منتدى محامي سوريا

العودة   منتدى محامي سوريا > المنتدى الفقهي > أبحاث قانونية مختارة > أبحاث في الفقه الإسلامي

إضافة رد
المشاهدات 5359 التعليقات 1
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 30-08-2009, 02:50 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
المحامية علياء النجار
عضو أساسي
إحصائية العضو







آخر مواضيعي


المحامية علياء النجار غير متواجد حالياً


افتراضي التكيف الشرعي للعقود


وصلني مقال من أحد الزملاء الأكارم بعنوان " العقود وتكييفها الشرعي " .. أعجبني ...ولعد اختصاره أحببت إيراده هنا .... ورمضان كريم
*موقف التشريع الإسلامي من العقود:
قبل الحديث عن التعريف والصيغة والأنواع، أعرض لموقف القرآن والسنة من العقود عموماً.
• لقد اشتمل القرآن الكريم على آيات تثبت مشروعية العقد، وتأمر بالوفاء به والالتزام بما اتفق عليه العاقدان.
- قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) سورة المائدة (5) الآية رقم (1).

وقال عزَّ وجلَّ: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ) سورة النحل (16)، الآية رقم (91)..

وفي أحاديث رسول الله
rتوجيهٌ للالتزام بالعقود، والحرص على تنفيذها، إذ إنَّ خُلْفَ الوعدِ من النفاق.
- قال رسول الله r
: " آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ
- وقال رسول الله
r: " لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ"
*هل الوعد عقد أم لا ؟
قد يحصل بين الناس شئ من الالتزام الأدبي في إنشاء عقد في المستقبل، فهل هذا العهد والالتزام الضمني يجب الوفاء به أم لا ؟.
يشير الفقهاء إلى أن العقد يلزم الوفاء به ديانةً وقضاء، لقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وقوله عزَّ وجلَّ: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا).
أما الوعد فلا يلزم الوفاء به قضاء، بل الوفاء به مندوب إليه مطلوب ديانة، هذا مذهب جمهور الفقهاء- خلافاً لفقهاء المالكية.

دليل جمهور الفقهاء: إنَّ الالتزام بالعهد من مكارم الأخلاق، وإن الخُلف بالعهد من صفات المنافقين، قال رسول الله
r: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ"
وحذَّر القرآن الكريم المؤمنين من الوقوع في الخلف بالعهد، قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)

غير أن الالتزام الأدبي بالعقد، صار لزاماً أن يأخذ قوة في الوفاء به، وبخاصة في المعاملات المالية المعاصرة، ومن الواجب أن يعمل الفقهاء على اختيار الفتوى القاضية بجعل الوفاء بالعهد لازماً قضاءً وديانةً؛ حفاظاً على أموال الناس ومحافظة على القيم الإسلامية النبيلة.


ويُلاحظ أن القوانين الوضعية تتفق مع القول بإلزام الواعد بالوفاء، بالعقد أو بالعمل(3

* صيغة العقد:
هي: التعبير الدَّال على إرادة المتعاقدين لإنشاء العقد وإبرامه، ويسمى هذا التعبير: إيجاباً وقبولاً.
والأصل في العقود اتفاق الإرادتين، وتراضي المتعاقدين، وليست الألفاظ إلا ترجمة عن ذلك الاتفاق والتراضي، وقد أوجب الفقه الإسلامي ظهور الإرادتين بشكل واضح بّين، ولا شكَّ فيه؛ حفاظاً على الأموال والأعمال.
ولا بُدَّ من أن تتوفر في الإيجاب والقبول ثلاثة أمور أساسية:
- وضوح المعنى.
- توافق الإيجاب والقبول.
- جزم الإرادتين.
وسأكتفي بتفصيل الأمر الأول -وضوح المعنى-؛ لكون الأمرين الأخيرين مما لاشكَّ فيهما في العقود حتى تستقيم، أما وضوح المعنى فكيف يكون؟.
إن التعبير عن إرادة المتعاقدين، تكون أصلاً باللفظ أو بالقول، يقول الشاعر:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جُعِلَ اللسان على الفؤاد دليلا

ويمكن أن يقومَ مقامَ اللفظ -اللسان-، أُيُّ تصرفٍ يدل على الإرادة، سواءٌ كان بالعمل أو بالإشارة أو بالكتابة.
أما بدون صيغة للعقد أو دلالة على الإرادة فلا يتم العقد، وقد نصت مجلة الأحكام العدلية (المادتان 173- 174)(40)، والقانون المدني السوري المادة رقم (93/1) على انعقاد العقد بأي صيغة تدل عرفاً أو لغةً على إنشاء العقد، سواء بالقول أو بالفعل أو بالإشارة أو بالكتابة

واللفظ، هو الإرادة الطبيعية الأصلية في التعبير عن الإرادة الخفية؛ لسهولته وقوة دلالته ووضوحه، ولا يشترط فيه لغة معينة، إذ إنَّ أيَّ لغةٍ يفهمها المتعاقدان تكون كافية لإتمام العقد، كذا لا يشترط فيه عبارةٌ خاصة، ولا لفظٌ معين
وقد ينعقد العقد بدون قول أو لفظ، وإنما بفعلٍ يرصد من أحد المتعاقدين، أو من كليهما، ويسمى هذا في الفقه: العقد بالمعطاة وهو جائز عند جمهور الفقهاء غير فقهاء الشافعية ، وقد اتفق القانون المدني السوري المادة رقم (93/1) مع رأي جمهور الفقهاء.
والتعاقد بالإشارة فيه تفصيل ، فالإشارة إما أن تكون من ناطق أو من أخرس فإذا كان العاقد قادراً على النطق فلا ينعقد العقد بإشارته، فالإشارة لا تكون مفيدة لليقين قطعاً ولا يُلجأ إليها إلا عند الضرورة، مع أن فقهاء المالكية وفقهاء الحنابلة أجازوا التعبير عن الإرادة العقدية من الناطق بالإشارة المفهمة، ووافق القانون المدني السوري المادة رقم (93/1) على انعقاد العقد بالإشارة المتداولة عرفاً، ولو كانت من الناطق.
وإذا كان العاقد عاجزاً عن النطق كالأخرس ومعتقل اللسان، فإن كان يُحْسِنُ الكتابة فلا بُدَّ منها؛ لأن الكتابة أبلغ في الدلالة على الإرادة، وأبعد عن الاحتمال من الإشارة، فيُلجأ إليها، أما إذا كان لا يحسن الكتابة، وله إشارة مفهمة فتقوم إشارته مقام النطق باللسان باتفاق الفقهاء للضرورة، وفي مجلة الأحكام العدلية: (الإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان)
والتعاقد بالكتابة جائز، سواء كان العاقدان ناطقين أم عاجزين عن النطق، وسواء كانا حاضرين في مجلس العقد أم غائبين، وبأي لغة كانت ما دامت الكتابة مفهومة لدى الطرفين.
واشترط الفقهاء أن تكون الكتابةُ مستبينةً باقيةَ الصورةِ بعد الانتهاء منها، مرسومةً، مسطرةً بالطريقة المعتادة بين الناس ؛بذكر المرسل إليه وتوقيع المرسل.
وفي صحة العقد بالكتابة جاء في مجلة الأحكام العدلية: (الكتاب كالخطاب)، وهذا رأي فقهاء الحنفية وفقهاء المالكية.
واشترط فقهاء الشافعية وفقهاء الحنابلة لصحة العقد بالكتابة: أن يكون العاقدان غائبين.

