منتدى محامي سوريا

العودة   منتدى محامي سوريا > المنتدى الفقهي > أبحاث قانونية مختارة > أبحاث في الفقه الإسلامي

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
قديم 15-06-2006, 09:54 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الدكتور جودت سعيد
إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي الدين والقانون للدكتور جودت سعيد

نتابع معكم نشر بعض الأبحاث المهمة التي تستحق التفكير والدراسة والمناقشة ومنها هذا المقال للدكتور جودت سعيد:



الدين والقانون
رُؤْيَة قُرآنيَّة
المقدمة
هذا البحث نتيجة للقاء فكري مفيد مع السيدة الأستاذة الدكتورة في الفلسفة والأستاذة الدكتورة في القانون (عزيزة الهبري) وهي حالياً أستاذة القانون في جامعة ريتشموند في فرجينيا، وكان من حديثها أنها بحثت مع القائمين على مجلة الدين والقانون في الولايات المتحدة أموراً دينية وقانونية عن الإسلام، فطلبوا إليها أن تتولى إصدار عدد خاص من هذه المجلة، وتكتب وتستكتب من تريد من المسلمين. فعرضت عليّ المساهمة فكتبت هذا الموضوع وأرسلته إليها لترى وتكلف من تريد بالترجمة.
ونتمنى لها النجاح وهي مقتدرة مكينة.
وحين كتبت ما كتبت كنت أتصور القارئ المعيّن الذي أتوجه إليه بالخطاب، وقد أكون وفقت في تصوراتي في جانب، وجانبني الصواب في جانب آخر، ومحصلة الرؤى المختلفة يحكمها قانون (الزبد يذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) كما أن جمهور أهل الذكر هم الذين يحكمون بصوابية الفكرة أو خطئها حتى يتبين الرشد من الغي، وفي كل مرة يهتدي الناس إلى ما هو أقرب رشداً، وقانون الله في النسخ أن الأنفع ينسخ الأقل نفعاً، وشريعة الله هي العدل، وإذا ما اختلف فيما هو أقرب للعدل يؤخذ بتفسير جمهور أهل الذكر، فإذا كانت الأفكار تستقبلها مِصْفَاة أهل الذكر فلا يخشى من الفهم الخاطئ حيث يستبعد الخطأ، ويبقى ما ينفع الناس، وبهذا الأسلوب يفتح باب التقدم إلى النافع، والتخلص من الزبد، وعسى أن يهدينا الله تعالى لما هو أقرب رشداً.

جودت سعيد
دمشق في 12 رمضان 1418
10/1/1998

بحث في أسس الدين والقانون من رؤية قرآنية

للبحث في القانون والدين ينبغي أن نبحث في الإنسان الذي يفرض كينونته الخاصة: الدين والقانون. وسأحاول تناول الموضوع من جانبين:
1- من الناحية البيولوجية والنفسية والتاريخية.
2- من الناحية الدينية كما يعرض القرآن لهذه القضية، من وجهة نظري الخاصة في التفسير فقد يتداخل الجانبان أثناء البحث، وإن كنت سأحرص على البقاء في الفصل بينهما والاستعانة بهما معاً.
في البدء ينبغي أن نحدد هذين الجانبين اللذين أتحدث عنهما والذين سميتهما الناحية البيولوجية والناحية الدينية، ولأحدد هذين الجانبين بدقة أكثر يمكن أن أقول: إن الموضوع يتعلق بالواقع الذي نتعامل معه، فهو أمامنا بذاته وبماديته، والذي نحن جزء منه أيضاً، وتعلق بتصورنا نحن لهذا الواقع، فمن هذا الجانب أجعل الدين أيضاً تصوراً مهما كان مصدره، لأنه لا يمكن أن يصل إلينا إلا تصوراً وبواسطة الرموز.
ولأزيد الموضوع وضوحاً أكثر ليكون انطلاقنا من أرضية صلبة وواضحة ينبغي أن نفرق بين الموضوعات التي أمامنا وبين الصور الذهنية التي تتكون عندنا نحوها، ولأزيد الموضوع وضوحاً ينبغي أن أضرب مثلاً: ففي الإنجيل: « كلم به يسوع الجموع بأمثال، وبدون مثل لم يكن يكلمهم » متى (13:24).
وفي القرآن: (وتِلكَ الأمثالُ نَضْرِبُها للناسِ وما يعقلُها إلا العالمونَ) ] العنكبوت: 29/43 [.
ومن غير أن نخوض في الجدلية القائمة بين القاعدة والمثال، ينبغي أن نعرف أن الأمثلة منها تستنبط القواعد، وأن القاعدة مصدرها الوقائع، والوقائع هي الأمثلة، والمثل الذي أريد أن أضربه هنا لأفصل بين الوقائع والصور الذهنية هو الشّمسُ التي يضرب بها المثل في الوضوح والظهور في جانب كم كانت الصُّور الذهنية للبشر خاطئة في تفسير ظاهرة الليل والنهار، وكيف أخطأ البشر جميعاً في فهم الظاهرة التي كانوا يعيشونها.
حتى إن الإنسان هو الذي كشف خطأ تصور الناس في ظنهم أن الشمس تدور حولنا، وأن الأمر بالعكس تماماً، فنحن الذين ندور حولها وأمامها، وليست هي التي تدور حولنا.
إن هذه الصورة الذهنية القديمة كان الناس حريصين عليها، وعندهم استعداد لأن يموتوا من أجلها، وأن يرسلوا الآخرين إلى الموت بسببها.
فإذا كانت هذه الشمس مضرب المثل في الوضوح صارت أيضاً مضرب المثل في الخفاء، إذا كان في الإمكان الوقوع في الخطأ إلى هذه الدرجة من قبل الناس جميعاً، فما هو التفسير الذي يمكن أن نقول عنه: إنه لا يتطرق إليه الخطأ حتى نسمح لأنفسنا بأن نحكم على الناس بالموت لأجل أفكارهم (صورهم الذهنية) ؟ كما حدث مع جاليلو الذي أظهر تراجعه، ويده على الكتاب المقدس أمام العالم الذي أنكر رؤيته.
بهذا التسلسل الذي قدمته، والمثل الذي ضربته، يمكن لنا أن نفرق بين العالم الذي نعيش فيه ونحن جزء منه أيضاً. فهذا الاتصال والانفصال بين العالمين عالم الواقع والخيال، أو الصورة الذهنية البيولوجية بواسطة الجهاز العصبي عند الإنسان موضعُ جدلٍ وبحث من قبل الإنسان.
ويمكن أن نشبه فكر الإنسان في هذا الموضوع برؤيته البصرية فالأشياء البعيدة جداً تنفصل عنا، ولا نراها، ولا نحس بها، ولا نعترف بها، والأشياء القريبة جداً قد ننغمس فيها، ولا تعود لنا القدرة على رؤيتها لقربها وانغماسنا فيها، فلابد من مسافة معينة لتكون في متناول إحساسنا وتأملنا وتعاملنا معها. ويوسع الإنسان هذه المسافة التي يمكن فيها من التعامل مع الوجود المحيط به وذاته.
والآن سأتناول ما سبق أن طرحته عناوين بالإضاءة مستعيناً بالرؤية التاريخية للإنسان، والرؤية الدينية النبوية من خلال القرآن، ويهمني إضاءة مشكلة العنف التاريخي والديني حيث إن الإنسان محور أساسي في بحث أي مشكلة وجودية. فمن دون الإنسان لا يوجد بحث.
فما هو الإنسان في التاريخ وفي الدين وفي القرآن ذاته ؟.
أولاً من الناحية التاريخية إن الناس قبل قرون قليلة لم يكونوا يعرفون عن تاريخ الإنسان قبل آلاف قليلة شيئاً. ولكن علم الإنسان بالإنسان في القرون الأخيرة امتد إلى ما يزيد عن ثلاثة ملايين من السنين، كما دلّت عظام (لوسي)، وعلم الإنسان عن الإنسان أنه عاش قبل أن يعرف إيقاد النار، وقبل أن يستأنس الحيوان، وقبل أن يعرف الزراعة، إلى درجة أنه يمكن أن نقول إن الإنسان كان كبقية الكائنات الحية، لم يكن يتدخل في توجيه حياته، ولم يكن ينتج غذاءه، ولكن هذه القوة الجديدة الممنوحة للإنسان متى بدأت وكيف انفصل الإنسان عن بقية الكائنات بهذه الإمكانية ؟.
إن الإنسان مكبّ على التعرف على مسيرة خلق الإنسان بدأب لا يعرف التوقف، وكل يوم يزداد علماً وسيطرة.
إن هذه الإمكانية العجيبة في سلطة الإنسان كامنة في جهازه العصبي النامي القابل للاستيعاب، ولعل القابلية لنقل التجربة إلى الآخر بواسطة الكلام أو تسمية الأشياء هي الإمكانية العجيبة التي انضافت إلى الإنسان، وبهذا انفصل الإنسان عن بقية الكائنات هذا الانفصال البعيد والمنقطع، ويمكن أن نقول: إن كل الكائنات الحية الأخرى تولد وهي تحمل في جيناتها سلوكها والمعرفة التي ستعيش بها، ولكن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يولد ولا تولد معه المعرفة التي سيعيش بها، وإنما يكتسبها بعد ذلك، وإنه يحمل الاستعداد للتلقي والاستيعاب هو الشيء المدهش الذي جعل سلطان وقدرة الإنسان على التزايد المستمر، لمعرفة الكون الذي نعيش فيه، ولمعرفة ذاته. فقد امتدت معرفته بالوجود إلى حافة الزمان والمكان. وامتد زمانه ومكانه إلى ما يزيد عن عشرين ملياراً من السنين زماناً ومكاناً، ودخل إلى داخل الذرة في الوجود، كما دخل إلى سر وجوده في جيناته إلى أن قالوا: بدأ اليوم الثامن في توسع معرفة الإنسان، وهذه المعرفة التي اكتسبها الإنسان تبعث فينا الخبال ؛ لأن نفكر في الكائنات التي كانت تعمر الأرض قبل سبعين مليون سنة، تلك الكائنات الضخمة الهائلة الجثة والصغيرة الدماغ حيث الإنسان الآن يعيش، هذا الكائن الصغير الجسد وكبير الدماغ، فماذا يمكن أن يكون عليه الكائن الذي سيعمر الأرض بعد سبعين مليون سنة من تاريخنا الآن ؟
لابد أن الإنسان سيكون له دوره الواعي في تطور ذلك الكائن الذي سيكون.
وعلى قدر عمق معرفة الإنسان بالماضي كيف كان وكيف ازداد نموه ستكون قدرة معرفته للمستقبل وإمكاناته الكامنة فيه. وهذه المعرفة العميقة في الماضي والممتدة في المستقبل، تكسب الإنسان تفاؤلاً وإعجاباً بالإبداع للنظام الذي يحكم الكون ويخرجه من التشاؤم. فالطفل العاجز عن خدمة نفسه لا يعتبر ناقصاً في الإبداع، حين نعرف ما يمكن أن يتحول إليه، فلهذا إن الرؤية اللحظية تجعل الإنسان في ريبة وتشوش ويأس يقلل من فعاليته. لذا يمكن أن نقول: إن الإنسان إنسان بقدر ما يعلم من تاريخ الإنسان برسوخ ووضوح.
وإن المعرفة التاريخية الممتدة المستوعبة هي روح الإنسان، واستخدام جهازه العصبي القابل للاستيعاب يكافئه، ومن دون هذه المعرفة ورسوخها يكون النقص والفساد والعكس بالعكس. وغياب هذه الصورة الشاملة عند كثير من الأسماء اللامعة، يجعلها مبعث تشاؤم ورؤية لجوانب النقص وعجز عن رؤية جوانب الإبداع المستمر الذي لم يفقد هدفه قط خلال تاريخ الإنسان، وتاريخ الوجود مع كل القصور الذي يمكن أيضاً بوضوح.

