منتدى محامي سوريا

العودة   منتدى محامي سوريا > المنتدى الفقهي > أبحاث قانونية مختارة > أبحاث في القانون الدولي

إضافة رد
المشاهدات 5364 التعليقات 2
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-01-2007, 12:48 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي انشاء محكمة جنائية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين

حول انشاء محكمة جنائية دولية خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين والتعويض عن الخسائر البشرية والاضرار المادية التي لحقت بالدول العربية

المقدمة
تعرض المجتمع الدولي خلال تاريخه الطويل لاحداث جسام وحروب دولية واهلية، قوضت الكثير من معالم حضارته، كما استباحت الحقوق والحريات، وانتهكت الشرف والكرامات، وقذفت الرعب في قلوب امم واجيال متعاقبة، رغم تحريم كل ذلك في الشرائع السماوية.

وكان لا بد من صحوة تتوقف عندها الدول على تلك العواقب الوخيمة املا في الحيلولة دون تكرارها من بعد ذلك، فلجأت الى ابرام اتفاقيات فيما بينها تمثلت في اتفاقيات جنيف عام 1864 وعام 1909، ثم اتفاقيات لاهاي عام 1899 وعام 1907، وقد تقرر في تلك الاتفاقيات نوع من الجزاءات ضد كل من يرتكب احدى الجرائم، او من يخرج على المواثيق الدولية، ذلك ان عدم وجود قانون دولي يحكم مثل هذه الجرائم لا ينبغي ان يقود الى افلات مرتكبيها من العقاب، كما لا يسوغ ان يتذرع مجرمو الحرب بعدم وجود قانون دولي جنائي للتخلص من مسؤوليتهم الاجرامية.

وكانت محاكمات مجرمي الحرب العالمية الاولى، اول تطبيق لفطرة الدولي الجنائي في العصر الحديث، وعلى الرغم من انها لم تفلح في معاقبة مجرمي الحرب على نحو رادع يشفي غليل الحلفاء، الا انها كانت خطوة على طريق اقرار هذا النوع من القضاء، كما كان الفشل الذي منيت به مثارا لكثير من الجهود التي بذلها الحلفاء في اثناء واعقاب الحرب العالمية الاولى تجنبا لفشل جديد.(1)

وعندما وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها باستسلام المانيا ثم استسلام اليابان اختلف الحلفاء فيما بينهم بشان مرتكبي جرائم الحرب، فكان رأي البعض علم الالتجاء الى المحاكمة، والاكتفاء باصدار قرار مشترك يقضي بان مجرمي الحرب يعتبرون خارجين عن القانون، بيد ان البعض الاخر قد ذهب مذهبا عكسيا تماما ينادي بوجوب اجراء محاكمة سريعة وعادلة، وهو الرأي الذي خلص اليه المجتمعون، وتبناه مؤتمر لندن الذي كان منعقدا في تلك الاثناء، وتمخضت اجتماعاته عن عقد اتفاقية لندن الشهيرة في 8 اغسطس عام 1945، التي قررت انشاء محكمة عسكرية دولية عليا لمحاكمة مجرمي الحرب، ورغم ان محكمة نورمبرج، ومحكمة طوكيو، مثلتا تقدما نحو قضاء جنائي دولي حقيقي، غير انهما ظلتا مطبوعتين بطابع مصدريهما، فكان يغلب عليهما الطابع السياسي وعدم الحياد(2)، وشكلتا بالاحرى تطبيقا لقانون المنتصر وعدالته اكثر منه تطبيقا لقانون مجتمع الامم العالمي، ويتمثل فيهما القول (فيك الخصام وانت الخصم والحكم).

ـ نشوء قضاء دولي دائم
ظل المجتمع الدولي طيلة نصف قرن، ممثلا في الامم المتحدة يسعى جاهدا الى استخلاص دروس نورمبرج، وطوكيو م اجل اقامة قضاء جنائي دولي دائم، واقرار مدونة جنائية دولية، ولكن الجهود التي بذلت ذهبت سدى، ولم تسفر المناقشات التي كانت تسود لجنة القانون الدولي المكلفة بوضع مدونة للجرائم ضد السلام والامن الدولي عن وضع نظام اساسي لمحكمة جنائية دولية عن اية نتيجة.

الا ان الاحداث الدامية التي شهدتها اراضي يوغوسلافيا سابقا التي ادت الى اختفائها وما جرى من فظائع يندى لها جبين الانسانية، وما ارتكبت من جرائم تقشعر منها الابدان ايقظت الضمير الدولي، ودفعته لاقامة محكمة جنائية دولية ليوغوسلافيا عام 1993، ثم شهدت النور محكمة ثانية لمحاكمة مرتكبي المجازر في رواندا عام 1994، وتميزت المحكمتان بانهما لم يفرضهما الغالبون على المغلوبين في نزاع دولي(3).

وكان قد جرى اقتراح عام 1973 لاقامة محكمة جنائية دولية للحكم في جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة في فيتنام، ثم اقتراح لتشكيل محاكم جديدة مخصصة تحاكم مجرمي الحرب في الشيشان او في بروندي او زائير التي اصبحت تسمى الكونغو، ولكن اقامة محاكم جنائية مخصصة جرى انتقادها بشدة، بسبب كونها تخفي سياسة القوى الكبرى الموصومة بالانتقائية والتي بررت تأجيل اقامة قضاء جنائي دولي دائم لفترة طويلة ودور مجلس الامن افي انشاء محكمة جنائية دولية خاصة.

ثم اثمرت جهود الامم المتحدة وتمخضت عن قيام نظام روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية والتي اعتمدت في روما بتاريخ 17 تموز 1998.