* التعاقد بواسطة آلات الاتصال الحديثة:
مع تطور الحياة وتقدم التقنية وتوفر وسائل الاتصالات الآلية المباشرة، ظهرت مسألة البحث عن فتوى في جواز أم عدم جواز، وكيفية إيجاد المخرج الشرعي المناسب لإجراء العقود بواسطة آلات الاتصال الحديثة، مثل: إجراء العقود عبر الهاتف، وإجراء العقود عبر المراسلات الآلية؛ كالبرقيات أو بواسطة التلكس أو الفاكس [البريد المصور]أو عبر الشبكة العالمية ( الإنترنت) مثلاً.

وقد درس فقهاء العصر هذه المسألة؛ أفراداً وجماعات، من خلال أبحاث وكتب الفقه الإسلامي بثوبه الجديد، وكتاباته المعاصرة، وكان من جملة مَن تداول هذا الأمر أعضاء مجمع الفقه الإسلامي بجدة، ووصلوا إلى نتيجة مفادها جواز إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة، كون تلك الآلات تشبه المرسِل سابقاً. ثم إن اتحاد المجلس المطلوب في كل عقد لا يشترط فيه كون المتعاقدين يضمهما مكان واحد، بل يمكن تفسير اتحاد المجلس باتحاد الزمن أو الوقت الذي يكون فيه المتعاقدان مشتغلين بالعقد.

ففي المراسلات التجارية يكون مجلس العقد هو زمن وصول الرسالة من المُوْجِب إلى الراغب بالقبول، وعليه أن يُظْهِرَ قبوله وموافقته للإيجاب ليتم العقد صحيحاً، فإنْ تَأَخَّرَ القبول إلى مجلسٍ ثان لم ينعقد العقد.وفي الاتصال عبر وسائل الاتصالات الحديثة ( الهاتف، والبريد المصور) يُعَدُّ مجلس العقد هو زمن الاتصال عبر هذه الوسائل مادام الكلام مرتبطاً ومتعلقاً بشأن العقد دون سواه، فإن انتقل المتحدثان ( المتخاطبان) إلى حديث آخر انقطع مجلس العقد، ويكون الالتزام الواجب تنفيذه هو الاتفاق الذي تم خلال مجرى الحديث.

وقد أجمع الفقهاء على أن العقد يتم وينعقد بين الغائبين - كما في آلات الاتصال الحديثة- بمجرد إعلان القبول، ولا يشترط العلم بالقبول بالنسبة للطرف الموجِب

لكنْ إبعاداً لكل لَبْسٍ أو غموض، وتمكيناً من إثبات العقد، وتأكيداً لإبرامه، جرى العرف الحاضر على إرسال العرض أولاً، ثم إرسال القبول، ثم إتمام العقد.
* محل العقد:
هو ما يقع عليه العقد، أي هو المعقود عليه، الذي تظهر فيه أحكام العقد وآثاره، فهو: كل شئ طاهر منتفع به شرعاً، سواء كان عيناً أم منفعة؛ سلعة أم خدمة، ويشترط أن يكون معلومَ الوجودِ، والصفةِ، والقَدْرِ، والأَجَلِ إنْ أُجِّلَ، ويشترط أن يكون مقدوراً على تسليمه، وأن يكون سالماً من الغرر والربا، ومن كل شرط مُفْسِد.
وهذه الشروط ينبغي التنبه إليها في كل عقد يجريه المصرف ليصار إلى معرفة حكم هذا العقد إن كان موافقاً للشرع يُنَفَّذ، وإلا وجب إبطاله.

* موضوع العقد:

هو المقصد الأصلي الذي شُرِع العقد من أجله، والشرع الحنيف هو الذي يحدد مقصد كل عقد، ومع أن موضوع العقد واحد ثابت في كل فئة أو نوع من أنواع العقود، ولكنه يختلف باختلاف فئات العقود أو أنواعها، فهو في عقود البيع واحد: هو نقل ملكية المبيع للمشتري بعوض، وفي الإجارات: هو تمليك المنفعة بعوض، وفي الهبات: هو تمليك العين الموهوبة بلا عوض، وفي الإعارات: هو تمليك المنفعة بلا عوض، وهكذا…

* الإرادة العقدية:
هي القوة المولَّدة للعقد، ولها شعبتان:
1- الإرادة الباطنة، وهي النية.
2- الإرادة الظاهرة، وهي الألفاظ المعبرة عن النية.
والإرادة الباطنة لها عنصران لا تتحقق بدونهما، وهما: الاختيار والرضا، والاختيار هو القصد، والرضا هو الارتياح إلى العقد والرغبة فيه، وهو ركن جوهري في العقد هذا، وقد عوَّل فقهاء الحنفية على الاختيار فجعلوه شرطاً من شروط الانعقاد، أما الرضا، فهو شرط صحة عندهم وليس شرط انعقاد.
فإذا وجد الاختيار والرضا كان العقد صحيحاً منعقداً.
وإذا وجد الاختيار دون الرضا كان العقد منعقداً فاسداً، حتى يتم الرضا.
وأما عند جمهور الفقهاء ، فالاختيار والرضا متلازمان، بمعنى أنه لا يوجد أحدهما بدون الآخر، فالاختيار هو القصد إلى العبارات المنشئة للعقود، بحيث تكون ترجمة عما في النفس ودليلاً على الرغبة في العقد وآثاره، وهذا هو معنى الرضا.