الإنسان في الدين والقرآن:

وهنا قبل أن أبدأ بعرض الفكرة الدينية عن الوجود والإنسان بعد العرض التاريخي، مفيد أن نلفت النظر إلى أهمية التطور الحاسم الذي فصل الإنسان عن بقية الأحياء، وهو الجهاز العصبي المستوعب، وجهاز النطق المرسل، حيث ترتب على هذا الإبداع المبهر إمكانية نقل الخبرة (المعرفة) من الجهاز العصب إلى الجهاز العصبي الآخر بالرمز الصوتي، فإن الجهاز العصبي يستوعب الأشياء بالرمز الضّوئي (رؤية الأشياء)، ولكن ما استوعبه الفرد بخبرته الخاصة ورؤيته الضّوئية، يمكن أن ينقله إلى الآخر بالرمز الصوتي الكلامي. ثم ابتكر الإنسان المبدع تحويل الرموز الصوتية إلى رموز ضوئية بالكتابة، فهنا حدث اقتصاد كبير للتبديد الذي كان يتم بموت الإنسان وموت خبرته معه، فقد ابتكر وسيلة يحفظ فيها خبرته ولا تموت بموته، وهذا الابتكار حديث في حياة البشر، حيث لا يزيد عمر الكتابة عن خمسة آلاف عام، أما عمر الورق الذي سهل الكتابة فمنذ ألف عام أو يزيد قليلاً، وأما الحفظ الإلكتروني فمنذ عقود قليلة.
فالخبرة لا تنتقل من دماغ إلى آخر إلا بواسطة الترميز بالضوء أو الصوت، ومع إمكان الخطأ في تفسير المرئي والمسموع فإن هذا الخطأ يمكن تلافيه، وهذا شيء مهم جداً أرى أنه لم يتم الانتباه إليه، ففقدوا الثقة وتشككوا في إمكان الفهم، ووصلوا إلى العدمية الحديثة كالسوفسطائية القديمة.
فقد نخطئ في فهم ورؤية حركة الشمس ونخطئ في فهم العبارة التي تدل على المعنى. ولكن الشمس لن تخطئ في حركتها من أجل خطئنا في فهمها، ولن تبالي بخطئنا بل ستظل تتبع قانونها.
وقد نخطئ في فهم الكلام المسموع والمقروء ولكن لن يخطئ المعنى الذي يتعلق بالوجود الذي يحتفظ بقوانينه، فهذا الخطأ المحتمل في قصور الرمز ونقصان كفاءته في نقل الخبرة، يكمل ويصحح بالعودة إلى المرموز إليه، وليس إلى الرمز، ولا إلى الصورة الذهنية، وإنما إلى الواقع الخارجي الحي النابض الذي لن يخرج على قوانينه، وكلما عدت إليها تجدها كما هي، فقوانين الوجود لا تخطئ مهما أخطأنا نحن في فهمها وتفسيرها، وبهذا نكون حللنا مشكلة النص والرمز والدلالة وهو شيء مهم جداً في الدخول إلى عالم الدين.
ولقد قلت من قبل العبارة التالية وأعيدها هنا لتأكيدها:
(إن الموضوع يتعلق بالواقع الذي نتعامل معه، فهو أمامنا بذاته وبماديته والذي نحن جزء منه أيضاً، ثم بتصورنا نحن لهذا الواقع. فمن هذا الجانب أجعل الدين أيضاً تصوراً مهما كان مصدره ؛ لأنه لا يمكن أن يصل إلينا إلا تصّوراً وبواسطة الرموز).
ويكون التأكد منه بالعودة إلى الموضوع الذي يتحدث عنه.
وهنا يمكن أن نرى العلاقة بين الوجود الذي يحتفظ بقوانينه التي لا تتغير، وبين صورنا الذهنية وكلامنا المنطوق أو المكتوب علاقة لا فكاك منها، فلا فائدة من الرموز من دون خبرات، ولا فائدة من الخبرات إلا إذا أمكن نقلها بالرموز، فهذا موضوع الإبداع في الإنسان الذي تحرر من قيود نقل الخبرة بواسطة الجينات، إلى التمكن من النقل بواسطة الرموز الضوئية والصوتية.
إذن فالوحي أو الفكرة المتولدة من الخبرة كلاهما لا يمكن نقلهما إلى الآخر إلا بواسطة الرمز الضوئي أو الصوتي. فالنبي المرسل والكتاب المنزل، والإنسان الذي يستقبل ذلك، معرض لما تعرضت له الشمس من الفهم الخاطئ نفسه، وبغير العودة إلى الواقع الذي كونّا عنه صورنا الذهنية، لا يمكن التعويل على صورة ذهنية، ولا رمز ضوئي، ولا صوتي. وحتى سمعنا وبصرنا لا يغني عنا شيئاً حين نفقد التعامل مع الوقائع، وهذا الفصل والوصل في آنٍ واحدٍ، بين الوقائع والصور الذهنية أمر جوهري في حياة الإنسان، وخاصة في المجال الديني حيث كان الفصل أصعب، ويمكن أن نقول: إن الدين أو المتعالي أو المقدس خاطبنا بلغتين: لغة الوقائع والقوانين التي تحكم وجودنا، ولغة الرموز التي تعبر بالتأويل عن الوقائع، ولابد من الفصل بينهما وأنهما ليسا شيئاً واحداً، ولو كانت كلمة النار ناراً واقعية لحرقت اللسان الذي ينطق بها، والورق الذي يكتب عليه، ولابد من الوصل بين النار الموقدة خارج كلمة النار، وكلمة النار التي لا يمكن نقل المعلومات والخبرات عنها إلا بواسطة الكلام. وليكون الفصل والوصل حقيقياً ومفيداً، فإن المرجع هو الوقائع لزيادة المعرفة، والرموز أو الكتب هي المرجع في تحصيل المعرفة التي سبق أن حصل الناس عليها.
فهذه المزدوجة هي ما امتاز بها الإنسان ليخرج عن بقية الكائنات الحية، وليستمر في معرفة سنن التسخير وحفظ قوانينه بالرموز، وبالكتب، بوسائل نقل المعرفة وحفظها.
والتعامل مع الوقائع له قوانينه ومراجعه بإحصاء العواقب النافعة، وكذلك التعامل مع الرموز له قوانينه، ومع عظم فائدته واستحالة الاستغناء عنه، فإن المرجعية الحقّة إنّما ترجع إلى إحصاء العواقب النافعة. وعلم الرموز والدلالة والألسنيات والسيميائيات، ألقت أضواء نافعة على كيفية حدوث الوقائع، وأسلوب التواصل لنقل المعرفة وتعميمها.
والتمكن من عرض هذا الموضوع بتبسيط مقنع واختصار للجهد والزمن ورفع للمردود غاية تحقيق إنسانية الإنسان وإبراز إمكاناته التي لما تبرز إلى الوجود إلا قليلاً.
وبعد هذه الرؤية التاريخية للوضع الإنساني سأحاول إلقاء بعض ما توصلتُ إليه من الرؤية الدينية للمشكلة الإنسانية من خلال القرآن.
وفي بادئ الأمر ينبغي أن نفصل ونصل أيضاً بين المتعالي الخالق الأعلى، وبين الكون الذي نعيشه، كما فصلنا ووصلنا بين الوجود الكوني والمتعالي، بين الرمز والمرموز إليه ويمكن أن نعتبر الكون كله رمزاً للخالق المتعالي المقدس. ولكن في هذه المرة الأمر بالعكس فإن التعرف على المتعالي يكون بواسطة الكوني، ومن خلاله تحصل لدينا المعرفة بالمتعالي.
الآن سأبدأ التعامل مع نصوص القرآن للتعامل مع الوجود الكوني والإنساني.
وحدة النبوات
من المفيد في أول الأمر أن نعرض فكرة القرآن عن الأنبياء، وأنهم على نموذج واحد، وجاؤوا برسالة واحدة، وان أمتهم واحدة، ونذكر هنا فقرات من القرآن الكريم تدل على ذلك:
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ] الأعراف: 7/59 [.
(وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ] الأعراف: 7/65 [.
(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ] الأعراف: 7/73 [.
(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ] الأعراف: 7/85 [.
(تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ) ] الأعراف: 7/101 [.
(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) ] الأعراف: 7/103 [.
وفي القرآن سورة اسمها سورة الأنبياء يقول فيها:
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ) ] الأنبياء: 21/48 [.
(وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) ] الأنبياء: 21/50-51 [.
(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) ] الأنبياء: 21/72-73[.
(وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) ] الأنبياء: 21/76 [.
(وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) ] الأنبياء: 21/78 [.
(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ] الأنبياء: 21/83 [.
(وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنْ الصَّابِرِينَ) ] الأنبياء: 21/85 [.
(وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ) ] الأنبياء: 21/87 [.
(وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) ] الأنبياء: 21/89 [.
(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ. وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (المراد مريم وابنها عيسى المسيح) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ. وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ) ] الأنبياء: 21/90-93 [.
هذه النصوص القرآنية تدل على أن عالم الأنبياء عالم واحد، وجاؤوا برسالة ومفهوم واحد، وأن أمتهم أمة واحدة، وإن اختلفت هذه الأمة الواحدة بعد ذلك وتقطعوا أمرهم بينهم. وفي القرآن سورة اسمها سورة إبراهيم يذكر فيها قصة مجموعة من الأنبياء ويذكر القواسم المشتركة ووحدة الدعوة والهدف الذي يسعون إليه. يقول القرآن في هذه السورة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) ] إبراهيم: 14/5 [.
ويقول القرآن في السورة نفسها:
(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) ] إبراهيم: 14/9 [.
والقرآن وإن يذكر حوار نبي معين مع قومه إلا أنه يجمع الرسل جميعاً ويُنطِقُهم بلسان واحد بجوهر دعوتهم فيقول:
(قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ. قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ. وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ) ] إبراهيم: 14/10-12 [.
وكذلك يذكر القرآن سلسلة من الأنبياء:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ) ] المؤمنون: 23/23 [.
فيذكر قصة نوح والطوفان ثم يقول:
(ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ) ] المؤمنون: 23/31-32 [.
ثم يقول أيضاً مؤكداً وحدة النبوات والرسالات والأمة النبوية:
(ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ، مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ. ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ. ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ. إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنْ الْمُهْلَكِينَ. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ. وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ. يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِي. فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ] المؤمنون: 23/42-53[.