واكدت في ديباجتها على ان اخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي باسرها يجب الا تمر دون عقاب، وانه يجب ضمان مقاضاة مرتكبيها على نحو فعال من خلال تدابير تتخذ على الصعيد الوطني، حد لافلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب وعلى الاسهام بالتالي في منع هذه الجرائم.(4)

ـ دور جامعة الدول العربية في النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية
اولت جامعة الدول العربية اهتماما كبيرا لانشاء المحكمة الجنائية الدولية، فقد شكلت لجنة من خبراء وممثلي الدول العربية الذين يشاركون في مؤتمر روما بقرار من المكتب التنفيذي لمجلس وزراء العدل العرب بتاريخ 20/4/1998 مخصصة قبل اقراره للخروج بموقف عربي موحد ازاءها في مؤتمر روما المعني باقرار النظام الاساسي للمحكمة (يونيو ـ يوليو 1998).(5)

وقد عقدت اللجنة العربية ثمانية اجتماعات في القاهرة وبالتنسيق والتوازي مع هذه الاجتماعات، عقدت المجموعة العربية اجتماعات تنسيقية في روما وفي نيويورك، وكان اخر هذه الاجتماعات للجنة في القاهرة في الفترة من 4-8 فبراير 2001 لتنسيق المواقف العربية من المواضيع المعروضة على الدورة السابعة للجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية التي عقدت خلال الفترة من 26 فبراير الى 9 مارس 2001 لبحث تعريف جريمة العدوان واتفاق العلاقة بين الامم المتحدة والمحكمة، ومشروع النظام الداخلي لجمعية الدول الاطراف المنشأة بموجب المادة 112 من النظام الاساسي للمحكمة، والتي ستقوم باعتماد توصيات اللجنة التحضيرية والبت في ميزانية المحكمة بعد دخول نظامها الاساسي حيز النفاذ بعد مرور شهر من تصديق 60 دولة عليه (6) وكانت اللجنة التحضيرية قد انتهت من اعداد مشروع اركان الجرائم ومشروع القواعد الاجرائية وقواعد الاثبات.

لقد تضمن البيان الختامي الصادر عن مؤتمر القمة العربي غير العادي في القاهرة اكتوبر 2000 تأكيد القادة العرب على ان الدول العربية سوف تلاحق وفقا للقانون الدولي، من تسببوا في الممارسات الوحشية، ويطالبون مجلس الامن بتشكيل محكمة جنائية دولية مخصصة لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين الذين ارتبكوا المجازر بحق الفلسطينيين والعرب في الاراضي المحتلة على غرار المحكمتين اللتين شكلهما مجلس الامن لمحاكمة مجرمي الحرب في رواندا ويوغوسلافيا السابقة، كما سوف يتابعون ملاحقتهم لحاكمتهم وفق احكام النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية(7). وان توفر لها الضمانات اللازمة لتمكينها من اداء مهامها بحياد واستقلالية، وممارسة اختصاصها على جميع الاشخاص دون تمييز او انتقائية.

كما اصدر مجلس الجامعة في دورته العادية 115 قراره رقم 6096 بتاريخ 12/3/2001، يؤكد فيه على اهمية انشاء المحكمة الجنائية الدولية ترسيخا لمبادئ العدالة الجنائية الدولية وضمانا لتطبيق احكام القانون الدولي الانساني بين كافة الدول.(8)

وقد كلف مؤتمر القمة العربي الذي عقد في عمان لجنة من الخبراء القانونيين العرب للبدء في توثيق جرائم الحرب الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وجمع الادلة والتحري حولها، تمهيدا للتحرك نحو انشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين، وتحريك الرأي العام الدولي عن طريق منظمات المجتمع المدني العالمي(9).

ـ انتهاكات اسرائيل الجسيمة في الاراضي العربية المحتلة (فلسطين ولبنان والجولان وسيناء)(10)

من العسير ان نحيط في هذا الموجز بكافة جرائم الحرب الاسرائيلية التي ارتكبتها اسرائيل في فلسطين ولبنان والجولان وسيناء، ذلك ان اسرائيل بالعنف والارهاب اغتصبت ارضا، وابادت ونفت واضطهدت شعبا، ويشكل الارهاب والعنف منذ البداية صلب الخطة الصهيونية الرامية الى احتلال الاراضي العربية، وتثبيت كيانها، وتوسيع حدود احتلالها وتفريغ الاراضي المحتلة من اهلها، واتبعت في ذلك اساليب كثيرة ومتنوعة منها الاغتيال السياسي داخل فلسطين وخارجها، واخذ الرهائن ثم قتلهم، نسف البيوت والمباني السكنية، نسف وتخريب المنشآت المدنية والبنية الاساسية، ضرب الاحياء المدنية باستعمال قنابل النابالم والقنابل العنقودية المحرمة دوليا، شن حرب نفسية لحمل المدنيين على الرحيل لنهب المدن والقرى، اغتيال واحياء سكنية بكاملها مثل (حي المغاربة) وتشريد سكانها، هجوم على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، طرد قادة فلسطين واغتيال آخرين.

وقامت اسرائيل باعمال القتل العمد الفردي والجماعي في فلسطين ولبنان والجولان، واخراج السكان من اراضيهم، ومصادرتها وترحيلهم وطردهم، واعتقالهم وسجنهم،وتعذيبهم حتى الموت، وقتل وذبح سكان قرى عربية، وعلى سبيل المثال مذبحة دير ياسين استشهد فيها 245 رجل وامرأة وطفل، ومذبحة قبية 42 شخصا، ومذبحة خان يونس 245 شخص، مذبحة مخيم اللاجئين في رفح 111 شخص.

وقامت اسرائيل بانتهاك الحرمات المقدسة للعرب والمسلمين، ففي القدس والخليل قامت بحرق المسجد الاقصى، ووقوع المزيد من المذابح في مقدمتها مذبحة الحرم الابراهيمي بالخليل وسقوط 30 شهيدا عام 1994 و300 جريح نتيجة اطلاق باروخ جولد شاين النار على المصلين وهم ساجدين، وقامت باصدار تشريعات تعسفية خلافا لاتفاقية جنيف لتغيير الطابع والمركز القانوني والتكوين السكاني للاراضي المحتلة خاصة القدس المحتلة، ومصادرة هويات المواطنين من اهالي القدس بما ينتهك احكام اتفاقية جنيف لعام 1949.

وقامت السلطات الاسرائيلية بحصار المدن والقرى والاحياء السكنية وفرض منع التجول، ونقل وترحيل جزء من سكانها المدنيين الى الاراضي التي احتلتها واقامة مستوطنات لهم في جميع الاراضي العربية التي احتلتها، خلافا للمادة 49 من اتفاقية جنيف لعام 1949 بشان حماية الاشخاص المدنيين.