• موقف الفقهاء من الإرادة الباطنة والظاهرة
إذا تطابقت الإرادتان كان العقد صحيحاً شرعياً، ولكن في الواقع العملي قد توجد الإرادة الظاهرة وحدها، ولا توجد معها إرادة باطنة، فما حكم العقد؟
ولن يتم تفصيل صورية العقد كلها، ولا الشك الذي قد يقع في وجود الإرادة، وإنما سيكون الحديث حول ما يخص المعاملات المالية في صورية العقد فيها أحياناً، إذ إن العاقدَّ قد يتخذ شكلاً مباحاً وسيلةً لتحقق غرض غير مباح شرعاً ، وهذا ما يسأل عنه كثير من الناس: إن العقد في ظاهره أتم الشروط والأركان، إلا أن الغرض والإرادة الباطنة فيها تحايل على الحرام، ويتخذون الرضا ذريعة لإتمام هذا العقد.
وعلى سبيل المثال: المستقرِض من المصارف يُنْظَر إلى عقده من باب الرضا، سواء كان قرضاً حسناً أم قرضاً ربوياً بفائدة، والمتبايع بالِعينة يتحايل على الربا، وفي ظاهرة العقد تمام للشروط والأركان المعتبرة في البيوع.
في الأسطر الآتية بيانٌ لرأي الفقهاء في هذه المسألة:

يندرج رأي الفقهاء في هذه المسألة تحت ما يسمى-نظرية السبب في العقود-، وللفقهاء اتجاهان في هذه القضية :
- اتجاه تُغلَّب فيه النظرة الموضوعية، والشكل الظاهر للعقد، (الإرادة الظاهرة).
- واتجاه تُلاحظ فيه النيات والبواعث الذاتية، الداخلية، (الإرادة الباطنة).
- أما الاتجاه الأول: فهو مذهب فقهاء الحنفية وفقهاء الشافعية ، وقد عوّلوا على الإرادة الظاهرة في العقود، وتعليلهم بأنَّ هذا يَجعل المعاملاتِ المالية في استقرار، أما البواعث الداخلية فهي تهدد المعاملات بالقلق.
ولا تأثير للسبب أو الباعث على العقد إلا إذا كان مصرحاً به في صيغة التعاقد، فإن لم يُصَرَّح به فالعقد صحيح لاشتماله على أركان العقد الأساسية، لكنه مكروه تحريماً عند فقهاء الحنفية حرام عند فقهاء الشافعية، بسبب النية غير المشروعة.
وأقرب مثال وأوضحه هو بيع العنب لعاصره خمراً، فهو صحيح من حيث العقد، حرام من حيث النية.
- وأما الاتجاه الآخر، فهو مذهب فقهاء المالكية وفقهاء الحنابلة، الذين يُنْظَرون إلى القصد والنية والباعث، فيُبْطِلُون التصرف المشتمل على باعث غير مشروع بشرط أن يكون الطرف الآخر عالماً بالسبب غير المشروع، أو كان بإمكانه أن يعلم بذلك من خلال الظروف والقرائن.
فإذا كان الباعث مشروعاً فالعقد صحيح، وإذا كان الباعث غير مشروع فالعقد باطل حرام؛ لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان، فيَبطل عقد بيع العنب لعاصره خمراً، ويبطل عقد فيه تحايل على الربا –كبيع العِيْنَة-، وإن كان من حيث الظاهر تامَّ الأركان والشروط.

* سلطان الإرادة العقدية:
اشتهرت على الألسنة قاعدة قانونية هي: [العقد شريعة المتعاقدين] أي إن القانون مُلْزِم لكلٍ من الطرفين المتعاقدين فيما تقضيه بنوده وشروطه وهذا يعني: إعطاء الحرية للمتعاقدين في إنشاء العقد وآثاره المترتبة عليه، دون قيد، إلا بما يسمى: النظام العام ، كما يسمح هذا السلطان للإدارة بإنشاء عقود جديدة بحسب ما تقتضيه المصالح الاقتصادية والتطورات الزمنية.
فكأن أَمْرَ العقودِ مَرَدُّه إلى العرف، لا إلى حدود الشرع الذي وَضَعَ قواعد العقد، ونظَّم أحكامها وحدَّد التزاماتها، وهذا لا يعني أن العقود التي مرجعها العرف مرفوضة، بل إن العرف مقبول إذا لم يخالف النصوص الشرعية
ومما يُلاحَظ أن عمليات المصارف هي من العقود الجديدة-غالباً-، وليست من العقود المسماة-وإن كان الأمر نسبياً-، وفي هذا البحث سيكون الحديث عن تكييف تلك الأعمال المصرفية والعمليات التعاقدية بين المصرف وعملائه ضمن حدود العقود المسماة ، فالحرية في التعاقد لا ينبغي أن تكون مطلقة، ورضائية المتعاقدين لا ينبغي أن تكون هي الأساس فقط، بل إن هذه الرضائية والحرية ضمن حدود ما أنزل الله في كتابه وما بَيَّن رسوله r
، وما يقال عن أصل العقد يقال على الشروط والآثار المترتبة عليه، وفي الأسطر الآتية بيان لهذا الموضوع.

*حرية التعاقد و رضائيته:
الرضا هو أساس العقود ، دليل ذلك:
- قول الله تعالى: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم)
- وقول رسول الله
r: " إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ"، وقوله r: " لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْءٌ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ "

مما سبق يُعْلَمُ أن مجرد التراضي هو الذي يولِّد العقد والتزاماته، دون الحاجة لممارسة شكلية معينة، وأن الإرادة حرة في إبرام العقود دون خضوع لإكراه، إلا في بعض الحالات الاستثنائية
* والعقود المصرفية تُبْرَم وتنعقد برضا المصرف، ورضا العميل غالباً، إذ العميل يوافق على الشروط التي يضعها المصرف، وعلى النموذج الذي يحرره المصرف، وربما لا يكون ذلك بكامل الرضا عند العميل، لذا يرى شُرَّاح القانون أن العقود المصرفية تتسم بالإذعان والرضوخ لرأي المصرف، فأدرجوها ضمن عقود الإذعان – في الغالب- نظراً لتعذر مناقشة الشروط الجوهرية والشكلية أيضاً في العقد المبرم
والذي يذكره القانونيون يستدعى الانتباه إلى أن العقود المالية بخاصة ينبغي أن تكون بدون إذعان؛ برضائية الطرفين وبكامل حريتهما، وهذا ما يؤكد ضرورة أن تكون العقود المصرفية شرعية، متوافقة مع أصول الشرع وقواعد الدين، إذ إن العقود عندما تكون مستندة إلى أحكام الشريعة فإنها تحقق المصالح للناس، وما يحقق المصالح ليس فيه استغلال ولا ظلم، بل هو تعاون وتضامن.

وإذا كان الرضا هو الأساس، فهل هناك حرية في التعاقد واختيار النظام المناسب لإنشاء العقود أم هناك قيود؟ وبمعنى آخر: الأصل في العقود الحظر والمنع، أم الإباحة والفسح؟.