هذه الآيات تدل بتكرار وإلحاح على وحدة الأنبياء ووحدة الرسالة ووحدة أمتهم، وتذكر أيضاً كيف تقطعت هذه الأمة الواحدة وتمزقت، وكيف أن هذه القطع الممزقة فرحون بما لديهم ولا يشعرون أن هذا التمزق بينهم دليل على أنهم فقدوا ما جاء به الأنبياء من توحيد الأمة ووحدة محتوى الرسالة.
وفي سورة الأنعام يذكر قصة إبراهيم وأنبياء كثيرين من بعده فيقول:
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ) ] الأنعام: 6/74-75 [، ويتابع القرآن الحوار بين إبراهيم وقومه ثم يقول (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ. وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) ] الأنعام: 6/83-90 [.
ويقول القرآن مؤكداً هذه الوحدة النبوية ووحدة الرسالة والأمة:
(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ. ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) ] يونس: 10/13-14 [.
ثم يقول مبتدئاً بنوح:
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ) ] يونس: 10/71 [.
(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) ] يونس: 10/74 [.
وفي سورة هود يذكر نوحاً ويطيل في قصة نوح:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) ] هود: 11/25-26 [.
ثم يذكر قوم عاد فيقول:
(وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ..) ] هود: 11/50 [.
(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ] هود: 11/61 [.
(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ..) ] هود: 11/84 [.
ثم يذكر قصة موسى وفرعون:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ) ] هود: 11/96-97 [.
(إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) ] هود: 11/97 [.
ثم يقول القرآن:
(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) ] هود: 11/100 [.
(وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) ] هود: 11/101 [.
(وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) ] هود: 11/102 [.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) ] هود: 11/103 [.
الإيمان بجميع الأنبياء
وهكذا يعرض القرآن ظاهرة الأنبياء نموذجاً موحد فهم يشتركون بخصائص معينة لا يجوز أن نفرق بينهم ويمكن اكتشاف خصائصهم. فمن هذا الجانب يفرض القرآن على أتباعه أن يؤمنوا بجميع الأنبياء في آيات عديدة. فمثلاً يقول:
(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) ] البقرة: 2/285 [.
(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ) ] البقرة: 2/136-137 [.
ويقول أيضاً: (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ] آل عمران: 3/84 [.
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً. أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِيناً. وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيماً ] النساء: 4/150-152 [.
الرسل الذين لم يقصصهم الله علينا
وفي القرآن ظاهرة أخرى فيما يتعلق بالأنبياء، فبعد أن يذكر الأنبياء بالتعيين والأسماء يقول: إنَّ هناك أنبياء لم نذكرهم، وبهذا يفتح القرآن الباب لإمكانية التعرف على أنبياء لم يذكروا في القرآن ويمكن التعرف عليهم بمعرفة خصائص النبوة والأنبياء، وهذا مجال آخر من البحث لتحديد القواسم المشتركة بين الأنبياء لنتعرف على الذين يحملون مثل هذه الخصائص، ويمكن أن أقول ربما سقراط يمكن أن يكون موضع دراسة فيما إذا كان يمكن ضمه إليهم بعد تحديد خصائص النبوة، لما كان يتصف به سقراط من الصدق والأمانة والإصرار على تبليغ ما كان يشعر أنه مكلف بإشاعة ما أُلْهِمَهُ.
كما يمكن عرض أسماء آخرين ليكونوا موضع تأمل وقد يكون سقراط وإبكتوتس مرشحين للبحث فيهم. هذا من جانب الاعتراف بجميع الأنبياء من غير تفريق بينهم سواءً منهم من كان مذكوراً وفي هذا يقول القرآن:
(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً. وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً. رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ] النساء: 163-165 [.
ويقول في هذا الموضوع أيضاً إنَّ الله لم يقص علينا جميع الأنبياء:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ) ] غافر: 40/78 [.
والاعتراف برسل لم يرد ذكرهم في القرآن يفتح الباب لرسل تنطبق عليهم مواصفات الرسل ؛ حيث لا يحذف أحد من الرسل من الاعتراف بهم، وهذا منهج وتصور يحذف العنصرية بين البشر ويعترف بكل الدعاة والداعين إلى العدل والإحسان، فيكون هذا أسلوباً ناجحاً لجمع البشرية إلى كلمة سواء من غير أن نبخس مُصلحاً حقه، ويضاف إلى هذا أن القرآن يعترف بأنه لا توجد أمة لا رسول لها، وأن كل الأمم أُرسِلَ لها رسول فيقول:
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً..) ] النحل: 16/36 [.
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) ] يونس: 10/47 [.
(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ) ] فاطر: 35/24 [.
(رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) ] النساء: 4/165 [.
(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) ] الإسراء: 17/15 [.
ويمكن أن نقول: إن الاعتراف بوجود رسل لم يرد ذكرهم في كتب الديانات التوحيدية في الفضاء الثقافي الذي أرسل فيه نوح وإبراهيم، يفتح الباب للاعتراف برسل الثقافات الأخرى سواء في الشرق الأقصى، أو في أفريقيا، أو السكان الأصليين في القارة الجديدة. حيث إن الأمم الآن بدأت تبحث عن ثقافتها القديمة لتثبت وجودها وذاتيتها وهذا المنهج يضع البشرية على طريق التوحيد والاعتراف بالقواسم المشتركة بين الأمم ورسلها أيضاً، وهذا الموقف قيمة إيجابية إنسانية للناس جميعاً على سبيل التعاون والتفاهم والاعتراف بهم مشاركين في المسيرة الإنسانية.
كثيراً ما أقول: إن تطلعات الأنبياء لمستقبل البشرية لم تأت إلى حياة البشر، حيث كان مبدأ الأنبياء في أعلى مقاصدهم أن يكون تنافس البشر في فعل الخير، وأن يكون الهدف هو هذا إذا رجعنا إلى الوراء لنكتشف الأسس التي تمكننا من القفز إلى الأمام مثلما يرجع الذي يريد أن يقفز إلى الوراء ليكون قفزه إلى الأمام أكثر قوة، لا أن نرجع إلى الوراء لنبقى هناك. ووسائل الانتقال ينبغي أن تكون لها القدرة على العودة إلى الوراء لا للبقاء هناك ولكن للتكن من المناورة ليكون التقدم إلى الأمام فعالاً أكثر.
فإذا كان البشر لم تكن تتيسر لهم الطاقة إلى الأمام، ويتراجعون ليحولوا التنافس في فعل الخير إلى تنافس في فعل الشر وتسابق إليه، فإن هذا العجز ليس ميزة البشر وإنما القدرة على التجاوز ليستخدموا كل الإمكانات، ليكون التجاوز أسرع وأقل كلفة وأحسن مردوداً. ولنتذكر ما عاناه الذين دعوا إلى أماكن متقدمة في أسلوب استخراج أفضل ما في الإنسان من إمكانيات، فإذا السبل تكاد تكون مغلقة أمام أغلبية الناس، فلنستخرج العبر من التاريخ، من رواد الإبداع ليتحول الإنسان إلى أفضل ما أُبدع فيه من قدرات، وفي هذا يقول القرآن لشد أزر المبدعين:
(وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ. وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ. وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ) ] هود: 11/120-122 [.
ويقول القرآن ليثبت الرسل ودعاة الإصلاح فيما يواجهون من عقبات صعبة:
(حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا) ] يوسف: 12/110 [.
وفي القرآن آيات كثيرة تدين التشاؤم، وأن اليأس والقنوط ليسا من صفات المؤمنين وإنما من صفات غير المؤمنين فيقول:
(وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ) ] يوسف: 12/87 [.
ويقول:
(قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ. قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إلاَّ الضَّالُّونَ) ] الحجر: 15/55-56 ].
إن تصور العالم أنه مسخر للإنسان وأن الإنسان قادر على حل مشكلات العالم نظرة تفاؤلية، وقيمة حضارية، تبعث على الجد، وهو تصور قرآني، وإن كان يغلب على الناس في مراحل تاريخية معينة روح التشاؤم، يقول القرآن:
(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ] الجاثية: 45/13 [.
هذه النظرة قرآنية، وإن الإنسان ينبغي أن يجتهد ليعلم سنن الوجود ويتمكن من تسخيرها للصالح العام، فإن لم يفعل ذلك، عليه أن يعلم أن الكون بما فيه الإنسان قابل لتسخيره للخير، فإن لم يفعل ذلك فالأمر لا يرجع إلى الكون، إنه غير قابل للتسخير بل إلى الإنسان الذي عليه أن يستخرج أو يستخدم القوى الكامنة فيه للتسخير.
العلماء ورثة الأنبياء
وهنا أرى أن أتقدم إلى الأمام أيضاً كما فعلنا في الاعتراف بالأنبياء الذين لم تصل إلينا أخبارهم، ويمكن أن نكتشفهم، كذلك يمكن أن نضم إلى الأنبياء صنفاً آخر من البشر، يعانون ما يعانيه الأنبياء من توجيه الناس إلى الخروج من الفساد وسفك الدماء لينشروا العدل والإحسان بين الناس.
فإن القرآن يضع الآمرين بالقسط من الناس في مصاف الأنبياء ؛ حيث يلقّون ما يلقاه الأنبياء من المعارضة والأذى ؛ وسبب ذلك أنهم يأمرون الناس بالقسط، فالأمر بالقسط وإقامة العدل بين الناس مهمة الأنبياء. في القرآن:
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) ] الحديد: 57/25 [.
وسنرجع إلى توضيح أن أقدس شيء جاء به الأنبياء هو الدعوة إلى قيام القسط بين الناس، ونحاول أن نبين ذلك عند بيان وحدة الرسالة التي جاء بها الأنبياء.
ختم النبوة
