه، وكـان العدوان متعمدا، ففيه قصاص مـن الجاني، فقطع يده فـي مقابلة قطع يد الـمعتدى عليـه، وتقلع عينه فـي مقابلة عين الضحية، وهكذ.
ولكن إذا لـم يكن الفعل مقترنا بالعمد (النية)، ففيه أرشُ، اي تعويض يقدره الفقهاء عـن كـل عوض اصابه التلف. مـمـا تقدم يتضح ان القتل شبه العمد والقتل الخطأ، يعاقبان بدفع الدية، سواء رضي اهل الـمقتول أو لـم يرضوا. اما فـي حالة القتل العمد، فالقصاص هـو قتل الجاني بيد اولياء الدم، اي والد القتيل واخوته أو عمومته.

وفي هـذا القتل تقبل الـمصالحة. وقد جرت العادة ان يذهب وفد مـن الوجهاء إلـى اهل القتيل، بعد ان تهدأ النفوس، ويتوسطوا فـي حل الخلاف صلحا. فانوفقوا، فاهل القتيل يتخذون احد قرارين: اما ان ياخذوا الدية واما ان يعفوا ويتنازلون عـن حقوقهم الـمشروعة. واذا لـم يتم الصلح، وجب القصاص مـن القاتل، بتسليمه إلـى اولياء دم الـمقتول ليقتلوه، جزاء وفاقا.
اذن فباب الـمصالحة مقبول فـي الاسلام فـي اخطر الجرائم وهو القتل العمد.

وتجدر الاشارة إلـى ان حق العفو مـن حقوق اولياء الدم، وليس لولي الأمـر (الخليفة أو الحاكم السياسي) ان يصدر مثل هـذا العفو . ولكنه يستطيع ان يبذل مساعيه الحميدة لدى اهل القتيل، الذين يرفضون العفو عـن القاتل، لكي يقنعهم بـأن الله فرض القصاص ولكنه شجع عـلـى العفو ايضا.

وفي القرآن ايات كثيرة تشجع عـلـى العفو:

قال تعالى: "وأن تعفوا اقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم" (البقرة الاية 237)، وقال تعالى:" وأن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فـإن الله غفور رحيم" (التغابـن الاية 14)، وقال تعالى::فمن عفى لـه مـن اخيه شيء، فاتباع بالـمعروف" (البقرة الاية 178).

الزمرة الثانية: التعازير: وهي جرائم غـيـر مقننة، وليس لها عقوبات مقدرة، وانما هـي متروكة لتقدير الحاكم.

وتشمل جميع الجرائم الواردة فـي قوانين العقوبـات والقوانين الخاصة، فيما عدا القصاص والحدود الـمعروفة، كخيانة الامانة والاحتيال والتزوير، والتعدي عـلـى ملكية الجار، والافلاس التجاري ومخالفة الانظمة الصحية ومخالفة الانظمة البلدية، والتهرب مـن دفع الضرائب والرسوم الجمركية والغش... وغيرها. وهذه كلها تجوز فيها الـمصالحة.

الزمرة الثالثة: الحدود، وهي عقوبات مقدرة فـي القرآن أو السنة النبوية. وهي تجب حقا لله تعالى، ولا يوجد اتفاق بين الفقهاء عليـهـا، والـمتفق عليـه انها ستة. ولكن يصل البعض فيها إلـى احد عشر حدا.
والحدود الستة هـي:
1. حد الزنا، وعقوبته الرجم للزاني والزانية الـمحصنين (اي الـمتزوجين) والجلد لغير الـمحصنين.
2. حد القذف، وهو الرمي بصريح الزنا أو نفي النسب.
قال تعالى: "والذين يرمون الـمحصنات، ثـم لـم يأتوا باربعة شهداء، فاجلدوا كـل واحد منهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا" (النور الاية 4).
واليوم يعدون الجلد مـن العقوبـات الجسدية التي تقاوم بعنف، بحجة انها مذلة للانسان وماسة بكرامته.
ولكني اود ان استطرد قليلا، فانقل قولا لاستاذنا الجليل " دونديو دوفابر"، عـن الجلد يخالف هـذا الاتجاه. فقد كتب فـي احد مؤلفاته الشهيرة عـن الجلد مـا يـلـي: "لا يمكن الاعتراض عـلـى هـذا النوع مـن العقاب، لان لـه قيمة تخويفية مؤكدة. والـمجرمون العتاة يشعرون بوطأته تماما. لانهم لا يتحسسون بالعقوبـات ذات الطابع الـمعنوي.
ولا بد مـن طرح هـذا السؤال وهو: هل صحيح ان الجلد مناف للكرامة الانسانية؟ وفي راينا ان هـذا الاعتراض ينبع مـن رقة ادبية كاذبة، فالجلد يجعل الـمجرم يتحسس هـذا النقص فـي القيم الـذي لا ينشأ عـن العقاب، لانه نقص ينشأ عـن الخطأ.
واذا اخضع الجلد لقواعد دقيقة، وطبق مـن دون علانية، فانه لا يكون عقوبة شديدة القسوة ولا يحدث انهيارا نفسيا لا يمكن مداواته".
وقد يشفع لعقوبة الجلد، مـا تكشفت عـنـه عقوبة الحبس مـن مساوئ فظيعة، واصبحت مصدر قلق لرجال القانون والتربية والاجتماع، حتى وجد مـن العلـماء الجزائييين مـن قال: "لقد افلست العقوبة"، وراح يطالب بالبحث عـن بدائل لها. وهذا مـا تحقق نسبيا فـي بعض البلاد الاوروبية.
3. حد السرقة، والسرقة اخذ الشيء مـن حرزه بطريقة التخفي، وعقوبتها قطع اليد، ولا بد ان يكون الاخذ لا ينوي رده إلـى صاحبه.
واشتراط اتمام السرقة خفية، يخرج منها، ومـن ثـم لا يقطع، الخائن والـمنتهب والـمختلس والغاصب والجاحد (الـذي ينكر تسلـمه الشيء).
4. حد الحرابة، والحرابة قطع الطريق عـلـى الـمسلـمين، وذلك حين تقوم جماعة ذات قوة ومـنعة أو شخص واحد لـه قوة ومـنعة باخافة الـمسلـمين والتعدي عـلـى دمائهم واموالهم، عـلـى ان يكون القاطع والـمقطوع عليـه معصوم الدم .
5. حد البغي، "وهو الخروج عـن طاعة امام الحق بغير حق" .
والـمقصود بالخروج عـلـى الامام، مخالفته والعمل عـلـى خلعه أو الامتناع مـمـا وجب عـلـى الخارجين مـن حقوق (كاداء الزكاة مثلا).ويمكن تسمية هؤلاء البغاة، بالـمجرمين السياسيين.وعقوبتهم القتل والصلب، حسب حالات جرائمهم.
ولكنهم إذا تابوا "مـن قبل ان تقدروا عليهم" كـمـا جاء فـي القرآن الكريم، فـإن عقوبتهم تسقط بالتوبة.
6. حد الردة، والردة رجوع الـمسلـم العاقل البالغ عـن الاسلام إلـى الكفر باختياره دون اكراه، وعقوبتها القتل. وتجدر الاشارة إلـى ان السلطان العثماني عبد الـمجيد الاول الغى عقوبة الـمرتد عـام 1844 واعاد التأكيد عـلـى هـذا الالغاء فـي مذكرة ملحقة بـ الخط الهمايوني الصادر فـي 18 فبراير 1856. وهو رأي يقول بــه بعض الـماصرين استنادا إلـى قوله تعالى: " فمن شاء فليؤمن ومـن شاء فليكفر".