للفقهاء رأيان
*الرأي الأول: لفقهاء الظاهرية، القائلين بأن الأصل في العقود المنع حتى يقوم دليل على الإباحة، بمعنى أن كل عقد لم يثبت جوازُه بنص شرعي، فهو باطل ممنوع، ودليلهم:
1- إن الشريعة شاملة لكل شيء، وقد بيّنت ما يحقق مصالح الأمة، ومنها العقود، وأقامتها على العدل، وليس من العدل ترك الحرية للناس في عقدِ ما يريدون من العقود، وما يشاؤون من تصرفات، وإلا هُدِمَت الشريعة.
2- قول رسول الله r
: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ"، وإذا تعاقد الناس بعقد لم يَردْ في الشريعة فقد أحلُّوا أو حرَّموا غير ما شرع الله.
*والرأي الآخر: لبقية الفقهاء، القائلين بأن الأصل في العقود الإباحة ما لم يمنعها الشرع أو تخالف نصوص الشريعة، ودليلهم:
1- إن الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة التي ذكرت العقود والتجارة والتبادل لم تشترط لصحة العقد إلا الرضا والاختيار.
2- قول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، فقد أوجبت هذه الآية الوفاء بكل عقد دون استثناء.
3- يَكفي في المعاملات ألا تُحَرِّمَها الشريعة؛ استصحاباً للمبدأ الأصولي، وهو: [الأصل في الأفعال والأقوال والأشياء هو الإباحة]؛ لأن القصد في المعاملات رعاية مصالح الناس، فكل ما يحقق مصالحهم يكون مباحاً.
وبإنعام النظر في هذين الرأيين، يمكن القول:
إنَّه يصح التعامل بعقود جديدة لم تُعْرَف سابقاً، وذلك إما عن طريق قياسها على ما سبق، أو عن طريق الاستحسان، أو بالأخذ بمبدأ العرف الذي لا يصادم أصول الشريعة، ولا يخالف مبادئ الإسلام.
فالالتزام بالشريعة- وبخاصة في مجال المعاملات- يكون في الأهداف والغايات والمقاصد، أما الوسائل وشكليات العقود، فيمكن أن تتغير إذا كانت تحقق مصالح العباد في المعاش والحياة، وترفع الحرج عنهم؛ بعيداً عن الباطل والحرام
إذاً، فالأصل الفقهي في المعاملات هو: الحل، وليس الحرمة، ولا تَحْرُم معاملة إلا إذا بانت مخالفتها للنص الشرعي، ولا يَبْطُل عقدٌ إلا إذا اتضح ضرره، فالشريعة لم تحَصِرْ التعاقد في موضوعات يمنع تجاوزها إلى موضوعات أخرى ، وكل ما قيدته الشريعة هو منع الضرر والظلم والاستغلال.
ومن الواضح أن المعاملات المصرفية ليس فيها ما يعوق أو يحول دون تقبلها في إطار الفقه الإسلامي؛ من ناحية كونها عقوداً أو معاملات جديدة غير معروفة عند الفقهاء الأقدمين، وكل ما يجب مراعاته هو التأكد من كون هذه العقود الجديدة لا تنطوي على مخالفة، أو تَعارُضٍ مع مقاصد الشريعة وأهدافها.
فالشريعة جاءت بكل ما فيه خيرُ العباد، وليس في شئ من أحكامها تضييق ولا حرج على الأمة، إذ إن أحد أسس التشريع الإسلامي : عدم الحرج وعدم التضييق.

يشهد لذلك القرآن والسنة النبوية:

* أما القرآن فقول الله تبارك وتعالى: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ).
وقوله عزَّ وجلَّ: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ)
وقوله جلَّ ذكره: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)
وقد جاءت هذه المعاني السامية ضمن أحاديث رسول الله
r.
فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ
r بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ r لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا"
وعن أبي موسى الأشعري قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
r إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا"
وفي بيان سهولة تعاليم الإسلام، ويسر التشريع، ورفع الحرج، وعدم التضييق، يقول ابن القيم

[إن الشريعة مبناها وأساسُها على الحِكَم ومصالح العباد، في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإنْ أُدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله r أتم دلالة وأصدقها]

ويحسن أن أختم هذا الجزء من البحث بإيراد قاعدة تحكم العقود، وتضبط العمليات المالية والأعمال المصرفية لتكون منهاجاً لدراسة التطبيقات القادمة، وقد ذُكِرَتْ هذه القاعدة الذهبية في كلام ابن القيم: [الأصل في العقود كلها إنما هو العدل الذي بُعِثَتْ به الرسل وأُنْزِلَت الكتب]، قال الله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ).

* تصنيف العقود:
بعد بيان تعريف العقد وموضوعه، والقاعدة الحاكمة له، فيما يلي بيان لتصنيف العقود، والذي يتبع لاعتبارات مختلفة حاول الباحث تجميعها في أربعة عشر تقسيماً:

- التقسيم الأول: أنواع العقود عموماً ثلاثة :

1 – عقد فطري: مُوْثَقٌ بين العباد ورب العباد - الخالق جلَّ جلاله-، كما في قوله تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)
2 – عقد تكليفي: وهو الذي يرد بصيغة الأمر والنهي، قال الله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

3 – عقد عرفي: وهو ما تعارف عليه الناس في معاملاتهم بصرف النظر عن التوثيق لدى موظف مختص ليكون رسمياً، وإنما يُكْتَبُ في الوقت الحاضر لدى الدوائر الحكومية درء اً للمفاسد.

- التقسيم الثاني: أنواع العقود بالنظر إلى مشروعيتها وعدمها صنفان عند الجمهور

1 – عقود مشروعة، وهي ما أجازها الشرع الإسلامي وأَذِنَ بها؛كالبيع، والرهن، والهبة…
2 – عقود ممنوعة، وهي التي منعها الشرع الإسلامي ونهى عنها؛كبيع الأجنة في بطون أمهاتها، والبيع الربوي وغيرهما، والعقود الممنوعة تعدّ باطلة غير منعقدة أصلاً عند جمهور الفقهاء، والتصنيف نفسه عند فقهاء الحنفية ثلاثة أقسام :
1 – عقود مشروعة: وهي ما شرعت بأصلها ووصفها.
2 – عقود باطلة: وهي ما لم تشرع بأصلها ولا بوصفها.
3 – عقود فاسدة: وهي ما شرعت بأصلها دون وصفها.

- التقسيم الثالث: بالنظر إلى صحة العقد وعدمها صنفان :

1 – عقود صحيحة: وهي ما توافرت فيها جميع شرائطها الشرعية العامة والخاصة، في أصلها وفي نواحيها الفرعية – في أصلها ووصفها – كبيع المال المتقوم بثمن معلوم نقداً أو نسيئة.
2 – عقود فاسدة: وهي التي اختلت بفقدان بعض شرائطها المتعلقة ببعض نواحيها الفرعية – فهي مشروعة بأصلها دون وصفها –؛ كبيع الشي بثمن مجهول.