ومن هنا يقول القرآن وهو يضم الآمرين بالقسط من الناس إلى الأنبياء، حيث يبين أن العداء الذي يواجه به الأنبياء سببه أمرهم الناس بالقسط، فمن هنا جاء في القرآن:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) ] آل عمران: 3/21-22 [.
وكذلك ضم القرآن شهادة الله والملائكة إلى شهادة العلماء القائمين بالقسط:
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ..) ] آل عمران: 3/18 [.
وهنا بانضمام الآمرين بالقسط بين الناس إلى قائمة الأنبياء، بدأ العالم يدخل عهداً جديداً وانتقالاً في أسلوب المعرفة والتلقي عن الله. بل إننا نرى في الآية الأخيرة أنهم يشهدون بالتوحيد الذي هو رسالة الأنبياء. في هذه الآية حذف الأنبياء ووصل بين شهادة الله وشهادة أولي العلم الذين يقومون بالقسط. وإقامة القسط (العدل) هو التوحيد الذي هو رسالة الأنبياء. ولكن هذه النقلة إلى أولي العلم تدلنا على تطور البشر، فكأن ميلاد أولي العلم إيذان بتوقف عهد الأنبياء، وانتقال الشهادة إلى أهل العلم ليتابعوا مهمة إقامة القسط بين الناس من قبل أولي العلم، وهذا ما يعرف في القرآن والإسلام بـ (ختم النبوة) وانتهاء دور الأنبياء، ليبدأ دور العلماء في الدعوة إلى إقامة القسط بين الناس. إن بروز العلم والقسط جعل المثالية واقعية، وجعل الغيب شهادة، وجعل الإلهية بشرية(1)، وجعل الخارق سننية، وجعل التوحيد هو إقامة القسط بين الناس، وبهذا دمج النبوة في العلم، وصار التلقي عن الله علماً، ويحسن أن نشير هنا إلى شيءٍ يتصل بوحدة النبوة، وهو أن الأنبياء كان يصدق بعضهم بعضاً، ويبشرون بالنبي الذي سيأتي بعدهم - كما العلماء - ويأخذ منهم العهد والميثاق أن يؤمنوا به ويصدقوه وينصروه. فإذا كان الأنبياء فعلوا هذا، فلماذا لا يتواثق أهل العلم بإقامة القسط بين الناس.
(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ. فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ. أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) ] آل عمران: 3/81-83 [.
(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) ] الصف: 61/6 [.
(الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً. مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) ] الأحزاب: ] 33/39-40 [.
فكرة ختم النبوة فكرة تطورية لها أهمية بالغة، إنها تطور في منهجية المعرفة والتلقي ومصدر المعرفة، لها مقدماتها كما لها نتائج بعيدة المدى ومبررات وأسباب لإغلاق باب أسلوب من التلقي، وفتح أسلوب آخر.
فشهادة أولي العلم حين تُقْرَنُ بشهادة الله فهذا إعلان ببلوغ البشر إلى نوع من التلقي، غير التلقي بواسطة الرموز، إلى التلقي بواسطة الأحداث وعواقب التاريخ، فكان هذا إعلان وراثة العلماء لدور الأنبياء.
فإن الأنبياء أسسوا ورسخوا فكرة التوحيد بأسلوب النبوات، وعلى أولي العلم أن يحولوا هذه الفكرة المحورية إلى علم وممارسة عملية، والتسلسل الذي عرضناه من اقتران الأنبياء وأولي العلم ثم ختم النبوة، فيه إلغاء أن يدعي أحد أن له مصدراً خاصاً به للمعرفة لا يتيسر لبقية الناس، وهذا إغلاق أبدي لأسلوب التلقي من الغيب إلى المعرفة العلمية التاريخية البرهانية.
وهذا التسلسل يوصل إلى الخروج من المنهج الخارق اللاسنني للدخول إلى العالم العلمي السنني. يسجل القرآن مطالبة المعاصرين لنزول القرآن بالخارق التي كان يأتي بها الأنبياء سابقاً، فيجيبهم: يكفي هذا الكتاب برهاناً.
(وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ] العنكبوت: 29/50-51 [.
(وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ..) ] البقرة: 2/118 [.
(بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) ] الأنبياء: 21/5 [.
(وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً) ] الإسراء: 17/90-93 [.
الخروج من الخوارق إلى السننية
فكما دخل أولو العلم إلى عالم النبوات وبقاء أهل العلم، كذلك دخلت السننية إلى عالم الخوارق ثم انتهت الخوارق وبقيت السننية.
(فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً..) ] فاطر: 35/43 [.
(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ..) ] آل عمران: 3/137 [.
يقول: سيروا في الأرض، وانظروا إلى تاريخ الأمم، وانظروا كيف كان عاقبة المكذبين الذين رفضوا القسط بين الناس، وبهذا التوجه في الاستدلال تحول البرهان والمرجعية إلى عواقب التاريخ، وفي هذا التوجه يسوق القرآن تاريخ الأمم السابقة، وعواقب التاريخ هي مرجعية القرآن.
(أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) ] الفجر: 89/6-14 [.
(وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً) ] الكهف: 18/59 [.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ. إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ. يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ. وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ. ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ. وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ. وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً) ] هود: 11/96-103 [.
وإذا كان القرآن يذكر الأمم التي ظلمت وكيف هلكوا، فإن ما حدث للأمم بعد عهد القرآن فيها عِبَرٌ كثيرة لنا. وإن لم تكف تلك الأحداث أيضاً، انتظروا الأحداث القادمة لتتأكدوا: أن قانون الله لا يتغير ولا يتبدل في هلاك الأمم التي تظلم الناس ولا تعدل بينهم.
(وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً) ] الكهف: 18/59 [.
(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ] آل عمران: 3/137 [.
(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ. وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) ] القصص: 28/58-59 [.
والقرآن مليء بالقوانين التاريخية، وهذا خروج من عهد الخوارق إلى السننية. فكما دخل أولو العلم القائمين بالقسط إلى عالم النبوات، وتحولت النبوات إلى العلم ثم استقلال أولي العلم وانتهاء عهد النبوات، كذلك دخول السننية كان تقدماً في المعرفة الإنسانية ؛ حيث استقلت السننية وخرج الناس من عهد الخوارق إلى التاريخية ورؤية عواقب تاريخ الأمم. وهذا التوجه كان قديماً في كل النبوات، إلا أن استقلال السنن والخروج من الخوارق جاء متأخراً في حياة الناس في كل المجتمعات البشرية، ففي الإنجيل: « احترزوا من الأنبياء الكَذَبة الذين يأتونكم بلباس الحملان ولكنهم من الداخل ذئابٌ خاطفةٌ، من ثمارهم تعرفونهم.. كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار، فإذن من ثمارهم تعرفونهم ». متى (7:15-20).
آيات الآفاق والأنفس وارتباطها بآيات الكتاب
محتوى هذه الرسالة إذا أمكننا أن نحدده بدقة، يكون سبباً لحل إشكاليات كثيرة تتعلق بالحياة البشرية أجمع. وعلى هذا نحاول إضاءة النصوص بمعطيات الواقع التاريخي، وقبل ذلك ينبغي أن نشير إلى شيء يساعدنا للدخول إلى هذا البحث، وهو أن القرآن يذكر آيات الآفاق والأنفس مرتبطةً بآيات الكتاب.
وبعبارة أخرى العلامات الرمزية والحقائق الخارجية، حيث لا يمكن الاتصال بالحقائق إلا بواسطة العلامات الرمزية لأن العلامات (الرموز والمرموز إليها) فيها القوانين التي يمكن فهمها والوصول بها إلى تسخيرها باستخراج المنافع وتفادي المضار. فمن هذه الزوايا النظرية يعتبر القرآن الكون وأحداث التاريخ البشري والرموز التي تقرب إلى فهمها، آيات وعلامات لتحقيق تسريع سلطة الإنسان على الوجود، وتعطيه الأمل في الخلود بعد أن بدأ الإنسان في تسخير الوجود وتسخير ذاته فلأصلح، ولهذا يقول القرآن: سنريهم الأدلة على أن هذا الكون وأحداث التاريخ، دليل على صدق العون الإلهي للإنسان ومساعدته على تحقيق الإمكانيات المودعة فيه. وهذا يعني أن ما جاء إلى الأنبياء من السماء وما أكن أن يراه أولو العلم في الأرض يصدق بضعهُ بعضاً. يقول القرآن:
(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي اللآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) ] فصلت: 41/53 [.
أي إنَّ دلالات الوجود الطبيعي وأحداث التاريخ البشري تدل على أن ما جاء به الأنبياء حق وتكفي شهادة الله على ذلك ويقول:
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ] البقرة: 2/164 [.
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ] آل عمران: 3/190-191 [.
وفي سورة الشعراء رقم 26 يذكر أحداث التاريخ ويعقب كل حدث بقوله:
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) ويكرر هذا ثماني مرات لثمانية أحداثٍ تاريخيةٍ أولها لمشاهد الطبيعة (26/8-9، 67-68، 103-104، 121-122، 139-140، 158-159، 174-175، 190-191).
ويذكر هذه الأحداث التاريخية مفصلة كما في سورة العنكبوت رقم 7 ومختصرة كما في سورة الشعراء رقم 26 وبأسمائهما فقط كما في سورة ق رقم 50.
(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ. وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ. وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) ] ق: 50/12-14 [.
القرآن يوجز محتوى رسالة الأنبياء جميعاً، ويضغطهما في كلمة واحدة وأحياناً في جملة واحدة من كلمتين، ثم من أكثر من ذلك، ويكون محتوى رسالتهم كلها تحقيق تلك الكلمة الواحدة.
لقد كتب النبي محمد (ص) الذي بلغ القرآن إلى زعماء العالم المعاصر له، رسائل يدعوهم فيها إلى ما جاءته من الرسالة ذكر فيها:
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ لاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ] آل عمران: 3/64 [.