اما الجرائم ضد الاسرى فاسرائيل تعتبر نفسها حررت الاراضي الفلسطينية ولم تحتلها، ولا تعتبر الاسرى الفلسطينيين لديها بمثابة اسرى وفقا لاتفاقية جنيف لعام 1949، وتحرمهم من كل الحقوق، وتضم سجون اسرائيل حوالي 2000اسير من الاسرى العرب، كما ان الفلسطينيين يعانون من الحرمان من الحقوق التي يكفلها القانون الدولي الانساني للاسرى.

وتمثل السنوات الاخيرة بين عامي 1987-2001 نموذجا معبرا للجريمة المستمرة على ارض فلسطين ولبنان، ففي فلسطين شهدت الانتفاضة الفلسطينية اشد الاساليب الوحشية والاجراءات القمعية الاسرائيلية واستشهد 148 شابا خلال عام 1994، و40 شابا خلال 195، و85 آخرين خلال 1995 ونحو 500 شهيد خلال الانتفاضة الاخيرة التي لا زالت نيرانها مستعرة.

وفي لبنان اقامت اسرائيل سلسلة من المعتقلات في الجزء الجنوبي المحتل قبل انسحابها، واودعت فيه مئات من اللبنانيين من النساء والشيوخ، ويعتبر سجن الخيام من اكبر واسوء هذه المعتقلات حيث كان يضم 220 معتقلا، ونقلت عشرات المعتقلين الى السجون داخل اسرائيل، واصدرت على الكثير منهم احكاما تتراوح بين 10-30 سنة وبعضهم بدون محاكمة منذ 15 سنة ولا يتمتع هؤلاء بحقوقهم المنصوص عليها في اتفاقية جنيف، لكن المقاومة اللبنانية تمكنت اخيرا من اطلاق سراح السجناء بعد تقهقر اسرائيل وانسحابها في جنح الظلام من الاراضي اللبنانية واستسلام جيش لحد لها.

وربما تكون مأساة قانا التي راح ضحيتها 102 شهيدا نالت شهرة لاعتبارات عديدة، لكنها اولا واخيرا كانت جزءا من عدوان اوسع نطاقا استهدف قتل المدنيين وتشريدهم، وهدم البنية الاساسية للبنان، وعناقيد الغضب (كما اسمتها اسرائيل) ليست سوى حلقة مميزة من اعمال العدوان المتكرر على الشعب والاراضي اللبنانية يطول البحث فيها بدءا من العدوان الشامل على لبنان عام 1982، الى تكريس احتلال الشريط الحدودي، الى مذابح المخيمات الفلسطينية على نحو ما جرى في مخيمي صبرا وشاتيلا، حيث سقط فيهما 3297 شهيدا، وارتكابها جريمة تدمير المفاعل النووي السلمي العراقي الذي تسبب في انتشار السرطانات لدى الاطفال وموت المئات منهم.

ومن الجدير بالذكر ان البيان الختامي لمؤتمر الدول الاطراف في اتفاقية جنيف الذي انعقد في 15/7/1999 بجنيف، اكد ما سبق ان اكدت عليه قرارات الامم المتحدة من انطباق الاتفاقية على الاراضي الفلسطينية والقدس الشرقية وهو ما تتمثل اهميته من الناحية القانونية في انه يؤكد وضعها كأرض محتلة ينبغي الجلاء عنها وليست ارضا متنازعا عليها يخضع مصيرها لمفوضات مجردة من أي قيد، وهي اعمال قامت بها سلطات الاحتلال في فلسطين، او في جنوب لبنان، او في الجولان السوري، وجميع هذه الاعمال اكدت عليها وثائق الامم المتحدة وخاصة تقارير لجان التحقيق، وقرارات الجمعية العامة، ومجلس الامن وان اسرائيل لم تترك مبدأ او حكما من مبادئ القانون الدولي واحكامه الا خرقته او انتهكته وجميع تلك الانتهاكات تتعلق بحقوق الانسان وجرت وقائع ذلك في كافة الاراضي العربية التي احتلتها اسرائيل منذ عام 1947 وحتى الوقت الحاضر.

ـ التكييف القانوني لجرائم القتل العمد التي ترتكبها سلطات الاحتلال الاسرائيلي ضد المدنيين في الاراضي المحتلة

لقد بلورت الاسرة الدولية وثبتت قواعد ومبادئ عامة في القانون الدولي لزمن الحرب، منها اتفاقية لاهاي 1907، واتفاقية جنيف المعقودة عام 1949، لاسيما اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في زمن الحرب، ومنها الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948، والبروتوكولين الاضافيين لحقوق الانسان لعام 1976، واتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها النافذة عام 1951، واتفاقية الغاء جميع اشكال التمييز العنصري لعام 1965، وكل هذه الاتفاقيات الدولية حرمت القتل واعتبرته انتهاكات جسيمة وجرائم خطيرة، ويشمل القتل العمد، وكافة الافعال التي تؤدي الى الموت، مثل الرمي بالرصاص والذبح والخنق والحرق والشنق وحوادث الموت الناجمة عن الاهمال المتعمد للجرحى والمرضى. كما حرت محكمة نورمبرج ومحكمة طوكيو والمحكمة الجنائية الهولندية لمحاكمة مجرمي الحرب العالمية الثانية، القتل العمد وادانت المتهمين النازيين لارتكابهم جرائم القتل ضد السكان المدنيين.(11)

وتعني جرائم الحرب في نظام روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي اعتمد في روما في 17 تموز/ يوليو 1998، الانتهاكات الجسيمة لاتفاقية 12 آب 1949، واي فعل من الافعال التي ترتكب ضد الاشخاص او الممتلكات الذين تحميهم احكام اتفاقية جنيف ذات الصلة. ووضحت المادة الخامسة من نظام روما الاساسي الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة وهي:

أ ـ جريمة الابادة الجماعية.
ب ـ الجرائم ضد الانسانية.
ج ـ جرائم الحرب.
د ـ جريمة العدوان(12).

ان جميع هذه الجرائم التي نص عليها نظام روما ارتكبتها اسرائيل في كافة الاراضي العربية التي احتلها خلال عام 1967.