- التقسيم الرابع: أنواع العقود بالنظر إلى تسميتها وعدمها صنفان :

1 – عقود مسماة: هي التي أقرَّ التشريع لها اسماً يدل على موضوعها الخاص، وأحكاماً أصلية تترتب على انعقادها؛ كالبيع والهبة والإجارة والشركة…
2 – عقود غير مسماة: هي التي لم يُصطلَح على اسم خاص لموضوعها، ولم يُرَتِّب التشريع لها أحكاماً تخصها، وهي كثيرة لا تنحصر، وتتنوع بحسب حاجة العاقد والموضوع المتفق عليه ضمن الغايات المشروعة


وقد نشأت في الفقه الإسلامي عقود جديدة في عصور مختلفة، وأطلق عليها الفقهاء أسماء خاصة، وقرروا أحكامها، فأصبحت عقوداً مسماة، وقد تبقى بعض العقود زمناً بلا أسماء إلى أن يُصطلح لها على اسمٍ خاص.
وثمرةُ تسميةِ العقود تسهيليةٌ محضةٌ، بحيث تُسَهِّل على الناس تعاملهم، إذ إن العقدَ المسمى كثيرُ الشيوع بين الناس في معاملاتهم، فيكون له في التشريع نصوص تُفَصِّل أحكامه؛ ليسهل الرجوع إليه.

- التقسيم الخامس: أنواع العقود بالنظر إلى محلها-المعقود عليه-خمسة أصناف تبعاً للقانون المدني السوري والمصري، وقد جاراهما القانون المدني الأردني :

1- العقود التي تقع على الملكية، وتشمل: البيع والمقايضة والهبة والشركة والقرض والدخل الدائم والصلح .
2- العقود الواردة على الانتفاع بالشيء، وتشمل: عقد الإيجار، بما فيه المزارعة، والوقف، والعارية.
3- العقود الواردة على العمل، وتشمل: عقد المقاولة، وعقد العمل، والوكالة، والوديعة، والحراسة

4- عقود الغرر، وتشمل: المقامرة، والرهان، والمرتب مدى الحياة، وعقد التأمين.
5- الكفالة

ويضاف إلى هذه الأقسام الخمسة أمران
1- عقد الحوالة
2- عقد الرهن
ويُذْكَر أن ترتيب العقود في الفقه الإسلامي كان ترتيباً كيفياً في كتب الفقه، تبعاً لرغبة المصنف، ويكاد الفقهاء يُجمِعُون على البدء بعقد البيع؛ نظراً لأهميته، وكثرة استعماله، وشيوع انتشاره، ومزيد الحاجة إليه.

- التقسيم السادس:أنواع العقود من حيث التكوين صنفان

1 – عقود شكلية: تخضع في عقدها لشيء من الشرائط الشكلية، وتُعَدُّّ الأعمال المصرفية والمعاملات والعقود فيها لها أشكال معينة ونماذج خاصة، وإجراءات محددة.
2 – عقود رضائية غير شكلية: وهي التي لا تخضع في انعقادها إلا لمجرد التراضي، وهي عقود كثيرة يستعملها الناس، وغالباً ما تكون في المسائل المالية العادية ذات الأثمان المتوسطة وما دون.

- التقسيم السابع: أنواع العقود بالنظر إلى النفاذ صنفان
1 – عقود نافذة: وهي العقود التي صدرت من كامل الأهلية، وخالية من كل حق لغير العاقدين يوجب توقفها على إرادته.
2 – عقود موقوفة: وهي التي تصدر من ناقص الأهلية، وتحوي حقاً لغير العاقدين يوجب توقفها على إرادة الآخر وإجازته.

- التقسيم الثامن: أنواع العقود بالنظر إلى اللزوم وقابلية الفسخ أربعة أصناف

1 – عقد لازم بحق الطرفين، ولا يقبل الفسخ بطريق الإقالة، وهو عقد الزواج.
2 – عقود لازمة بحق الطرفين، ولكنها تقبل الفسخ والإلغاء بطريق الإقالة أي باتفاق العاقدين، كالبيع والإجارة…
3 – عقود لازمة بحق أحد الطرفين فقط، كالرهن والكفالة؛ فإنهما لازمان بالنسبة إلى الراهن والكفيل، وغير لازمين بالنسبة إلى الدائن المرتهن والمكفول له.
4 - عقود غير لازمة أصلاً بحق كلا الطرفين، وهي التي يملك كل منهما فيها حق الرجوع والإلغاء، كالإيداع والإعارة والوكالة.


- التقسيم التاسع: بالنظر إلى تبادل الحقوق ثلاثة أصناف :

1 – عقود المعاوضات: وهي التي تقوم على أساس إنشاء وجائب متقابلة بين العاقدين يأخذ فيها كل من الطرفين شيئاً ويعطي في مقابله شيئاً؛ وذلك كالبيع والإجارة.
2 – عقود التبرعات: وهي التي تقوم على أساس المنحة أو المعونة من أحد الطرفين للآخر؛ كالهبة والإعارة.
3 – عقود تحوي معنى التبرع ابتداءً، والمعاوضة انتهاءً؛كالقرض، والكفالة بأمر المدين…

- التقسيم العاشر: بالنظر إلى الضمان وعدمه ثلاثة أصناف :

1 – عقود ضمان: وهي التي يُعتبر المال المنتقل، بناء على تنفيذها، من يد إلى يد مضموناً على الطرف القابض له، فمهما يصبه من تلف فما دونه، ولو بآفة سماوية، يكن على مسؤوليته وحسابه،ومن هذه العقود: البيع، والقرض…
2 – عقود أمانة: وهي التي يكون المال المقبوض في تنفيذها أمانة في يد قابضه لحساب صاحبه، فلا يكون القابض مسؤولاً عما يصيبه من تلف فما دونه إلا إذا تعدى عليه أو قصّر في حفظه، من هذه العقود: الإيداع، والإعارة، والوكالة، والشركة…
3 – عقود مزدوجة الأثر: إذ تُنْشِئُ الضمان من وجه، والأمانة من وجه، من هذه العقود: الإجارة، والرهن.