كلمة السواء

كلمة السواء هذه هي رسالة الأنبياء جميعاً، وبعد انتهاء النبوات ستبقى رسالتهم هذه، رسالة الآمرين بالقسط بين الناس. فالدعوة إلى المساواة هي رسالة الأنبياء وكل المصلحين من البشر، وعلى قدر تمكنهم من تفهمها وتفهيمها، وعلى قدر التزامهم بها وتمكين الناس من التزامها، يكون قربهم من الله (مغزى الوجود - هدف الوجود) وعلى قدر تكوين أو إيجاد المجتمع السواء، مجتمع المساواة، تكون درجاتهم عند الله.
(وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ) ] المطففين: 83/26 [.
(لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ) ] الصافات: 37/61 [.
فهذه الكلمة، كلمة السواء هي الخفيفة والثقيلة معاً، وهي الظاهرة والخفية في آن واحد، وهي التي إذا ظن الإنسان أنه وصل إليها يكتشف أنه ابتعد عنها. عند عتبتها انهارت الحضارات، وعلى عتبتها هلك الهالكون، وأثناء تأملها تبلد ذكاء الإنسان، وربما لا يمكننا الاقتراب منها إلا إذا اعترفنا أننا بعيدون عنها. وفي الإنجيل:
« ادخلوا من الباب الضيق، إنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك وكثيرون يدخلون منه. ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونه » متى (7: 13 - 14).
« هو ذا الإنسان قد صار كواحدٍ منا ؛ عارف الخير والشر. والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد.. ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة » سفر التكوين (3: 21 - 24).
هذا اللهيب للسيف المتقلب لحراسة طريق الصعود الذي في سفر التكوين هو ضيق الباب وكرب الطريق. متى (7: 14).
وهو الذي يقول القرآن عنه: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) ] فصلت: 41/35 [.
(وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) ] فصلت: 41/34-35 [.
(إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ. وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ. وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) ] الرعد: 13/19-22 [.
أن تعطي للآخر مثل ما تعطي لنفسك وأن تمنع نفسك مما تمنع الآخر، هذا هو لب الدين وجوهر الحقيقة، وهدف الأنبياء والمصلحين وأولي العلم. وهذا هو الله، لأن من أسماء الله العدل والحق، وهذا هو المقدس، وهذا ما في القرآن والإنجيل والأسماء والكتب (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ) ] آل عمران: 3/64 [.
وفي الإنجيل: « فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا انتم أيضاً بهم. لأن هذا هو الناموس والأسماء » متى (7: 12).
« تقول لأخيك دعني أُخرِجْ القذى من عينيك. يا مرائي أخرج أولاً الخشب من عينيك وحينئذ تبصر جيداً أن تُخْرج القذى من عين أخيك » متى (7: 4 - 5).
وفي القرآن:
(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ. كِتَابٌ مَرْقُومٌ) ] المطففين: 83/1-9 [.
وفي الإنجيل: « بالكيل الذي تكيلون يُكال لكم » متى (7: 1).
وفي القرآن:
(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) ] البقرة: 2/44 [.
وفي الإنجيل:
« ويلٌ لكم أيها المتبةُ والفريسيون المراؤون لأنكم تعشرون النعنع والشبث والكمون وتركتم أثقل الناموس الحق والرحمة والإيمان » متى (23: 23).
ولعل هذه المقاربات ترفع مستوانا عن تعشير النعنع والكمون لنلتفت ونأخذ بقوة أثقل الناموس، الحق، الرحمة، الإيمان، ولا نكون من الذين يغصّون عن البعوضة ويبلعون الجمل ولا نكون مثل القبور مبيضة تظهر من خارج جميلة، وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة، من خارج تظهرون للناس أبراراً ولكنكم من داخل مشحونون رياءً وإثماً » متى (23: 29) « ينبغي أن لا تبرد محبتنا لكثرة الإثم » أي ينبغي أن لا تثبط هممنا كثرة المخطئين في الإنجيل « لكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص، ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ». متى (24: 13 - 14).
وفي القرآن:
(قُلْ لاً يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ] المائدة: 5/100 [.
لخص القرآن مسألة التوحيد في كلمة السواء.
ثم لخص القرآن توحيد الأنبياء جميعاً في جملتين في سورة النحل رقم 16
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ] النحل: 16/36 [.
وفي سورة الأعراف رقم 7 يُنْطِق القرآن الأنبياء بجملةٍ واحدةٍ يكررها الأنبياء جميعاً وهي: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ] الأعراف: 7/59 [.
وعلى هذا فإن كلمة:
1- السواء.
2- وكلمة العدل.
3- وكلمة التقوى.
وفي القرآن (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) ] الفتح: 48/26 [.
وشرح القرآن كلمة السواء بثلاثة شروح، تعالوا إلى كلمةٍ سواءِ بيننا وبينكم. ومعنى السواء أن يكون لك مثل ما لي وعليك مثل ما علي:
4- ألا نعبد إلا الله.
5- ولا نشرك به شيئاً.
6- وألا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً.
وكل الرسل بعثوا بـ:
7- اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوتَ.
8- وكلمة الشِّرك ضدُ كلمةٍ السواء.
((وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ) ] الزمر: 39/65 [.
وكذلك جملة في سورة البقرة رقم 2
9- (لا إكراه في الدِّين)
شرحها بثلاث جمل أيضاً:
10- (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ
11- (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ
12- (فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا) ] البقرة: 2/256 [.
13- وهي كلمةُ لا إله إلا الله
والكلمة التي نسبها القرآن إلى كل الأنبياء وأنها رسالتهم (اعبدوُا اللهَ واجتنِبُوا الطاغوتَ) والطاغوت والطغيان وطغى من التسلط وتجاوز الحد والقهر. وقد استعمل القرآن كلمة طغى لفرعون مرات كثيرة. لما ذكر عاد وثمود وفرعون قال:
(الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) ] الفجر: 89/11-12 [.
وأطول الحوارات في القرآن بين الأنبياء وأقوامهم حوار موسى وفرعون. وقد ورد اسم فرعون في القرآن أكثر من سبعين مرة، وكذلك موسى أكثر من مئة مرة، فالنبي موسى كان نزاعه مع أعظم وأعتى وأطغى الحضارات التي تركت الأهرامات، رمز السلطان، الذي كانوا يملكون، فلهذا إن اسم فرعون لم يعد اسماً لشخص وإنما للطغيان لأنه هو الملك الإله الذي أنطقه القرآن بعبارات تدل على الطغيان والتسلط وتفريق الناس إلى طبقات ؛ يُنطق القرآن فرعون بجمل مختلفة قال: (أنا رَبُّكم الأّعْلى) ] النازعات: 79/24 [.
قال فرعون: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) ] القصص: 28/38 [.
(قَالَ: لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ) ] الشعراء: 26/29 [.
وقال عنه: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ) ] القصص: 28/38 [.
وذكرنا ثلاث عشرة آية وجملة لتدل على كلمة السواء وكلمة التوحيد وكلمة اجتنبوا الطاغوت، منها رقم 7 وكذلك رقم 11 (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا) ] البقرة: 2/256 [.
فكما شرح القرآن كلمة السواء بثلاث جمل كل جملةٍ منها معبرة عن المعنى نفسه، كذلك كلمة لا إكراه في الدين بيَّنَها برقم 10-11-12 وسنحاول بيانها فيما بعد.

(لا إكراه في الدين)