ـ الالتزامات الدولية الناجمة عن الاتفاقيات الدولية
تلتزم الدول المتعاقدة في اتفاقية جنيف منذ ابتداء النزاع او الاحتلال بتطبيق الاتفاقيات بل ان سريانها يبدأ قبل ذلك بمجرد اعلان الحرب او قيام حالة الاشتباك المسلح او حالات الاحتلال الجزئي او الكلي حتى اذا لم تقابل بمقاومة مسلحة وجاء ذلك في م 2/3 من اتفاقية حماية المدنيين، واكد هذا المعنى البروتوكول الاول لعام 1967 في المادة 3/ب، وتظل اطراف النزاع من البروتوكول الاول، ويترتب على ذلك قيام الدول المتعاقدة بالالتزام بمحاسبة كل من ينتهك نصوصها وان تحاكم كل من يرتكب احدى الجرائم المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف لعام 1949 دون النظر الى جنسيتهم، اذ تقوم بتسليمهم الى الدولة التي تطلبهم لاختصاصها بمحاكمتهم، وجاء ذلك في ف2م49 من اتفاقية جنيف الاولى، و ف2م50 من الاتفاقية الثانية، وف2م146 من الاتفاقية الرابعة.

ولهذا اصبحت الدول بموجب هذه النصوص ملزمة بملاحقة رعاياها انفسهم اذا ارتبكوا انتهاكا لنصوص الاتفاقيات الاربعة، وهي خطوة كبرى للتخلص من النعرات القومية الضيقة، فلم يعد المنتصر يكتفي بملاحقة مجرمي الحرب من اعدائه المنكسرين، وانما اصبح ملزما بموجب تعهد صريح بملاحقة كل مجرم حرب حتى وان كان من مواطنيه(13)، ولم تعد اية دولة قادرة على التخلص من واجباتها بشان الاتفاقيات، فقد تضمنت نصا قاطعا بعدم السماح للدولة في اعفاء نفسها من هذا الالتزام، فتقضي المادة 51 من الاتفاقية الاولى مثلا على ان (لا يسمح لاحد من الاطراف الساميين ان يخلي نفسه او يخلي آخر من الاطراف الساميين المتعاقدين من المسؤولية الملقاة على عاتقه، او على الطرف الاخر بالنسبة للمخالفات المشار اليها في المادة السابقة، واكدت ذلك المادة 52 من الاتفاقية الثانية والمادة 131 من الاتفاقية الثالثة، والمادة 148 من الاتفاقية الرابعة، والمادة 86 من البروتوكول الاضافي الاول.

وعلى ذلك فان هذا القيد يمنع الدولة من اصدار عفو عام عن الجرائم المرتكبة او يمنع المحاكم من عدم تحريك الدعوى الجزائية، بل يجب ان يفهم بعدم خضوع هذه الجرائم للتقادم، وليس ادل على ذلك من ان المتهمين بارتكاب جرائم الحرب العالمية الثانية ما زالوا عرضة للملاحقة على الرغم من مرور اكثر من نصف قرن من الزمن على مرورها.(14)

وقد اكدت اتفاقية تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الانسانية لعام 1968 مبدأ عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الانسانية، وتأمين تطبيقه تطبيقا عالميا شاملا، ونصت المادة الاولى منها على ما يلي:

لا يسرى أي تقادم على الجرائم التالية بصرف النظر عن وقت ارتكابها:
أ ـ جرائم الحرب الوارد تعريفها في النظام الاساسي لمحكمة نورمبرج العسكرية الدولية الصادر في 8 آب 1945، والوارد تأكيدها في قراري الجمعية العامة للامم المتحدة 3 (د-1) المؤرخ في 13 شباط 1946 و95 (د-1) المؤرخ في 11 كانون الاول 1946، ولا سيما "الجرائم الخطيرة" المعددة في اتفاقية جنيف المعقودة في 12 آب 1949 لحماية ضحايا الحرب.

ب ـ الجرائم المرتكبة ضد الانسانية، سواء في زمن الحرب او في زمن السلم، والوارد تعريفها في النظام الاساسي لمحكمة نورمبرج العسكرية الدولية الصادر في 8 آب 1945، والوارد تأكيدها في قراري الجمعية العامة للامم المتحدة 3 (د-1) المؤرخ في 13 شباط 1946 و95 (د-1) المؤرخ في 11 كانون الاول 1946، وتشمل الطرد بالاعتداء المسلح او الاحتلال، والافعال المنافية للانسانية والناجمة عن سياسة الفصل العنصري، وجريمة الابادة الجماعية الوارد تعريفها في اتفاقية عام 1948 بشان منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها، حتى لو كانت الافعال المذكورة لا تشكل اخلالا بالقانون الداخلي للبلد الذي ارتكبت فيه.(15)

ونخلص مما تقدم ان اسرائيل ملزمة باحكام اتفاقيات جنيف الدولية باعتبارها معاهدات دولية صدقت عليها عام 1951، وقرارات الامم المتحدة بهذا الشأن، وباعتبارها قواعد قانونية عرفية ملزمة لها، وبالتالي يقتضي معاقبة الافراد مرتكبي الجرائم في الاراضي المحتلة باسرها، بتقديمهم الى المحاكم الجنائية المختصة.

ـ طلب تشكيل محكمة جنائية دولية خاصة لمجرمي الحرب الاسرائيليين
يبدو ان المسؤولين الاسرائيليين يدركون تماما بان الاعمال الهمجية والقتل العمد والتعذيب والتخريب ومهاجمة المدن والسكان الامنين، وقصف وحرق المنشآت في لبنان وفلسطين والجولان، وانتهاك جميع مبادئ حقوق الانسان التي ارقتها الاتفاقيات، والمواثيق الدولية والانسانية، تهز الضمير العالمي واصحاب الفكر الانساني، لتحريك الدعوى والمطالبة بانشاء محكمة لجرائم الحرب كي يمثل امامها زعماء اسرائيل الغارقين في جرائمهم التي ارتكبوها في الاراضي العربية المحتلة بأسرها.