- التقسيم الحادي عشر: بالنظر إلى غاية العقد سبعة أصناف :
1 – التمليكات، وهي ما يقصد بها تمليك شئٍ، عين أو منفعة، فإن كان التمليك بعوض فهي عقود المعاوضات؛كالبيع والإجارة…، وإن كان التمليك مجاناً بغير عوض فهي عقود التبرعات؛كالهبة والوقف…
2 – الإسقاطات: وهي ما يقصد بها إسقاط حق من الحقوق، فإن كان الإسقاط بدون بدل من الطرف الآخر فهو الإسقاط المحض؛كالإبراء عن الدَين، والتنازل عن حق الشفعة.
- وإن كان الإسقاط ببدل أو عوض من الطرف الآخر، فهو إسقاط المعاوضة؛ كالصلح في الدين والعفو عن القصاص بالدية.
3 – الإطلاقات، هي إطلاق الشخص يد غيره في العمل؛كالوكالة والإذن للصغير المميز بالتجارة.
4 – التقييدات، هي منع الشخص من التصرف؛ كعزل الوكيل، والحجر على المأذون بالتجارة؛ بسبب الجنون أو العته أو السفه أو الصغر.
5 – التوثيقات، وهي التي يقصد بها ضمان الديون لأصحابها،وتأمين الدائن على دينه، وهي الكفالة والحوالة والرهن، وتسمى هذه العقود (التأمينات أو عقود الضمان).
6 – الاشتراك، وهي التي يقصد بها المشاركة في المال والعمل والربح؛كعقود الشركات بأنواعها، ومنها المضاربة والمزارعة والمساقاة.
7 – الحفظ، وهي التي يراد منها حفظ المال لصاحبه؛كعقد الإيداع، وبعض خصائص الوكالة.

- التقسيم الثاني عشر: بالنظر إلى الفورية والاستمرار صنفان :

1 – عقود فورية، وهي التي لا يحتاج تنفيذها إلى زمن ممتد يشغله باستمرار؛ بل يتم تنفيذها فوراً دفعة واحدة في الوقت الذي يختاره العاقدان؛كالبيع ولو بثمن مؤجل، والقرض، والهبة.
2 – عقود مستمرة، وهي التي يستغرق تنفيذها مدة ممتدة من الزمن، بحيث يكون الزمن عنصراً أساسياً في تنفيذها؛كالإجارة، والإعارة، والوكالة، وعقود التوريد، ويمكن تسميتها عقوداً زمنية.

- التقسيم الثالث عشر: بالنظر إلى الأصلية والتبعية صنفان :
1 – عقود أصلية، وهي كل عقد يكون مستقلاً في وجوده غير مرتبط بأمر آخر على سبيل التبعية له في الوجود والزوال، وذلك كالبيع، والإجارة، والإيداع…
2 – عقود تبعية، وهي كل عقد يكون تابعاً لحق آخر ومرتبطاً به في وجوده وزواله كاتصال الفرع بأصله، وذلك كالرهن والكفالة.

- التقسيم الرابع عشر: أنواع العقود من حيث الموضوع صنفان :

1 – العقد البسيط: وهو الذي يشتمل على عقد واحد فقط؛ كعقد البيع، والإجارة، والقرض، والوكالة، ونحوها.
2- العقد المختلط: وهو الذي يشتمل على أكثر من عقد واحد؛ كما في العقد بين صاحب الفندق والنازل فيه، فهو مزيج من عقد إيجار –بالنسبة للمَسْكَن، وبيع- بالنسبة للمأكل-، وعمل- بالنسبة للخدمة-، ووديعة- بالنسبة للأمتعة-.



----------------------------------------------------------













التوقيع

وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ، أتصبرون ؟
رد مع اقتباس
قديم 06-06-2010, 01:56 AM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
وسيم الماكن
عضو مساهم نشيط
إحصائية العضو