والآن نريد أن نوضح أن كلمة لا إكراه في الدين هي الرشد، وأن الإكراه في الدين هو الغي، فالجملة الثانية شرح وبيان للجملة الأولى، فجملة (لا إكراه في الدين) بها تبين الرشد من الغي، فالإكراه هو الغي، واللاإكراه هو الرشد، وكذلك الجملة الثالثة تفسير وبيان للجملتين السابقتين. (فَمَنْ يكفُرْ بالطّاغوتِ) الذي هو الإكراه، ومن يفرض دينه بالإكراه، ومن يؤمن بالله الذي يقرر أنه لا إكراه في دينه وفي الدين كلياً، فمن التزم هذا فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها.
وهنا نكون قد وصلنا إلى فكرة كبيرة جوهرية، هي أن الدين لا يجوز نشره بالقوة والإكراه والدين هو تفسير الكون، أي الوجود كله بما فيه الإنسان. وعلاقة الإنسان بالوجود وبالناس الآخرين هي المبدأ والمنتهى، وعند هذه النقطة يمكن بحث الدين، أو فكرة الإنسان عن الوجود، والفكرة التي يريدها القرآن من الناس في فهم العالم والتي نرجو أن نتمكن من توضيحها من ناحية النصوص، ومن الناحية البيولوجية التاريخية.
فالإيمان أو الفكرة التي يريدها القرآن من الناس من ناحية الإيمان (بالله) هي أنَّ الله لا يمكن تصوره فهو كما يقرره القرآن:
(لم يَكُن لهُ كفواً أحد) ] الإخلاص: 112/4 [.
(ليس كَمِثْلِهِ شيءٌ) ] الشورى: 42/11 [.
(لا تُدرِكُهُ الأبصارُ) ] الأنعام: 6/103 [.
وهو مغزى الوجود، ومعنى الكون، وبدونه يفقد الوجود معناه، والإيمان بالله هو سِّرُ الوجود، فإذا كانت الكائنات الحية تُخرج سلوكها من بطون أمهاتها ماعدا الإنسان فإن الإنسان يتعلم سلوكه بعد أن يخرج من بطن أمه. إن الإيمان بالله مما يخرجه الإنسان من بطن أمه وليس مما يكسبه بعد ذلك، فإن جينات الإنسان التي تصنع جهازه العصبي هي التي تفرض أن يجعل للكون غاية لأن الإيمان بالله هو أن لا ترى الوجود باطلاً، فهذا النوع من التفسير الواسع يتسع لرؤى متعددة فسيحة.
تناول القرآن هذا الموضوع كما يلي:
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً) ] آل عمران: 3/190-191 [.
تكفي هذه الفكرة ليكون الإنسان مؤمناً بالله أن لا يرى الكون عبثاً يقول القرآن:
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) ] المؤمنون: 23/115-116 [.
إنَّ مغزى الوجود لا يمكن الإمساك به، وإنّما يمكن فهمه فقط ؛ كون العالم له هدف يمكن فهمه من الذرة إلى المجرة، ومن أولى الكائنات الحية إلى الإنسان، يدل أن الكون يتقدم إلى غاية، وليس عبثاً وباطلاً، وليس هو قبض الريح ولا باطل الأباطيل. ومع ذلك فإن الإنسان حين يرى أن الكون لا هدف له، فإن ذلك ينشأ من الرؤية المجزأة التي لا ترى تسلسل الوجود خلال الزمن. بل إن الإنكار لا يتوجه إلى الوجود، ولكن يتوجه إلى الذين يفرضون صورهم الذهنية القاصرة على الآخرين والذين يسميهم القرآن:
(الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) ] يونس: 10/60 [.
(يَصُدَّونَ عن سَبِيلِ الله) ] التوبة: 9/34 [.
إن كثيراً من صور الناس الذهنية عبث جدير بالرفض، وحين يختلط هذا العبث بالجلال والجمال الوجودي تغلب النظرة القاصرة المنقطعة، وحتى حين ينكرون بألسنتهم أن يكون للوجود هدف، فإنهم يُكذِّبون بسلوكهم دعواهم.
لقد زارني شخص من هؤلاء فلما أفاد أن الوجود عبث قلت له: لو كان ما تقول حقاً وأنت مقتنع به لما زرتني، ولما بحثت معي، ولكن سعيك هذا ينبئ عن شيء هو إيمانك بِحَقٍ تبحث عنه، إن وجود أسماء مبجلة تحمل مثل هذه الأفكار يجعل كثيراً من الناس يفقدون الهدف من الحياة، والأمل في العثور على معنى الوجود، بينما هذا السعي موجود في جينات الإنسان، لأن جهازه العصبي الذي تصنعه الجينات لا يفقد هذا الهدف، والكائنات البشرية تتدفق من الأرحام وهي تحمل حب الاستطلاع بكل تحد لكل عبث.
ويعبر القرآن عن أن الإيمان يولد مع الإنسان وليس مما يكتسبه بعد الولادة، إذْ الإيمان بمعنى الوجود فطرة، يقول القرآن في هذا:
(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) ] الأعراف: 7/172 [.
إن العدل وكلمة السواء ليست عدمية، لأن العدل للإنسان ليس عبثاً ولا عدمياً ولا باطلاً بل محاولة إخفاء ذلك أو عدم رؤيته من خلال التاريخ هو العبث، نعم يمكن أن ييئس الناس من طول الحياة العابثة التي يعيشونها ولكن الحياة لا تضيع هدفها.
« ولِكَثرةِ الإثْم تبرُد المحبةُ » متى (23: 12).
ولكن لا تموت المحبة والشوق إلى المعرفة التي ينشأ منها الحب.
قانون النسخ
التاريخ يفرض الهدف والمعنى، لأن الشيء بدون تاريخ يمكن أن يكون منقطعاً وعبثاً، ولكن التاريخ هو رؤية الحاضر مع الماضي والمستقبل، وكل من أمكن أن يرى هذا بوضوح فهو في صلاة وقداسة، ومنغمس في الوجود ومنجذب ومدفوع ليحقق الأفضل.
إن الإنسان عنده استعداد أن يبذل نفسه وماله في سبيل تحقيق ذاته، وشوقه إلى تحقيق ذاته لهيب لا ينطفئ. يمكن أن يخطئ الإنسان في فهم حركة الشمس، ولكنه متمكن من أن يصحح خطأه، ومكن أن لا يكرر الخطأ، ويتجاوز الخطأ، والتاريخ يعلمنا هذا. إنه أستاذ صبور، والأنبياء أيضاً تلميذٌ نجيبٌ، وكفءٌ لأن يفهم درس التاريخ وتعاليمه، وهو في النهاية يستجيب لنداء التاريخ ويتقدم إلى الأفضل، إلى الاقتصاد والاستثمار، والأنبياء يكشف قدرته خلال التاريخ.
ويمكن أن نلمح في الإنسان أن استخراج أفضل ما فيه ليس بقهره وإكراهه، إنه يملك شوق المعرفة، وعلينا أن نكون حاذقين في استثمار هذا الشوق، والتاريخ يقدم لنا نماذج من هذا الاستثمار. التاريخ ضد التبذير وضد تضييع الوقت ولا يضيع التاريخ هذا الهدف وهو دائماً في تقدم إليه. ينبغي أن نفهم هذا من تاريخ الوجود، هذا الذي اقتبسنا تسميته من القرآن حين قال:
(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) ] فصلت: 41/53 [.
آيات الآفاق والإنسان تفصح عن الحق الكامن فيه، تراود ذكاء الإنسان وتغري الإنسان أن يقوم بدوره في اختصار الزمن والوصول إلى أفضل مردود بأقل زمن وجهد، إنه قانون كبير في القرآن: إن ما يميز الحق من الباطل هو:
(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) ] الرعد: 13/17 [.
هذا هو قانون التاريخ وهدفه الذي لم يتوقف خلال التاريخ كله، وهو أن الأنفع للناس وليس لبعضهم فقط، هو الذي سيبقى في الأرض، وهذا القانون هو المرجع الفاصل القاطع الذي لا يرحم المتخلف عنه ؛ إنه سينسخه ويحوله إلى جفاء.