فقد حذر المستشار القانوني للحكومة الاسرائيلية روبنشتاين اعضاء الحكومة خلال مناقشتهم يوم الاحد 19/3/2000 معاهدة روما حول المحكمة الجنائية الدولية، من احتمال مثولهم امام هذه المحكمة بتهمة التعذيب وارتكاب جرائم حرب في المناطق الفلسطينية المحتلة ولبنان، وقال روبنشتاين في اول تحذير من نوعه يطلقه قانوني اسرائيلي ان زعماء اسرائيل قد يمثلون امام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية وجرائم حرب تتعلق بالسياسة الاسرائيلية في المناطق الفلسطينية المحتلة وفي لبنان مشيرا الى دكتاتور شيلي بينوشيه الذي اعتقل في بريطانيا، والى المسؤولين عن جرائم الحرب في كوسوفو.(16)

وفي محاكمة ادولف ايخمان الذي خطفته اسرائيل من احدى دول امريكا اللاتينية والتي جرت عام 1961 في اسرائيل وحكم باعدامه لارتكابه جرائم حرب بموجب القانون الاسرائيلي رقم 5710 لسنة 1950 والخاصة بمعاقبة المتهمين النازيين ومعاونيهم والذي وافق عليه برلمانهم في عام 1950، وقد لخص النائب العام الاسرائيلي ادعاءاته في عبارتين جامعتين (ليس هناك تعويض او غفران لما ارتكب من فظائع، وكل ما نأمل فيه، ان يكون الابناء مختلفين عن آبائهم، اما بالنسبة للاشخاص الذين ارتكبوا الجرائم فلا يمكن الصفح عنهم).

واعتبر القانون الاسرائيلي ان اعمال التخريب وسوء المعاملة التي ترتكب ضد السكان المدنيين في الاراضي المحتلة، هي جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية تستوجب مسؤولية مرتكبيها ومعاقبتهم بعقوبة الاعدام.(17)

وهذا المنطق ذاته هو الذي انتهجه الغرب من قبل بالنسبة لمحاكمة المتهمين بجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية التي ارتكبت خلال الحرب العالمية الثانية، وهو المنطق ذاته الذي تجرى على اساسه محاكمة مجرمي الحرب والجرائم ضد الانسانية في البوسنة والهرسك (يوغسلافيا سابقا).

ان معاقبة مجرمي الحرب الذين اعترفوا بجرائمهم بملء افواهمم، وقتلهم للاسرى من المصريين والفلسطينيين واللبنانيين هو الذي يحقق العدالة ويحمي الانسانية من التمرد عليها، وتدميرها ويبرهن على صدق النظام الدولي في مجتمعات متحضرة ويفتح الطريق على سلام عادل ويشيع روح التفاهم والاستقرار في العلاقات الدولية.

ان قرار مجلس الجامعة رقم 5996 المتخذ في 6/5/2000 لمساندة وتأييد تشكيل محكمة جنائية دولية خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين الذين ارتكبوا مجزرة قانا في مقر القوات الدولية في 18 نيسان 1996 وسائر المجازر الاسرائيلية التي كان لبنان مسرحا لها، وارغام اسرائيل على دفع التعويضات للبنان عن الخسائر البشرية والاضرار المادية والاقتصادية الناجمة عن اعتداءاتها على الاراضي اللبنانية.

ثم قرار القادة العرب في مؤتمر قمة عمان الذي عقد في مارس/ آذار 2001 بالطلب من مجلس الامن الدولي محاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين الذين ارتكبوا مجازر وجرائم في حق المواطنين العرب في جميع الاراضي العربية المحتلة وخارجها.

ان هذه القرارات تجد مضامينها واسانيدها في نصوص الاتفاقيات الدولية وانظمة المحاكمة الجنائية الدولية التي تم تشكيلها كمثل جريمة اسرائيل في قانا وغيرها من الجرائم التي ارتكبتها في الاراضي العربية المحتلة.

فالمادة الثالثة من اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها عام 1948 تنص ما يلي:
يعاقب على الافعال التالية: أـ الابادة الجماعية، ب ـ التآمر على ارتكاب الابادة الجماعية، ج ـ التحريض المباشر على ارتكابها، د ـ محاولة ارتكابها، هـ ـ الاشتراك في الابادة الجماعية.

ودون ادنى شك فان جميع الافعال الواردة في المادة المذكورة ارتكبتها السلطات الاسرائيلية في لبنان وباستمرار، كما نصت م4 من الاتفاقية المذكورة على ما يلي (يعاقب مرتكبو الابادة الجماعية او أي من الافعال الاخرى الواردة في م3 سواء كانوا حكاما دستوريين او موظفين عاديني او افرادا).

وقد نصت م46 على محاكمة مرتكبي الابادة الجماعية بمحاكم الدولة او امام محكمة جزائية دولية، كما نصت على ان (يحاكم الاشخاص المتهمون بارتكاب الابادة الجماعية او أي من الافعال الاخرى المذكورة في م3 امام محكمة مختصة من محاكم الدولة التي ارتكب الفعل على ارضها او امام محكمة دولية).

وهذه المادة لا تدع مجالا للشك في اسنادها وحجيتها للقرارين المذكورين آنفا، وجاء في اعلان الامم المتحدة مبادئ التعاون الدولي في تعقيب واعتقال وتسليم ومعاقبة الاشخاص المذنبين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية الذي اقرته الجمعية العامة بقرارها رقم 3074 بتاريخ 1973 جاء فيه:

1ـ تكون جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية ايا كان المكان الذي ارتكبت فيه موضع تحقيق، ويكون الاشخاص الذين تقوم دلائل على انهم قد ارتكبوا الجرائم المذكورة محل تعقب، وتوقيف، ومحاكمة، ويعاقبون اذا وجدوا مذنبين.

2ـ يقدم للمحاكمة الاشخاص الذين تقوم ضدهم دلائل على انهم ارتكبوا جرائم حرب او جرائم ضد الانسانية، ويعاقبون اذا وجدوا مذنبين..الخ.

كما ان المادة 130 من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 اوجبت عقوبة رادعة لمن يرتكب او يامر بارتكاب أي مخالفة جسيمة وفقا لنصها التالي:

أ ـ افعال القتل العمد والتعذيب.
ب ـ المعاملة غير الانسانية كاجراء التجارب العلمية.
ج ـ الافعال التي تسبب، عمدا، آلاما شديدة او اصابة خطيرة للجسم او الصحة.
د ـ البحث عن مرتكبي الافعال المشار اليها وتقديمهم الى المحكمة.

كما يجب طلب مؤتمر القمة العربي بتشكيل محكمة جنائية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين حجته في مواثيق المحاكم الجنائية الدولية التي انشئت بعد الحرب العالمية الثانية قنصت م6 من (ميثاق محكمة نورمبرج) (18) على مسؤولية الافراد عن الجرائم ضد السلم وجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية.