والحدود تدرأ بالشبهات. وقد توسع الاحناف كثيرا فـي موضوع هـذه الشبهات للإقلال مـن تنفيذ الحدود، دون مخالفة لاحكام الشريعة. ويرى الاستاذ محمد أبـو زهرة "ان القذف حق مـن حقوق الـمقذوف، وله ان يعفو عـن القاذف" وفي الشريعة الاسلامية توجد التوبة عـن الجريمة.

ويرى ابـن تيمية: " ان التوبة تطهر مـن الـمعصية وتسقط العقوبة فـي الجرائم الـتـي هـي حق لله الا إذا اختار الجاني ان يطهر نفسه بالعقاب" .

وحين يتبنى التشريع الوضعي مبدأ الـمصالحة، فانه سيجد لدى الفقهاء الـمسلـمين مخارج (كالتوبة) تساعده كثيرا عـلـى التوسع فيها، ليظل منسجما مـع احكام الاسلام. والتوبة باب واسع جدا، ولـم تنل حظها مـن الدارسين الـمعاصرين.







آخر تعديل DamascusBar يوم 19-11-2009 في 11:05 AM.
رد مع اقتباس
قديم 22-05-2006, 11:04 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
Ammar jnied
عضو جديد مشارك
إحصائية العضو








آخر مواضيعي


Ammar jnied غير متواجد حالياً


افتراضي

الى الاستاذ الدكتور عبد الوهاب حومد
اننا كسوري أفخر بك كونك علما من اعلام القانون الجزائي وشكرا لهذه المقالة القيمة التي تشكل بحق نظرة معاصرة على الاتجاهات الحديثة في القانون الجزائي وعلم العقاب.
وانني في المناسبة أعد رسالة دكتوراة في بلجيكا في علم الاجرام عن المصالحة في الاطار القانوني الجزائي في بلجيكا.
واوجه نداء للدكتور حومد أو لكل من يعرف عنوانه الالكتروني للاتصال بي وذلك لانني بحاجة لاطرح بعض الاسئلة.
عنواني البريدي هو
ammarjnied4@hotmail.com







رد مع اقتباس
قديم 13-07-2006, 03:10 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
chikh
إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي

شكرا جزيلا على ما قدمته لنا وجزاك الله خيرا
الشيء الذي لفت انتباهي هو كلامك عن التوبة وخاصة قولك والتوبة باب واسع جدا... لان احضر رسالة ماجيستير في هذا الموضوع تقريبا حيث ان عنوان رسالتي هو أثر التوبة في التخفيف من العقوبة بين الشرع والقانون .وحقيقة وجدت صعوبة في الحصول على المراجع وخاصة الجانب القانوني .لدى فإني بامس الحاجة الى من يساعدني بمرجع او مقال أو فكرة في هذا الموضوع.
بارك الله فيك يادكتور وجزاك الله عنا خيرا
أخوكم الشيخ الجزائري
CHIKH78@HOTMAIL.COM







رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الجرائم , العقوبات , عبد الوهاب حومد , قانون , قانونية


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اجتهادات هامة شيك ردين حسن جنود أهم الاجتهادات القضائية السورية 0 11-03-2011 07:08 PM
قانون العقوبات الاقتصادية المحامي خالد بلال موسوعة التشريع السوري 0 28-05-2008 03:27 AM
نحو عولمة العدالة الجنائية- رؤية بين الواقع والمأمول فهر عبد العظيم صالح أبحاث في القانون الجنائي 0 04-12-2007 06:37 PM
الإستنساخ البـشـري مـن وجهة نظر قانونية المحامي فائق زيدان أبحاث في الأحوال الشخصية وقوانين الأسرة 1 18-04-2006 01:03 AM


الساعة الآن 02:12 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Nahel
يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر>>>جميع المواضيع والردود والتعليقات تعبر عن رأي كاتيبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى أو الموقع