والأنفع للناس ينسخ الأقل نفعاً، سواء في التقنيات أو الصور الذهنية، وهذا القانون يكرره القرآن ويقول:
(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) ] البقرة: 2/106 [.
ويؤكد القرآن هذا القانون في الحوار الذي جرى بين إبراهيم وقومه:
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ. قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ. قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ. أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ. قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) ] الشعراء: 26/69-74 [.
إن إبراهيم في حواره هذا يطالب بالمردود، بالنفع الذي يحصلون عليه من هذا الاعتقاد أو السلوك، وبهذا يمكن أن نعتبر إبراهيم هو (البراجماتي) الأول، على أساس النفع العام وليس النفع الخاص فقط، بينما قومه لا ينظرون إلى الموضوع على هذا الأساس بل ينظرون على أساس أن آباءهم هكذا كانوا يفعلون، والقرآن يبني أحكامه على أساس العواقب النافعة في الحرام والحلال، فقد ذكر في سبب تحريم الخمر أن ضرره أكبر من نفعه فقال:
(يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) ] البقرة: 2/219 [.
ويذكر هذا السبب بالذات في موضوع التحليل والتحريم فيقول:
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) ] الأعراف: 7/157 [.
والقرآن حين يعتبر التوحيد رسالة جميع الأنبياء وجميع أولي العلم وجميع الآمرين بالقسط من الناس، يقول على لسان الأنبياء جميعاً:
(يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ) ] الأعراف: 7/73 [.
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ] النحل: 16/36 [.
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) ] آل عمران: 3/64 [.
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ) ] آل عمران: 3/18 [.
هنا نجد أن رسالة الأنبياء، تحول المسألة اللاهوتية الميتافيزيكية إلى مسألة اجتماعية سياسية في الصميم. وينبغي أن ننتبه إلى هذا الانتقال والتحول باهتمام حتى لا يكون انفصال بين المقدس والدنيوي، بين الإلهي والبشري، بين الدنيا والآخرة.
فكيف نفهم ونؤكد أن المسألة الدينية هي المسألة الدنيوية ؟. إن الأنبياء ربطوا المسألة الدينية بالمسألة الاجتماعية السياسية، ليعطوا لمسألة العدالة قوة أكبر، ولكن التاريخ يعلمنا أن مشكلة الإنسان مشكلة رفض المساواة وبمصطلح القرآن (كَلَمةٍ سواءٍ) ] آل عمران: 3/64 [.
إن الذي يرفض كلمة السواء يكون قد وضع نفسه فوق البشر وجعل نفسه إلهاً متعالياً مقدساً يُنْطِقُ الله في القرآن فرعون بهذا التعالي والتأله.
قال فرعون: (أَنا رَبُّكُم الأَعَلى) ] النازعات: 79/24 [.
وقال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) ] القصص: 28/38 [.
وقال: (لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ) ] الشعراء: 26/29 [.
وهدد فرعون للسحرة الذين آمنوا بموسى.
وقال: (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى) ] طه: 20/71 [.
وفي حوار إبراهيم مع فرعون عصره:
(إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) ] البقرة: 2/258 [.
فلهذا كانت رسالة الأنبياء جميعاً هي الدخول في عبادة الله والخروج من طاعة الطاغوت (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ] النحل: 16/36 [، ادخلوا في طاعة الله واجتنبوا الطاغوت، وإلى يومنا هذا، فالمشكلة هي نفس المشكلة حيث بعض البشر لا يقبلون كلمة السواء، وبعض البشر يقبلون طاعة الذين يرفضون كلمة السواء، وبعبارة أخرى، بعض البشر يؤلهون أنفسهم، وبعض البشر يقبلون هذا التأله ولا يرفضونه. إن رسالة الأنبياء كَسَرت هذه العلاقة، وفَرَضت الخروج من هذه الازدواجية التي تتكرر، ويكون ذلك بتبادل المواقع، مستكبرون ومستضعفون، والعلاقة بينهما عنيفة، علاقة قوة قهرية، قوي يفرض ألوهيته بالقوة وضعيف يخضع للقوة، شريعة القوة هي شريعة الغابة، شريعة الكائنات قبل الإنسان. وعند هذه المشكلة وصلنا إلى لب العلاقة بين الدين والقانون (اسم وعنوان مجلة الحقوقيين في أمريكا).
إن إضاءة هذه العلاقة وإزالة اللبس فيها لها أهمية لحل المشكلة الإنسانية أو وضعها في طريق الحل، والأسماء جاؤوا لحل هذه المشكلة، والتاريخ يقدم أيضاً حله، فإذا أمكن جعل التعاون بين الحلين، ونكون قد أعطينا قوة دافعة للحركة الإنسانية لحل معضلتها الكبيرة ومرض الحضارات كلها، وشفائها من الفصام النفسي وقد قرب ميلاد المعافاة والخروج من الأزمة، كيف سنجعل علاقة بناءةً وشفاءً للقلوب، وليست علاقة معاناة وهدم وإعاقة ؟ نعم مهما كان فهم الموضوع صعباً فإن التقدم والتطور متسارع.
يصف المسيح، صعوبة الطريق الذي يؤدي إلى الحياة إذ يقول: « ما أضيق البابَ وأكربَ الطريق الذي يؤدي إلى الحياة ».
المسألة ليست مسألة لاهوت وإنسان، بل المسألة اجتماعية، ظلم وعدل، مساواة وامتيازات، آلهة أرضية ترابية وعبيد يستعبدهم جَهلُهُم، ومعلمون غير واثقين من علمهم، لا يقومون بتلقيح عقول الناس بالمعرفة فيعطونهم المناعة من الاستعباد. إنَّ الأمر كما قال عيسى عليه السلام: « إذا كان النورُ الذي فيك ظلاماً فالظلامَ فيكَ كم يكون ».
يمكن أن نقول إن المشكلة ليست في الطواغيت المستبدين والعبيد المستذلين، بل في المعلمين (أولو العلم) المستقيلين المتبلدين، الذين لا يثقون بقوة ما عندهم، أو الذين يخافون من قوة الجسد ولا يعرفون قيمة قوة المعرفة. هل يمكن أن نقول بلغة العصر: إن المشكلة مشكلة مثقفين وليست مشكلة السياسيين ؟ هل حقاً بدأ المثقف يطرح المشكلة بهذا المستوى حين بدأ يتحدث كالغشيم(1) عن (المعرفة والسلطة)، هل لنا حق ببحث هذه المشكلات ؟ هل لنا حق في إزعاج راحة المثقفين الذين يبرؤون أنفسهم بإلقاء اللوم على السياسيين الذين يخدمون أصحاب الأموال، وعلى الناس العاديين الذين يجهلون حركة الآلة الاجتماعية، وعلى المسيطرين على الإعلام الذي يسد منافذ الفهم عند الناس، وعلى إقناعهم بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، فعلى من تقع المسؤولية ؟ وهل يمكن أن تكون هناك مسؤولية بدون سلطة ؟ وما السلطة ؟ وكيف كانت السلطة خلال التاريخ ؟ هل يمكن أن أقول مُذَكِّراً بما بدأت به هذه المقالة من أن تطور الجهاز العصبي عند الإنسان، وإمكانية نقل الخبرة بالرمز، أوجد في الأرض نائب الله أو خليفة الله الذي يمكن بواسطته أن يتدخل الإنسان بقدرته على المعرفة في صنع مصيره، في سفر التكوين حين تحدث عن خلق آدم:
« وقال الرب الإلهُ هو ذا الإنسان قد صار كواحدٍ منا عارفاً الخيرَ والشرَ » تكوين (3: 23).
إنه أكل من شجرة المعرفة إنه يريد أن يأكل من شجرة الحياة، يريد الحياة إلى الأبد والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً، ويأكل ويحيا إلى الأبد (ولهيب سيف متقلب لحراسة شجرة الحياة) هذا الذي قال عنه عيسى عليه السلام:
« ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة » متى (7-14).
انتقال السلطة من الجهاز العضلي إلى الجهاز العصبي
إن تطور الجهاز العصبي عند الإنسان أوجد قدرة جديدة وسلطة جديدة، « أنا الفهم لي القدرة » وفي الإنجيل: « تعرفون الحق والحق يحرركم » يوحنا (8: 32).
سلطة الإنسان انتقلت من الجهاز العضلي إلى الجهاز العصبي، أي جهاز خزن المعلومات والخبرات. أنا المثقف أنا القوة، أنا السلطة، « أنا الفهم لي القدرة » أمثال (8: 14).
ولكن إلى الآن لم نفهم بعدُ هذه النقلة الكبيرة، إن التطور البيولوجي في الجهاز العصبي أدى إلى تحول القدرة إلى هناك، حيث صارت السلطة، ولكن ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يوصل إلى فهم هذا الانتقال. يمكن أن نفهم قول عيسى عليه السلام حين يقول: « ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة » أي إلى الفهم والإدراك وانتقال السلطة من العضلات إلى الجهاز العصبي، حتى إن مشكلة (المرأة) في العالم لا تزال مرتبطة بعدم إدراك هذا التطور البيولوجي العصبي، وكذلك كل علاقات القوة في العالم: بين الكبار والصغار (الأطفال والبالغين) الرجال والنساء، عالم الكبار وعالم الصغار، مالكي القنابل النووية والمحرومين منها، مالكي حق (الفيتو) والممنوعين منه. نعم أن يكون فهمُ انتقال السلطة من العضلات من الأنياب والأظافر إلى وعي الإنسان صعباً ومكرباً، يمكن فهمه في زمن عيسى عليه السلام، أما أم يظل هذا اجهل والوهم والسحر مسيطراً على العالم المعاصر أيضاً، فإنه شيءٌ يدعو إلى الحيرة والعجب، بل حين نفهم ذلك تصيبنا صدمة، وقليلون هم الذين يستفيقون من الصدمة، بل يشعر الإنسان أنه يفقد إمكانية الحوار، حيث لا يوجد حوار وغنما مناجاة الإنسان لنفسه، حوار بينه وبين التاريخ (الأحداث) أما الحوار بينه وبين الناس فمنقطعٌ، وأنا أشعر بذلك منذ أكثر من ثلث قرن، والآن سنحت لي الفرصة لأذكر أحلامي ومناجاتي الذاتية في (مجلة القانون والدين في أمريكا) بلد الحرية، حرية فِرْعَوْن حين كان يقول للعالم كما يعرضه القرآن فيقول:
(قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ) ] غافر: 40/29 [.
ويقول فرعون أيضاً لملئه عن موسى ودعوته:
(وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) ] غافر: 40/26 [.
إن طريق فرعون هو طريق الرشاد حسب فهمه، وأن موسى ينبغي أن يُقتل ويُخشى من موسى أن يبدل دينكم وعالمكم، وإن في الأرض الفساد، حيث أن طريقتنا هي الصلاح وهي الطريقة المثلى، والمساواة من دون مساواة.
وفي القرآن حوار طويل بين موسى وهارون، وفرعون وملئه، يقول الله لموسى بعد تمهيد وتدريب على اللقاء مع فرعون، لموسى وأخيه هارون:
(اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي. اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى. قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى. قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى. فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى. إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى. قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى. قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى. قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى. قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى. ….. قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى. فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى …) ] طه: 20/42-52 و 57-58 [.
فتشاور فرعون مع ملئه في شأن موسى:
(فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى. قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى. فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنْ اسْتَعْلَى) ] طه: 20/62-64 [.
إننا لا نريد أن نحقر ونضع من قيمة (أمريكا) بلد الحرية والقانون، بالمقارنة التي نجريها هنا بين حضارة (أمريكا) وحضارة مصر القديمة، فقط نريد التنبيه إلى شيء واحد وهو أن السلطة لا تزال للقوة، وأن الثقة لقوة العضلات، والأظافر، والأنياب، والقنابل، وأن العالم الذي نعيش فيه لا يزال غير قادر على الثقة بالأفكار، إلى الآن ليس للقانون رصيد ومرجع غير القوة العُنفية. إلى الآن لم تتصدر قوة الفكر والقانون، ولم تخرج من قانون العنف وشريعة الغاب، ولم نستطع أن نضع ثقتنا بقوة الجهاز العصبي، بقوة الأفكار، لا تزال ثقتنا بالعضلات وتطوراتها، لا بالدماغ والقوة الفكرية وتطوراتها، إننا لا نريد أن ندين .






آخر تعديل المحامي عارف الشعَّال يوم 20-10-2009 في 08:35 AM.
رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قانون العقوبات الاقتصادية المحامي خالد بلال موسوعة التشريع السوري 0 28-05-2008 03:27 AM
*************** زنا *************** المحامي حيدر سلامة أهم الاجتهادات القضائية السورية 0 30-11-2006 10:30 AM
حقوق الإنسان للدكتور جودت سعيد الدكتور جودت سعيد أبحاث في حقوق الإنسان 0 31-05-2006 10:58 PM
قانون المواد المدنية والتجارية القطري رقم 16 لسنة 1971 المحامي محمد فواز درويش قوانين دولة قطر 0 03-12-2004 05:23 AM


الساعة الآن 11:10 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Nahel
يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر>>>جميع المواضيع والردود والتعليقات تعبر عن رأي كاتيبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى أو الموقع