وقد اصدرت المحكمة احكاما تضع مفاهيم ضد الجرائم، ثم اقرت الجمعية العامة للامم المتحدة مبادئ ميثاق المحكمة، والمبادئ التي تضمنتها احكام محكمة نورمبرغ هي بمثابة مبادئ قانون دولي.

كما تناول النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة مرتكبي الجرائم في يوغوسلافيا سابقا الذي اقر عام 1993 مفهوم الجريمة في حق الانسانية وذكر انها تعني: (أ ـ انتهاكات قوانين واعراف الحرب المنصوص عليها في اتفاقيتي لاهاي 1907 وجنيف 1949، ب ـ افعال القتل العمد، ج ـ التعذيب والاعدام، د ـ الاعتقال غير القانوني والاغتصاب والافعال التي تنتهك اتفاقية منع جريمة ابادة الجنس والمعاقبة عليها لعام 1948).

كذلك جاء في هذا المعنى في النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الخاصة لرواندا عام 1994.

وقد ورد في نظام روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 بانه يقتصر اختصاص المحكمة على اشد الجرائم خطورة والتي هي موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره.(19)
ولا شك ان المجتمع قد قطع في السنوات القليلة الماضية خطوات حاسمة ومتسارعة في مجال المسؤولية الجنائية الدولية فقد اصبح يؤيد بشدة مسؤولية الافراد جنائيا على المستوى الدولي لارتكابهم عددا كبيرا ومتزايدا من الجرائم الدولية والفصل في هذا الجرائم اصبح امرا مستقرا.

ـ اقتراح انشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة
من كل ما تقدم نخلص الى القول: ان لبنان وفلسطين والدول العربية التي تضررت من انتهاكات اسرائيل لقواعد القانون الدولي الانساني، ومذبحتها في قانا وغيرها عليها ان تتخذ الاجراءات اللازمة بتقديم الطلب الى الامم المتحدة مستفيدة من قرار مجلس الامن 808 لعام 1993 الخاص بانشاء محكمة دولية لانتهاكات القانون الدولي الانساني في يوغوسلافيا سابقا، وقرار مجلس الامن رقم 955 عام 1994 الخاص بانشاء محكمة رواندا(20)، وعلى غرار محكمة نمورمبرج لمرتكبي جرائم الحرب ضد الانسانية خلال الحرب العالمية الثانية، ومحكمة طوكيو، وبموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة الذي يخول مجلس الامن سلطة انشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة، والتي ينبغي ان تكون لها سلطة محاكمة ومعاقبة الاشخاص على انتهاكات القانون الدولي وانتهاكات اسرائيل قوانين واعراف الحرب التي اقرتها اتفاقيتي لاهاي لعام 1907 وجنيف لعام 1949، وافعال القتل العمد والتعذيب والاعدام وضرب المدن والمنشآت المدنية وتدمير البنية الاساسية لفلسطين ولبنان والتي تعتبر انتهاكا لاتفاقية منع جريمة ابادة الجنس والمعاقبة عليها لعام 1948.

واستنادا للانظمة والمواثيق السابقة، للدول العربية المتضررة الحق في انشاء المحكمة الجنائية الدولية على غرار ما قامت به الولايات المتحدة في تقديم مقترحاتها الى الامم المتحدة بشأن انشاء المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا سابقا، وما قامت به رواندا من تقديم طلب الى مجلس الامن لانشاء محكمة رواندا.(21)

ويتطلب ذلك حشد وتأييد المجتمع الدولي خاصة الدول الخمسة الكبرى في مجلس الامن ومطالبتها مساندة الشرعية الدولية بمساندة لبنان وفلسطين في انشاء المحكمة المذكورة.

واذا كان المجتمع الدولي لم يهدأ ولم يستقر الا بعد انشاء محاكم نورمبرج وطوكيو ويوغسلافيا ورواندا، فان العالم اليوم مطالب من خلال قادته ومنظماته وبرماناته وجمعياته الانسانية والحقوقية ورجاله الشرفاء ان يقفوا بقوة لمساندة الحق العربي لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين حتى يبرأ العالم وضميره من هذه الوحشية التي تزداد ضراوة في كل يوم، وتعويض فلسطين ولبنان التعويض العادل على ما ازهقته اسرائيل من ارواح بريئة وما دمرته من مدن ومنشآت وممتلكات اخرى، وتعويض الاشخاص المتضررين على نحو ما قامت به المانيا من دفع تعويضات للمتضررين من الحرب التي شنتها على اوروبا، ومن بينها التعويضات التي حصلت عليها اسرائيل على ما لحق باليهود، والتي ما زالت تبتز بها العالم في الوقت الذي ترتكب فيه نفس جرائم الحرب ضد شعوب المنطقة متبعة نفس النهج الذي سار عليه مجرمو الحرب من النازيين كجزء لا يتجزأ من سياستها الارهابية والعنصرية.

ـ تعويض الدول العربية عن خسائر الاشخاص والاضرار المادية والاقتصادية الناجمة عن الاحتلال الاسرائيلي

يترتب على الاحتلال الحربي اضرار كثيرة تصيب المدنيين في الاراضي المحتلة وممتلكات الدولة نتيجة عمليات التدمير والنسف والاستيلاء او المصادرة او السلب، وبانتهاء الاحتلال تثور مسألة التعويض عن الاضرار فمن يتحمل التعويض؟

تنص الفقرة 1 من م33 من اتفاقية لاهاي 1907 على (حماية جميع الاموال الخاصة في الاراضي المحتلة) اما فقرة 2 م33 فتنص على (معاقبة مرتكبي جريمة السلب والمحرضين عليها والامرين بها).

ووفقا لنص المادة 52 من اتفاقية لاهاي، تلتزم سلطات الاحتلال بدفع قيمة ما يتم الاستيلاء عليه بالنقد فورا لاصحاب الحق، واذا لم يتم الدفع فورا، فيتم اعطاء ايصال بقيمة ما تم الاستيلاء عليه على ان يدفع الايصال باسرع ما يمكن بعد ذلك، ذلك لان القاعدة القانونية تقرر ان دولة الاحتلال هي المدينة بالتعويض، والقاعدة الفقهية القائلة "ان الخطأ لا يصبح مشروع في نظر القانون".

كما تنص المادة 53 على ضرورة تعويض الاشخاص الذين يتم الاستيلاء على وسائل المواصلات المملوكة لهم والموجودة في الاراضي المحتلة فور عودة السلام، وبنفس المعنى جاءت المادة 54 من اتفاقية لاهاي.