آخر مواضيعي


وسيم الماكن غير متواجد حالياً


Ic9 رد: التكيف الشرعي للعقود

فتاوىعامة
سلطة سن القوانين وطاعة الرعية
موقع القرضاوي/10-2-2010
-السؤال: أصدرت بعض الحكومات في الآونة الأخيرة قانونًا بشأن إيجار المساكن ، حددت فيه العلاقة بين المؤجر والمستأجر ، ولم تجز الزيادة في الأجرة إلا بنسبة معينة في مدة معينة ، كما لم تجز للمالك إخراج المستأجر إلا في حدود وبشروط خاصة .
فهل تجيز الشريعة الغراء للحكومة المسلمة أن تصدر مثل هذا القانون ؟ وهل يجب على الشعب التقيد به شرعًا ؟ أم هل يجوز لبعض الناس الخروج على هذا القانون ، وعدم التقيد به بدعوى أنهم أحرار التصرف في أملاكهم ؟ مع أن هؤلاء الناس في ظاهرهم متدينون ، ويصلون ويصومون ، ويحجون ويعتمرون ؟
نرجو التكرم ببيان رأي الشرع في مثل هذا الموقف ، حتى نعرف ويعرفوا الحلال من الحرام .. وشكرًا .
-الفتوى:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
فالأحكام في الشريعة الإسلامية نوعان، نوع ثابت لا يقبل الاجتهاد ولا التجديد لا من الحاكم ولا من المحكوم، وهذا كالعقائد والعبادات وأصول التشريع، وغيرها، وهذا لا يملك الحاكم تغييره ولا تبديله، وإن غيره أو بدله فلا طاعة للرعية له في أمر يهدم ثابتا من ثوابت الدين.
والنوع الثاني وهو المتغير الذي يتغير باختلاف الظروف والأحوال والعادات وكذلك المباحات فللحكام ـ بعد الرجوع لأهل الحل والعقد وبمراعاة مصالح الناس ودون الخروج أو الاصطدام بالثوابت ـ لهم أن يغيروا هذه الأحكام أو يقيدوا المباح أو يقننوا المصالح وعلى الرعية السمع والطاعة في هذه المسألة .
يقول فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي[1]:
إن من خصائص الشريعة الغراء أن في أصولها وقواعدها من المرونة والسعة ومراعاة الواقع، ما يجعلها كفيلة بمواجهة كل جديد من أطوار الحياة ومشكلاتها، بالعلاج الناجح، والحل الحاسم العادل .
وقد أدرك فقهاؤنا - رحمهم الله - حتى في العصور المتأخرة هذه المزية الظاهرة للشريعة، وهي (المرونة) و(الواقعية) فلم يجمدوا كالصخر أمام تطورات الحياة، وتغير أخلاق الناس، الذي يعبرون عنه بفساد الزمان، ولهذا وسعوا علي القضاة والحكام في أمور السياسة الشرعية وتدبير أمر الرعية، بما يحقق العدل، ويرفع الظلم، ويقطع دابر الفساد .
يقول العلامة الحنفي علاء الدين الطرابلسي في كتابه (معين الحكام)
" قال القرافي: واعلم أن التوسعة على الحكام، في الأحكام السياسة، ليس مخالفًا للشرع، بل تشهد له الأدلة المتقدمة، وتشهد له أيضًا القواعد الشرعية من وجوه :
أحدهما:أن الفساد قد كثر وانتشر، بخلاف العصر الأول، ومقتضى ذلك اختلاف الأحكام، بحيث لا تخرج عن الشرع بالكلية، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا ضرر، ولا ضرار " وترك هذه القوانين يؤدي إلى الضرر، ويؤكد ذلك جميع النصوص الواردة بنفي الحرج .
وثانيها:أن المصلحة المرسلة قال بها جمع من العلماء، وهي المصلحة التي لم يشهد الشرع باعتبارها ولا بإلغائها . ويؤكد العمل بالمصالح المرسلة، أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، عملوا أمورًا لمطلق المصلحة، لا لتقدم شاهد بالاعتبار، نحو: كتابة المصحف، ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير، ولاية العهد من أبي بكر لعمر رضي الله عنهما، ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير . . وكذلك ترك الخلافة شورى بين ستة . . وتدوين الدواوين وعمل السكة (النقود) للمسلمين . . واتخاذ السجن، وغير ذلك، مما فعله عمر رضي الله عنه، وهدم الأوقاف التي بإزاء المسجد - يعني مسجد النبي - عليه الصلاة والسلام - والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه، وحرق المصاحف، وجمعهم على مصحف واحد، وتجديد أذان في الجمعة بالسوق، مما فعله عثمان رضي الله عنه، وغير ذلك كثير جدًا، فعل لمطلق المصلحة .
وثالثها: أن الشرع شدد في الشهادة أكثر من الرواية، لتوهم العداوة، فاشترط العدد والحرية، ووسع في كثير من العقود للضرورة، كالعرايا والمساقاة، والقراض، وغيرها من العقود المستثناة، وضيق في الشهادة في الزنى، فلم يقبل فيه إلا أربعة يشهدون بالزنى كالمرود في المكحلة، وقبل في القتل اثنين، والدماء أعظم، لكن المقصود الستر، ولم يحوج الزوج الملاعن إلى بينة غير أيمانه، ولم يوجب عليه حد القذف، بخلاف سائر القذفة، لشدة الحاجة في الذب عن الأنساب وصون العيال والفرار عن أسباب الارتياب، وهذه المباينات والاختلافات كثيرة في الشرع، لاختلاف الأحوال في الأزمان، فتكون المناسبة الواقعة في هذه (القوانين السياسية) مما شهدت لها القواعد بالاعتبار، فلا تكون من المصالح المرسلة، بل أعلى رتبة، فتلحق بالقواعد الأصلية .
ورابعها: أن كل حكم في هذه القوانين، ورد دليل يخصه، أو أصل يقاس عليه، فإن لم نجد في جهة إلا غير العدول أقمنا أصلحهم، وأقلهم فجورًا للشهادة عليهم، ويلزم مثل ذلك في القضاة وغيرهم، لئلا تضيع المصالح، وتتعطل الحقوق والأحكام، وما أظن أنه يخالفه أحد في هذا، فإن التكليف مشروط بالإمكان، وإذا جاز نصب الشهود فسقة، لأجل عموم الفساد، جاز التوسع في الأحكام السياسية، لأجل كثرة فساد الزمان وأهله، وقد قال عمر بن عبد العزيز: يحدث للناس أقضية، بقدر ما أحدثوا من الفجور .
قال القرافي:
ولا نشك أن قضاة زماننا وشهودهم وولاتهم وأمناءهم لو كانوا في العصر الأول، ما ولوا ولا حرج عليهم، وولاية هؤلاء في مثل ذلك العصر فسوق، فإن خيار زماننا هم أراذل ذلك الزمان، وولاية الأراذل فسوق فقد حسن ما كان قبيحًا، واتسع ما كان ضيقًا، واختلف الأحكام باختلاف الأزمان .
وخامسها:أنه يعضد ذلك من القواعد الشرعية، أن الشرع وسع للمرضع في النجاسة اللاحقة لها من الصغير مما لم تشاهده، كثوب الإرضاع، ووسع في زمان المطر، في طين المطر، كما ذكره محمد في طين بخاري، على ما فيه من القذر والنجاسة، ووسع لأصحاب - القروح في كثير من نجاستها، ووسع لصاحب البواسير في بللها، وجوز الشارع ترك أركان الصلاة وشروطها إذا ضاق الحال، كصلاة الخوف ونحوها، وذلك كثير في الشرع، ولذلك قال الشافعي: " ما ضاق شيء إلا اتسع "، يشير إلى هذا الموطن، فكذلك إذا ضاق علينا الحال، في درء المفاسد، اتسع كما اتسع في تلك المواطن .
ومن هنا نقول:إن من واجبات الحكومة المسلمة أن تنظم علاقات الناس على أسس سليمة، فتضع من الأنظمة والقوانين ما يحقق العدل ويرفع الظلم، ويشيع الطمأنينة والاستقرار بين الناس، ويزيل أسباب النزاع والخصام من بينهم، وفقًا لما أوجبه الشرع من إقامة المصالح، ودرء المفاسد عن الخلق . ولا يجوز أن تنحاز الحكومة لفئة من المجتمع ضد أخرى، بل يكون عدلها للجميع.
هذه وظيفة أولي الأمر . . وهذا هو واجبهم الذي تحتمه السياسة الشرعية، بمفهومها الواسع ، وإقامة العدل بين الناس من أعظم الغايات التي أرسل الله الرسل لتحقيقها، وأنزل الله بها الكتب، يقول تعالى في سورة الحديد: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). (الحديد آية: 25) .