كما جاءت معاهدة السلام التي وقعت في فرساي في 26 حزيران عام 1919 بالنص على مسؤولية المانيا عن تعويض الاضرار التي لحقت بالحلفاء ومواطنيهم خلال الحرب العالمية الاولى واحتلال المانيا لبعض الدول الاوروبية، فنصت المادة 231 من المعاهدة على اعتراف الدول بمسؤولية الاضرار التي لحقت بالحلفاء وبمواطنيهم بسبب الحرب التي وقعت نتيجة اعتداء المانيا وحليفاتها وبالتالي اصبحوا مسؤولين عن تعويض مواطني الدول المحتلة عما اصابهم من اضرار، والزام الحكومة الالمانية بتعويض الاضرار التي حدثت لمواطنيها الالمان.

وبالمثل جاء المادة 55 من اتفاقية 1949 الخاصة بحماية المدنيين فنصت على مسؤولية دولة الاحتلال عن تعويض السكان في الاراضي العربية المحتلة عن قيمة ما تستولي عليه من البضائع، وتدفع قيمة معقولة لما تستولي عليه من مواد غذائية او امدادات طبية كانت موجودة في الاراضي المحتلة.

وما تجدر الاشارة اليه ان اللاجئين الفلسطينيين لهم الحق في العودة الى اراضيهم وممتلكاتهم في فلسطين علاوة على حقهم في التعويض وفقا لقرار الامم المتحدة رقم 194 المعروف (بالحل الوسط)، وحيث تنص ف 2 م17 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان "بعدم جواز تجريد احد من ملكه تعسفا".

ووفقا لنص ف1 م42 من مشروع مسؤولية الدول الذي نوقش في لجنة القانون الدولي في دورتها 51 المعقودة في 1999، وافقت الحكومات على مبدأ الجبر الكامل المنصوص عليه في الفقرة الاولى وهي:

1ـ يحق للدول المتضررة ان تحصل من الدولة التي ارتكبت فعلا غير مشروع دوليا على جبر كامل للضرر في واحد او مجموعة من الاشكال التالية: الرد العيني، او التعويض المالي، او الترضية، او تأكيدات، وضمانات بعدم التكرار.

كما تنص ف4 م42 على ما يلي:

4ـ لا يجوز للدولة التي ارتكبت الفعل غير المشروع دوليا ان تحتج باحكام قانونها الداخلي كمبرر لعدم الجبر الكامل.

وقد تقرر في نظام روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة 75(22) جبر اضرار المجني عليهم فنصت على:

1ـ تضع المحكمة مبادئ فيما يتعلق بجبر الاضرار التي تلحق بالمجني عليهم او فيما يخصهم بما في ذلك رد الحقوق والتعويض ورد الاعتبار، وعلى هذا الاساس، يجوز للمحكمة ان تحدد في حكمها عند الطلب او بمبادرة منها في الظروف الاستثنائية، نطاق ومدى أي ضرر او خسارة او اذى يلحق بالمجني عليهم او فيما يخصهم، وان تبين المبادئ التي تصرفت على اساسها.

2ـ للمحكمة ان تصدر امرا مباشرا ضد شخص مدان تحد فيه اشكالا ملائمة من اشكال جبر اضرار المجني عليهم، او فيما يخصهم بما في ذلك رد الحقوق والتعويض ورد الاعتبار، وللمحكمة ان تأمر حيثما كان مناسبا، بتنفيذ قرار الجبر عن طريق الصندوق الاستئماني المنصوص عليه في المادة 79.

كما ان اسرائيل مسؤولة عن تنفيذ جميع القرارات التي صدرت من مجلس الامن الدولي والجمعية العامة للامم المتحدة الخاصة بفلسطين والقدس ولبنان والجولان، وفي حالة عدم وفاء اسرائيل بالتزاماتها فيجب اجبارها على تنفيذها.

وقد ادانت محكمة نورمبرج المتهمين الالمان بارتكابهم جرائم السلب والنهب ومصادرة الاموال الخاصة في الاراضي التي احتلتها المانيا في الحرب العالمية الثانية والمخالفة لقواعد اتفاقية لاهاي لعام 1907.

وقد صاغت المحكمة الدائمة في قضية معمل كروزو (مسألة الاختصاص) المبدأ العام لنتائج ارتكاب فعل غير مشروع دوليا في العبارات التالية (ان من مبادئ القانون الدولي ان انتهاك الالتزام يستتبع التزاما بجبر الضرر بشكل ملائم وبالتالي فان الجبر عنصر تكميلي لا غنى عنه في عدم تطبيق الاتفاقية ولا حاجة الى النص عليه في الاتفاقية نفسها، وبالتالي فان الخلافات المتعلقة بالجبر الواجب بسبب عدم تطبيق الاتفاقية انما هي خلافات تتعلق بتطبيقها).

وهكذا وضعت القواعد القانونية التي تقرر مبدأ التعويض عما يحدث للملكية الخاصة من اضرار واستيلاء او سلب او تدمير اثناء فترة الاحتلال الحربي، ويكون من حق السكان المدنيين في الاراضي المحتلة في لبنان او في فلسطين او في الجولان او في غيرها من الاراضي العربية،المطالبة بالتعويض المادي عن جميع الاضرار التي لحقت بهم. والاجابة المنطقية على من يتحمل التعويض، فان مسؤولية التعويض تتحملها دولة الاحتلال الاسرائيلي التي قامت قواتها المسلحة وافرادها وسلطاتها بعملية الاستيلاء وسلب وتدمير الممتلكات الخاصة بالسكان المدنيين، وقتل الاسرى المصريين.

واذا كانت اسرائيل ما زالت الى اليوم تطالب بتعويضات اليهود الذين تعرضوا للهولوكست رغم مرور اكثر من 50 عاما على احداثها، فان الاجدر بالعرب المطالبة بحقوقهم بشأن كافة الجرائم التي ارتكبتها اسرائيل منذ زمن غير بعيد وما زال آلاف الضحايا والاحياء يعانون من نتائج هذه الجرائم.


المصدر: مجلة شؤون عربية
صادرة عن جامعة الدول العربية ـ القاهرة
التاريخ : كانون الاول 2001

الهوامش:
1- د.حسين ابراهيم عبيد، القضاء الدولي الجنائي، دار النهضة العربية، 1997، ص61-62.
2- Paul Tavernier, The Experience of the International Criminal Tribunals Former Yugoslavia and For Rwanda. In review of the Red Cross, N.321,1997,p.605
3- op.cit. p.606
4- الامم المتحدة، اللجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية، PCNICC/1999/INF/3
5- الامانة العامة لجامعة الدول العربية، الادارة العامة للشؤون القانونية، الامانة الفنية لمجلس وزراء العدل العرب، الدورة السادسة عشرة لمجلس وزراء العدل العرب التي عقدت في القاهرة من 6-7/11/2001.
6- المصدر السابق.
7- البيان الختامي لمؤتمر القمة العربي غير العادي المنعقد في القاهرة في اكتوبر/ تشرين الاول عام 2000.
8- قرار مجلس الجامعة في دورته العادية رقم 115 بتاريخ 12/3/2001.
9- القرار رقم 201 مؤتمر القمة في الدورة العادية 13 التي عقدت في عمان خلال الفترة من 27-28 مارس / آذار 2001.
10- انظر في موضوع انتهاكات اسرائيل للاتفاقيات الدولية، والجرائم التي ارتكبتها في الاراضي العربية المحتلة قبل وبعد حرب عام 1967 كل من :
ـ فيليتسيا لانغر: لحظة الحقيقة، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 13، 1993، ص 49-52.
ـ د.حمدان بدر، الارهاب الصهيوني، مذبحة كفر قاسم 1956، شؤون عربية، العدد 48ن1986، ص 154.
ـ فازي السعدي، الارهاب الاسرائيلي في الاراضي العربية المحتلة 1967، شؤون عربية، العدد 48،1986، ص 166-175.
ـ د.هيثم الكيلاني، الصليبية والصهيونية، شؤون عربية، العدد 52، ص 32-53.
وانظر ايضا تقرير مفوضية الامم المتحدة السامية لحقوق الانسان (ماري روبنسون) عن زيارتها الى الاراضي الفلسطينية المحتلة، الامم المتحدة، الجمعية العامة، الدورة 55، 13 ديسمبر/ كانون الاول 2001.
11ـ د.كامل السعيد، الجزاءات المترتبة على خرق حقوق الانسان، الندوات الفكرية 6، النظام الانساني العالمي وحقوق الانسان في الوطن العربي،المنظمة العربية لحقوق الانسان، 1989، ص 89-114.
12 ـ الامم المتحدة، اللجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية، الوثيقة PCNICC/1999/INF/3
13ـ د. كامل السعيد، الجزاءات المترتبة على خرق حقوق الانسان، الندوات الفكرية، المنظمة العربية لحقوق الانسان، 1989، ص94-95.
14ـ المصدر السابق، ص95.
15ـ اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية اعتمدت وعرضت للتوقيع بقرار الجمعية العامة 2391(د-23) بتاريخ 26 تشرين الثاني 1968، وتاريخ بدء النفاذ 11 تشرين الثاني 1970.
16ـ انظر الوثيقة PCNICC/1999/INF/3
17ـ جريدة السفير اللبنانية المؤرخة في 21/2/2001.
18ـ تشكلت محكمة نورمبرج بموجب اتفاق لندن في 8 آب 1945 لمحاكمة الاشخاص الذين ارتكبوا جرائم حرب خلال الحرب العالمية الثانية.
19ـ انظر الوثيقة PCNICC/1999/INF/3 وانظر ايضا: د.محمود شريف بسيوني، المحكمة الجنائية الدولية، 2001، مطابع روز اليوسف الجديد، ص 143.
20ـ في يوليو/ تموز عام 1994 انتصرت الجبهة الوطنية الرواندية وشكلت حكومة وحدة وطنية ووجهت نداء الى المجتمع الدولي لتوعيته بمسألة فرض ردع دولي على مرتكبي اعال ابادة الجنس والمذابح ورفعت الحكومة الرواندية الى رئيس مجلس الامن رسالة طلبت فيها العمل باسرع وقت ممكن على انشاء محكمة دولية تكلف بمقاضاة المجرمين، وكان الغرض من ذلك هو اشراف المجتمع الدولي في ردع الجرائم التي تخصه بأكملها. انظر وثيقة الامم المتحدة S/994/115 ص 5، 29 ايلول 1994.
21ـ Olivier dubois Rwandas National Criminal Courts and the Int Tirbunal, Int Review of the Red Cross 1977,No.321, 71
22ـ وثيقة الامم المتحدة، اللجنة التحضيرية للمحكمة الجنائية الدولية PCNICC/1999/INF/3



د.عادل محمد البياتي
الامانة العامة لجامعة الدول العربية







رد مع اقتباس
قديم 07-01-2007, 11:29 PM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
حسن
عضو مساهم نشيط

الصورة الرمزية حسن

إحصائية العضو








آخر مواضيعي


حسن غير متواجد حالياً


افتراضي

دكتور المحاكم تحدث والمشانق تنصب فقط لنا للعرب والمسلمين

اما هؤلاء فلا تطبق عليهم العدالة ولا القانون طالما يملكون القوة لفرض ما يريدون

هذا ديدن الحياة وهذا القانون الوحيد المعمول به عالميا

ويلي مو عاجبو.................. يروح يألف مقالات عن القانون الدولي!!!!!!!!!!!!!







التوقيع

إذا كنت لا تقرأ إلا ما يُعجبك .. فإنك إذاً لن تتعلم أبداً

رد مع اقتباس
قديم 08-01-2007, 12:42 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
mira-dz
إحصائية العضو






آخر مواضيعي



افتراضي

شكرا على الموضوع يا دكتر
لكن ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ هنا السؤال







رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اجتهادات هيئة عامة محامون العددان7-8لعام 2010 احمد ابوالزين أهم الاجتهادات القضائية السورية 0 10-02-2011 12:53 AM
نحو عولمة العدالة الجنائية- رؤية بين الواقع والمأمول فهر عبد العظيم صالح أبحاث في القانون الجنائي 0 04-12-2007 07:37 PM
اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب المحامي ناهل المصري الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية 0 28-05-2006 11:40 PM


الساعة الآن 08:59 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Nahel
يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر>>>جميع المواضيع والردود والتعليقات تعبر عن رأي كاتيبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى أو الموقع