لقد أمر الله عز وجل بالعدل، ومن أسمائه الحسنى " الحكم العدل " فكل ما يحقق العدل بين الناس، وكل ما يزرع المحبة والطمأنينة والثقة بينهم، أمر يحبه الله ويأمر به دينه وشريعته (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) (الأعراف: 29)، ومن واجب الدولة المسلمة أن تحرص عليه وتتحرى إقامته في البلاد .
ومن واجب الرعية أن يطيعوا هذا الأمر، ويسمعوا له، فالدين يأمرهم بهذا، فقد خاطب الله تعالى المؤمنين بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). (النساء: 59) .
وطاعة أولي الأمر إنما تكون في المعروف، وفيما ليس معصية، ذلك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
والقانون الصادر من أجل مصلحة المجتمع، ومن أجل إقامة الحق والعدل فيه فهذا يجب طاعته دينًا، ومن خالفه، شأنه شأن من خالف أي أمر من أوامر الدين. ومن هنا جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " السمع والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ".
فانظر هنا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: " فيما أحب وكره ".
فإن بعض الناس يسمع ويطيع إذا كان الأمر في مصلحته . أما إذا تعارض مع مصلحته وأهوائه الشخصية، فإنه يعصي أو يتحايل على القانون ليفلت من قيوده المنصوص عليها . . وكأنه يريد من القوانين أن توافق هواه دائمًا وألا تتعارض مع مصلحته الخاصة في بند من بنودها .
إن مصالح الناس ورغباتهم كثيرًا ما تتعارض وتتضارب، ومهمة ولي الأمر هي المحاولة للتوفيق بين المصالح، والموازنة بين المنافع والمضار، فالقانون الذي يحقق منفعة لأكبر عدد من الناس هو الذي يتفق مع العدل، ولذلك كان سيدنا عمر وغيره من الصحابة يفعلون هذا بحكم السياسة الشرعية، ويبتغون دائمًا تحقيق المصلحة لأكبر عدد من الناس . فمثلاً رأي عمر أن الذبائح أقل من حاجة المستهلكين، فحرم على الجزارين أن يذبحوا في يومين متتاليين، لتتوافر الذبائح في بقية الأيام . . فولي الأمر من حقه أن يقيد بعض المباحات إذا كان في ذلك مصلحة راجحة . . ومن هنا كان عمر يذهب بنفسه إلى مجزرة الزبير بن العوام ويراقب ليتأكد أن أحدًا لم يذبح في اليوم الذي يحظر فيه الذبح . . ذلك من أجل أن تتوافر اللحوم في الأيام الأخرى .
وهكذا نجد أن القوانين التي تُسن لتحقيق مصالح الناس، ولتحفظ بينهم الأمن والاستقرار يجب طاعتها والعمل بمقتضاها . أما أن يأتي بعض الناس ويقول: أنا حر في ملكي - أتصرف فيه كما أشاء، ولو أدي ذلك إلى مخالفة القانون . . هذا بطبيعة الحال خطأ فالإنسان ليس حر التصرف بحيث يفعل في ماله ما يشاء . . ولعل هذه هي النظرية التي قالها قوم " شعيب " حينما قال لهم: (أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (هود: 85). فقالوا له حينئذ: (يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ). (هود: 87(
وظاهر أن منطقهم منطق أعوج . . وهذه هي الرأسمالية الباغية، التي تعطى لصاحب المال الحرية المطلقة للتصرف في ماله كما يشاء . . أما الإسلام فغير هذا تمامًا . . فالحقيقة أن الإنسان مستخلف في ماله، وهذا أساس فكرة الاستخلاف في الاقتصاد الإسلامي، ومفادها أن الإنسان ليس مالكًا حقيقيًا للمال، فالمال مال الله، وإنما هو مستخلف فيه، يعني أنه وكيل فيه - استخلفه الله ووكله على هذا المال، ليرعاه، وينفق منه في الوجوه الشرعية، ولهذا يقول تعالى: (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) (الحديد: 7). فالمال حقيقة مال الله، كما قال تعالى: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ) (النور: 33). (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ). (آل عمران: 180).
من الذي خلق المال ؟ من خلق مادته ؟ وهيأه للانتفاع به ؟ إنه الله .
إذا زرعت زرعا، فمن الذي أنبته ؟ (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الواقعة: 64) . من الذي فجر الماء من الأرض ينبوعًا، أو أنزله من السماء أمطارًا ؟
من الذي جعل النبته في الأرض تأخذ مقادير معينة محددة من الغذاء والأملاح، فتكون هذه حلوة، وهذه مرة، وهذه مالحة ؟ إنه الله .
كذلك إذا كنت تاجرًا، من الذي سخر الرياح تجري في الأرض، والفلك تجري في البحار، ومن الذي سخر الناس ليشتروا منك ويبيعوا لك؟ إنه الله .
وهكذا . . فالمال، والأسباب التي يأتي عن طريقها المال، كلها من الله وبتسخير منه سبحانه . ..
إن المال - باعتبار الأصل - هو مال الله . وادعاء الإنسان بأن المال ماله هو ادعاء باطل .
وهو - باعتبار آخر - مال الجماعة أيضًا . فقد أسهمت الجماعة كلها ولا شك في تكوينه وتنميته، بجهود مباشرة وغير مباشرة، منهم من ساهم من قريب، ومنهم من ساهم من بعيد . والمرء وحده لا يستطيع أن يزرع ولا أن يصنع، ولا أن يتاجر، فلولا المجتمع ما كان الفرد . ومن هنا نفهم سر إضافة الأموال إلى جماعة المخاطبين في قوله تعالى في سورة النساء: (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ). (النساء: 5) .
أي إذا كان هناك سفيه، يتصرف في المال بغير وعي وبغير عقل، يبعثره ذات اليمين وذات الشمال، فهذا يجب أن يحجر عليه، فلا يعطي ماله . ولكن حينما يعبر القرآن عن هذا المعنى قال: (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ. .) مع أن العقود الرسمية تنص على أنها " أموالهم " ولكن المعنى المراد: أنها أموال الجماعة المسلمة، لأن السفيه إذا بدد ماله فإنما يبدد مال الجماعة كلها، والضرر لا يعود على الشخص وحده بل يشمل المجموعة من حوله ومن ورائه .
ومن هنا كانت عناية الإسلام بالأموال، فالذي يقول: إن هذا مالي وأنا حر فيه، ولا أحد يقيدني . . مخطئ فيما يقول . . وهو يرتكب حرامًا إذا خالف هذا القانون ؟ لأنه صاحب قوة أو صاحب نفوذ . . بل عليه أن يطيع القانون ويمتثل لأمر الدولة في هذا الشأن، لأنه من الطاعة المعروفة .
إن الدين يأمر بحسن المعاملة، حتى اشتهر بين المسلمين أن " الدين المعاملة " وهذا يقتضيك ألا تظلم أحدًا بل أن تحاول الإحسان إلى غيرك من الناس . إن الذين يخالفون القانون الذي يحفظ الحقوق ويقر العدل ويقيم ميزانه هؤلاء يعتبرون شرعًا مخالفين للدين نفسه، لأن الدين يأمر بطاعة مثل هذه القوانين التنظيمية ما دامت بالمعروف وفي غير معصية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
والله أعلم







التوقيع

ما خاب من استشار وما ندم من استخار

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اجتهادات هامة أحوال ردين حسن جنود أهم الاجتهادات القضائية السورية 3 12-11-2018 09:31 AM
التحكيم الشرعي المحامية لما وراق أبحاث في الأحوال الشخصية وقوانين الأسرة 0 02-03-2011 01:13 PM
اجتهادات عقارية حول العقارات والنوع الشرعي المحامي علي عبد الرحيم أهم الاجتهادات القضائية السورية 0 11-07-2010 10:07 PM
أسباب التبرير في قانون العقوبات المحامي حازم علوش أبحاث في القانون الجنائي 7 17-06-2010 08:13 PM
التكييف الشرعي للاسم التجاري المحامية علياء النجار أبحاث في الفقه الإسلامي 0 21-10-2008 09:39 PM


الساعة الآن 12:55 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Nahel
يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر>>>جميع المواضيع والردود والتعليقات تعبر عن رأي كاتيبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى أو الموقع